page 891, entry [245]Open original source
أحمدُ بن الخلَيل بن سَعَادَة بن جَعْفَر بن عِيسَى الشَّافِعيُّ، أبو العبَّاس الخُوَيّيّ القَاضِي (¬٣) فَقِيْهٌ فَاضِلٌ، حَسَن الصُّورَة، كَامِل الأوْصَاف، قَدِمَ علينا حَلَب، وتولَّى بها الإعادَة بالمَدْرَسَة السَّيْفيَّة ومُدَرِّسها إذ ذاك القَاضِي زَيْن الدِّين أبو مُحَمَّد عبد الله ابن شَيْخنا عبد الرَّحمن بن عُلْوَان، وسَمعَ بحَلَب جَمَاعَةً من شُيوخنا مثل قاضِي القُضَاةِ أبي المحاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تمِيْم، وأبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عبد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ وغيرهما. وأقامَ بها مُدَّةً ثمّ سار منها إلى دِمَشْق، وحضَر مَجْلِس المَلِك المُعَظَّم عِيسَى ابن المَلِك العادِل، صاحبها، فأعْجبَهُ كلَامُه، ونفَق عليه، وارْتَفَعَت حاله عندَهُ إلى أنْ وَلَّاهُ القَضَاءَ بدِمَشْق والتَّدْرِيس بالمَدْرَسَة العَادِلِيَّة، فسَلَكَ أحْسَن المَسَالك والطُّرُق في القَضَاء، ولازَم العِفَّة والصَّلَاح، وحُمِدَتْ طَرِيْقَتُه، وشُكرتْ سِيْرَتُه، ولم تَزل مَنْزِلتُه تَزدَاد ومَرتبته تَرْتَفعِ إلى أنْ مات المَلِكُ المُعَظَّم عِيسَى، ووَليَ ابنُه صَلاح الدِّين دَاوُد دِمَشْق فاسْتَمَرَّ في القَضَاء على حاله، إلَّا أنَّ دَاوُد بن عِيسَى وَلَّى القَضَاء أيضًا معَهُ القَاضِي مُحْيى الدِّين يَحْيَى بن مُحيى الدِّين مُحَمَّد بن الزَّكِيّ، ونَزَل المَلِكُ الكَامِل مُحَمَّد والمَلِك الأشْرَفُ مُوسَى على دمشْق وحَصَراها وفتَحَاها، وسُلِّمتْ إلى المَلِك الأشْرَف مُوسَى، فعُزِلَ ابن الزَّكِيّ عن القَضَاء واسْتمرَّ شَمْسُ الدِّين أحْمَد الخُوَيّيّ على قضاءَ القُضَاةِ في سَنَة سَبعٍ وعشرين وسِّتمائة. وسَمَتْ نَفْسُه إلى حِفْظ القُرآن العزيز ولم يكُن يَحْفظه، فَحدَّثَني جَمَاعَة بدِمَشْق أنَّهُ ألْزمَ نفسَه بحِفْظه حتَّى حَفِظَهُ جميعَهُ، وكان يقرأهُ وهو قاضِي القُضَاة على بعض القُرَّاءَ بدِمَشْق، فكان يَجْلِس بينَ يَدَيْهِ وهو قاضِي القُضَاة بجامع دِمَشْق كما يَجْلس التِّلْمِيذ بين يَدي الأُسْتَاذ، ثمّ إنَّه رَغِبَ عن القَضَاء ومَال إلى الزُّهْد والانْقطَاع، وطَلَبَ من المَلِك الأشْرَف الإقَالَة من القَضَاء، وأنْ يأذن له في الحَجّ، فأَجابَهُ إلى ذلك، وحَجَّ إلى بيت الله الحَرَام، وأرْسلَهُ المَلِك الأشْرَف في رسالةٍ إلى سُلْطان الرُّوم كَيْقُبَاذ بن كَيْخُسْرُو، فتوجَّه إليه، واجْتازَ علينا بحَلَب في سَنَة أرْبَعٍ وثَلاثين وسِتّمائة، ثمّ إنَّهُ وَلِيَ القَضَاء بعد ذلك مرَّةً ثانيَةً، فبقي قَاضِيًا بها، ومرض مَرْضةً بحُمُّى السِّلّ، وتُوفِّي بدِمَشْق في سَنَة سَبعٍ وثَلاثينِ وسِّتمائة، وكُنْتُ إذ ذاك رَسُولًا بمِصْر، فبلغَتني وفاتُه وأنا بها. وكان بيني وبينه اجْتماع ومُخالَطة بحَلَب ودِمَشْق، وسَمعَ معي بحَلَب الحَدِيْث. وكان حَسَن العِشْرة، حلو العِبَارَة في بَحْثهِ، مُوَفَّقًا في أحْكَامه، لا تأخُذه في الله لَوْمَهَ لَائِم، ولا يُراعِي في أحْكَامه ذا سُلْطان لسُلْطانه ولا ذا جاهٍ لجاهه، بل يَرْي على سَنَن الحَقّ وطَريق العَدْل. وكان قد سَمعَ بنَيْسَابُور المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسيّ، وحَدَّثَ عنهُ بدِمَشْق بشيء يَسِيْر، وصنَّف عِدَّة تَصَانيف منها: كتاب في تفسِيْر سُوْرة الإخْلَاص، وكتاب في الفَرَائِض وتَعْليْلها وبَيان الحِكْمَة في مَقاديْرها، وكتاب في النَّفْس. وأخْبرَني ولده أنَّهُ تُوفِّي في السَّابِع من شَعْبان سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وسِّتمائة. وأخْبَرَني جَمال الدِّين أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ بن الصَّابُونِيّ، قال: سألتُ القَاضِي شَمْس الدِّين الخُوَيِّيّ عن مَوْلدِه، فقال: في سَنَة ثَلاثٍ وثمانين وخمْسِمائَة بِخُوَيّ، وذَكَرَ غيره في شَوَّال. وقَرأتُ بخَطِّ عَبْد العَزِيْز بن عُثْمان الإرْبليّ: تُوفِّي قاضِي القُضَاهَ شَمْسُ الدِّين أبو العبَّاس أحْمَد بن الخلِيل بن سَعَادَة بن جَعْفَر بن عِيسَى الخُوَيِّيّ يَوم السَّبْتِ سَابع شَعْبان سَنَة سَبع وثَلاثين وسِّتمائهَ، ودُفِنَ من الغَد بسَفْح جَبَل قَاسِيُون، ووَلِيَ قَضاء دِمَشْق يَوْم الاثنين سابع شهر ذي القَعْدَة من سَنَة خَمْسٍ وثَلاثين وسِّتمائة، يعني الولاية الثَّانيَة.