page 1174, entry [370]Open original source
ذِكْرُ مَنْ اسْمُ أبيْهِ عَبْدُ الغَنِيّ من الأحْمَدِين أحمدُ بن عَبْد الغَنيّ بن أحْمَد بن عبد الرَّحْمن بن خَلَف بن المُسَلَّم اللَّخْمِيُّ القُطْرُسِيُّ، أبو العبّاس بن أبي القَاسِم المَغْرِبيّ المِصْرِيّ، المُلَقَّب بالنَّفِيْس (¬٣) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ، أصْلُهُ من المَغْرب وهو مِصْريٌّ. ورَدَ حَلَب، وامْتَدَح بها المَلِك الظَّاهِرِيّ غَازِي بن يُوسُف ﵀، وكان فَقِيهًا أَدِيْبًا، له عناية بعُلُوم الأوَائِل، وتَرَك الفِقْه، وتَصَرَّف وخَدَم في الدِّيْوَان بقُوْص. رَوَى لنا عنْهُ شيئًا من شِعْره أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد بن عبد الرَّحْمن القُوصِيّ، وقال لي: كان هذا الأجَلّ نَفِيْس الدِّيْن، فَاضِلًا أَدِيْبًا فَيْلَسُوفًا، ولم يَزَل برَقِيق الشِّعْر مَوْصُوفًا، وبدَقِيق فَنّ الحِكْمَة معْرُوفًا. وذكَرهُ العِمَاد أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الأصْبَهَانِيّ في كتاب خَرِيْدَة القَصْر (¬١)، بما أنْبَأنَا به صَدِيْقُنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن عَبْد الجبَّار بن أبي الحَجَّاج المَقْدِسِيّ المِصْرِيّ، قال: أخْبَرَنا العِمَاد الكَاتِبُ، قال: النَّفِيْس بن القُطْرُسِيّ شَابٌّ مِصْريٌّ فَقِيهٌ في المَدْرَسَة المالِكِيَّة بمِصْرَ، له خَاطِرٌ حَسَنٌ، ودِرَايَةٌ ولَسَن، ويَدٌ في عُلُوم الأوَائِل قَوِيَّة، ورَوِيَّةٌ من مَنَابع الأدَب ومَشَارِعِه رَوِيَّةٌ، أُنْشدتُّ له (¬٢): [من البسيط] يُسَرُّ بالعِيْدِ أقْوَامٌ لهم سَعَةٌ … من الثَّرَاءِ وأمَّا المُقْتِرُونَ فَلَا هل سَرَّني وثِيَابيْ فيه قَوْمُ سَبَأ … أورَاقَني وعلى رَأسِي به ابن جُلَا عيدٌ عَدَاني (a) الغنَي فيه إلى سفَل … لا تَعْرِفُ العُرْفَ أيديهم ولا القُبلَا ظَللْتُ أَنْحَرُ فيهم مُهْجَتي أسَفًا … وهم به يَنْحَرُونَ الشَّاءَ والإِبِلَا تَبًّا لها قِسْمَةً لو أنَّها عَدَلَتْ … لكان أرْفَعُ حَظَّيْنا الّذي سَفُلَا أنْشَدَنا شِهَاب الدِّين أبو المَحَامِد القُوصِيّ، قال: أنْشَدَنا الفَقِيهُ الأجَلُّ الأدِيْبُ نَفِيْسُ الدِّيْن أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عَبْد الغَنِيّ بن القُطْرُسِيّ المِصْرِيُّ لنَفْسِه (¬١): [الكامل] هَلَّا عَطَفْتَ على المُحبِّ المُدْنفِ … فشَفَيْتَ غُلَّةَ قَلْبِه المُتَلَهِّف يا مُحْرقًا قَلْبِي بنَارِ صُدُودِه … لو شئت كان ببردِ ريقكَ يُنطَفي أَتْلَفْتَني بهَواكَ ثُمَّ تَرَكْتني … حَيْران يَدْأَب في تلَافي (a) مُتْلفي أوَ مَا علمْتَ بأنَّني رهْنُ الضَّنَى … مُتَوَقِّفٌ (b) لعذاركَ المُتَوقِّف لا شَيءَ أحْسَنُ من مُحِبٍّ مُغْرَم … وجَدَ السَّبِيْل إلى حَبِيْبٍ مُنْصِف مَنْ لي وقَد سَمَحَ الزَّمانُ بخُلسَةٍ … لولا تَذكُّرُ طِيْبها لم تُعْرف إذ بِتُّ مُعْتَنِقَ القَضِيْب على النَّقَا … وظللْت مُغتبقَ السّلَاف القَرْقَف أجْنِي جنيَّ الوَرْد ثُمّ يُعِيْدُه … خَجَلٌ بحُوريّ المَلَاحَةِ مُتْرَف فعَجبتُ من وَرْدٍ يعُود بقَطْفِه … غَضَّ النَّباتِ كأنَّهُ لم يُقْطَف أنْشَدَنا أبو المَحَامِد قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أنْشَدَني أبو العبَّاس لنَفْسِه (¬٢): [من الكامل] يا مَنْ تُعَوِّذُه مَحَاسِنُه … من عَيْن عاشقِهِ إذا يَشْكو (c) فبوَجْهِه يَاسِيْنُ طُرَّته … وعلى لُمَاهُ خِتَامُهُ مِسْكُ وأنْشَدَنا القُوصِيُّ إجَازَةً، قال أنْشَدَنا ابن القُطْرُسِيّ يَرْثِي صَدِيْقًا لهُ (¬٣): [من البسيط] يا رَاحلًا وجَمِيلُ الصَّبْر يَتْبَعُهُ … هل من سَبِيْلٍ إلى لُقْيَاكَ يتَّفقُ ما أنْصَفَتْكَ جُفُوني وهي داميَةُ … ولا وَفَى لكَ قَلْبي وهو يَحْترِقُ وأنْشَدَنا القُوصِيُّ من كتابه، قال: أنْشَدَنا أبو العبَّاس لنَفْسِه في شَجَرَة ياسَمِين (¬١): [من الطويل] ولمَّا حلَلْناها سَمَاءَ زَبَرْجَدٍ … لها أنْجُمُ زُهْرُ من الزَّهَر (a) الغَضِّ تناولَها الجانِي من الأرْضِ قَاعدًا … ولَمْ أَرَ مَنْ يَجْني النُّجُومَ من الأرْضِ وأنْشَدَنا القُوصِيُّ قراءهً، قال: وأنْشَدَني ابن القُطْرُسِيّ لنَفْسِه، وأبْدَعَ فيهما (¬٢): [من التقارب] أُحبُّ المَعَالِي وأسْعىَ لها … وأُتْعِبُ نَفْسِي لها والجَسَد لأَرْفَعَ بالعِزِّ أهْلَ الوَلَاءِ … وأخْفضَ بالذُّلِ أهْلَ الحَسَد قال: وأنْشَدَني لنَفْسِه: [من الكامل] يا صَاحِبَيِّ خُذَا لقَلْبيَ عِصْمَةً … فلقَدْ هَفَا بهَوَى الغَزَالِ الأَهْيَفِ وتَرَقَّبا شُغْلَ الرَّقيبِ لتُخْبرا … سُعْدَى بشِقْوَة عَاشقٍ مُتَلَهِّفِ صَنَمٌ فُتِنْتُ به وتلكَ بَلِيَّةٌ … شَنْعَاءُ من مُتَكلِّمٍ مُتَفَلْسِفِ أنْشَدَني رَشِيْد الدِّين أبو بَكْر مُحَمَّد بن عبد العَظِيْم المُنْذِريّ (¬٣) بالقَاهِرَة، وكتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: أنْشَدَنا الشّيْخ الأجَلَّ أبو الحُسَين أحْمَد بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل الخَزرجيّ التِّلمِيسَانِيّ، ﵀، قال: أنْشَدَنا الأدِيْبُ البَارعُ أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عَبْد الغَنِيّ القُطْرُسيِّ لنَفْسِه يَمْدَحُ المَلِك النَّاصِر ويُهَنيه بفُتُوح الشَّام، وأُنْشْدَتْ بِظَاهِر بيت المَقْدِس في شَعْبان سَنَة ثَلاثٍ وثمانين: [من الخفيف] فيكَ نَتْلُو عليكَ إنَّا فَتَحْنَا … فتَهَنَّأْ بما ملَكْتَ تَهِنَّا ما رَأى النَّاسُ قَبْل دَوْلتك الغَـ … ـرَّاءِ مَنْ نَالَ كُلَّ ما يَتَمَنَّى أيَّدَ اللّهُ دِيْنَهُ بكَ حتَّى … كُنْتَ دِرْعًا لهُ وسَيْفًا وحِصْنَا وأعَزَّ الهُدَى بعزِّكَ حتَّى … بدَّلَ الشَّامُ خَوْفَهُ بكَ أمْنَا فرَأينا الثُّغُور مُبْتَسِماتٍ … لتَلَقِّيكَ قائلاتٍ أمنَّا وسَمِعْنَا السُّيُوفَ ينشَدُ عنها … ما تُقَضَّى لُبَانَةٌ عند لُبْنَى تَتَهادى إليكَ مثْلَ الغَوَاني … حَالِيَاتٍ وهُنَّ بالحُسْن أَغْنَى كُلَّما رُمْتَ مَعْقلًا مَلَكَتْهُ … لكَ يُمْنى لا تَعْدَمُ الدَّهْرَ يُمْنَا راقَهُ منْكَ خاطبُ نَقَدَ الهِنْـ … ـدِيَّ ضَرْبًا والسَّمْهريَّةَ طَعْنَا ونِثَارٌ منَ السِّهَامِ علَيها … نَظَمَ الشَّمْلَ بالوصَالِ وَهَنَّا ومَجَانِيْقُ راعَت الجَوَّ حتَّى … دَرَّعَتْهُ أنَامِلُ الرّيح مُزْنَا فسَنَا البَرْقِ لوْعَةُ فيهِ والرَّعـ … ـدُ أنينٌ كذاكَ منْ خَافَ أَنَّا فَهْيَ كالشُّهْبِ في البُرُوج وإنْ كا … نَتْ سماوَاتُها منَ الأرْض تُبْنى حَائِراتُ بسَطْوةِ المَلِكِ النَّا … صِر جَوْرًا بِهِ على العَدْلِ يُثْنَى مَلِكٌ عندَهُ تُنالُ الأمَانِي … إنْ دعَوْنا صَوْبَ الغَمام فضَنَّا أصْبَحَ الدَّهْرُ منهُ أفْصَحَ (a) لفْظ … مُعْرب وَهْوَ منهُ أبْلغُ مَعْنى مَلَكَ النَّاسَ والزَّمان فقَدْ رَدَّ … تْ سطَاهُ حَوادِثَ الدَّهرِ زَمْنى أنْبَأنَا الحافِظ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْمِ بن عَبْد القَوِيّ النذِريّ، قال في كتاب التّكْمِلَة (¬١): وفي الرَّابِع والعشرين من شهر ربيع الأوَّل - يعني من سَنَة ثَلاثٍ وستّمائة - تُوفِّي الشَّيْخُ الفَقِيهُ الأدِيْبُ أبو العبَّاس أحْمَد ابن الشَّيْخ أبي القَاسِم عَبْد الغَنِيِّ بن أحْمَد بن عبد الرَّحْمن بن خَلَف بن المُسَلَّم اللَّخْمِيّ المالِكيّ المَعْرُوف بالقُطْرُسيِّ المنَعُوت بالنَّفِيْس، بمَدِيْنَة قُوْص من صعِيد مِصْر الأعْلَى وقد نَاهَز السَّبْعين. تَفَقَّهَ على مَذْهَب الإمَام مَالِك بن أنس ﵁ على الفَقِيه أبي المنَصُور ظَافِر بن الحُسَين اليزدِيّ (٤)، واشْتَغل بالأُصُولَيْن والمنَطِق وغير ذلك، وقَرَأ الأدَب على الشَّيخ المُوَفَّق أبي الحَجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد المَعْرُوف بابنِ الخَلَّال كاتب الدَّسْت، وصَحِبَهُ مُدَّةً، وسَمعَ من الشَّريف أبي المَفَاخِر سَعيد بن الحُسَين المَأْمُونيّ وغيره. وتَصَدَّرَ للإقْرَاءِ. وله دِيْوان شِعْر مَشْهُور، ومَدَح جَمَاعَةً من المُلُوك والوُزَرَاء وغيرهم، وتقلَّبَ في الخِدَم الدِّيْوَانيَّة، وحَدَّث، أنْشَدَنا عنه جَمَاعَةٌ من أصْحَابنا. أنْشَدَني الشَّيْخ الحافِظ رَشِيْدُ الدِّين أبو الحُسَيْن يَحْيَى بنُ عليّ بن عَبْد اللّه القُرَشِيّ للنَّفِيس أحْمَد بن عَبْد الغَنِيّ القُطْرُسِيّ من قَصِيدَة، قال: وكان فَقِيهًا فَاضِلًا مُتَكَلِّمًا أُصُوليًّا [من مجزوء الرجز] بينَ الكَثِيْبِ والنَّقَا … ما أرَبٌ لولا التُّقَى وفي اللّثام قَمَرٌ … أضَلَّني وأشْرَقَا ومنها في ذِكْر الصَّعِيْد: ليس صَعِيْدًا طَيِّبًا … لكل صَعِيدًا زلَقَا أخْبَرَنا أبو المحامِد القُوصِيّ أنَّ مَوْلد النَّفِيْس ابن القُطْرُسِيّ بمِصْر، وتُوفِّيَ بها في شُهُور سَنَة ثَلاثٍ وستِّمائة.