Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

فصل في صفة البحر الشامي وطوله وعرضه

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 512, entry [132]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

page 512, entry [132]Open original source
فَصْلٌ في صِفَة البَحْر الشَّاميّ وطُوله وعَرْضه ذَكَر أبو العبَّاس أحمدُ بن مُحمَّد بن يَعْقُوب ابن القَاصّ، قاضي طَرَسُوس، في كتاب دَلائِل القِبْلَة (¬٢)، قال: وأمَّا بَحْرُ الرُّوم، الّذي هو بَحر إِفْرِيقِيَّة والشَّام، فيكُون من عند الخَليْج الّذي يخرجُ من عند البَحْر الأخْضَر إلى المَشْرِق، يَمُدّ إلى صُوْر وصَيْدَا وأَنْطاكِيَة وطَرَوسُوس، طولُهُ خَمْسَة آلاف مِيل (a)، وعرضُه في مكانٍ سَبْعمائة مِيْل، وفي مكانٍ ثمانمائة مِيل، يَخرجُ منه خَلِيْجٌ إلى نَاِحيَةِ الشَّمَالِ قريب من الرُّومِيةِّ، طول ذلك الخَلِيْج خَمْسُمائةَ مِيْل يُسَمَّى آرْس (b)، وخَلِيْج آخرَ إلى خَلَف قُبْرسُ، ففي هذا البَحْر مائة واثنان وستُّونَ جزيرة عَامِرَة، منها خَمْسُ جزائر عِظَام كقُبْرُس (a). وقال (¬١): وبَحر اللَّاذقِيَّة (b)، فإنَّهُ يَمُدّ بين (c) لاذِقيِّة إلى خَلْف قُسْطَنْطِيِنَّية، يَخْرجُ منه خَلِيجٌ يَجْري كأنَّه نَهْرٌ حتَّى يصُبُّ في بحر الرُّوم، وعَرْضَه عند قُسْطَنْطِينِيَّة قدر ثلاثة أمْيَال فقط مُشْرفة عليه. وقال أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَيْن بن عليّ بن عَبْد الله المَسْعُوديِّ في ذِكْر بحر الرُّوم والشَّام (¬٢): إنَّ طُوله خمسَة آلاف ميل وعَرضه مُختلِفٌ؛ فمنهُ: ثَمانمائة ميل فما دونَه، وأضْيَق مَوضعٍ فيه بين سَبْتَةَ وطَنْجَة، وهو المَعْرُوفُ بزُقَاق سَبْتَة نَحو عَشرة أمْيَال. وعلى هذا البَحْر من المُدُنِ الغَربْيَّة: سَبْتَّة، وطَنْجَة، والجَزَائر، وتُونِس، والمَهْدِيَّة، وطَرابُلُس، وسَفَاقُس. ومن المُدُن المِصْريَّة والثُّغُور: الإسْكَنْدَرِيَّة، ورشيْد، ودمْيَاط، وتنّيِس. ومن المُدُن الشَّاميَّة: غَزَّة، وعَسْقَلان، وعَكَّا، وصَيْدَا، وصُوْر، وبَيْرُوت، وطَرابُلُس، واللَّلاذِقِيَّة، وأَنْطاكِيَة، وأَذَنَة، وطَرَوسُ، وجَبَلَة، وغير ذلك. ﷽ وبه توفيقي وقال أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أحمدُ الجَيْهَانيُّ: وبحر الرُّوم وإفْرِيقِيَّة والشَّام ومِصْر طولُه من الخَلِيْج الذي يَخْرجُ من بَحر المَغْرب إلى نَاحِيةَ المَشْرِق، ينَتهي إلى صُوْر وصَيْدَا، يكون ذلك مِقْدَار خَمْسَة آلاف مَيْل، وعرضُه في مكانٍ سّتمائة مِيْل وفي مكانٍ ثَمانمائة مِيْل، ويَخْرج منه خَلِيجٌ إلى ناحية الشَّمَال قريب من الرُّوميَّة، يكون طُوله ثمانين مِيْلًا (¬١)، وفي هذا البَحْر مائتان واثنَتان وسِتُّون (¬٢) جَزيرة عَامِرة؛ منها خَمْس جَزَائر عِظَام، أعْظَمُها: قُوريس (a)، يُحيط بها مائتا مِيْل، وسَرْدَانَية، يُحيط بها ثلاثمائة مِيْل، وسقلّيّة، يُحيط بها خمسُمائة مِيْل، وأطْرِيْقيَة (b)، يُحيط بها ثَمانمائة مِيْل، وقُوْبرْسُ (c)، يُحيط بها ثلاثمائة وخَمسُون مِيْلًا. قال: وعندَ القُسْطَنْطِينِيَّة، يَخْرجُ منه -يعني: من بَحر نيطش (d)- خَلِيجٌ يَجْري كَهَيئة النَّهْر، وينصَبّ في بحر مِصْر، وعرضُهُ عند القُسْطنْطِينِيَّة قَدر ثلاثة أمْيَال بُنِيَت القُسْطَنْطِينِيَّة عليه. قال: وأمَّا البَحْر الشَّاميّ، فإنَّهُ إذا صَارت الشَّمْسُ في أوَّل العَقْرَب إلى أنْ تَصير في أوَّل الحُوْت في هذه الأربعَةَ الأشْهُر لا يَسْتَطِيعُ النَّاس رُكُوبه، وذلك لأنَّ الشَّمْس تباعَدُ عنه، وتَحْدُثُ فيه الرِّيَاح العاصِفةُ، وذلك في ناحيةِ الشَّمَال منه. وقَرَأتُ في كتاب مُرُوج الذَّهب، تأليفُ أبي الحَسَن عليّ بن الحُسَيْن ابن عليّ بن عَبْد الله المَسْعُوديِّ، قال (¬١): فأمَّا بَحْرُ الرُّوم وطَرَسُوسَ، وأَذَنَة، والمِصِّيْصَة، وأَنْطاكِيةَ، واللَّاذِقيَّة، وطَرابُلُس، وصَيْدَا، وصُوْر، وغير ذلك من سَاحَل الشَّام، ومِصْر، والإسْكَنْدَرِيَّة، وسَاحِل المَغْرب. فذكَرَ جَمَاعَةٌ من أصْحَاب الزّيجْات في كُتُبهم النُّجُوميَّة منُهم مُحمَّد بن جَابِر البَتَّانيّ (¬٢) وغيره، أنَّ طولَهُ خمسَةُ آلاف مِيْل، وعَرْضهُ مختلِفُ، فمنه: ثَمانمائة مِيْل، ومنه سَبْعمائة، ومنه ستّمائة، وأقلّ من ذلك عليّ حَسَب مُضَايَقة البَرِّ للبَحر، والبَحْر للبّرِّ. ومبدأ هذا البَحْر (a) من خَلِيجٌ يَخْرجُ من بَحْر أُقْيَانُس (b)، وأضيَقُ مَوضعٍ في هذا البَحْر (c) بين سَاحِل طَنْجَة وسَبْتَة من بلادِ المَغْرب و بين سَاحِل الأنْدَلُس، وهو المَوضِع المَعْرُوف بشيطا (b)، وعرضُهُ فيما بين السَّاحِلَيْن نحو من عَشَرَة أمْيَال، وهذا المَوْضِعُ هو المَعْبَرُ لمَن أراد من المَغْرب إلى الأنْدَلُس، ومن الأنْدَلُس إلى المَغْرب، ويُعْرَفُ بالزُّقَاق، ويتشَعَّب من بحر الرُّوم والشَّام ومِصْر خَلِيْجٌ من نحو خَمْسمائة مِيْل، يتَّصِلُ بمَدِينَة رُوْمِيَّةَ، يُسَمَّى بالرُّومِيّةِ أدوس (a). وفي البَحْر الرُّومِيّ جزائر كَثِيْرةُ، منها: جزيرةُ قُبْرُس بين سَاحِل الشَّام والرَّوم، وجزيرة رُوْدُس مقابل الإسْكَنْدَرِيَّة، وجزيرة إِقْرِيْطُش، وجزيرة صِقِلِّيَّة. والتَّنَانيْنُ فيهِ -يعني: بحر الشَّامِ- كَثِيْرة، وأكثر ما تكُونُ فيه ممَّا يلي طُرابُلُس واللَّاذِقِيَّة والجبَلَ الأقْرَع من أعْمَال أَنْطاكِيَة، وتحت هذا الجَبَل مُعظم ماءِ البَحْر وأكْثَره، وهو يُسَمَّى عَجُز البَحْر، وغايته إلى سَاحل أَنْطاكِيَة وسيس (b) والإسْكَنْدروْنَة، وبَيَّاس (c)، وحِصْن المُثَقَّب، وذلك في سَفْح جَبَل اللُّكام وسَاحِل المِصِّيْصَة، وفيه مَصَبُّ نَهْر جَيْحَان، وسَاحِل أَذَنَة، وفيه مَصَبُّ نَهْر سَيْحَان، وسَاحِل طَرَسُوس، وفيه مَصَبُّ نهر البَرَدَان، وهو نَهْرُ طَرَسُوس. والعِمَارَة على هذا البَحْر الرَوِمِيّ من المضيق الّذي قَدَّمنا ذِكْرَهُ، وهو الخَلِيْجُ الّذي عليه طَنْجَة مُتَّصِل بسَاحِل المَغْرب، وبلاد إفْرِيقِيَّة، والسُّوْس، وطَرابُلُس المَغْرب، والقَيْرَوان، وسَاحِل بَرْقَة، والرَّقَّادَة، وبلاد الإسْكَنْدَرِيَّة، ورَشِيْد، وتِّنِيْس، ودِمْيَاط، وسَاحِل الثُّغُور الشَّاميّة، ثمّ سَاحِل الرُّوم متَّصل مارًّا إلى بلاد رُوْمِيَّة إلى أنْ يتَّصل بسَاحِل الأنْدَلُس الّذي يَنْتهي إلى سَاحِل الخَلِيْج الضَّيِّق المُقابِل طَنْجَة على ما ذَكَرنا أنّه لا يقْطع بين هذا البرّ كُلّه، والعَمَائر التي وصَفْناها من الإسْلام والرُّوم، إلى الأَنْهار الجارية إلى البَحْر إلَّا خَلِيْج القُسْطَنْطِينِيَّة، وعَرْضُه نحوٌ من مِيْلٍ، وخُلْجَانات أُخَر من البَحْر الرُّوِميّ داخلّة في البَرِّ لا منْفَذ لها. فجميعُ ما ذكَرنا على شَطِّ هذا البَحْر الرُّومِيّ مُتَّصل الدِّيَار، غير منفصلين بماء يَمْنَعُهم أو بحرٍ يقْطَعُهم إلَّا ما ذَكَرنا من الأَنْهار وخَلِيْج القُسْطَنْطِينِيَّة، ومثال هذا البِحْر الرُّومِيّ ومثال ما ذكَرنا من العَمَائر عليه إلى أنْ يَنْتهي إلى مَبْدَأ (ا) الخَلِيْج الآخذ من أُقيانُس (ب) الّذي عليه المَنارة (ج) النُّحاس، ويلي الأعْلَام من طَنْجَةُ وسَاحِل الأنْدَلُس مثلُ الكَرْنِيْب (¬١) فمقبَضُه الخَلِيْج، والكَرْنيب على صِفَة البَحْر إلَّا أنَّه مُدَوَّر (د) الشَّكل لِمَا ذكَرنا من طوله. قال (¬٢): وقد ذكَر أحمدُ بن الطَّيِّب السَّرخَسِيّ في رسالته في البحار والمياهِ والجِبَالِ عن الكِنْدِيّ: أنَّ بَحْر الرُّوم طُوله ستَّة آلاف ميْل من بلاد صُوْر وطَرابُلُس وأَنْطاكِيَة والمُثَقَّب وسَاحِل المِصِّيْصَة وطَرَسُوس وقَلمْيَة إلى مَنَار هِرَقْل، وأنَّ أغْرَضَ مَوضعٍ فيه أرْبَعمائة مِيْلٍ. وقال (¬٣): شاهدْتُ أرْبابَ المراكب في البَحْر الرُّومِيّ من الحَرْبِيَّة، والعَمَّالَة؛ وهم النَّواتِيَّةُ، وأصْحَاب الأرْجُل، والرُّؤَسَاءِ، ومَنْ يَلي تَدْبير المَراكبَ والحَرْب فيها، مثل لَاوُن المُكَنَّى بأبي الحَارِث غُلَام زُرَافَة صاحب طَرابُلُس الشَّام من سَاحِل دِمَشْق، وذلكَ بعد الثَّلاثمائة، يُعَظِّمُون طُولَ البَحْر الرُّومِيّ وعَرْضَهُ وكَثْرة خُلْجانه وتَشَعُّبه. وعلى هذا وجدْتُ عَبْدَ الله بن وَزِير صاحب مَدِينَة جَبَلَة من سَاحِلِ حِمْصَ من أرضِ الشَّام، ولم يَبْقَ في هذا الوَقْت -وهو سَنَة اثْنتَيْن وثلاثين وثَلاثِمائة- أبْصَر منهُ بالبَحْر الرُّومِيّ، ولا آنسَ به، وليسَ في مَنْ يركَبُه من أرْباب المراكب من الحَرْبِيَّة (a) والعَمَّالَةِ إلَّا وهو ينْقَادُ إلى قَوله، ويُقِرُّ له بالبَصَر والحِذق ممَّا هو عليه من الدِّيانَة والجهَاد القديم فيه. وأنْبَأنَا الأَخَوَان أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله، وأبو العبَّاس أحمد الأسَدِيَّان، قالا: أخْبَرَنا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ إذْنًا، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، قال: ذكَرَ أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي في كتاب الحَافِظ لمعارف حَرَكات الشَّمْس والقَمَر والنجوم، وأوْصَاف الأفلاكِ، والأقالِيْم، وأسْماء بُلْدانها، قال: حَدَّثَني هارُون بن علىّ بن الحَكَم المُزَوِّق، قال: حدَّثنا عليّ بن دَاوُد القَنْطَريّ، قال: حَدَّثَنا مُحمَّدُ بن عَبْد العَزِيْز الرَّمْليّ، قال: حدَّثَنا مُحمَّد بنُ شُعَيْب بن شَابُور، قال: حَدَّثَنَا عُمَر ابن يَزِيد المِنْقَريّ، قال: في الكتاب الّذي تَنَبَّأ عليه هارُون ﵇ أنَّ بَحرنا هذا خَلِيْجُ من فُنْطُس (b)؛ وفُنْطُس خلْفَهُ مُحيط بالأرْض كُرِّيا؛ فهو عنده كَعَيْن على سِيْفِ البَحْر، ومن خَلْفه الأصَمّ مُحيط بالأرْض كُلّها، ففُنطُس وما دونَهُ عندَه كَعَيْن على سِيْف البَحْر، ومن خَلْفه المُظْلم مُحيطٌ بالأرْض كُلّها، فالأصَمّ وما دونَهُ عندَهُ كَعَيْن على سِيْف البَحْر، ومن خَلْفه الماس مُحيطٌ بالأرْض كُلّها، فالمُظْلِمُ وما دونَهُ عندَه كَعيْن على سِيْف البحْر، ومن خَلْفه الباكي، وهو ماءٌ عَذبٌ أمرَهُ اللهُ ﵎ أنْ يرتفِعَ، فأراد أنْ يستَجْمع، فزجرَهُ، فهو بَاكٍ يَسْتَغْفر الله، مُحيْطٌ بالأرْض كُلّها، فالماس وما دونَهُ عندَهُ كعَيْن على سِيْفِ البَحر، ومن خَلْفه العَرْش مُحيطٌ بالدَّنْيا كُلّها، فالباكي وما دُونَهُ عندَه كعيْن على سِيْفِ البَحْر. قال ابن المُنَادِي (¬١): ثمّ بلغَنا بعد ذلك أنَّ البَحْر المَعْرُوفَ بفُنْطُس من وراء قُسْطَنْطِينِيَّة (a) يجيءُ من بَحر الخَزَر، وعَرْض فُوَّهته ستَّة أمْيالٍ، فإذا بلغ أَنْدُس (b) صار هنالك بين جَبَلين، وضَاق حتَّى يكُون عرضُه غَلْوَةَ سَهْمٍ، وبين أَنْدُس هذه وبين قُسْطَنْطِينِيَّة مائة مِيلٍ في مُستَوىً من الأرْض، ثمّ يَمُرّ الخَلِيْج حتَّى يصُبَّ في بحر الشَّام، وعَرْضُه عند مَصَبِّهِ ذلك مقْدَار غَلْوَة سَهْمٍ أيضًا، وهَنالك -زَعَمُوا- صَخْرة عليها بُرْجٌ فيه سِلْسلَةُ تَمنَعُ المُسْلِمِيْن من دخُول الخَليْج، وطُوُل الخَليج من بَحْر الخَزَر إلى بَحر الشَّام ثلاثةُ وعشرون مِيْلًا تنْحَدر المَراكب فيهِ من بَحَر الجَزَر وتيكَ النَّواحي، وتَصْعَدُ فيه من بَحْرِ الشَّام إلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ. وقال أبو الحُسَيْن بن المُنَادِي: حَدَّثَنا جَدِّي، ﵀، قال: حَدَّثَنَا يَزِيد ابن هارُون، قال: أخْبَرَنَا العَوَّام بن حَوْشَب، قال: حَدَّثَني شَيخُ كان مُرَابِطًا بالسَّاحِل، قال: خَرَجْتُ ليلة بحَرَسٍ إلى المِيْناء، ولم يَخْرُج تلك اللَّيْلة أحدٌ غيري، فصَعدتُ الميناء، فكان يُخَيَّلُ إليَّ -وأنا مُسْتَيقظٌ- أنَّ البَحْر يُشْرفُ حتَّى يُحاذي برؤُوس الجِبَال ففَعَل ذلك مرارًا وأنا مُسْتَيقظُ، ثمّ نِمْتُ، فرأيْتُ في النَّوم كأنَّ الرَّاية بيَدي وأنا أمْشِي أمامَ أهْلِ هذه المَدِينَة، وهم يَمْشُونَ خَلْفي، فلمَّا أصبَحْتُ رجَعْتُ، فاسْتَقْبَلَني أميرُ المَدِينَة، وأبو صالح مَوْلَى عُمَر بن الخَطَّاب ﵀، فكانا أوَّل مَنْ خَرَجَ من المَدِينَة، فقالا لي: أين النَّاس؟ قُلتُ: رجَعُوا قَبْلي. قالا: لم تَصْدقْنَا، نحنُ أوَّل مَنْ خَرَجَ من المَدِينةَ، قال: قُلتُ: لم يَخْرُج أحَدٌ غيري، قالا: فما رأيتَ؟ قُلتُ: واللهِ لقد كان يُخَيَّل إليَّ أنَّ البَحْر يُشْرف حتَّى يُحاذي برؤوس الجِبَال، ففَعل ذلك مرارًا وأنا مُسْتَيْقظ، ثمّ نِمْتُ، فرأيتُ كأنَّ الرَّاية بيَدِي، وأنا أمْشِي أمام أهْلِ هذه المَدِينَة، وهم يَمْشُون خَلْفي، فقال أبو صَالح: صَدَقْتَ، حَدَّثَنَا عُمَر بن الخَطَّاب (¬١)، عن رسُول الله ﷺ أنَّه قال: ليسَ من ليلةٍ إلَّا والبَحْرُ يُشْرف على الأرْضِ ثلاث مَرَّاتٍ يَسْتأذنُ الله في أنْ يَنْتضِحَ عليهم، فيَكُفُّه اللهُ: وأمَّا ما رأيتَ من الرَّايةِ فإنَّ تَصْدُق رَؤياك تَفَز بأجر أهل هذه المَدِينَة اللَّيْلة، قال: وكان أبو صَالح مُبَاعدًا لي قبل ذلك، فكأنَّهُ اسْتأنَس بي، فجَعَل يُحَدِّثُني، وذكَر كَلامًا قَطَعْناهُ. وعلى قُول المَسْعودِيّ (¬٢)، فيما ذَكَرناهُ عنهُ أنَّ التَّنانِيْن في بَحْر الشَّام كَثِيرْة، فوقَعَ إليَّ ببَغْدَاد من تَصْنِيف أحمد بن مُحَّمد بن إسْحَاق الزَّياَّت، مؤلِّف كِتاب البُلْدان، قال فيه: وقال المُعَلَّى بن هِلالٍ العَوْفِيّ: كُنْتُ بالمِصِّيْصَةِ فسَمِعْتُهم يتحَدَّثوُنَ أنَّ البَحْر ربَّما مَكَثَ أيَّامًا ولَيَالي تَصفقُ أمْواجُهُ، ويُسْمَع له دوِيُّ شَدِيدُ، فَيَقُولُونَ ما هذا إلَّا لشَيءٍ قد آذَى دَوابَّ البَحْر فهي تَصِيحُ إلى الله، قال: فَتُقْبِل سَحابةُ حتَّى تَغِيْبَ في البَحْر، ثُمّ تُقْبل أُخرى حتَّى عدّ سبعَ سَحَاباتٍ، ثمّ ترتفعُ الّتي جاءت آخرهُنَّ وتتبَعُها الّتي تليها والرِّيحُ تُصَفِّقُها، ثمّ يرتَفعْنَ جميعًا في السَّماءِ، وقد أخرجْنَ شيئًا يُرَوْنَهُ أنَّه التَّنِّيْن، حتَّى يَغِيْبَ عنَّا، ونحن نَرَاهَ وننظُر إليه ورأسُهُ في السَّحَاب، وذَنَبهُ يَضْطَرُب، فيُقالُ إنَّهُ تَطْرحه إلى يَأْجُوج ومَأْجوُج، قال: ويَسْكن البَحْرُ عند ذلك. قال الصُّوْرِىُّ: فربَّما رأيناهُ قد انَفْلَتَ من السَّحاب ورَجَع إلى البَحْر، فتجيءُ السَّحَابَةُ، ولها رعدُ و بَرْقُ حتَّى تَخرجَهُ ثانيةً، فربَّما مَرَّ في طريقِه بالشَّجرة العَادِيَّةِ العَظِيمَة، فيَقْتلعُها، أو الصَّخَرَة العَظِيمة فيَرفَعها.
Parsing and provenance details
Local passage ID
884650
Book record
shamela-1160
Source record
973726
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
فصل في صفة البحر الشامي وطوله وعرضه — shamela-1160 · Hadith Research Library