page 274, entry [64]Open original source
بابٌ في ذِكْرِ المِصِّيْصَة (¬١) وهى الآن في أيدِي الأرْمَن وهي مَدِينَة مَذْكُورَةٌ من الثُّغُور الشَّاميّةِ وأعْمال حَلَب والإقْليم الرَّابِع، وتَشتمل على مَدِينتَيْن بينَهُما نَهْر جَيْحَان: مَدِينَة المِصِّيْصَة من الجانب الغَرْبيّ من النَّهْر، ومَدِينَة كَفَرْبيَّا (¬٢) من الجانب الشَّرْقيّ، وكلتاهما كان بها جَمَاعَة من أهل العِلْم. وقَرَأتُ في بعض المجامِيع في عَجَائب طَبَائِع البُلْدان، قال (¬١): ومَنْ أَطَال الصَّوْم بالمِصِّيْصَة في الصَّيْفِ هَاجتْ به المِرَّةُ السَّوْدَاءُ، وربَّما جُنَّ. وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمرو عُثْمان بن عَبْد الله الطَّرَسُوسِيّ، قال: حَدَّثنا أبو مُحمَّد وأبو الفَضْل، عن القَاسِم وصالح ابنا أبي القَاسِم العِجْلِيّان، قالا: حَدَّثنا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أَيُّوب بن الضُّرَيْسْ الرَّازِيّ، قال: سَمعْتُ عليّ بن عَبْد الله يقول: تَوَسْوَسَ يُوسُف بن أسْبَاط بالمِصِّيْصَة، وعُوفي حتَّىَ صَار إلى حال الصِّحَّة. وقَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمرو: حَدَّثَني أبو الحَسَن العَدْل عليّ بن الحُسَيْن الحَذَّاء، وأبو بَكْر غَانِم بن يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي، قالا: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم يَحْيَى بن عَبْدِ البَاقِي، قال: وكذلك يَحكُمُ أهْل الحِكْمة على مَنْ أَدْمَنَ شُرْبَ ماءَ جَيْحَان مع مُلازمة الصَّوْم أنَّه يُوْرِث الوَسْوَاس. وقَرَأتُ في كتاب أحمد بن مُحمَّد بن إسحَاق الزَّيَّات الهَمَذَانِيّ في البُلْدان، وذكَرَ من أعاجيب البِلَاد، وقال: ومَنْ أطَال الصَّوْم في المِصِّيْصَة هاجَ به المِرَار (a) الأَسْوَد. وقال أبو عُبَيْد عَبْد الله بن عَبْدِ العَزِيْز بن مُحمَّد البَكْرِيّ في كتاب مُعْجَم ما اسْتَعْجَم من أسماء البِلادِ (¬٢): المِصِّيْصَة: بكسر أوَّلهِ، وتَشدِيدِ ثانيهِ، بَعْدَهُ ياءٌ، ثمّ صَادٌ أُخْرى مُهمَلَة: ثَغْرٌ من ثُغور الشَّام. قال أبو حَاتِم: قال الأصمَعِيُّ: ولا يُقال مَصِّيْصَة بفَتْح أوَّلِه. وقَرأتُ بِخَطِّ إبْراهِيْم بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ المَعرُوف بتُوْزُوْن في كتاب اليَاقُوت، تأليفُ أبي عُمر مُحَمَّد بن عَبْدِ الوَاحِدِ صَاحب ثَعْلَب، في يَاقُوتَةِ البَرَم، وذَكَرَ أنَّ أبا عُمر أمْلَاهُ علينا من حِفْظِهِ في شُهور سَنة سَبع وثَلاثِمائة وعشرين (a)، وذَكَرَ أنَّه قَرأهُ على أبي عُمر أيضًا، قإل: أخْبَرَنا ثَعْلَبُ، عن ابن الأَعْرَابيّ، قال: هي المِصِّيْصَة، والنَّسَبُ إليها مِصِّيْصِيٌّ. وأخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيُّ، قراءةً عليهِ، قال: أخْبَرنا أبو مَنْصُور مَوْهُوب بن أحْمد بن مُحَمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِي قراءةً عليهِ، فيما تلْحَنُ فيه العَامَّةُ (¬١): ممَّا يُكْسَر، والعَامَّةُ تفتَحهُ، وهي المِصِّيْصَةُ؛ بكَسْر اليم. وقَراتُ بِخَطِّ الحَافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وأجَازَهُ لنا عنه غير واحدٍ من الشُّيُوخ، قال: وسَمِعْتُه - يعني أبا الحَسَن أحمد بن حَمْزَة بن أحمد التَّنُوخِيّ العِرْقِيّ - يقول: كان أبو القَاسِم بن القَطَّاع يقول: فُلان المِصِيْصِيّ، تخفيف الصَّاد، ويُنْكر على مَنْ يشُدِّدهُ. وأمَّا مَعْرفةُ مَنْ بناها أوَّلًا: فاخْتُلِفَ في ذلك، فقال أحمدُ بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، في المَسَالِك والمَمَالِك: المِصِّيْصَة، قال: وهي مُسَمَّاة فيما زَعَم أصْاب السِّيَرِ باسْم الّذي عَمَرَها، وهو: المِصِّيْصَة بن الرُّوم بن اليَفَن (b) بن سَام بن نُوْح. وقَرأتُ في كتابٍ وَقَعَ إليَّ بالقَاهِرَة، في جَماهير أنْسابِ اليَمَن وأسْماءِ مُلُوكها (¬١): قال أبو القَاسم الحَسَنُ بن عليّ الكُوْفيّ، حَدَّثنا أبو سُلَيمانَ دَاوُد بن عَبْدِ اللهِ اليَمَانيّ الصّنْعانِيُّ، قال: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ القَاسِم، قال: حَدَّثنا الفَضْلُ بن العبَّاس الأنْصاريّ، عن أبيه، قال: أتَي مُعاوِبَةُ بن أبي سُفْيان بشيخٍ كبير قد سَقطَ حاجبَاهُ على عينَيهِ من الكِبَر، فما ينظرُ إلَّا ما رفع باليدِ، قال: ما اسْمُكَ؟ قال: عُبَيْدُ بن شِرْيَه، قال: المَنِي؟ قال: الجُرْهمُيِّ، قال: وهل بقي من جُرْهُم أحَدٌ؟ قال: أنا من بقيَّتهم، قال: فسألهُ عن مسائل ذَكَرها، إلى أنْ دكَر له ولد يَافث بن نُوح، فقال: يَافِث بن نُوح ولد سبعَة ذكور منهم جوْمَر بن يَافِث، ومأْجُوج بن يَافِث، ومَاذي بن يَافِث، ويَاوَان بن يَافِث، وثَوْبَان بن يَافِث، ومَاشج بن يَافِث، وتيراس بن يَافث. قال: وولد يَاوَان بن يَافِث: أَيَّاس، والمِصِّيْصَة، وطَرَسُوس، وأَذَنَة. والرُّوم من ولدِ هؤلاء، وحَلُّوا بلَادَهُم، فَعُرِفَت بأسْمائهم على تُخُوم الرُّوم: طَرَسُوس وأذَنَة والمِصِّيْصَة وأيَّاس. وقد ذُكِرَ في التَّوْراة (¬٢) ولد يَاوَان كما ذكرَناهُ. وقال الحَسَن بن أحمد المُهَلَّبيِّ العَزِيزِيّ، في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك، الّذي وضَعَهُ للعَزيْز المُسْتَولِي على مِصْر، وذكَرَ المِصِّيْصَة؛ فكانت تُسمَّى بَغْدَاد الصَّغيرة؛ لأنَّها كانت جانبَيْن على النَّهْرِ، وكان بها من أهلها فِتْيان فُرْسَان ظُرفاء شُجعان. قال: فأمَّا خَاصِيَّات الثَّغْر، فإنَّه كان يُعْمل بالبَلَد الفِرَاء المصّيْصِيَّة، تُحمل إلى الآفاق، وربَّما بلغ الفَرْو منها ثلاثين دِيْنارًا، ويعمل بها عِيْدَان السُّروَج الّتي يُبَالَغُ بثَمنها إلى هذه الغايةِ، ولم يكُن على وجهِ الأرْض بَلَدٌ يُعْمَل فيه الحَدِيْد المَحْزُوز للكَراسِي الحَدِيْد واللُّجُم والمَهَامِيْز والعَمَد والدَّبَابِيْس كما يُعْمَل بالثُّغُور. وقَرَأتُ في كتاب البُلْدان، تأليفُ أحمد بن يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، قال (¬١): ومَدِينَة المِصِّيْصَة مَدِينَة بناهَا المَنْصُور أَمِير المُؤمِنِين في خلافَته، وكانت قبل ذلك مُصَلحةً (a). وأوَّل مَن قَطَع جَبَل اللُّكَام وصَار إلى المِصِّيْصَة مَالِك بن الحَارِث الأشْتَر النَّخَعِيِّ، من قِبَل أبي عُبَيْدَة بن الجرَّاح، وكان بها حِصْنٌ صَغِير بناهُ عَبْد الله بن عَبْد المَلِك لمَّا غَزَا الصَّائِفَة. وقد حَكينا في الباب الّذي قَبْل هذا الباب عن البَلاذُرِيّ (¬٢)، قال: وقال أبو الخَطَّاب الأزْدِيُّ: إنَّ أبا عُبَيْدَة نفسَهُ غَزَا الصَّائِفَة فَمرَّ بالمِصِّيْصَة وطَرَسُوس، وقد جَلَا أهلُها وأهْلُ الحُصُون الّتي تليها فأدْرَب، وبلغَ في غَزَاتة زنْدَة (b). عُدْنا إلى كلام ابن وَاضِح، قال (¬٣): وخرج المَنْصُور إلى الثُّغُور، فبَنى مَدِينَة المِصِّيْصَة العُظْمَى على النَّهْر الّذي يُقالُ لهُ جَيْحَان، ونَقَل إلى مَدِينَة المِصِّيْصَة أهل السُّجُون من الآفاقِ وغيرهم، وبنَى أَمِير المُؤمِنِين المأْمُون مَدِينَةً إلى جانبها سَمَّاها كَفَرْبَيَّا، فصَار النَّهْر المَعْرُوف بجَيْحَان بين المَدِيْنَتَيْن، وعلى النَّهْر جِسْرٌ عَظِيم قَدِيمٌ مَعْقُودٌ بالحِجَارَة. ومَدِينَةُ المِصِّيْصَة من الجانب الغَرْبيّ من جَيْحَان، ومَدِينة كَفَرْبيَا من الجانب الشَّرْقيّ، وأهْلُها أخْلاطٌ من النَّاس. وذكَرَ أحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان (¬١)، قال: وحَدَّثني مُحَمَّد بن سَعْد، عن الوَاقِدِيّ وغيره، قالوا: لمَّا كانت سنة أربعٍ وثمانين غَزَا على الصَّائِفَة عَبْدُ الله بن عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، فدخَلَ من دَرْب أَنْطاكِيَة، وأتَى المِصِّيْصَة، فبَنى حِصْنها على أَسَاسهِ القَديْم، ووضَع بها سُكَّانًا من الجُنْد فيهم ثلاثمائة رَجُلٍ، انْتخبهم من ذوي البأسِ والنَّجْدة المَعْرُوفين، ولم يكن المُسلِمُون سَكَنُوها قبل ذلك، وبَنى فيها مَسْجِدًا فوق تَلِّ الحِصْن، ثمّ سَار في جيشه حتَّى غَزَا حِصْن سِنَان ففَتَحه، ووَجَّه يَزِيد بن حُنَيْن الطَّائِيّ الأنْطاكيّ فأغَار، ثمّ انصرفَ إليه. وقال أبو الخَطَّاب الأزْدِيّ (¬٢): وكان أوَّل مَن ابْتَنَى حِصْنَ المِصِّيْصَة في الإسْلامِ عَبْد المَلِك بن مَرْوَان على يد ابنهِ عَبْد الله بن عَبْد المَلِك في سنة أربع وثمانين على أساسها القَدِيم، فتَمَّ بناؤهَا وشِحْنَتُها في سنة خمسٍ وثمانين، وكانت في الحِصْن كَنِيْسَةٌ جُعِلت هُرْيًا، فكانت الطَّوالعُ من أَنْطاكِيَة تَطْلعُ عليها في كُلِّ عام، فَتَشْتُوا بها، ثمّ تنصَرف، وعدَّةُ مَنْ كان يَطلعُ إليها ألف وخَمْسِمائَة إلى الألفَيْن. قالوا (a): وشَخَصَ عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز حتَّى نزل هُرْيَ المِصِّيْصة، وأرادَ هَدْمَها وهَدْم الحُصُون بينها وبين أَنْطاكِيَة، وقال: أكْرَهُ أنْ يُحاصرَ الرُّوم أهلَها، فأعلَمهُ النَّاس أنَّها عُمِرَت ليَدْفَع مَنْ بها الرُّومَ عن أَنْطاكِيَة، وأنَّه - إنْ أخْربَهَا - لم يَكُن للعَدُوِّ نَاهِيَة دونَ أَنْطاكِيَةَ، فأمْسَكَ، وبَنى لأهْلِها مَسْجِدًا جَامِعًا من ناحِيَةِ كَفَرْبيَّا، واتَّخَذ فيهِ صِهْرِيجًا، ثمّ إنَّ المَسْجِدَ جُدِّدَ (a) في خلافة المُعْتَصِم، وهو يُدْعَى: مَسْجِد الحِصْن. قالوا (b): ثمّ بَنَى هِشَام بن عَبْد المَلِك الرَّبَض، ثمّ بَنى مَرْوَان بن مُحَمَّد الخُصُوصَ في شَرقيّ جَيْحَان، وبَنى عليها حائطًا، وأقام فيهِ بابَ خَشَب، وَخَنْدَقَ خَنْدَقًا، فلمَّا اسْتُخلفَ أبو العبَّاس، ﵀، فَرَضَ بالمِصِّيْصَة لأربَعمائَة رَجُلٍ زِيَادةً في شِحْنَتها، وأقْطَعَهم. ثمّ لمَّا اسْتُخْلف المَنْصُور، صَلوات اللهِ عليهِ، فَرَضَ فيها لأربَعمائةِ رَجُلٍ. ثمّ لمَّا دخلَت سنة تسعٍ وثلاثين ومائة أمرَ بعمران مَدِينَة المِصِّيْصَة، وكان حائطها مُتَشَعِّثًا من الزَّلازِل، وأهلها قليل في داخل المَدِينَة، فبَنى سُور المَدِينَة، وأسْكَنَها أهْلَهَا سَنَةَ أربعينَ ومائَة، وسَمَّاها المَعْمُورَة، وبَنى فيها مَسْجِدًا جَامِعًا في موضع هَيْكلٍ كان فيها، وجعلَه مثل مَسْجِد عُمَر مرَّات، ثمّ زادَ فيهِ المأْمُون أيَّام ولاية عَبْد الله بن طَاهِر في الحُسَيْن المَغْرب، وفَرَضَ المنصُور، رَحْمَةُ الله عليه، فيها لألف رَجُلٍ، ثمّ نَقَل أهْلَ الخُصُوص؛ وهُم فُرْسٌ، وصقَالِبَةٌ، وأنْباط نَصارَى، كان مَرْوَان بن مُحَمَّد أسْكنَهم إيَّاهَا وأعطاهُم خِطَطًا في المَدِينَة عِوَضًا من مَنازلهم على ذَرْعها، ونقَضَ مَنازلهم، وأعانَهُم على البناءَ، وأقْطَعَ أرْباب الفَرْض قطائعَ ومَساكن. ثمّ لما اسْتُخْلف المَهْدِيّ، أَمِيرُ المُؤمِنِين صَلواتُ اللهِ عليهِ، فرضَ بالمِصِّيْصَة لألْفي رَجُلٍ ولم يُقطِعهم؛ لأنَّها قد كانت شُحِنَت من الجُنْدِ والمُطَّوِّعَة، ولم تَزَل الطَّوَالعُ تأتيها من أَنْطاكِيَةَ في كُلِّ عامٍ، حتَّى وُليَها سَالِم البُرْنُسِي (a)، وفَرَضَ معهُ لخسمائة مُقاتِل على خاصَّةِ عَشَرة دَنانير، عَشرة دنَانِير، فكَثُر مَنْ بها وقَوُوا، وذلك في خِلَافَة المَهْدِيّ رَحْمَةُ الله عليهِ. قال البَلاذُرِيّ (¬١): وحَدَّثَني مُحَمَّد بن سَهْم، عن مَشَايخ الثَّغْر، قالوا: أَلَحَّت الرُّومُ على أهْلِ المِصِّيْصَة في أوَّل الدَّوْلَة المُباركة حتَّى جَلَوا عنها، فوَجَّه صَالِحُ بن عليّ جِبْرِيل بن يَحْيَى البَجَليّ إليها، فَعَمَرَها، وأسْكنها النَّاسَ سَنَةَ أربَعين ومائة، وبَنَى الرَّشِيد، صَلوات اللهِ عليهِ، كَفَرْبيَّا، ويقال: بل كانت ابْتُدِيَت في خِلافَة المَهْدِيّ، رَحْمةُ الله عليه، ثمّ غَيَّر الرَّشِيدُ بناءَها، وحَصَّنَها بخَنْدَقٍ، ثمّ رُفِعَ إلى المأمُون، ﵁، في غَلَّةٍ كانت على منازلها، فأبْطلَها، وكانت منازلها كالخَانَاتِ، وأمرَ فَجُعِل لها سُور، فَرُفِع، فلم يَسْتَتِمَّ حتَّى تُوُفِّي، فقام المُعْتَصِمُ، صَلوات اللهِ عليهِ، بإتْمامِهِ وَتشرِيْفِهِ. وقال البَلاذُرِيّ (¬٢): حَدَّثني دُؤَاد بن عَبْد الحَمِيْدِ قاضي الرَّقَّة، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ عُمَر بن عَبْدِ العَزِيْز أرَادَ هَدْمَ المِصِّيْصَة ونَقْل أهلها عنها لِمَا كانوا يلقَونَ من الرُّوم، فتُوُفِّي قبل ذلك. أخْبَرنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بن أبي مَنْصُور جَعْفَر بن عَبْد الله الدَّامَغَانِيّ (b) البَغْدادِيّ إذْنًا، وَقَرأتُ عليه هذا الإسْنَاد بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنَا الشَّريفُ أبو العِزّ مُحَمَّد بن المُخْتَار بن مُحَمَّد بن المُؤيَّد، قال: أخْبَرَنا أبو عَليّ الحَسَن بن عليّ بن المُذْهِب، قال: أخْبرنا أبو بَكْر أحمد بن جَعْفَر القَطِيْعيِّ، قال: أخْبَرنا أبو عَبْد الرَّحْمن عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثنا هارُون بن مَعْرُوف، قال: حَدَّثنا ضَمْرَةُ، عن رَجَاءَ بن أبي سَلَمَة، قال: هَمَّ عُمَرُ بن عَبْدِ العَزِيْز بِهَدْم المِصِّيْصَة لِتَغَوُّلها في بلادِ الرُّوم. عُدْنا إلى ما ذكَرهُ البَلاذُرِيّ (¬١)، قال: وقال أبو النُّعْمان الأنْطاكيّ: كان الطَّريق فيما بين أَنْطاكِيَة والمِصِّيْصَة مُسْبَعَةٌ يَعْترض النَّاس فيها الأسَدُ، فلمَّا كانَ الوَلِيد بن عَبْدِ المَلِك شُكِيَ ذلك إليه، فَوَجَّه أرْبعةَ آلاف جَامُوْسَةٍ وَجَامُوْسٍ، فنفَع اللهُ بها. وكان مُحَمَّد بن القَاسِم الثَّقَفِيّ، عَامِل الحَجَّاج على السِّنْد، بَعَثَ منها بأُلُوف جَوَامِيْس، فَبَعَثَ الحَجَّاجُ إلى الوَلِيدِ منها بما بعثَ من الأربَعَة الآلاف، وأَلْقَى باقيها في آجَام كَسْكَر. ولمَّا خَلَعَ يَزِيدُ بن المُهَلَّب فَقُتِل، وقَبضَ يزِيدُ بن عَبْد المَلِك أمْوالَ بني المُهَلَّب، أصَاب لهم أربعةَ آلاف جَامُوسَة، كانت بكُوَر دِجْلَة، فَوَجَّه بها يَزِيد بن عَبْد المَلِك إلى المِصِّيصَة أيضًا مع زُطِّهَا، فإن أصْل الجَوَامِيْس بالمِصِّيصَةِ ثمانية آلاف جَامُوْسَة، وكان أهل أَنْطاكِيَة وقِنَّسْرِيْن قد غَلَبُوا على كَثِيْر منها، واحْتَازُوه لأنفُسهم في أيَّامِ فِتْنَة مَرْوَان بن مُحَمَّد، فلمَّا اسْتُخلفَ أَمِير المُؤمِنِين المَنْصُور، ﵀، أمَرَ بِرَدِّها إلى المِصِّيْصَة، وأمَّا جَوَامِيْس أَنْطاكِيَة فكان أصْلُهَا ما قَدِمَ به الزُّطّ معَهُم، وكذلك جَوَامِيس بُوْقَا. قال (¬١): وقال أبو الخَطَّاب: بُني الجِسْرُ الّذي على طَرِيْق أَذَنَة من المِصِّيْصَة، وهو على تسعة أمْيالٍ من المِصِّيْصَة، سنةَ خمسٍ وعشرين ومائة، فهو يُدْعَى: جِسْر الوَلِيد، وهو الوَلِيد بن يَزِيد بن عَبْد المَلِك المقتُول. قالوا (¬٢): ولمَّا كانت سنَةُ خَمْسٍ وستِّين ومائة، أغْزَى المَهْدِيّ، ﵀، ابنَهُ هارُون الرَّشِيد، صَلواتُ الله عليه، بلادَ الرُّوم، فنَزلَ على الخلِيْج، ثمّ خرجَ، فَرَمَّ المِصِّيْصَة ومَسْجِدها، وزادَ في شِحْنَتها، وقَوَّى أهْلهَا. وقَرَأتُ في كتاب أبي زَيْد أحْمد بن سَهْل البَلْخِيّ، في صِفَة الأرْض والمُدُن (¬٣)، قال: والمِصِّيْصَة مَدِينَتان: إحداهما المِصِّيْصَة، والأخرى تُسَمَّى كَفَرْبَيَّا على جانبي جَيْحَان، وبينهما قَنْطَرَة حِجَارَة، حَصِيْنَة (a) جِدًّا على شَرَف من الأرْض، يَنْظُر منها الجالِسُ في مَسْجِد الجامع بها إلى قُرْب البَحْر نحو أربعة فَرَاسخ. وجَيْحَان يخرج من بَلَد الرُّوم حتَّى ينْتهي إلى المِصِّيْصَة، ثمّ إلى رُسْتَاق يُعْرف بالملون (b)، حتَّى يقَع في بَحْر الرُّوم. قُلتُ: فقد يُنْخَل (c) من مَجْموع ما ذَكَرناهُ، أنَّ بناء المِصِّيْصَة في الدَّوْلَة الإسْلاميَّة كان، لأنَّ هِرَقْل لمَّا خرج عن أَنْطاكِيَة إلى القُسْطَنْطِينِيَّة اسْتصْحَبَ أهل هذه البِلادِ، وأجلوا منها، ونَقَلَهم معَه، وشَعَّثَ هذه البِلاد. فإنَّ البَلاذُرِيّ قال في كتابه (¬٤): حَدَّثني مشايخُ من أهل أَنْطاكِيَة وغيرهُم، قالوا: كانت ثُغور المُسْلِمِين الشَّامِيَّة أيَّام عُمَر وعُثْمان وما بعد ذلك: أَنْطاكِيَة وغيرها من المُدُن الّتي سَمَّهاها هارُون الرَّشِيد (¬١)، فإن المُسلِمونَ يَغْزُونَ ما وراءها كغَزْو اليوم ما وراء طَرَسُوس، وكانت فيما بين إسْكَنْدَرُونَة وطَرَسُوس حُصُونٌ ومَسَالح للرُّوم، كالمَسَالح والحُصُون التي يَمُرُّ بها المُسلِمونَ اليوم، فربَّما أجْلَاهَا (a) أهْلُهَا، وَهَربُوا إلى بلاد الرُّوم خَوْفًا، وربَّما نقَل إليها من مُقاتلَة الرُّوم مَنْ تُشْحَن به، وقد قيل إنَّ هِرَقْل أدْخَلَ أهلَ هذه المُدُن معه عند انْتِقالهِ من أَنْطاكِيَة لئلَّا يسَيرَ المُسلِمونَ في عِمَارَة ما بينَ أَنْطاكِيَة وبلاد الرُّوم، واللهُ أعْلَمُ. قال البَلاذُرِيّ (¬٢): وحَدَّثَني ابنُ طَيْبُوْن (b) البَغْرَاسِيّ، عن أشْيَاخِهِم، أنَّهُم قالوا: الأمْرُ المُتَعالَم عندنا أنَّ هِرَقْل نَقَلَ أهْل هذه الحُصُون معَهُ، وشَعَّثَها، وكان المُسلُونَ إذا غَزَوْا لم يَجدُوا بها أحَدًا، وربَّما كَمَنَ عندَها القَوْمُ من الروم، فأصَابوا غِرَّةَ المُتَخَلِّفين عن العَسَاكر والمُنْقَطعين عنها، فإن وُلَاةُ الشَّوَاتِي والصَّوائِف إذا دَخَلُوا بلاد الرُّوم خلَّفُوا بها جُنْدًا كَثِيْفًا إلى خُرُوجهم. فكانت المِصِّيصَةُ وغيرُها من الثُّغُور الشَّامِيَّة خَرابًا بسبب ذلك، فلمَّا غزا عَبْدُ الله بن عَبْد المَلِك، بَن حِصْن المِصِّيْصَة دُون مَدِينتها، فأرادَ عُمَرُ بن عَبْد العَزِيْز هَدْمَهُ بالكُلِّيَّة، فلمَّا عَرف المصْلَحة في تَرْكِهِ، تَرْكَهُ، وبنَى مَسْجِدًا جَامِعًا للمُسْلمين من ناحيةِ كَفَرْبَيَّا، ثمّ بَنى هِشَام رَبَض الحِصْن، ثمّ بنَى مَرْوَان بن مُحَمَّد الخُصُوص من النَّاحِيَةِ الشَّرْقيَّةِ، لِقِلَّة مَنْ يَعُمّ المَدِينَة بالسُّكْنى، فيكون ساكنُوا الخُصُوص مُسْتَيقظين لأنفُسِهم، وجعل عليه خَنْدَقًا وحائطًا، وكثروا في أيَّام السَّفَّاح، ثمّ ازْدَادُوا في أيَّام المنصُور، فرأى أنْ يُجَدِّد عِمَارَة المِصِّيْصَة ويُسْكنها النَّاس لأنَّهُم كثروا، فبَنَى المَدِينة على الوَجْهِ الّذي نَقَلناهُ، فلهذا نُسبَ بناءُ المَدِينَة إليهِ، وكَثُر النَّاس بعد ذلك، فاحْتيج في أيَّام الرَّشِيد إلى بناء كَفَرْبيَّا، ولم يكن لها سُور، فبَنى المأْمُون لكَفَرْبَيَّا سُورًا، فلهذا نُسبَ بناؤها إليه، واللهُ أعْلَمُ.