page 578, entry [152]Open original source
بابٌ في ذِكْرِ ما بحَلَب وأعْمالها من المَزَارَاتِ، وقُبُور الأنْبِياء والأوْلِيَاء، والمَواطِن الشَّرِيْفَة، الّتي بها مَظَاّنَ إجَابة الدُّعَاء فأمَّا قلعَةُ حَلَب؛ ففيها مَقامَا إبرَاهِيمِ ﷺ: الأعْلَى والأسْفَل، وقيل: إنَّ إبْرَاهِيم ﵇ كان قد وَضَعِ أثْقالَهُ بتَلِّ القلْعَة، وكان يُقِيمِ بهِ ويَبُثُّ رِعَاءَهُ إلى نَهْر الفُرَاتِ والجَبَل الأَسْود، ويَحْبسُ بعض الرِّعَاء بما معَهُم عندَهُ، ويأمُرُ بحَلْب ما معَهُ، واتِّخاذ الأطْعمة، وتَفْرقتها على الضُّعَفَاء والمَسَاكِين، وقد ذكَرنا ذلكَ مُسْتَقصىً في باب تسْمِيَة حَلَب (¬١). فأمَّا المَقام التَّحْتَانيّ؛ فكان مَوضِعُهُ كَنيْسَة للنَّصارَى إلى أيَّام بني مِرْدَاسٍ، وقد قال ابنُ بُطْلان في بعض رَسائله (¬٢) إنَّ فيها كان المَذْبَح الّذي قرَّب عليهِ إبْرَاهِيمُ ﵇، فغُيِّرت بعد ذلك وجُعِلَتْ مَسْجِدًا للمُسْلِمينَ، وجَدَّدَ عِمارَتَهُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، ووَقِفَ عليهِ وَقْفًا حَسَنًا، ورَتَّبَ فيهِ مُدَرِّسًا يُدَرِّسُ الفِقْه على مَذْهَب أبي حَنِيفَة ﵁. وأمَّا المَقام الأعْلَى؛ ففيهِ تُقَام الخُطْبَة بالقَلْعَة، ويُصَلِّي فيه السُّلْطَان الجُمُعَة. وفيه رَأس يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، مُوْضُوع فِي جُرْن من الرُّخَام في خِزَانَةٍ، ووقَعَ الحَريقُ ليلةً من اللَّيالِي في المَقام المذكور فاحْترقَ جميعُه في سَنَة أرْبَعٍ وسِتِّمائة، ولم يَحْترق الجُرْن المَذْكُور، ودَع اللّهُ النَّار عنهُ. وقَرَأت في تاريخ مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْمِىّ (¬١)، وأنْبَأنا بهِ شَيْخُنا ابو اليُمْن الكِنْدِيّ عنهُ، قال: في سَنَة خَمْسٍ وثلاثين وأرْبَعِمائة ظَهَرَ ببَعْلَبَك رأسُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء في حَجَرٍ مَنْقُور، فنُقِلَ إلى حِمْصَ، ثُمّ إلى حَلَب وهو بها إلى الآن. وأخْبرَني أبو الحَسَن عليّ بن أبي بَكْرٍ الهَرَوِيّ، ﵀، قال (¬٢): بقَلْعَة حَلَب مَقَام إبْرَاهِيم الخلَيْل ﵇، وبه صَنْدُوق فيه قِطْعَة من رَأس يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، ظَهَرَت سنَة خَمْسٍ وثلاثين وأرْبَعِمائة. وأمَّا ما هُوَ في نَفْسِ المَدِينَة، فنها مَسْجِد الغَضَائِرِيّ، ويُعْرفُ الآن بمَسْجِد شُعَيْب، وهو أوَّل مَسْجِد اخْتَطَّهُ المُسلِمُونَ بحَلَب عند فَتْحها. أنْبَأنَا شَيخُنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن مُحمَّد بن عليّ العُظَيْميّ، قال (¬٣): لمَّا فَتَحَ المُسلِمُون حَلَب، دَخَلُوها من باب أَنْطاكِيَة، ووَقَفُوا دَاخل الباب، وَحَفُّوا حولَهُم بالتِّرَاس، فبُنِيَ في ذلك المكان مَسْجِدٌ وهو المَعْرُوف بالغَضَائِرِيّ. وأخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم مُحمَّد بن هِبَهَ اللّهِ أنَّ الغَضَائِرِيّ كان يَعْبُد اللّه بالمَسْجِدِ المَعْرُوف بالغَضَائِرِيّ دَاخلِ باب أَنْطاكِيَة، وهو المَعْرُوف الآن بمَسْجِد شُعَيْب، لأنَّ نُور الدِّين وَقَفَ عليهِ وقْفًا، وجُعِلَ فيه الشَّيْخ شُعَيْبًا يُقْرئُ النَّاسَ الفِقْه. وهذا الغَضَائِرِيّ هو أبو الحَسَن علِيّ بن عَبْد الحَمِيْد الغَضَائِرِيّ؛ أحدُ الأوْليَاءِ من أصْحَاب سَرِيّ السَّقَطِيّ، وحَجَّ من حَلَب مَاشِيًا أرْبَعين حِجَّة، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (¬١) في مَوضِعَها من كتَابنا هذا إنْ شاءَ اللّهُ. وأمَّا شُعَيْب فهو ابن أبي الحَسَنِ بن حُسَين بن أحْمَد الأنْدَلُسِيِّ الفَقِيهُ، كان من الفُقَهَاءِ الزُّهَّادِ، وكان مَحْمُوِد بن زَنْكِي يَعْتقدُ فيهِ، وكان مُقَيْمًا بهذا المَسْجِد، فوقَفَ على المَسْجِد وَقْفًا، ورَتَّب فيه شُعَيْبًا هذا يَذْكُرَ الدَّرْسَ على مَذْهَب الشَّافِعِيِّ ﵁، فاليوم يُعْرفُ بمَسْجِد شُعَيْب. وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (¬٢) إنْ شاءَ اللّهُ تعالَى. ومنها مَسْجِدُ غَوْثٍ داخل باب العِرَاق في المَرْمَى، وفيهِ قِطْعة من عَمُود فيهِ كابة في الحَجَر، يَزْعُمُون أنَّ عليًّا رِضْوَانُ اللّه عليهِ كَتَبَها بسِنَان رُمْحه حين وردَ إلى صِفِّيْن، ويقُولونَ: إنَّ هذا الحَجَر نُقِلَ من الرَّقَّة إلى حَلَبَ. قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (¬٣)، فيما ذَكَرَهُ من الزِّيارَات بحَلَب: وبها دَاخل باب العِرَاق مَسْجِد غَوْث، بهِ حَجَرٌ عليه كتابةٌ، ذَكَروا أَنَّها خَطّ عليّ بن أبي طَالِب ﵇، ولَهُ حِكَايةٌ. قلتُ: وأظُنُّ أنَّ مَسجِد غَوْث هذا مَنْسُوبٌ إلى غَوْث بن سُلَيمان بن زِيَاد قاضىِ مصْر، وكان قَدِمَ مع صالِح بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس إلى حَلَب، وَسَنَذْكُر تَرْجَمَتهُ (¬٤) في مَوضِعها من هذا الكتاب إنْ شاءَ اللّهُ تعالَى. ومنها مَشْهَدُ النُّور، وهو بالقُرْبِ من باب قِنَّسْرِيْن في بُرْج من أسْوار حَلَب؛ فيما بين بُرْج الغَنَم وباب قِنَّسْرِيْن، قال لي عَمِّي أبو غَانِم مُحمَّد بن هِبَة اللّه بن أبي جَرَادَةَ: هذا مَشْهَد النُّور، إنَّما سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ رُؤِيِ النُّور يَنْزِلُ عليه مِرارًا؛ قال: وكان ابن أبي نُمَيْر العَابِد يتَعَبَّدُ فيهِ، فاتَّفَق أنْ نَزَلَ مَلِكُ الرُّوم على حَلَب مُحاصِرًا لها، فجاء الحَلَبِيُّون إلى ابن أبىِ نُمَيْر العَابِد، فقالُوا: ادْعُ الله لنا أيُها الشَّيْخ، قال: فسَجَدَ على تُرْسٍ كان عندَهُ، ودَعَا اللّه تَعالَى، وسَأله دَفعْ العَدُوّ عن حَلَب، فرأى مَلِكُ الرُّوم في منامه تلكَ اللَّيْلة قائلًا يقُول له: ارْصَل عن هذه البَلْدَة، وإلَّا هَلَكت، أتَنْزِلُ عليها وفيها السَّاجدُ على التُرْس في ذلك البُرْج، وأشَار إلى البُرْج الّذي فيهِ مَشْهَد النُّوْر، فانْتَبه مَلِكُ الرُّوم، وذَكَرَ المنام لأصْحَابهِ، وصَالَح أهْل حَلَب، وقال: لا أرْحَل حتَّى تُعْلِمُوني مَنْ كان السَّاجِد على التُرْس فِى ذلك البُرْج، فكَشَفُوا عنه، فوصدُوه ابن أبي نُمير، ورَحَل مَلِكُ الرُّوم عن حَلَب. وقال لي الوَزِير الأكْرَم أبو الحَسَن علىِّ بن يُوسُف القَفْطِيّ: مَشْهَد النُّور تَعْتَقِدُ فيه النُّصَيْرِيَّة اعْتِقَادًا عَظِيمًا ويَحُجُّونَ إليهِ. وهذا ابنُ أبي نُمير هو أبو عُبَيْدِ اللّه عبد الرَّزَّاق بن عَبْد السَّلام بن عَبْد الوَاحِد في أبيِ نُمير العَابِد الأسَدِيّ، وكان من الأوْلِيَاء المَشْهُورين بالكَرَامَات، وَسَنَذَكُره في مَوضِعه (¬١) من هذا الكتاب إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى، وقَبْرُهُ خارج باب قِنَّسْرِيْن، يُزَار وتُنْذَر لَهُ النُّذُور إلى يَومنا هذا، وهو مَدْفُون في تُرْبَة بني أَمِين الدَّوْلَة ابن الرَّعْبَانِيّ، غَرْبيّ قَلْعَة الشَّريف والخَنْدَق. وقيل: إنَّهُ ما سُئل اللّه عنده حاجَة إلَّا قَضَاها. وقال لي أبو بَكْر أحْمَد في عَبْد الرَّحِيْم بن العَجَمِيّ: يُقال لقَبْره سُمّ سَاعَة، لسُرعة الإجابة عندَهُ، يعني: إذا دَعَا الإنْسان عنده على عدُوِّه. وكان بالقُرْبِ منهُ، من جهة الشَّمَال إلى جانب سُور باب قِنَّسْرِيْن، قَبْر مُشْرِق بن عَبْد اللّه العَابِد الحَنَفِيّ، وكان فَقِيهًا حَنَفيًّا مُنْقَطِعًا في المَسْجِد الجَامِع، وكان قَبْرهُ يُزَار ويُتَبَرَّك به، وزُرْتُهُ مِرارًا مع والدي ﵀، فلمَّا حرَّر المَلِكُ الظَّاهِر خَنادِق حَلَب، ووُضِعِ التُّراب على المَقَابِر حُوِّلَ قَبْر مُشْرِق العَابِد من مَوضِعه، ونُقِلَ إلى سَفْحِ جَبَل جَوْشَن، وشاهدْتُه في المَوضِع الّذي نُقِلَ إليهِ، ولَوْح قَبْره الأوَّل عليه، وَسَنَذْكُره إنْ شَاءَ اللّهُ في مَوضِعه (¬١). وفي المَسْجِد الجامع في الشَّرْقِيَّة من القِبْليَّةِ في العِضَادة الثَّانيَة المُلاصقَة لصَحْن الجَامِع في شمالي الشَّرْقيَّة مَوضع مُتَعَبَّد مُشْرِق العَابِد المذكور. وأخبَرَني القَاضِي أبو مُحمَّد الحَسَن بن إبْرَاهِيمِ بن الخَشَّاب، قال: كان الخَطِيب أبو الفَضْل عَبْد الوَاحِد بن هاشِم يُصَلِّي بجامع حَلَب في الشَّرْقيَّة، ويتَعَمَّد الصَّلاة في هذا المَوْضِع المذكُور، فسَألتُهُ عن ذلك، فقال: كان أبي هاشِم يُصَلِّي أبدًا هَا هُنا كَثِيْرًا، وأخْبرني أنَّ الشَّيْخ مُشْرِق بن عَبْد اللّه العَابِد كان يُصَلِّي فيه، وأنّه رَأى النَّبِيّ ﷺ في المنام يُصَلِّي ها هُنا. وخَارج المَدِينَة، ممَّا يَلي القِبْلَة، مَقام إبْرَاهِيْم ﷺ فِى الجَبَّانَة، وفي مِحْرَاب المَسْجِد حَجَرٌ قيل إنَّهُ كان يَجْلِسُ عليه، وفي الرّوَاق القِبْليّ الّذي يلي الصَّحْن صَخْرة نابِتَةٌ فيها نُقْرَة؛ قيل: إنَّه كان يَحْلب فيها غَنَمُه، وقد ذكَرنا ذلك فيما تقدّم (¬٢). وفي المَشْهَد المذكُور في جهة الشَّمَال فيها قَبْر الإمام عَلاء الدِّين أبي بَكْر الكَاسَانِيّ الحَنَفِيّ، أمير كَاسَان، وقَبْر امْرأته فاطِمَة بنت شَيْخِه عَلاء الدّين السَّمَرْقنَدِيّ، وكانا من العُلَمَاء الصَّالِحين، وَسَنَذْكُرهما في هذا الكتاب (¬٣) إنْ شَاءَ اللَّهُ. وقِبليّ هذا المَشْهَد مَقْبَرَة فيها جَمَاعَة من العُلَمَاءِ الصَّالِحين الأخْيار؛ منهم أحْمد الأُصُولِيّ صَاحب بُرْهَان الدِّين البَلْخِيّ، وسَيأتي ذِكْره (¬١) إنْ شَاءَ اللّهُ. وقِبْليّ هذه المَقْبَرَة قَبْر أبي الحُسَيْن الزَّاهِد المَقْدِسِيّ، تُنْذَرُ له النُّذُور، والدُّعَاءُ عنده مُسْتَجاب، وله كَرَامَات مَشْهُورة، وكان الفِرِنْج يُعَظِّمُونَهُ، وقيلِ إنَّهُ رُؤيَ وهو راكب الأسَد. وإلى جَانبه قَبْر صَاحبٍ لَهُ من الأوْلِيَاء أيضًا يُقالُ لهُ: زَيْد العَابِد. ومن شَمالي المَشْهَد التُّرْبَة المَعْرُوفة بسَلَفِي من بَني العَدِيْم، فيها جَدّ أبي أبو غَانِم وعَمِّي أبو غَانِم، وكانا من العُبَّادِ الأوْلِيَاء، وفيها قَبْر الحَافِظ أبي بَكْرٍ الجَيَّانِيّ، وسيأتي ذِكْر هؤلاء في هذا الكتاب (¬٢)، إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وفي جِهة الشَّمَال من هذه الجَبَّانَة مَشْهَد للخَضِر ﵇؛ قيل: إنَّهُ رُؤيَ فيه، وهو قَدِيمٌ، وعليه وَقْفٌ. ومن شَرْقيّ المَدِينَة، بينها وبين النَّيْرَب، مَشْهَد قَرْنَبِيَّا (¬٣) على جَبَل صَغِير؛ قيل: إنَّهُ رُؤي النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فيه، فعَمره قَسِيم الدَّولَة آقْ سُنْقُر، ووَقَفَ عليه وَقْفًا. وخارجِ باب الأرْبَعِين قَبْر بِلال بن رَبَاح مُؤَذِّن النَّبِيّ ﷺ، ولا يُعْرف مَوضِعِ قَبْره بل نُقِلَ أنَّهُ مات بحَلَب ودُفِنَ بها خارج باب الأرْبَعِين، وَسَنَذكُر ذلك في موضِعه (¬١)، ونذكُرُ اخْتلافَ النَّاسِ فيه إنْ شَاءَ اللّهُ. وقد شُوْهِدَ النُّور مِرارًا يَنْزل على الجَبَّانَة الّتي خارج باب الأرْبَعِين بالجَبَل. وفي هذا الجَبَّانَة جَمَاعَةٌ من الأوْلِيَاءِ والصَّالِحين منهم: الحَافِظُ أبو الحَسَن عليِّ ابن سُلَيمان المُرَاديّ، أحَدُ الأوْلِيَاء المُكاشَفين، والأُسْتَاذ عَبْد اللّه بن عُلْوَان، والد شَيْخنا الحَافِظ أبي مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن، وشَيْخنا المذكُور. وفيها -في تُرْبَةٍ واحدة- قُبُور جَمَاعَة من الأوْلِيَاء منهم: الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن يُوسُف الفَاسِيّ، والشَّريف الزَّمِن، والشَّيْخُ عَبْد الحَقّ المَغْربِيّ، وشيخ الشُّيُوخ بالمَوْصِل، وسيأتي ذِكْرهُم في هذا الكتاب (¬٢) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وبني جَبَّانَة باب النَّصْر مَشْهَدٌ يُعْرفُ بمَشْهَدِ الدُّعَاءِ، يُقالُ: إنَّ الدُّعَاءَ به مُسْتَجابٌ. وبباب الجِنَان، مُلاصِق الباب من ظَاهرهِ، مَشْهَدٌ قَديمٌ يُعرفُ بمَشْهَد عليّ بن أبي طَالِب ﵁، قيل: رُؤيَ في المَنَام؛ أخْبَرَني بذلك الشَّيْخُ علىِّ بنُ أبي بَكْر الهَرَوِيّ (¬٣). وبجَبَل جَوْشَن مَشْهَد الدَّكَّة، ومَشْهَد الحُسَيْن ﵁، وقد ذَكَرْناهمُا عند ذِكْر جَبَل جَوْشَن (¬١). وفي قِبْلي جَبَل جَوْشَن، في طَرف اليَارُوْقِيَّة (¬٢)، مَشْهَد الأنْصاريّ؛ قال لي أبو الحَسَن بن الهَرَوِيّ (¬٣): بهِ قَبْر عَبْد اللّه الأنْصاريّ، كما ذَكَرُوا. وأخْبَرَني والِديّ، ﵀، قال: رأت امْرأةٌ من نساءِ أُمراء اليَارُوْقِيَّةِ في المَنَام قائلًا يَقُول: ها هُنا قَبْر الأنْصاريّ صَاحب رَسُول اللّه ﷺ، قالُوا: فنَبَشُوا، فوجَدُوا قَبْرًا، فبَنَوا عليه هذا المَشْهَد، وجَعَلُوا عليه ضَريحًا. وفي قَرْيَةٍ يُقالُ لها نَوَائل (¬٤)، من شَرْقيّ مَدِينَةِ حَلَب، على رأس جَبَلها، مَشْهَدٌ يُقالُ هو مَقام إبْرَاهِيمَ ﷺ. وبأرْض آرِل (¬٥)، وهي قَرْيَة من جَبَل سِمْعَان، على رأس الجَبَل من جِهَة الشَّرْق، مَشْهَدٌ مُشْرِفٌ على بَلَد الأُرْتِيْق جَميعه، يُقالُ لهُ مَشْهَدُ الرَّجْمِ، يُزَار ويُتَبَرَّكُ به، وفيه سِرْدَابٌ، قيل: إنَّ نَبِيًّا من الأنْبِياء رَجَمَهُ قَوْمُهُ، وأنَّه في ذلك السِّرْدابِ؛ سَمِعْتُ والديّ، ﵀، يَذْكُر لي ذلك. وبرُوْحِين؛ قَرْيَة من جَبَل سِمْعَان، مَشْهَدٌ حَسَنٌ، وفي جانب المَسْجِد منه ثلاثة قُبُور، قيل إنَّ الأوْسَط منها قَبْر قُسّ بن سَاعِدَة الإيَادِيّ، والقَبْران الآخران قَبْرَا سِمْعَان وشَمْعُون من الحَوَارِيّين (¬١)، وقد ذَكَرْنا قِصَّة قُسّ، ومَقَامه بين القَبْرين، والشِّعْر الّذي أنْشَدَهُ (¬٢)، فلا حاجَةَ إلى إعادتهِ هَا هُنا، وسيأتي في تَرْجَمَةُ قُسٍّ (¬٣) من شَرْح ذلك ما فيه مَقْنَعٌ إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وبجَبَل بَرْصَايَا قَبْر شَيْخ بَرْصِيْصَا، ومَقام دَاوُد ﵇، وقد ذَكَرْناهُ (¬٤). وقال لي الشَّيْخُ عليّ بن الهَرَوِيّ (¬٥): جَبَلُ بَرْصَايَا به مَقَامُ بَرْصِيْصَا العَابِد، وقَبْر شَيخ بَرْصِيْصَا، ومَقام دَاوُد ﵇. وقال (¬٦): مَشْحَلا قَرْيَةٌ من بَلَد عَزَاز، بها قَبْرُ أخي دَاوُد النَّبِيّ ﵇. قُلْتُ: وهذه مَشْحَلا قَرْيَة من قِبْلّي عَزَاز وغَرْبيّها، وبها نَهْر جار وبَساتِيْن، وقد خَرَجَ منها بعضُ أهْلِ الحَدِيْث. وبقُورُس قَبْر أُوْرِيَّا بن حَنان (¬٧)، في قُبَّةٍ من قِبْليّ المَدِينَة، وقِصَّتُه مع دَاوُد ﵇ مَعْرُوفة، تُذْكَر في مَوضِعها (¬٨) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى. وبمَنْبج مَشْهَدٌ من شَرْقيّ المَدِينَة، زَعَمُوا أنَّ بهِ قَبْر خَالِد بن سِنَان العَبْسِيّ، وهو النَّبِيّ الّذي ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ، وَسَنَذْكُر قِصَّتَهُ (¬٩) إنْ شَاءَ اللّهُ. أخبَرَني عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ، قال (¬١): وبها -يعني: مَنْبج- مَشْهَد النُّور، يَزعمُونَ أنَّ به بعض الأنْبِياء، ويقُولونَ إنَّهُ خَالِد بن سِنَان العَبْسِيّ الّذي قال فيه رسُول الله ﷺ (¬٢): ذَاك نَبِيٌّ أضَاعَهُ قَوْمُه. قال (¬٣): وبها مَسْجِد المُسْتَجَاب، وبها قُبُور جَمَاعَة من الصَّالِحين. وفيها مَشْهَدٌ من غَربيّ المَدِينَة وشَماليّها يُقالُ لهُ: المُسْتَجاب، يُتَبَرَّكُ بهُ، ويُقالُ: إنَّ الدُّعَاءَ به مُسْتَجاب. وبجَبَل باب بُزَاعَا -من غَرْبيَ البَاب، وُيُقالُ للجَبَل: تَيْمَر- مَشْهَدٌ مُطلٌّ على البَاب، يَزُورُونَهُ ويَتَبَرَّكُونَ به، وبقولونَ بأنَّه في كُلِّ سَنَةٍ في خَمِيْس نَيْسَان يجتَمع إليهِ من هذه الدُّوَيْبَات الحُمْر الّتي تُشْبهُ الذَّرَارِيْح، ويُوجَد علىِ المَقَابِر شيء كَثِيْر حتَّى يعمّ أكْثَر الأرْض الّتي حَوْل المَشْهَد، ثُمّ تَذْهب من حولهِ، ولا يبقَى إلَّا اليَسِيْر. وبجَبَل الطّور إلى جانب قِنَّسْرِيْن مَشْهَدٌ قيل إنَّه مَقام صالِح النَّبِيّ ﵇، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرهُ (¬٤). وقال لي الشَّيْخُ عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (¬٥): مَدِينَةُ قِنَّسْرِيْن بجَبَلها مَشْهَدٌ يُقال إنَّه مَقامُ صالِح النَّبِيّ ﷺ، ويُقالُ: إنَّ النَّاقَة منهُ خَرَجَتْ لصَالحِ، وبهِ آثارُ أقْدَام البَعِير. قال: والصَّحِيح أنَّ صَالِحًا كان بأرْض اليَمَن، وقَبْرُه في شَبْوَةَ باليَمَن، هذا ما ذَكَرَهُ ابن الهَرَوِيّ. والصَّحيحُ أنَّ مَوضِعَ النَّاقَة بالحِجْر من مَدَائِن ثَمُود، والّذي يَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّ هذا المَشْهَد من بناءِ صَالح بن عليّ بن عَبْد اللّه بن العبَّاس، وكان إليهِ ولاية الشَّام، وله آثارٌ بحَلَب وقِنَّسْرِيْن، فنُسِبَ المَشهَدُ إلى صالح ﵇. وبمَعَرَّة النُّعْمَان -فيما زَعَمُوا- قَبْر يُوْشَع بن نُوْن ﵇، في مَشْهَد هناك، جَدَّدَ عِمارتَهُ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب، ﵀، وهو يُزَارُ ويُتَبَرَّكُ بهِ. وقيل: إنَّ بها قبر مُحمَّد بن عَبْد اللّه بن عَمَّار بن يَاسِر، يُزَارُ أيضًا. وبكَفَرْ طَاب قَريَةُ يُقالُ لها شَحْشَبُو (¬١) قيل بها قَبْر الإسْكَنْدَر، وقيل: إنَّه مات بها ونُزِعَ ما في جوْفه ودُفِنَ بهذا المكان، وصُبِّر جَسَدهُ وحُمِل إلى أُمِّهِ؛ وقد ذكَرَ بعضُ أرْباب التَّواريخ أنَّه ماتَ بحِمْص، فلا اسْتَبعدُ ذلك؛ فإنَّ كَفَرْ طَاب كانت من أعال حِمْص، واللّهُ أعْلَمُ (¬٢). قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ (¬٣): شَحْشَبُو قَرْيَة من أعال فَامِيَة، بها قَبْر الإسْكَنْدَر، وبقال إنَّ أمْعَاءَهُ هناك وجُثَّته بمَنارَة الإسْكَنْدَرِيَّة، وقيل إنّه ماتَ ببَابِل. وبدَيْر سِمْعَان من قُرَى مَعَرَّة النُّعْمَان -ويُقالُ أيضًا: دَيْر النَّقِيرَة لأنَّ إلى جانبها قَرْيَة يُقالُ لها النَّقِيْرَة- قَبْر عُمَر بن عَبْد العَزِيْز ﵁ في حَائر صَغِير، وإلى جانبه، من خَلْف ظَهْره، قَبْر الشَّيْخ أبي زكرى يَحْيَى بن المَنْصُور، وكان أحَد أَوْلياء اللّه تعالَى، وله كَرَامَات ظَاهِرة، وكان قد أقام في المَسْجِد الّذي بهذه القَرْيَة يَعْبُد اللّه تعالَى حتَّى أدْرَكه أجَلُه، فدُفِنَ في الحاَئِر إلى جانب عُمَر ﵄، وَسَنَذْكُره (¬١) إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى في كتابنا هذا. وبأَنْطاكِيَة قبر حَبِيْبٍ النَّجَّار، مُؤمن آل ياسِيْن، وزُرْتُ قَبْرَهُ بها. وبها قبر عَوْن بن أُورْميا النَّبِيّ، وقَبْر عُوْذ بن سَام بن نُوح النَّبِيّ ﵉، وقد ذكَرناهمُا في بابٍ قبل هذا (¬٢). وأخْبَرنا أبو عَبْد اللّهِ مُحمَّد بن دَاوُدَ بن عُثْمان الدَّربَنْدِيّ بحِبْرَى في مَشْهَد الخلَيل ﵇، قال: أخْبَرَنا أبو مُحمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيُّ، قال: أنْبَأنَا أبو سَعد عَمَّارُ بن طَاهِر بن عَمَّار بن إسْمَاعِيْل الهَمَذَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم مَكِّي بن عَبْد السَّلام بن الحَسَن بن القَاسِم بن مُحمَّد الرُّمَيْلِيّ المَقْدِسِيّ، قال: أخْبرَني الشَّيْخُ أبو الحَسَن عليّ بن الخَضِر بن سُلَيمان بن سَعيد السُّلَميّ الدِّمَشْقِيّ، إجَازَةً شَافَهني بها، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم تَمَّام بن مُحمَّد بن عَبْد اللّهِ الحاَفظُ الرَّازِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو يَعْقُوب إسْحَاقُ بن إبْرَاهِيمَ الأذْرَعِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن الخَضِر، عن هِشَام بن خَالِد، عن الوَلِيد بن مُسْلِم، عن سَعِيد -يعني: ابن عَبْد العَزِيْز- عن مَكْحُول، عن كَعْب، قال: بطَرَسُوس من قُبُور الأنْبِياء عَشَرةٌ، وبالمِصِّيْصَة خَمْسَةٌ، وبسَواحلِ الشَّام من قُبُور الأنْبِياءَ ألْفُ قَبْرٍ، وبأَنْطاكِيَة قَبْر حَبِيْبٍ النَّجَّار، وذَكَرَ تَمام الحَدِيْث. وقد ذَكَرْنا فيما تقدَّم، في فَضْل أَنْطاكِيَة (¬١)، حَدِيثًا مُسْنَدًا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيّ ﷺ، قال: إنَّ فيها التَّوْراةَ، وعَصَا مُوسَى، ورَضْرَاض الألْوَاح، ومَائِدَة سُلَيمان بن دَاوُد في غَارٍ من غِيْرَانها. وفي حديثٍ آخر عن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِيّ ﷺ، قال (¬٢): وفيها جبَلٌ، وفي ذلك الجَبَل غَارٌ، وفي ذلك الغَارِ عَصَا مُوسَى ﷺ وشيءٌ من ألْوَاحهِ، ومائِدَةُ سُلَيمانَ، ومَحْبُرَةُ إِدْرِبسَ، ومِنْطَقَةُ شُعَيْب، وبُرْدَا نُوح. وقد ذَكَرْنا فيما نَقَلْنَاهُ عن الحَسَن بن أحْمَد المُهَلَّبِيّ في وَصْفها (¬٣): وبها كَنِيْسَةُ القُسْيَانِ، وهي كَنِيْسَةٌ جَلِيلَةٌ، ويُقال إنَّ بها كَفَّ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇. وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو الطَّرَسُوسِيِّ، قاضي المَعَرَّة، قال: قَبْرُ أبي مُعاوِيَة الأَسْوَد بطَرَسُوس، بباب الجِهاد في الطَّربق الآضذ إلى المَيْدَان يُمْنة السَّائر، بإزاءِ قُبَّةِ ابن الأغْلَب، ما فارقَهُ الزُّوَّارُ مُدَّة عِمَارَة طَرَسُوس تَبَرُّكًا بهِ وتَيَمُّنًا بالدُّعَاءِ بحَضْرته. وقال أبو عَمْرو: سَمِعْتُ عِدَّةً من شُيُوخ طَرَسُوس يقُولُون: ما صَدَق أحَدٌ نِيَّتَهُ في حاجَةٍ للّه ﷿ فيها رِضًا، فتَوَسَّل ودَعَا عند قَبْر أبي مُعاوِيَة، إلَّا أجابَهُ اللّهُ ﷿. وبعَرْبَ سُوْس -وقيل: إنَّها آخر حُدُود الشَّام- في جَبَل بَانَجْلُوسْ، من غَرْبيّ عَرْبَ سُوْس، الكَهْفُ الّذي كان فيهِ أصْحَاب الكَهْف، ولَبثُوا فيه ثلاثمائة سِنينَ، وزُرْتُ المكان عند دُخُولي إلى بلادِ الرُّوم، وهو مكانٌ حَسَنٌ كَثِيْر الزُّوَّار، وهو كما وصفَهُ اللّهُ تعالَى في كتابه: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (¬١). والكَهْف يَدْخُل إليه الإنْسانُ حَبْوًا لا يُمْكِن الماشِي أنْ يَمْشِي فيه قائمًا لقِصَر سَقْفه، وبُنِيَ عليه مَشْهَد عظيم بالحَجَر، وجُعِلَ له سُور، ووُقِفَ عليه وَقْفٌ للزُّوَّار، وقد ذَكَرْنا عَرْبَ سُوْس فيما تقدَّم (¬٢). قال لي عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِىِّ (¬٣): مَدِينَة الرُّصَافَة بها قُبُور جَمَاعَة من الصَّحابَةِ والتَّابِعِين لا أعْرف أسمْاءهُم. وقال (¬٤): مَدِينَة بَالِس بها مَشْهَد عليّ بن أبي طَالِب ﵇، وبها مَشْهَد الطُّرْح، وبها مَشْهَد الحَجَر؛ يُقالُ: إنَّ رأسَ الحُسَيْن ﵇ وُضع عليه عندما عَبَرُوا بالسَّبْيّ، واللّهُ أعْلَمُ.