page 1624, entry [609]Open original source
أَرَسْلَان التُّرْكِيّ، أبو الحَارِث - وقيل: أبو مَنْصُور - البَسَاسِيْرِيُّ (¬١) مَنْسُوبُ إلى بَسَا بَلْدَةٍ بفَارَس، والعَرَبُ تُسَمِّيها فَسَا، ويَنْسُبُون إليها فَسَويّ، وأهْلُ فَارِس يقولون بَسَا بين البَاء والفَاءِ، ويَنْسبُونَ إليها البَسَاسِيرِيّ. وكان مَوْلاهُ رَجُلٌ من أهل بَسَا، فنُسِبَ الغُلَامُ إليه، واشْتَهر بهذه النِّسْبَة. وكان أحد الأُمَرَاءَ الأصْفَهْسَلَارِيَّة، فعَظُم شَأنه، واسْتَفْحَل أمْرُه، وقويَتْ هَيْبَتُه، وانْتَشر ذِكْرهُ، ومكَّنه القَائِم من البِلَادِ، وكثُر منه العَيْثُ والفَسَاد، وآلَ أمْرهُ إلى العِصْيَان عليّ القَائِم، ونَهَب بَغْدَاد، وكان رأسَ الأتْرَاك بها، فخرَجَ عليه، وهوَّن أمْره بكُلِّ ما وَصَلت قُدْرتُه إليهِ، حتَّى كان يأخُذ الجَانِي من حَرَم الخلِيفَة، ولا يَلْحقه في سُوءِ فِعْله نَظَر في عاقبةٍ ولا خِيْفَة. وقَرَأتُ في تاريخ أبي غَالِب هَمَّام بن [الفَضْل بن] (a) جَعْفَر بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (¬١) أنّهُ: كان إذا وصَلَتْ هَدِيَّة من خُرَاسَان وغيرها من البِلادِ اعْتَقلها شَهْرًا قبل أنْ يُطْلقَها، بسُؤالٍ وأشْيَاءٍ كَثِيْرة تَجْري هذا المَجْرى في حَقِّ الخلَيفَة فَعَلَها، فلمَّا زادَ الأمرُ على الخلِيفَة، بَعَثَ إلى طُغْرِلبِك مَلِك التُّرْكُمان والغُزّ، أبي (b) طَالِب مُحَمَّد بن مِيْكَال، وكان مُقيْمًا بالرَّيِّ وقد مَلَكَ من جَيْحُون إلى بَغْدَاد، وأذَلَّ المُلُوك من أوْلادِ مَحْمُود والتُّرْك وغيرهم، فوصَلَهُ الرَّسُول من الخَلِيفَة يأمرهُ بأنْ يَصِلَ إلى بَغْدَاد ليستَنْجدَ به على البَسَاسِيرِيّ أبي مَنْصُور، فأقْبل إليهِ طُغْرِلبِك في مائة ألفٍ وعشرين ألفًا من التُّرْك، والغُزِّ، والأعَاجِمٍ، والكُرْد، والدَّيْلَم، وغيرهم من الأجْنَاس، فوَصل بَغْدَاد وهَجَمَها، وقَتَل منها خَلْقَا عَظيْمًا، ونَهَبَها، وذلك أنَّهُم قاتَلُوه، وانْهَزَمَ البَسَاسِيرِيُّ منه فَحَصَلَ في أرض الرَّحْبَةِ، ولَقِيَهُ مُعِزُّ الدَّولَةِ - يعني ثِمَال بن صالح - وأكْرَمَهُ، وحَمَل إليهِ مَالًا عَظيْمًا، وكان قد وصَل في قِلّةٍ، فحدَّث مَنْ شَاهدَهُ من بنَي كِلَاب أنَّهُ لم يُرَ مثْلُهُ في الشَّجَاعَة والمَكْرِ والحِيْلَة، وكان إذا رَكِبَ مُعِزُّ الدَّولَة قَفَزَ إليهِ ليُمْسكَ له الرِّكَاب ويُصْلح ثِيَابَهُ في السَّرْج (¬٢)، وهمَّتْ بنُو كِلَاب بأخْذِه فَمَنَعَها مُعِزُّ الدَّولَة، ونَدمَ بعد ذلك عليه، ثمّ إنَّهُ تقدَّم إلى أنْ حصَل على الفُرَات، وفَزع منه مُعِزّ الدَّولَة وكثُر عَسْكَره، فسلَّم إليهِ الرَّحْبَة لمَّا طَلَبها من مُعِزّ الدَّولَة، ليجعَل فيها مالَهُ وأهْلَهُ. قُلتُ: وكان حصُوله على الفُرَات بأرْض بَالِس؛ فإنَّني قَرأتُ في بعض تَعَاليْق الشَّامِيِّيْن في التَّاريخ ما صُوْرته: ظُهُور البَسَاسِيرِيّ إلى الشَّام، ونُزُوله أرض بَالِس مُدَّة سَنَة وشَهْرين، سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وأرْبَعِمائة. وقَرَأتُ في تَاريخَ هَمَّام بن المُهَذَّب في حَوَادِث سَنَة خسين وأرْبَعمائة: فيها اضْطَربَ الأمرُ في خُرَاسَان على طُغْرِلبِك، فسَار لإصْلَاحهِ، فجَمَع البَسَاسِيرِيُّ مَنْ قَدر عليهِ من الكُرْد والدَّيْلَم، واجْتَمَعَتْ إليهِ بنُو عُقَيْل، وكان عَلَمِ الدِّين قُرَيْش بن بَدْرَان زَعِيمها، وبَنو أَسَد زعيْمها نُوْر الدَّوْلَة دُبَيْس بن مزْيَد، وقصَد بَغْدَاد، وزحفَ معهم أهْلُ الجانب الغَرْبيّ من بَغْدَاد إلى دار الخلَيْفَة القَائِم بأمْرِ اللّه أَمِير المُؤمِنِين أبي جَعفر بن القَادِر، فنَهَبُوا جميعَ ما فيها، واسْتَدي الخلَيفَة من فَوْق القَصْر عَلَم الدِّين قُرَيش بن بَدْرَان، فجاءَهُ فَخَرَج إليهِ الخلَيفَة وهو مُبرقعٌ، وعليه بُرْدَةُ النَّبِيّ ﷺ، وفي يَده قَضِيْبُه، فأجارَهُ ولم يُمكِّن منهُ أحدًا، ومنعَهُ من البَسَاسِيرِيّ، وسيَّرَهُ إلى حِصْن عَانَة - وقيل: الحَدِيْثة - وهو حِصْنٌ مَنيع في وسَط الفُرَات، وصَاحبهُ رَجُلٌ يُعْرَفُ بمُهَارِش (¬١)، أحدُ أُمَرَاء بَنِي عُقَيْل، فأكْرَمَهُ إكْرامًا عَظيْمًا، وخَدَمَهُ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، فبقي فيه عند مُهَارِشٍ شُهُورًا. قال ابنُ المُهَذَّب: وفيها - يعني سَنَة إحْدَى وخَمْسِين - دَعا البَسَاسِيرِيّ للمُسْتَنْصِر؛ صاحب مِصْر، في جامع المَنْصُور ببَغْدَاد، وبقيَت الدّعْوَةُ شُهُورًا. وفيها: عاد طُغْرِلبِك مَلِكُ التُّرْكُمَان أبو طَالِب مُحَمَّد بن مِيْل إلى بَغْدَاد، فانْحَاز البَسَاسِيرِيّ وجَماعة العَرَب، وخَرَجَ معهم من التُّجَّار ببَغْدَاد وغيرهم خَلْق عَظِيم لا تُحْصَى أمْوَالُهم، وذُكِر أنَّهم كانوا زُهَاءً عن مائة ألف وعشرين ألفًا، وتَبعهم من أصْحَاب طُغْرِلبِك زُهَاء عن عشرين ألفًا، فقُتِلَ البَسَاسِيرِيّ وخَلْقٌ كَثِيْر لا يُحْصَى عَدَدُه، ونُهِبَتْ تلك الأمْوَالُ، وكان الّذين تَبِعَهُم ولَقِيَهُم من عَسْكَر طُغْرِلبِك نحو من عشرين ألفًا. وسار مُهَارِشٌ العُقَيْلِيُّ بالخلَيفَة إلى بَغْدَادَ في مَحْمَل، فأعْطاهُ من الأمْوَالِ والأقْطاعِ شيئًا عَظيْمًا، حتَّى أنَّه صَار مُهَارِشٌ أيْسَرَ بَني عُقَيْل. وسَار الأَمِيرُ أبو ذُؤَابَة عَطِيَّة بن أسَد الدَّوْلَةِ صَالِح بن مِرْدَاسٍ إلى الرِّحْبَة فأخَذَ جميعَ ما تركَهُ البَسَاسِيرِيُّ بها من السِّلاح الّذي لم يُرَ مثله كَثْرةً وجَوْدَةً وأمْوَالًا جريْلةً كانت للبَسَاسِيْرِيّ، ثمّ ولَّى فيها بعضَ أصْحَابهِ. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيب (¬١)، قال: ولم يَزَل أمرُ القَائِم بأمْرِ اللّه مُسْتَقِيْمًا إلى أنْ قُبِضَ عليه في سَنَة خَمْسِين وأرْبَعِمائة، وكان السَّبَبُ في ذلك أنَّ أَرَسْلَان (a) التُّرْكِيّ المَعْرُوف بالبَسَاسِيرِيّ، كان قد عَظُمَ أمْرهُ واسْتفحَلَ شَأنُه لعَدَمِ نُظَرائهِ من مُقَدَّمي الأتْراك المُسَمَّيْن بالأصْفَهْسَلَارِيَّةِ، واسْتَولَى على البِلادِ، وانْتَشَر ذِكْرُه، وطَارَ اسْمُه، وتَهَيَّبَته أُمَرَاءُ العَرَب والعَجَم، ودُعِيَ له على كَثِيْرٍ من المَنَابِر العرِاقِيَّة، وبالأهْوَاز ونَوَاحِيها، وجَبَى الأمْوَال، وخَرَّب الضِّيَاع، ولم يكُن الخلَيفَةُ القَائِم بأمر اللَّه يقطَعُ أمْرًا دونَهُ، ولا يَحُلُّ ويعْقدُ إلَّا عن رَأيهِ. ثُمَّ صَحَّ عند الخلَيفَة سُوءُ عَقِيْدَتِه، وشَهِدَ عندَهُ جَمَاعَةٌ من الأتْراك أنَّ البَسَاسِيرِيّ عَرَّفَهُم - وهو إذا ذاك بوَاسِط - عَزْمَهُ على نَهْب دَار الخِلَافَة والقَبْض على الخلَيفَة، فكاتَبَ الخلَيفَةُ أبا طَالِب مُحَمَّد بن مِيْكَال المَعْرُوف بطُغْرِلبِك أميرَ الغُزّ، وهو بنَوَاحِي الرَّيّ يَسْتَنْهضُهُ على المَسِير إلى العِرَاق، وانْفَضَّ أكثرُ مَنْ كان مع البَسَاسِيرِيّ وعادُوا إلى بَغْدَاد، ثمّ أجمع رأيهُم على أنْ قَصَدُوا دَارَ البَسَاسِيرِيّ، وهي بالجانب الغَرْبيّ في المَوضِع المَعْرُوف بدرْب صالح، بقُرْب الحَريْم الطَّاهِريّ، فأحْرَقُوها، وهدَمُوا أبْنيتَها. ووَصَل طُغْرِلبِك إلى بَغْدَاد في شَهر رَمَضَان من سَنَة سَبع وأرْبَعين وأرْبَعِمائة، ومَضَى البَسَاسِيرِيّ على الفُرَات إلى الرَّحْبَةِ، وتَلاحَقَ بهِ خَلْقٌ كَثِيْرٌ من الأتْرَاك البَغْدَادِيّينَ، وكاتَبَ صَاحِبَ مِصْرَ يَذْكُرُ له كَوْنَهُ في طاعَتِهِ، وأنَّهُ على إقامَةِ الدَّعْوَة له بالعِرَاق، فأمَدَّهُ بالأمْوَالِ، ووَلَّاهُ الرَّحْبَةَ. وأقامَ طُغْرِلبِك بَغْدَاد سَنَةً إلى أنْ خَرَجَ منها إلى المَوْصِل، وأوْقَعَ بأهْل سِنْجَار، وعادَ إلى بَغْدَاد، فأقامَ بها مُدَّةً، ثمّ رجَع إلى المَوْصِل، وخرج منها مُتَوَجِّهًا إلى نَصِيبيْن ومعه أخوه إبْراهيم يَنَال (a)، وذلك في سنة خَمْسِين وأرْبَعِمائة، فخالَفَ (b) عليه أَخُوه إبْراهيم، وانْصَرف بجَيْشٍ عَظِيم معه يقصِدُ الرَّيّ، وكان البَسَاسِيرِيُّ راسَلَ إبْراهيمَ يَشُيرُ عليه بالعِصْيَان لأَخِيهِ، ويُطْمعهُ في المُلْكِ والتَّفَرُّدِ به، وبَعِدُهُ بمُعاضَدَتهِ ومُضَافَرته عليه، فسَار طُغْرِلبِك في أثر أخيهِ إبْرَاهيم، وتَرَكَ عَسَاكِره وَراءَهُ، فتفرَّقت، غير أنَّ وَزِيرهُ المَعْرُوف بالكُنْدُرِيّ، ورَبِيْبهُ أَنَوشَرْوان، وزَوْجَتَهُ خَاتُون، وَردُوا بَغْدَاد بمَنْ بَقِيَ معَهُم من العَسْكَر في شَوَّال من سَنَة خَمْسِين وأرْبَعِمائة، واسْتَفاضَ الخَبَرُ باجْتِمَاع طُغْرِلبِك مع أخيهِ إبْراهيم بهَمَذَان، وأنَّ إبْراهيم اسْتَظْهرَ عَلى طُغْرِلبِك، وحَصَرهُ في مَدِينَة هَمَذَان، فعَزَمَتْ خَاتُون وابنُها أنَوشَرْوان والكُنْدُرِيّ على المَسِيْر إلى هَمَذَان لإنْجادِ طُغْرِلبِك. واضْطَربَ أمْرُ بَغْدَاد اضْطِرَابًا شَدِيْدًا، وأرْجَفَ المُرْجِفُونَ باقْتراب البَسَاسِيرِيّ، فبَطُلَ عَزمُ الكُنْدُرِيّ على المسير، فهمَّتْ خَاتُون بالقَبْضِ عليهِ وعلى ابْنِها لتركِهما مُسَاعَدَتَها على إنْجادِ زَوْجها، ففَرَّا إلي الجانب الغَرْبيّ من بَغْدَاد، وقَطَعا الجِسْر وراءهمُا. وانْتُهِبَتْ دَاراهمُا، واسْتَولَى منْ كان مع خَاتُون من الغُزِّ على ما تضمَّنَتَا من العَيْن والثِّيَابِ والسِّلاح، وغير ذلك منٍ صُنُوف الأمْوَال، ونَفَذَتْ خَاتُونُ بمَنْ ضَوَى إليها، وهم جُمْهُور العَسْكَر، مُتَوَجِّهةً نحو هَمَذَان، وخَرَجَ الكُنْدُرِيّ وأَنَوشَرْوَان يَؤُمَّان طَريْقَ الأهْوَاز. فلمَّا كان يَوْم الجُمُعَة السَّادِس من ذِي القَعْدَة، تحَقَّق النَّاسُ كَوْنَ البَسَاسِيرِيّ بالأنْبَار، ونَهِضْنا (a) إلى صَلَاة الجُمَعَة بجَامِع المَنْصُور فلم يَحْضُر الإمامُ، وأَذَّنَ المُؤذِّنونَ بالظُّهْرِ، ثُمَّ نَزَلُوا من المئْذَنَة، فأخْبَروا أنَّهم رأوا عَسْكَرًا للبَسَاسِيْرِيّ حِذَاءَ شَارع دار الرَّقِيْق، فبَادَرْتُ إلى أبْوَاب الجَامع، فرأيتُ من الأتْراك البَغْدَاديَّينَ أصْحَاب البَسَاسِيرِيّ نَفَرًا يَسِيْرًا يُسَكّنُونَ النَّاس، ونَفَذُوا إلى الكَرْخ، فصَلَّى النَّاسُ في هذا اليَوْم بجَامع المنصُور ظُهْرًا أَرْبَعًا من غير خُطْبَةٍ. ثمّ وَرَدَ من الغَدِ - وهو يَوْم السَّبْت - نحو مائتى فارس من عَسْكَر البَسَاسِيرِيّ. ثُمَّ دَخَل البَسَاسِيرِيُّ بَغْدَادَ يَوْم الأَحَد ثامن ذي القَعْدَة، ومعَهُ الرَّايَاتُ المِصْرِيَّة، فضَرَبَ مَضَارِبَهُ على شَاطِئ دِجْلَةَ، ونَزَل هُناك والعَسْكَر معه، وأجْمعَ (b) أهْلُ الكَرْخ والعَوَامّ من أهْلِ الجانب الغَرْبيّ على مُضَافَرة البَسَاسِيرِيّ، وكان قد جَمَع العَيَّارين وأهل الرّسَاتِيْق وكافَّة الدُّعَّار (a) وأطْمَعَهُم في نَهْب دَار الخِلَافَة، والنَّاسُ إذ ذاك في ضُرٍّ وجَهْد؛ قد تَوَالت عليهم سُنُونَ مُجْدِبَةٌ، والأسْعار غاليةٌ، والأقْوَاتُ عَزِيزةٌ، وأقامَ البَسَاسِيرِيّ بمَوضِعه، والقِتَالُ في كُمّا يَوْم يَجْري بين الفَرِيقَيْن في السُّفُن بدِجْلَة. فمَّا كان يَوْمُ الجُمُعَة الثَّالث عَشر مِن ذي القَعْدَة، دُيِ لصَاحِب مِصْر في الخُطْبَة بجامع المنصُور، وزِيْد في الأذان: حَيَّ على خَيْر العَمَل، وشَرَع البَسَاسِيرِيُّ في إصْلَاح الجِسْر، فعَقَدَهُ بباب الطَّاق، وعَبَرَ عَسْكَرُه عليه، وأنْزَله بالزَّاهِر. وكَفَّ النَّاسُ عن المُحَارَبةِ أيَّامًا. وحَضَرِتُ الجُمُعَة يَوْم العشرينَ من ذي القَعْدَة، فدُعِيَ لصَاحِب مِصْر فِي جامعِ الرُّصَافة، كما دُعِيَ له في جامع المَنْصُور، وخَنْدَق الخلَيفَة حَوْل دَاره ونَهْر المُعَلَّى خَنادِقَ، وأصْلَح ما اسْتَرَمَّ من سُور الدَّار. فلمّا كان يَوْم الأَحَد لليْلَتَيْن بَقِيَتا من ذي القَعْدَة حَشَر البَسَاسِيرِيُّ أهْلَ الجانب الغَربيّ عُومًا، وأهْل الكَرْخ خُصُوصًا، ونهَضَ بهم إلى حَرْبِ الخلَيفَةِ، فتَحَاربُوا يَوْميْن، قُتِلَ بينهما قَتْلَى كَثِيْرة. واسْتَهَلَّ هِلالُ ذِي الحِجَّةِ، فدلفَ البَسَاسِيرِيُّ في يَوْم الثّلاثَاء ومَن معه نحو دَار الخِلَافَة، وأضْرَمَ النَّارَ في الأسْوَاق بنَهْر مُعَلَّى وما يليه، ولم يكُن بقِيَ في الجانب الغَرْبيّ إلَّا نَفَرٌ ذو عَدَد، وعَبَر الخلقُ للانْتَهابِ، وأحاطُوا بدار الخِلَافَة، فنُهِبَ ما لا يُقَدَّر قَدْرُهُ، ووجَّهَ الخلَيفَة إلى قُرَيْش بن بَدْرَان البَدَوِيّ العُقَيْلِيّ، وكان ضَافَرِ البَسَاسِيرِيَّ، وأقْبَلَ معه، فأذَمَّ (¬١) قُرَيْشٌ الخلِيفَة في نفسه، ولَقِيَهُ قُرَيْشٌ فقبَّل الأرْض بينَ يَدَيْهِ دَفْعَات، وخَرَج الخلَيفَةُ معهُ من الدَّار راكبًا، وبينَ يَدَيْهِ رَايَةٌ سَوْداءُ، وعلى الخلَيفَة قَبَاءٌ أسْودُ وسَيْفُ ومِنْطَقة، وعلى رأسهِ عِمَامَةٌ تحتها قَلَنْسُوَةُ، والأتْراكُ في أعْرَاضه، وبينَ يَدَيْهِ، وضَرَبَ قُرَيْشٌ لخَلِيفَة خَيْمَةً إزَاءَ بيتِه بالجانب الشَّرْقيّ، فدَخَلها الخَلِيفَةُ، وأحْدَقَ بها خَدَمُهُ. ومَاشَى البَسَاسِيرِيّ وَزِيَر الخَلِيفَة أبا القَاسِم ابن المُسْلِمَة ويَدُ البَسَاسِيرِيّ قَابضَةٌ على كُمِّ الوَزِير، وقُبضَ على قاضِي القُضَاةِ أبي عَبْدِ اللّه الدَّامَغَانِيِّ وجَمَاعَةٍ معه وحُمِلوا إلى الحَريْم الطَّاهِريّ، وقُيِّدَ الوَزِيرُ وقاضِي القُضَاةِ. فلمَّا كان يَوْم الجُمُعَة الرَّابِع من ذِي الحِجَّة لم يُخْطَبْ بجامع الخَلِيفَة، وخُطِبَ في سَائر الجَوَامع لصَاحِب مِصْرَ، وفي هذا اليَوم انْقَطَعَتْ دَعْوَة الخلَيفَةِ من بَغْدَاد، ولمَّا كان يَوْم الأرْبَعَاءِ تَاسِعُ ذِي الحِجَّة، وهو يوْمِ عَرَفَة، أُخْرِجَ الخَلِيفَةُ من المَوضع الّذي كان بهِ، وحُمِلَ إلى الأنْبَار، ومنها إلى حَدِيثَة عَانَة على الفُرَات، فُحبِسَ هناك، وكان صَاحِب الحَدِيْثة والمُتَوَلِّي خِدْمَة الخلَيفَة بنَفْسه هناك مُهَارِش البَدَوِيّ، وحُكِيَ عنه حُسْن الطَريْقَة، وجَمِيل المُعْتَقَد. فلمَّا كان يَوْمَ الاثْنَين الثَّامن والعشرين (a) من ذي الحجة شُهِرَ الوَزِير على جَمَلٍ، وطِيْفَ بهِ فِي مَحَالِّ الجانب الغَرْبيّ، ثمّ صُلِبَ حيًّا بباب خُرَاسَانَ إزَاءَ التُّرَب، وجُعِلَ في فَكَّيْهِ كَلُّوْبَان من الحَدِيْد، وعُلِّق على جِذْعٍ، فماتَ بعد صَلَاة العَصْر من هذا اليوم، وأُطْلِقَ قاضِي القُضَاة أَبو عَبْد اللّه الدَّامَغَانِيّ بمالٍ قُرِّرَ عليه. وخَرَجْتُ من بَغْدَاد يَوْم النِّصْف من صَحفَر سَنَة إحْدَى وخَمْسِين، فلم يَزَل الخَلِيفَة في مَحْبَسِه بحَدِيْثَةِ عَانَة إلى أنْ ظَفَر طُغْرِلبِك بأخيهِ إبْراهيم وقَتلَهُ، ثمّ كاتَبَ قُرَيْشًا في إطْلَاق الخَلِيفَة وإِعَادته إلى دَاره، وذُكِرَ لنا أنَّ البَسَاسِيرِيَّ عَزَم على ذلك لمَّا بَلَغَهُ أنَّ طُغْرِلبِك مُتَوجِّهٌ إلى العِرَاق، وأطْلَعَ البَسَاسِيرِيّ أبا مَنْصُور عَبْد المَلِك بن مُحَمَّد بن يُوسُف على ذلك، وجَعَلَهُ السَّفِيرَ بينه وبين الخلَيفَة فيه، وشَرَطَ أنْ يَضْمَنَ الخلَيفَة للبَسَاسِيْرِيّ صَرْفَ طُغْرِلبِك عن وَجْهه. وأَحْسَبُ أنَّ طُغْرِلبِك كاتَبَ مُهَارِشًا في أمْر الخَلِيفَة، فأخْرجَهُ من مَحْبَسِه، وعَبَر بهِ الفُرَات، وسار به في البِرَّيَّةِ قَصْدَ تَكْرِيت في نَفَرٍ من بني عَمّه، وأغَذَّ السَّيرَ حتَّى وَصَل به إلى دِجْلَةَ، ثمّ عَبَر بهِ وسَار في صُحبَتِه قَصْدَ الجَبَل، وقد بَلَغَهُ أنَّ طُغْرِلبِك بشَهْرَزُور، فلمَّا قِطَعَ أكثر الطَّريق عُرِّفَ (a) أنَّ طُغْرِلبِك (b) قد حَصَلَ ببَغْدَاد، فعاد سَائرًا حتَّى وَصَل إلى النَّهْرَوَان، فأقام بالخَلِيفَة (c) هناك، ووجَّهَ إليه طُغْرِلبِك مَضَارِبَ ورحْلًا (d) وأثاثًا، ثمّ خَرَج لتلقِّيْهِ. فانْتَهى إلينا ونحنُ بدِمَشْق في يَوْم عِيْد الأضْحَى من سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة أنَّ الخَلِيفَة تَخَلَّص من مَحْبَسِه، وانْتَهى إلينا لسَبعْ بَقِينَ من ذِي الحِجَّة خَبَرُ حُصُوله ببَغْدَاد في دَاره. وكَتَبَ إليَّ (¬١) من بَغْدَاد مَنْ ذَكَرَ أنَّ الخَلِيفَة حَصَل في دَاره في يَوْم الخامس والعشرين من ذي القَعْدَة. وأسْرَى طُغْرِلبِك إلى البَسَاسِيرِيّ عَسْكَرًا من الغُزّ وهو في بَلَدِ ابن مَزْيَد بسِقْي الفُرَات، فحاربوه إلى أنْ ظُفِرَ به، وقُتِلَ وحُمِلَ رأسُه إلى بَغْدَاد، فطِيْفَ به، وعُلّقَ إزاءَ دار الخِلَافَة في اليَوْم الخامِس عَشر من ذِي الحِجَّة سَنَة إحْدَى وخَمْسِين (¬٢). ﷽ وبِه تَوفيقي ذكَرَ أبو الوَفَاء الأَخْسِيْكَثِيّ (a) في تَارِيْخهِ، وحَكَاهُ عن الأدِيْب أبي العبَّاس أحْمَد بن عليّ بن بَابَه القَاشِيّ (¬١) في ذِكْرِ أبي الحَارِث أَرَسْلَان التُّرْكِيّ البَسَاسِيرِيّ، قال: هو مَنْسُوبٌ إلى بَسَا مَدِينَة بفارس، والعَرَب تقُولُ: فَسَا، ويَنْسُبُونَ إليها فَسَويّ، وأهل فارس يَنْسُبون إليها البَسَاسِيرِيّ، وكان مَوْلاهُ رَجُلًا من أهْلِ بَسَا، فنُسِبَ الغُلَامُ إليه واشْتَهرَ بهذه النِّسْبَةِ. قَرأتُ بخَطِّ العِمَادِ الكَاتِب أبي حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانيّ في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة (¬٢): وقُتِلَ في هذه السَّنَة البَسَاسِيريّ، فإنَّ السُّلْطان سيَّر أَنَوشَرْوان، وأزذم (b)، وسَاوتِكِيْن الخَادِم، وانْضَافَ إليهم سَرَايَا بن مَنيع الخفَاجِيّ، فقصَدُوا نُوْر الدَّوْلَةِ دُبَيْسًا، والبَسَاسِيرِيّ عنده، فمضَى نُوْر الدَّوْلَة ووقفَ البَسَاسِيِريّ في جَمَاعَةٍ ووقعَت في فَرَس البَسَاسِيرِيّ نُشُّابَة فاجْتَهَدَ في قَطْع تِجْفَافِهَا (¬٣)، ورمَتْهُ فَرَسُهُ، ووقَعَ في وَجْهِهِ ضَرْبَةٌ، وأسَرَهُ كُمُشْتُكِيْن دَوَاتِيُّ عَمِيْدِ المُلْك، وحَزَّ رأسَهُ، وحَمَلَهُ إلى السُّلْطان. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: دَفَعَ إليَّ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن الحُسَين اليَزْدِيُّ الفَقِيه جُزءًا في آخره بخَطِّ مَحْمُود بن الفَضْل بن أبي نَصْر الأصْبَهَانِيِّ دُعَاءُ الإمَام القَائِم بأمْرِ اللّه أَمِير المُؤمِنِين ﵁، لمَّا أخَذَهُ البَسَاسِيرِيُّ وحَمَلَهُ إلى الحَدِيْثةِ، وهو في السِّجْن، فعَمِلَ هذا الدُّعَاءَ، وسَلَّمَهُ إلى بَدَوِيّ، وأمَرَه أنْ يُعَلِّقه على الكَعْبَةِ: إلى اللّهِ العَظِيم، من عَبدكَ المِسْكِين، اللَّهُمَّ إنّكَ العَالِم بالسَّرَائر، والمُحِيْط بمَكْنُوناتِ الضَّمَائِر، اللَّهُمَّ إنِّي (a) غَني بعِلْمكَ واطِّلاعكَ على أُمُور خَلْقك عن إعْلَامي بما أنا فيه، عَبْدٌ من عَبِيْدكَ قد كَفَر بنعْمَتكَ وما شَكَرَها، وألْقَى العَوَاقِبَ وما ذَكَرها، أطْغَاهُ حلمُكَ، وتَجبَّر بأنَاتك، حتَّىَ تَعَدَّى علينا بَغْيًا، وأسَاءَ إلينا عتُوًّا وعُدْوَانًا. اللَّهُمَّ قَلَّ النَّاصِرونَ لنا، واعْتَزَّ الظَّالَم، وأنْتَ المُطَّلعُ العَالِم، والمُنْصِفُ الحَاكِم، بكَ نَعْتَزُّ عليهِ، وإليكَ نَهْرُب بينَ يَدَيْهِ، فقد تعزَّز علينا بالمَخْلُوقِيْن ونحنُ نَعْتَزُّ بكَ يا رَبَّ العالَمِين. اللَّهُمَّ إنَّا حَاكَمْناهُ إليكَ، وتوَكَّلْنا - في إنْصَافنا منه - عليْكَ، وقد رَفَعْتُ ظلَامَتي إلى حَرَمِكَ، ووَثِقْتُ في كَشْفها بكَرَمِكَ، فاحْكُم بيني وبينَهُ، وأنْتَ خَيْرُ الحَاكِمين، وأَرِنَا منهُ ما نَرْتَجِيْهِ، فقد أخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإثْم. اللَّهُمَّ فاسْلُبْهُ عِزَّهُ، ومَكِّنَّا بقُدْرتِكَ من ناصِيَتهِ يا أرْحَم الرَّاحِميْن. فحَمَلَها البَدَوِيّ وعُلِّقت على الكَعْبَة، فحُسِبَ ذلك اليوم، فوُجِدَ أنَّ البَسَاسِيرِيّ قُتِلَ وجِيء برأسِهِ بعد سَبْعة أيَّامٍ من التَّاريخ. نَقَلْتُ من كتاب الرَّبْيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة مُحَمَّد بن هِّلِل بن المُحَسِّن بن الصَّابِئ، وأنْبَأنَا به عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أنْبَأنَا أبو عَبْد اللّه الحُمَيْدِيِّ عنه، قال: حَدَّثَنَى المَسْعُود بن أبي المَعَالِي الفَضْل، وكان أحَد حُجَّاب البَسَاسِيرِيّ، في المُحَرَّم من سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وأرْبَعِمائة بالرَّحْبَةِ، وقد خَرَجْتُ إليها خَوْفًا من جَرِيرَهَ فِعْل البَسَاسِرِيِّ بالقَائِم بأمْرِ الله، قال: رأيتُ في مَنامِي في ذِي الحِجَّة كأنَّ البَسَاسِيرِيِّ جالِسٌ (a) في دَارِه وأنا قائم على رأسه إذ دَخل عليه غُلَامان بثِيَاب حسَانٍ، فنَهَض إليهما وخَدَمهُما وقبَّل أيديهما وأرْجُلهما، وجَلَس بين أيديهما، فقالا له: يا هذا، قصدْتَ البَصْرَة فعَضَدناكَ، والأنْبَار فأعَنَّاك، وسِنْجَارَ فسَاعَدْناكَ، والمَوْصِل فقَوَّيْناك، وبَغْدَاد فنَصَرْنَاكَ، وقالا بأيديهما يَضُمَّانها ويَبْسُطَانها ما مَعْناه: فما آخر ذاك، وإلى مَتِى؟ يُكَرِّرانه دَفْعات، فاسْتَطْرف ذاكَ. وجَاءَ خَبَره بعد أيَّامٍ إلى الرَّحْبَة بقَتْلِه وزَوَال أمْره. قَرأتُ بخَطِّ أبي مَنْصُور أسْبَهْدُوسْت بن مُحَمَّد بن أَسْفَار الدَّيْلَمِيّ في دِيْوان شِعْره يَرْثِي أبا الحَارِث البَسَاسِيرِيّ: [من الكامل] أَقْسَمْتُ بَعْدَكَ لا أقُولُ مَدِيْحا … حتَّى أُصَابحَ في التُّراب صَفِيْحَا كلَّا ولا صَاحبْتُ غَيركَ صَاحِبًا … إلَّا الأسَى والحُزْنَ والتَّبْرِيْحَا الصَّبْرُ يحْسُنُ عندَ كُلِّ مُصِيْبَةٍ … وأراهُ بَعْدَكَ - لا أجَلُّ - قَبِيْحَا لهفي على دَمِكَ العَزِيزِ وقد غَدَا … فَوْقَ التُّرابِ مُضَيَّعًا مَسْفُوْحَا إنْ كنْتَ لم تَسْكُنْ ضَرِيْحًا فالحَشَا … منِّي لذِكْرِكَ لا يَزَالُ ضَرِيْحَا ولقَد عَلِمْنا إذ طُرِحْتَ على الثَّرَى … أنَّ النَّدَى أمْسىَ هُنَاكَ طَرِيْحَا