page 568, entry [150]Open original source
بابُ ما جاءَ في صِحَّةِ تُرْبَة حَلَب، وهَوَائها، واعْتِدَالِ مِزَاجها، وخِفَّة مائها اعْلَم أنَّ هَواءَ حَلَب الغَرْبيّ يُنْعِشُ الأنْفُسَ ويُحْييها، ويُرَبِّي الأجْسَامَ ويُغَذِّيْها، ويُؤثِّرُ في الأجْسادِ كتأْثيرهِ في الزُّرُوع بعدَ الفَسَاد، فإنَّ الزَّرْع بها قد يَذْبُل ويَبُور، فيَخْضَرُّ عندما تَهبُّ عليه الدَّبُور، ومياهُهَا بالرِّقَّةِ والخِفَّة مَوْصُوفَة، وتُرْبَتُها بقلَّةِ العُفُوناتِ مَشهُورةٌ مَعْرُوفةٌ، وهذه الأسْبابُ مُوْجِبَةٌ للصِّحَّة والاعْتِدال، مُؤثِّرةٌ في دَفْعِ الأسْقَام والأعْلَال. وما أحْسَن ما وصفَها عَبْد المَلِك بن صَالح، وجَمعَ في أوْجَز كلام ما فيها وفي بلادهَا من المَدَائح، وقد قيل له يَوْمًا: يا أبا عَبْد الرَّحْمن، ما أحْسَنَ بلادَكُم! فقال: وكيف لا تَكُون كذلك، وهي تُرْبَةٌ حَمراءُ، وسُنبلةٌ صَفْراءُ، وشَجَرةٌ خَضْراءُ، فيافي فُيَّح، وجِبَالٌ وُضَّح (¬١). وسَمِعْتُ الحَكِيم الصَّفِيّ سُلَيمان بن يَعْقُوب بن سَعيد البَغْدادِيّ بقيصَريَّة (¬١) من بَلَد الرُّوم يقول لي: ذَكَر أَرُسْطَاطَالِس في كتاب الكيان (¬٢) أنَّهُ لَمَّا أَتَى مع الإسْكَنْدَر لقَصْدِ دَارَا المَلِك ومُقاتَلَته (¬٣)، وَصَل معهُ إلى حَلَب -وكانت تُسَمَّى باليُونانيَّةِ: بِيْرُواءَ- فتحقَّق حالَ تُرْبَتِها، وصِحَّة هَوَائها، فاسْتَأْذن الإسْكَنْدَر في المَقَام بها، وقال: إنَّ لي بها (a) مَرَضًا باطنًا، وهَوَاءُ هذه البَلْدَة مُوَافقٌ لشِفَائيّ، فأقَام بها، فَزَال ما كانَ به من المَرَض. وقد اتَّبَعَهُ الإسْكَنْدَر بعدَ ذلك فيما اعتَمده من فعالهِ، وسَلَك طريقَهُ الّذي سَلكَهُ ونَسَج على منواله، فإنَّ الشَّيْخ أبا مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الفَقِيه الدِّمَشْقِيّ أخْبَرَنَا بها، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن ابن هِبَة الله الشَّافِعِيُّ (¬٤)، قال: أَخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم الفَقِيه، قال: أخْبَرَنَا أبو الفَتْح نَصْر بن إبْرَاهِيْم المَقْدِسِيِّ، وأبو مُحمَّد عَبْدُ الله بن عَبد الرَّزَّاق بن فُضَيْل، قالا: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن عَوْف بن أحْمَد بن عَوْف، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ الحَسَنُ بن مُنِير، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن خُرَيْم، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عَمَّار، قال: حَدَّثَنَا غَالِبُ بن غَزْوَان الثَّقَفِيّ، قال: حَدَّثَنَا صَدَقَة بن يَزِيد الخُرَاسَانيّ، عَمَّن حدَّثَهُ، قال: لمَّا أتَى ذُو القَرْنَيْن العِرَاقَ، اسْتَنْكَر قَلْبَهُ، فبَعَثَ إلى تُرَاب الشَّام فأُتِي بهِ، فجَلَسَ عليه، فرجعَ إليهِ ما كان يَعْرفُ من نَفْسه. ولا أشُكُّ أنَّ التُّراب الّذي أُحْضر إليهِ، من تُرَاب حَلَب أو بعض عَمَلها، لِمَا ذَكَرناهُ من فِعْل أَرُسْطُو، ولِمَا بَيَنَّاهُ في الباب المُتَقدِّم من أنَّ الإقْليم الرَّابِع وَاسِطة الأقاليِمْ، وأطيَبُها ماءً، وأعْدَلُها هَواءً، وأحْسَنُها أهْلًا، وأصَحُّها طِباعًا، وليس في بلادِ الشَّام من الإقْليم الرَّابِع غير حَلَب وأعْمَالها. وقَرَأتُ بخَطِّ الحَافِظ أبي نَصْر بن فُتُوح الحُمَيْدِيّ، قال: ووَقَع طَاعُون ووَباء بالشَّام، فَأرادَ الوَلِيدُ أنْ يخرُجَ إلى حَلَب فيُقِيم بها، فقال لَهُ رَجُلٌ يا أَمِير المُؤمِنِين، إنَّ الله ﷿ يقول: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (¬١)، فقال له الوَلِيدُ: فذلك القليلَ أُرِيْدُ. قُلْتُ: وقد كان جَمَاعَةٌ من بني أُمَيَّة اخْتارُوِا المَقَام بناحيةِ حَلَب، وآثَرُوها عِلى دِمَشْق، مع طِيْب دِمَشْق وحُسْنها، وكَوْنها وطَنَهُم، ولا يَرْغَب الإنْسَان عن وطَنه إلَّا بما هو أفْضَل منهُ، فمنهم هِشَام بن عَبْد المَلِك، انْتقَل إلى الرُّصَافَة، وسَكَنها واتَّخذها مَنْزِلًا لصِحَّة تُرْبَتها، واخْتار المَقَام بها على دِمشْق، ومنهم عُمَر ابن عَبْد العَزِيْز ﵀، أقام بخُنَاصِرَة واتَّخذها لهُ مَنْزِلًا، ومنهمِ مَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك، سَكَنَ بالنَّاعُورَة، وابْتَنَى بها قَصْرًا، وبناهُ بالحَجَر الصَّلْد الأَسْود، وبقي ولدَهُ به بعْدَهُ، وكان صالح بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ قد وَلي الشَّام جميعَهُ، فاخْتارَ حَلَب لمَقَامهِ، وابْتَنى له بِظَاهِرها قَصْر بُطْياس، وهو من غَرْبيّ النَّيْرَب (¬٢) وشَماليّه، ووُلِدَ لهُ بهِ عامَّة أولادِه. كُلُّ هذا لمَا اخْتُصَّتْ به هذه البِلاد من الصِّحَّة والاعْتدال، وكذلك الحَصَانَة؛ فإنَّني قَرَأتُ في كتاب نَسَب بني العبَّاس، تأليف أبي مُوسَى هارُون بن مُحمَّد بن إسْحَاق بن مُوسَى بن عِيسَى بن موسَى بن مُحمَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاس (¬١): أنَّ إبْرَاهِيمْ بن صالح بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس لمَّا مات، وكان أولاده بفِلَسْطين قال: فأمَرَ الرَّشيدُ عَبْد المَلِك بن صالح بحَمْل ولدِ إبْرَاهِيمْ جميعًا من فِلَسْطين إلي حَلَب من مال أَمِير المُؤمِنِين، لاجْتماعَ ولد صَالح بن عليٍّ بها، ولأنَّها حَصِيْنَةُ مَنِيعةٌ، وأنْ يُجْري عليهم من الأرْزَاق ما أمَر به لهم، فحملَهُم عَبْدُ المَلِك بن صالح جميعًا من فِلَسْطين إلى حَلَب، فلم يَزَالُوا بها إلى أنْ تُوُفِّي الرَّشِيد، ثمّ افْتَرقُوا. وأمَّا غير هؤلاءَ من المُلُوك العِظَام؛ أرْباب المَمالِك الوَاسعَة، والبِلَاد الشَّاسِعَة، الّذين تَرَكُوا سَائر بلادهم، واخْتاروا المَقَام بحَلَب قَرَارًا، وجَعَلُوها مَسْكَنًا لهم ودَارًا، فأكْثَر من أنْ يُحْصَوْنَ، وهذا هِرَقْل، على سَعة مملكته واسْتِيلائهِ على بلاد الرُّوم وبلاد الشَّام جميعها، اخْتَار المَقَام بأَنْطاكِيَة، وكان كما ذَكَرنا عنه أنَّه كُلَّما حَجَّ بَيتَ المَقْدِس، خَلَّف سُورْيَة - وهي شام حَلَب وقِنَّسْرِيْن وعَمَلهما - وطَعَن في أرْض الرُّوم، الْتَفَتَ إلا فقال: عليك السَّلام يا سُوِرْيَة، تَسْليم مُوَدّع ولم يَقْض منكِ وَطَرَهُ، وهو عَائد. ولمَّا فُتِحَتْ قِنَّسْرِيْن، وسِار نحو القُسْطَنْطِينِيَّة الْتَفَتَ وقال: عليكِ السَّلام يا سُورْيَةُ، سَلامُ لا اجْتماع بعدَهُ.