page 200, entry [47]Open original source
وأمَّا مَعْرفة مَن بنَاهَا: فقَرَأتُ بِخَطِّ يَحْيَى بن جَرِير التَّكْرِيتِيّ، في كتابه الّذي ضَمَّنَهُ أوْقَات بناءِ المُدُن (¬١)، وقد قدَّمنا ذِكْرهُ (¬٢)، قال: بَعْدَ دَوْلةِ الإسْكَنْدَر ومَوْته باثْنَتي عَشرة سَنة بَني سَلُوْقُوسْ اللَّاذقِيَّة، وسَلُوْقِيَة، وأفَامِيَة، وبارَوَّا؛ وهي حَلَب، وأَذَاسَا؛ وهي الرُّهَا، وكَمَّلَ بناءَ أَنْطاكِيَة، وكان بناهَا قَبْلَهُ، أعْني أنْطاكِيَة، أنيطغنُوسْ في السَّنَةِ السَّادِسةِ من مَوْتِ الإسْكَنْدَر. قال يَحْيَى بن جَرِير: بنَى أنطيْغنُوسْ المَلِكُ على نَهْر أَوْرَنْطَسْ مَدِينَةً وسمَّاها أنطوغنيا وهي التي كمَّلَ سَلُوْقُوس بناءَها، وزَخْرَفها وسمَّاها على اسْم وَلده أنْطيُوخُوس، وهي أنْطاكِيَة. وذَكَر أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ المَعْرُوفُ بابنِ الفَقِيه، فيما قَرأتُه في كتاب البُلْدان وأخْبارها من تأليفه، قال (¬٣): وقال الهَيْثَم بن عَدِيّ: أنْطاكِيَةُ بناهَا أنْطِيخُشْ المَلِكُ الثَّالثُ بعد الإسْكَنْدَر. وقد ذكَرنا عن أبي العَلاءِ (¬٤) أنَّ الَّذي بَناها يُقالُ لهُ أنْطِيخنُوسْ المَلِك. وقَرَأتُ في تاريخٍ قديم وقَعَ إليَّ، وعدَّدَ فيه مُلُوكَ سُورْيَة، قال: وهي بالشَّام، فذَكَرَ سَلُوْقُوسْ، وهو الّذي بنَى حَلَبَ وقِنَّسْرِيْن، ثمّ مَلَك بعدهُ أنطباخوسْ بن سوطر تسْعًا وعشرين سنةً، وبنَي أنْطاكِيَة، وسُمِّيَ الإلَه خَمْس عَشرة سنَةً. وقَرَأتُ في تاريخ سَعيد بن بِطْرِيْق النَّصْرانيّ، قال (¬١): ومَلَكَ بَطْلَمْيُوس مُحبّ أُمّهِ عشرين سَنَة، وفي أيَّامه غلَبَ على الشَّام وأرض يَهُوذا أنْطِياخُوسْ (a) مَلِك الرُّوم، فأخرج اليَهُود (b) من الشَّام، ونالَهم منهُ كلّ شِدَّة وعَذَابٍ. ومَلَكَ بعدَهُ أخوهُ بَطْلَمْيُوس ويُلَّقب أيضًا الصَّائغ (c) ثلاثًا وعشرين سَنَة، وفي أيَّامهِ بَني أنْطِياخُوسْ مَلِك الرُّوم أَنْطاكِيَة، وسمَّاها باسْمه، فسُمِّيَتْ مَدِينَةَ أنْطِياخُوسْ وهي أَنْطاكِيَة. وقَرَأتُ في بعض ما عَلَّقْتُهُ من الفَوائِد: قيل إنَّ أوَّل من سَكَن أَنْطاكِيَة وعَمَّرها أَنْطاكِيَةُ بنْتُ الرُّوم بن اليَفَن بن سَام بن نُوح، وهي أختُ أَنْطالِيَةَ باللّام. وقَرَأتُ في بعض تَواريْخ القُدماء (¬٢): قال أونيناوسْ: في السَّنَة الثَّالثة عَشر من تاريخ الإسْكَنْدَر بني سُولُوقس أَنْطاكِيَةُ. قَرَأتُ بِخَطِّ غَرْس النِّعْمَة مُحمَّد بن هِلِّل بن المُحَسِّن في كتاب الرَّبيع (¬٣)، وأنْبَأنَا به جَمَاعةٌ عن ابن البَطِّيّ، عن مُحمَّد بن فُتُوح الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا غَرْس النِّعْمَة أنَّه نقلَ من خطِّ ابن بُطْلان الطِّيْب رسالةً كتبَها إلى والده هِلِّل بن المُحَسِّن، بعد خُرُوجهِ من بَغْدَاد، يُخْبره فيها بأحْوالِ البلاد الّتي مرَّ بها في سَفَره، وذلك في سَنةِ أرْبعين وأرْبَعِمائة، قال فيها (¬٤): وخرَجنا من حَلَب طَالِبينَ أَنْطاكِيَةُ، وبين حَلَب وبينها يومٌ وليلةٌ، فوَجَدنا المسافة الّتي بين حَلَب وأَنْطاكِيَة أرْضًا عامرةً لا خَرَابَ فيها أصْلًا، لكنَّها أرض زَرْع للحِنْطَة والشَّعِير تحت شَجر الزَّيْتُون، قُراها مُتَّصلَة، ورياضُها مُزْهِرة، ومياهُها مُتَفجِّرة، يَقْطعُها السَّفْر في بالٍ رَخيّ وأمْن وسُكون. وأَنْطاكِيَةُ بلدٌ عَظِيمٌ، ذو سُور وفَصِيْل، ولسُوره ثلاثمائة وستُّون بُرْجًا، يَطُوفُ عليها بالنَّوْبةِ أربعة آلاف حارس، يَنْفَذُونَ من القُسْطَنْطِينيَّة من حَضْرة المَلِك، يَضْمَنُون حِراسَةَ البَلَدِ سنةً، ويَسْتَبْدل بهم في السَّنَة الثَّانيةِ. وسِكَكُ البَلَدِ كنصف دَائرة، قُطْرها يَتَّصِل بجَبل، والسُّور يَصْعَد مع الجَبَل إلى قُلَّتِهِ، فيتمُّ دائِرَهُ، وفي رأس الجبَل دَاخِل السُّور قَلْعَة تَبِيْنُ - لبُعْدِها عن البَلَدِ - صغيرةً، وهذا الجَبلُ يَسْتُر عنها الشَّمْسَ فلا تَطْلُع عليها إلَّا في السَّاعَة الثَّانية، وللسُّور المُحيط بها دُون الجَبَل خَمْسة أبواب، وفي وَسطها بِيْعَة القُسْيَان، وكانت دَار قُسْيَان المَلِك الّذي أحْيا ولدَهُ فُطْرُسْ رَئيس الحَوَارِييّن ﵇، وهو هَيْكَلٌ طُوله مائة خَطْوَة، وعرْضُه ثمانون، وعليه كَنِيْسَة على أسَاطين، وكان بِدَوْر الهيكَل أرْوِقَة يَجْلِسُ عليها القُضَاةُ للحُكُومة، ومُعَلِّمو (a) النَّحو واللَّغَة، وعلى أبواب هذه الكَنِيْسَة بَنْجَام (b) للسَّاعات يَعْمل ليلًا ونهارًا دائمًا، اثْنَتي عَشرة ساعةً، وهو من عَجائب الدُّنْيا، وفي أعْلاه خَمْس طَبَقات، في الخامسَة منها حَمَّامات وبَساتِيْن، ومَعاصِر حَسَنَة تَخرَّقُها المياهُ، وعِلَّة ذلك أنَّ الماءَ يَنْزل إليهم من الجَبلِ المُطِلّ عليهم، وهناك من الكَنَائِس ما لا تُحَدّ كَثْرةً، كُلّها مَعْمُولة بالفَصِّ المُذهَب، والزُّجَاج المُلَوَّن، والبلاط المُجَزَّع. ثُمَّ قال (¬١): وظَاهِر البَلَدِ نَهْرٌ يُعْرفُ بالمَقْلُوب، يأْخُذُ من الجَنُوب إلى الشَّمَالِ، وهو مثلُ نَهْر عِيسَى، وعليه رَحَىً، يَسْقي البَساتِيْن والأراضي. وقال أبو العبَّاسِ أحمد بن إبْرَاهِيْم الفارِسيّ الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (¬٢): أَنْطاكِيَة، وهي - بَعْد دِمَشْق - أنْزَهُ بلَد بالشَّام، عليها سُور صَخْر يُحيط بها وبَجَبل مُشْرف عليها، فيه مَزَارِع ومياه (a) وأشْجَار ومَراعٍ وأرْحِيَة، وما يَسْتَغِلُّ (b) به أهلُها من مَرافِقها، يُقال: إنَّ دَوْر السُّور للرَّاكب يومين، وتَجْري مياهُهُم في دُوْرهم وسِكَكهم، وبها مَسْجِد جامِع (c)، وبها ضِيَاع وقُرَىً ونواحي خِصْبَة جدًّا. وقَرَأتُ في كتاب ابن حَوْقَل النَّصِيْبيِّ (¬٣)، قال: والعَوَاصِم اسْم النَّاحِيَة، وليسَ بمَدِينَةٍ تُسَمَّى بذلك، وقَصَبَتها أَنْطاكِيَّة، وهي - بَعْد دِمَشْق - أنْزَهُ بَلَدٍ بالشَّام، وعليها إلى هذه الغايةِ سُور من صَخْرٍ يُحيط بها، وجبل (d) مُشْرفٍ عليها، فيه لهم مَزَارِع ومَراعي وأشْجَار وأَرحِيَة، وما يَسْتَغلُّ (e) بها أهلُها من مرافقها. ويقال: إنَّ دَوْر السُّور للرَّاكب يَوم واحد. وتَجْري مياهُهُم في أسْواقهم ودُورهم وسِكَكهم ومَسْجِد جامعهم. وكان لها ضِيَاع وقرىً ونواحي خِصْبَة حَسَنة، اسْتولَى عليها الرُّوم، وكانت قد اختلَّت قبل افْتتاحها في أيْدِي المُسْلِمِيْن، وهي أيضًا في أيْدِي الرُّوم أشدّ اخْتلالًا، وفتَحَها الرُّوم في سَنَة تسعٍ وخَمْسين وثَلاثِمائة. قُلتُ: وبعد اسْتيلاء الرُّوم عليها في هذه السَّنَة، فتحَها المُسلِمُونَ، وذلك أنَّ سُلَيمان بن قُطَلْمِشِ بن قَاؤُر (a) بن سَلْجُوق، وجدّه قَاؤُر أخو ألْب أَرَسْلَان، أسْرَى من نِيقِيَّة، وكَتَم خَبره، وَجَدَّ في السَّير، فوصلَ إلى أَنْطاكِيَة في مائتي فارس وثمانية فَوَارس ليْلًا، فتسوَّرُوا الأسْوار، وفَتَحُوها ليلًا، وذلك في أوَّل شَعْبان سَنة سَبْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، ثمّ قُتِلَ سُلَيمان بن قُطَلْمِشِ، واسْتَولى يَغي سِيان (b) على أَنْطاكِيَة، وأخَذَها الفِرِنْج، خَذَلَهُم اللهُ منه في سَنة تسعينَ وأرْبَعِمائة، وبقيَت في أيْدِيهم إلى الآن. والمَسْجِد الجامع الّذي كان بأَنْطاكِيَة للمُسْلِمين، هو إلى جانب القُسْيَان، ودَخَلْتُ أَنْطاكِيَة في سَنَة ثلاث عَشْرة أو أرْبع عَشرة وستِّمائة، ودَخَلتُ بِيْعَة القُسْيَان، فوَجدْتُ بجانبها مِحْرَابَ المُسْلِمِيْن على حالِهِ، وفي سُقُوفه آيات القُرْآن مكتُوبةً في النَّقش، وهي على ما ذَكَرهُ ابن بُطْلان من الصُّورة، وبِيْعَة القُسْيَان مُزَخْرفة بالرُّخَام والفُسَيْفِساءِ. وقَرَأتُ في كتاب الحَافِظ لَمَعارف حَرَكات الشَّمْس والقَمَر والنُّجُوم في آفاقها، تأليف أبي الحُسَيْن بن المُنَادِي: يُقال (¬١): ما من بناء بالحِجَارَة أبهى (c) من كَنِيْسَة الرُّهَا، ولا بناءٌ بالخَشَب أبْهَى مِنْ كَنِيْسَة مَنْبج، ولا بناءٌ بالرُّخَام أبْهَى من قُسْيَان أَنْطاكِيَة. قال لي الشَّيْخ عليّ بن أبي بَكْر الهَرَوِيّ في ذِكْر مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ (¬١): وهي من المُدُن التي كانت يَتَسلَّى بها الغريبُ عن وَطَنه. وأمَّا اليوم فلا يُعنَي لكَرْبها صائمٌ. ونَقَلْتُ من كتاب البُلْدان، تأليف أحمد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (¬٢): ولجُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم من الكُوَر: كُورَة أَنْطاكِيَةُ، وهي مَدِينَةٌ قديمةٌ، يقال إنَّه ليس في أرْض الإسْلام، ولا أرض الرُّوم مثلها، أجَلّ ولا أعْجب سُورًا، عليها سُور حِجَارَة، في داخل السُّور منازل تسير فيها الرُّكبان. وبلَغَنِي أنَّ مساحة دَوْر السُّور، وهو يُحيط بالمَدِينَة وبالجبل الّذي المَدِينَة في سَفْحه إثنا عشر مِيْلًا، وافْتُتحَتْ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ صُلْحًا؛ صالَحهم أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وعندَهُم كتاب الصُّلْح إلى هذه الغاية، وبها الكَفّ الّتي يُقال إنَّها كَفُّ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇ في كَنِيْسَة يُقالُ لها كَنِيْسَة القُسْيَان. ولها نَهْرٌ يُقالُ لهُ الأُرُنْط، عليه العِمَاراتُ والأجِنَّة. ولها عُيُون كَثِيْرة تأتي من الجَبَل، ثمّ تَجْري في مَنازل المَدِينَة، ويُصَرَّفُ الماءُ فيها كيف أحبّ أهلها. وأهلُها الغَالِبونَ عليها قومٌ من العَجَم، وبها قومٌ من ولد صالحِ بن عليّ الهاشِميّ، وقومٌ من العَرَب من يَمَن. قَرَأتُ في كتاب أبي إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف، المُسَمَّى نُزْهَة النُّفُوس وأُنْس الجَلِيْس، في ذِكْر المُدُن والأقالِيْم، فقال: ذِكْر مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ: وهي في الإقْليم الرَّابِع، وبُعْدُها من خطِّ الاسْتواء ستَّةٌ وثلاثون درجةً، وهي مَدِينَة قديْمةٌ، وليس في أرْض الإسْلام ولا في أرْض الرُّوم مثلها، ولها سُور من حِجَارة، ودَوْرُها اثنا عَشر مِيْلًا، وبُعْدُها عن خَطّ المَغْرب اثْنَتان وستُّون دَرَجَة. افْتَتَحَها أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح صُلْحًا، وعندَهُم الآن كتاب الصُّلْح، وبها قبرُ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، وكَنِيْسَة يُقالُ لها القُسْيَان، وبها نَهْرُ الأُرُنْط، عليه العِماراتُ والضِّياع والبّساتِيْن، وبها عيونٌ كَثِيْرةٌ تأتي من قنواتٍ من الجِبَال، فتَدْخل منازلهم، فيَضْربُ الماءُ لكُلِّ جهةٍ، وأهلُها قومٌ من العَجَم، وبها قومٌ من العَرَب. وقَرَأتُ في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك للحَسَن بن أحْمَد المُهَلَّبِيّ العزيزي؛ وَضَعَهُ للعَزِيز الفاطِمِيّ المُسْتَولِي على مِصْر، قال: فأمَّا مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ فهي مَدِينَةُ العَوَاصِم، وهي مَدِينَةُ جليلةٌ؛ فتَحَها أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وأسْكَنها المُسْلِمِيْن. وهي من الإقْليم الرَّابِع، وعرضُها خمسٌ وثلاثُون دَرَجةً. وهي مَدِينَةٌ عَظِيمةٌ ليسَ في الإسْلام، ولا في بلدِ الرُّوم مثلها؛ لأنَّها في لِحْفِ جَبَلٍ، هو من شَرْقها مُطلّ عليها، لا تقَعُ عليها الشَّمْس إلَّا بعد سَاعتَيْن من النَّهَار، وعليها سُور من حِجَارَة يَدُور بسَهْلها، ثمّ يطلعُ إلى نصْف الجَبَل، ثمّ إلى أعْلاهُ، ثمّ يَنْزل حتَّى يَسْتديرَ عليها من السَّهلِ أيضًا، وفي داخل السُّور عرَاصٌ كَثْيرة في الجبل ومَزَارِع وأجِنَّةٌ وبَساتِيْن، ويتخرَّقُ الماءُ من عُيُون له في الجبل مُقَنَّاة إلى المَدِينَة والأسْواق والمنازل، كما يتخرَّق مَدِينَة دِمَشْقَ، وأبنيتها كُلُّها بالحَجَر. والفَوَاكِه والزَّهر بها كالمَجَّان، ومَسَاحة دَوْر السُّور إثنا عَشر مِيْلًا. وبها كَنِيْسَة القُسْيَان، وهي كَنِيْسةٌ جليلةٌ عَظِيمَة البناء والقَدْر عند النَّصَارَى، ويُقال إنَّ بها كَفّ يَحْيَى بن زَكَرِيَّاء ﵇، وبرَسْمها بِطْريْقٌ، وتُجِلُّ النَّصَارَي قَدْرَهُ. لها أعْمَالٌ واسِعَةٌ من المَشْرِق إلى المَغْرب، وأهْلُها الغَالِبونَ عليها قَوْمٌ من الفُرْس، وقومٌ من ولد صالحِ بن عليّ ومَوَالِيهِ. وأهلُها أحْسَنُ خَلْقِ الله تعالَى وجُوهًا، وأكْرَمهم أخْلَاقًا، وأرَقّهُم طِباعًا، وأسْمَحهم نُفُوسًا، والأغْلَب على خِلَقهم البياض والخُمْرة. ومَذَاهبهم على ما كان عليه أهل الشَّام إلَّا مَنْ تخصَّص. ولها من الكُوَر: كُورَة تِيْزِيْن (¬١)، وهي ضِياعٌ جليلةُ القَدْر، وكُورَة الجُوْمَة، وبها العُيُون الكِبْرِيتيَّة الَّتي تَجْري إلى الحَمَّة، وكُورَة جَنْدَارِس (¬٢)؛ مَدِينَةٌ عجيبةُ البناءِ (a)، مَبْنِيَّة بالحِجَارَة والعَمَد، وكُورَة أَرْتاح، وهي مَدِينَة جَلِيلةُ القَدْر، وكُورَة الدُّقسِ، وهي كَورَةٌ جليلةٌ، وكُورَة قَرْصِيلي، وهي ضِيَاعٌ جليلةٌ، وكُورَة السُّوَيدِيَّة (¬٣)؛ وهي مَدِينَة على ضَفَّةِ البَحْر المالِح، وكُورَة الفارِسيَّة والعَرَبيَّة، وهي جليلةُ القَدْر، وكُورَة يدابيا (a)، والقُرَشِيّة (¬١). قُلتُ: وأهلُها الآن هم من أبناء الرُّوم والإفْرَنْجِ، وخِلَقُهم في الحُسْن والجمَال على ما ذَكَر. وكُورَة تِيْزِيْن، وكُورَة الجُوْمَة، وكُورَة جَنْدَارِس، وكُورَة أَرْتاح في يد المُسْلِمِيْن الآن مُضافة إلى وُلاة حَلَب. وحَارِم (¬٢) من هذه النَّاحِيَة لها قَلْعَةٌ عَظِيمةٌ حَصِيْنَةٌ، وهي عامِرةٌ، ولها رَبَضٌ وأسْواقٌ ومَسْجِدٌ جامع، وهي كَثِيْرة البَساتِيْن والفَواكِه، نَزِهَةٌ، كانت من أعْمَال أَنْطاكِيَةُ، وهي الآن مُسْتقلَّة بنَفْسها، مُسْتَتْبَعَةٌ لغَيْرها (b) من أعْمَال حَلَب حَرَسَها اللهُ. نَقَلْتُ من خَطِّ بَنُوْسَةَ في كتاب البُلْدان؛ تأليفُ أحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (¬١)، ممَّا حكاهُ عمَّن حدَّثه من أهْل الشَّام، قالوا: ونَقَلَ مُعاوِيَة بن أبي سُفْيان إلى أَنْطاكِيَةُ في سَنَة اثْنَتين وأرْبعين جَماعةً من الفُرْس من أهْل بَعْلَبَك (a) وحِمْصَ، ومن المِصْرَيْنِ (¬٢)، فكان فيهم مُسْلم بن عَبْد الله، جَدُّ عَبْد الله بن حَبِيْب بن النُّعْمان بن مُسْلِم الأنْطاكِيّ، وكان مُسْلم قُتِلَ على بابٍ من أبْواب أَنْطاكِيَةُ يُعرفُ اليوم بباب مَسْلَمَة (b)، وذلك أنَّ الرُّوم خرَجَت من السَّاحِل، فأناخَتْ على أَنْطاكِيَةُ، وكان مُسْلم على السُّور، فرمَاهُ عِلْجٌ بحَجَرٍ فقتلَهُ. وقال البَلاذُرِيّ (¬٣): وحَدَّثَني جماعَةٌ من مشايخ أهل أَنْطاكِيَةُ، منهم ابن بُرْد الفَقِيه، أنَّ الوَلِيدَ بن عَبْد المَلِكُ أقْطَع جُنْد أَنْطاكِيَةُ أرْض سَلُوْقِيَةَ عند السَّاحِل، وصَيَّرَ الفِلَثَر، وهو الجَرِيب (¬٤)، عليهم بدِيْنارٍ ومُدَّيْ قَمْحٍ، فعَمَروها، وجَرَى ذلك لهم، وبَني حِصْن سَلُوْقِيَة. قال (¬٥): وحَدَّثَني أبو حَفْص الشَّاميّ، عن مُحمَّد بن رَاشِد، عن مَكْحُول، قال: نَقَل مُعاوِيَة في سَنَة تسع وأربعين أو سَنة خَمْسين إلى السَّواحل قَوْمًا من زُطِّ البَصْرَة والسَّيابِجَة (a)، وأنْزَل بعضهم أَنْطاكِيَةُ. قال أبو حَفْصٍ: بأَنْطاكِيَة محلَّةٌ تُعْرفُ بالزُّطِّ، وببُوْقَا من عَمل أَنْطاكِيَةُ قومٌ من أولادهم يُعرفُونَ بالزُّطِّ، وقد كانَ الوَلِيد بن عَبْد المَلِكُ نقَلَ إلى أَنْطاكِيَةُ قَوْمًا من زُطِّ السِّنْد ممَّن حَمَلَهُ مُحمَّد بن القَاسِم إلى الحَجَّاج، فبَعَثَ بهم الحَجَّاجُ إلى الشَّام. أخْبَرَنَا أبو هاشِمِ عَبْد المُطَّلب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشمِيّ مُشَافهةً، عن أبي سَعْدٍ عَبْد الكَريم بن مُحمَّد السَّمْعاني (¬١)، قال: أَنْطاكِيَةُ هي من أحْسَن البلَاد في تلك النَّاحية، وأكثرها خَيْرًا، اسْتَولَى عليها الفِرِنْجُ، وهي في أيْدِيهم السَّاعَة، وهي دار مَمْلكتهم، والدَّواء المُسْهِلُ الّذي يُقالُ لهُ: الأنْطاكِيّ مَنْسُوبٌ إلى هذه البلْدَة، المَعْروف بالسَّقَمُونْيا، ولا يكُون ببلَدٍ إلَّا بهذه البلْدَة، وقيل إنَّ هذه الآية في (b) أَنْطاكِيَةُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (¬٢). وبها قَبْر حَبِيْب النَّجَّار في السُّوق؛ كانَ بها، ومنها جَماعةٌ من العُلَمَاءِ المَشْهُورين قَدِيمًا وحَدِيثًا. قَرَأتُ في كتاب أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهمذاني [ابن] (a) الفَقِيه في البُلْدان (b) وأخبارها: لَمَّا أنَّ فتح أنوشروان قِنَّسْرِيْن ومَنْبج وحَلَب وحِمْص ودِمَشْق وإِيلِيَاء وأَنْطاكِيَة، اسْتَحْسَنَ أَنْطاكِيَةُ، فلمَّا انْصَرَف إلى العِرَاق، بَنى بها مَدِينَة على مِثال أَنْطاكِيَةُ بأسْواقها وشَوَارعها ودُورها، وسمَّاها رندخُسْره (c)، وهي الّتي تُسمِّيها العرب: الرُّومِيّة، وأمرَ أنَّ يُدْخَلَ إليها سَبْي أَنْطاكِيَةُ، فلمَّا دَخَلُوها لم يُنْكِروا من منازلهم شيئًا، فانْطلق كُلّ رَجُل منهم إلى مَنْزله، إلَّا رَجُلٌ إسْكَافٌ (¬١)، كان على باب داره بأَنْطاكِيَة شَجَرة فِرْصَادٍ فلم يَرَها على بابِه ذلك، فتَحَيَّر سَاعةً، ثمّ دخل الدَّار فوجَدَها مثل دَاره. وقَرَأتُ في بعض ما عَلَّقْتُهُ من الفَوائدِ أنَّ كِسْرَى بنَى الرُّومِيّة بالمَدَائِن، وهي: بَاذْبَجَان خُسْره (d)، وتَفْسيرها: خَيْرٌ من أَنْطاكِيَةُ. وهذا الّذي ذكرَهُ [ابن] الفَقِيه أحمد بن مُحمَّد بن إسْحَاق الهَمَذَانِيّ من أنَّهم لم يُنكروا من منازلهم، وأنَّ الرَّجُل الإسْكَاف لم يَرَ شَجَرة الفِرْصَاد على بابه، فتحيَّرَ سَاعةً ثمّ دَخَل، بعيدٌ جدًّا، بل هو من المُسْتحيلات؛ لأنَّ أبْنيَة أَنْطاكِيَةُ بالحَجَر، وبناء هذه المَدِينَة بالآجُرِ، بل يُحْتمل أنَّه شبَّهها بها في المنازل والشَّوَارع، فدَخَلَ كُلُّ واحدٍ إلى ما يُشْبهُ مَنْزله، لا أنَّ الإسْكَاف أَنْكر الموضِع لأنَّهُ لم يرَ شَجَرة الفِرْصَاد. وذَكَرَ أبو عَبْد الله حَمْزَة بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ، في كتاب تواريخ الأُمَم (¬١) كِسْرَى أَنَوشَرْوان بن قباد (a)، قال: وبنَي عدّة مُدُن، منها مَدِينَة دَخَلت في عِداد مُدن المَدَائِن السَّبْع، وسمَّاها: بُهُ أربذ يو خُسْره (b)، ومعنى: بُهُ أربذ يو خُسْره، أي: خَيْرٌ من أَنْطاكِيَةُ، وقال: أربذ يو: اسمٌ (c) لمَدِينَة أَنْطاكِيَةُ، وبُهُ: اسمٌ للخير. وقع (d) إليَّ قَصِيدَة من نَظْم أبي عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ، مَزْدوجةٌ، وَسَمَها بقصيدةِ الأعْلَام؛ يَذْكُرُ فيها خُروجَهُ من طَرَسُوس سنةَ ثَمانٍ وثَلاثِمائة، ويَصِفُ فيها المنازل التي نَزَلَها، فذَكَرَ أَنْطاكِيَةُ وفَضْلها، وفَسَّر الأبيات، والنُّسْخةُ نُسخة عَتِيقة جدًّا. قال فيها: [من الرجز] ثمّ وَرَدْنَا غدوة (e) أَنْطاكِيَةُ … وأهْلُها في خَيْرها مُواسِيَهْ أهْل عَفَاف وأُمُور عاليهْ … أخْلاقهُم قدمًا عليها جارِيهْ * * * مَدِينَةٌ مَيْمُونةٌ مُذ لم تَزَلْ … النِّصْف في السَّهْلِ ونصفٌ في الجَبَل والبَقُّ لا يَدْخُلُها ويتَّصل … لكن بها فأرٌ عظيمٌ كالوَرَل * * * كَثِيْرة الخَيْرات والثِّمار … وتِيْنُها القِلَّار في الأشْجَارِ مثل النُّجُوم في دُجَى الأسْحار … حَصِيْنَةٌ كَثِيْرةُ الآثارِ * * * صَاحِب يس حَبْيْبٌ فيَها … وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ وَجِيْهَا في الخلُد والثِّمَارِ يَجْتَنِيْهَا … أكْرِم به مُفْتَخَرًا نَبِيْهَا وقال في تَفْسير الأبْيات: أمَّا أَنْطاكِيَةُ فإنَّ لها حِصْنًا نصفٌ في السَّهْلِ ونصفٌ في الجبَل، ولا يَدْخلُها البَقُّ، ومَنْ خَرَجَ منها آذاهُ البَقُّ، وهي كَثِيْرة الفَأر، والتِّيْنُ القِلَّارِيُّ لا يَكُون إلَّا بها، ويُعْرفُ بالعِرَاقِ: بالشَّاميّ، وصاحب يس: حَبِيب النَّجَّار، قَبْرهُ بها، وهو الّذي قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (¬١).