page 1545, entry [574]Open original source
أحمدُ بن يُوسُفَ أبو العبَّاس التِّيفَاشِيُّ القَاضِي (¬١) وتِيْفَاش قَرْيَةٌ من قُرَى قَفْصَة إحْدَى بِلَادِ إفْرِيقِيَّة، وكان أبو العبَّاس قَاضِم قَفْصَة، وكان شَيْخًا حَسَنًا فَاضِلًا، عَارِفًا بالأدَب وعُلُوم الأوَائِل، وله شِعْرٌ حَسَنٌ، ونَثْرٌ جَيِّدٌ، ومُصَنَّفاتٌ حَسَنةٌ في عدَّةِ فُنُون؛ كَثِيْرة الفَائِدَة. اجْتَمَعْتُ بهِ بالقَاهِرَة، وقد تَوَجَّهْتُ إليها رَسُولًا (¬٢)، فوَجَدْتُه شَيْخًا كَيِّسًا، ظَرِيفًا، حَرِيْصًا على الاسْتِفَادَة لِمَا يُوْردُه في تَصَانيْفه، ويُوْدعُه مَجَامِيْعَهُ. وأوْقَفني على شيءٍ من تَصَانيفهِ الحِسَان، وأهْدَى إليَّ بخَطِّه منها كتِابًا وَسَمَهُ بالدُّرَّة الفَائِقَة في مَحَاسِن الأفَارِقَة، وأنْشَدَني مَقاطِيع من شِعْره. وذكَرَ لي أنَّهُ وُلِدَ بقَفْصَة منِ بلاد إفْرِيقِيَّة، وأنَّهُ خَرَجَ وهو صَبيٌّ، واشْتَغل بالدِّيَار المِصْرِيّة على شَيْخِنا أبي مُحمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف البَغْدَاديّ، ورحَل إلى دِمَشْقَ، وقَرأ بها على شَيْخِنا أبي اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، وأحبَّ المقام بها، ثمّ إنْ نَفْسَهُ اشْتَاقَتْ إلى الوَطَن، فعَاد إلى قَفْصَة، ثمّ إنَّهُ حَنَّ إلى المَشْرِق، وطالبَتْهُ نَفْسُه بالمقامِ بدِمَشْق، فبَاع أمْلَاكَهُ وما يثْقُل عليه حَمْلُهُ، وأخَذَ معه أولادَهُ وزَوْجَه ومَالَهُ، وركبَ البَحْر في مَرْكبٍ اتَّخذَهُ لنفسِه، فغَرِقَ أهْلُه وأولادُهُ، وخَلَصَ بحُشَاشَةِ نَفْسهِ، وخَلَّص عَرَبُ بَرْقَةَ بعضَ مَتَاعِهِ، فخرَجَ معهم مُتَفكِّرًا خَوْفًا منهم أنْ يُهْلكوهُ بسَبَب أخْذ مَتاعه، وسبَقَهُم إلى الإسْكَنْدَريَّةِ، وتَوصَّل بعَملِ مقامة يَذْكرُ فيها ما جَرَى له في طَريقه، وعَرِفَ المَلِكُ الكَامِل أبو المَعَالِي مُحَمَّد ابن المَلِك العادِل أبي بَكْر بن أَيُّوب، مَلِكُ الدِّيَار المصْرِيَّة بذلك، فكتَب له إلى الإسْكَنْدَريَّة بتَخْليْص ماله، فخَلص له منه جُمْلَة، ثمَّ إنَّهُ لمَّا رَحَل الملكُ الكامِل إلى آمِد وافْتَتَحَها، تَوَجَّه إلى دِمَشق، ومنها إلى حَلَبَ، ومنها إلى آمِد، فوجَدَ المَلِك الكَامِل راجِعًا إلى الدِّيَار المِصْرِيَّةِ، فعادَ معه إليها، وسَكَن بها. وذَكَرَ لي أنَّ مَوْلدَهُ بقَفْصَةَ في سَنَة ثمانين وخَمْسِمائَة، وأنَّ ولايتَهُ القَضَاءَ كانت بعد رجُوْعهِ من المَشْرِق إليها. وحَكَى لي غيرُه أنَّ سَبَبَ عَزْلِه عن القَضَاءِ أنَّهُ وُجِدَ في دَاره خَمْرٌ، فعُزل بسَبَب ذلك. وسَمِعْتُ صَاحِبُنا نُور الدِّين أبا الحَسَن عليّ بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن سَعيد (¬١) يَحْكى أنَّ أَبا العبَّاسِ التِّيْفَاشِيّ لمَّا حصَل مع عَرَب بَرْقَة وخَاف منهم، كَتَم نَفسَهُ، وسَألُوه مَنْ هو، ومن أين هو، وما صَنْعَتهُ؟ فقال لهم: أنا قَوَّادُ، فقالوا: اللهُ الأَحَدُ، وأَنِفُوا منه، وكان ذلك سبَبَ خَلاصِه منهم. أنْشَدَني شَرَفُ الدِّين أبو العبَّاس أحْمَدُ بن يُوسُف التِّيْفَاشِيّ بالقَاهِرَة في أبي الحَسَن عليّ بن مُوسَى بن سَعيد الغَرْنَاطِيّ، يُشِيرُ إلى كتاب أبي الحَسَن الّذي جَمَعَهُ في مَحَاسِن المَغْرب وسمَّاهُ المُغْرِب (¬٢): [من الخفيف] سَعِدَ الغَرْبُ وازْدَهَى الشَّرْقُ عُجْبًا … وابْتهاجًا بمُغْرِبِ ابن سَعِيْدِ طَلَعَتْ شَمْسُهُ من الغَرْبِ تُجْلَى … فأقامَتْ قِيَامَةَ التَّفْنِيدِ (a) لم يَدَعْ للمُؤَرخين مَقَالًا … لا ولا للرُّوَاةِ بَيْتَ نَشِيْدِ إنْ تَلَاهُ على الحَمَامِ تَغَنَّتْ … ما عَلَى ذا في حُسْنِهِ من مَزِيْدِ وأنْشَدَني أبو العبَّاس التِّيْفَاشِيّ لنَفْسِه فيه: [من البسيط] يا طَيِّبَ الأصْلِ والفَرْع الزَّكيِّ كما … يَبْدو جَنَى ثَمَرٍ من أطْيَب الشَّجَرِ ومَنْ خَلائقُهُ مثل النَّسِيمِ إذا … يَهْفُو على الزَّهْر حَوْل النَّهْرِ في السَّحَرِ ومَنْ مُحَيَّاهُ - واللهُ الشَّهِيْدُ - إذا … يَبْدُو إلى بَصَرِي أبْهَى من القَمَرِ أَثْقَلْتَ ظَهْرِي ببرٍّ لا أقومُ بهِ … لو كُنْتُ أتْلُوه قُرْآنًا مع السُّوَرِ أهْدَيْتَ لي الغَرْبَ مَجْمُوعًا بعَالَمِهِ … في قَابِ قَوْسَيْنِ بين السَّمْع والبَصَرِ كأنَّني الآن قد شَاهَدْتُ أجْمَعَهُ … بكُلِّ مَنْ فيه من بَدْوٍ ومن حَضَرِ نَعَمْ، ولاقَيْتُ أهْلَ الفَضْل كُلَّهُمُ … في مُدَّتي هذه والأَعْصُرِ الأُخَرِ إنْ كنتُ لم أَرَهُمْ في الصَّدْر من عُمُري … فقَدْ رَدَدْتَ عليَّ الصَّدْرَ من عُمري وكُنْتَ لي واحدًا فيهِ جَمِيْعُهُمُ … ما يُعْجِزُ اللّهَ جَمْعُ الخَلْقِ في بَشَرِ جُزِيْتَ أفْضَلَ ما يُجْزَى بهِ بَشَرٌ … مُفيْد عُمْر جَديْدِ الفَضْلِ مُبْتَكَرِ بَلَغَني أنَّ أبا العبَّاس التِّيْفَاشِيّ نَزَل الماءُ إلى عَيْنَيهِ فعَمي، فقَدَحَهُما وأبْصَر، وكَتَب وعُوفي من ذلك، ثمّ شربَ مُسْهِلًا وأعْقَبَهُ بآخَرَ، فماتَ لذلك يَوْم السَّبْت ثالث عَشر مُحَرَّم سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وستِّمائة بالقَاهِرَة.