Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

وأما قناة حلب

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 168, entry [44]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

page 168, entry [44]Open original source
وأمَّا قناة حَلَب: الّتي تَدْخل إلى المَدِينَة، فقيل: هي عَيْن إبْرَاهِيم ﵇، وهي تأتي من حَيْلان (¬٢)؛ قريةٌ شمالي حَلَب، وفيها أعْيُن، جُمِعَ ماؤها وسِيْق إلى المَدِينَة، وقيل: إنَّ المَلِك الّذي بني حَلَب، وزنَ ماءها إلى وَسط المَدِينَة، وبَني المَدِينَة عليها، وهي تأتي إلى مَشْهَد العافية تحت بَعَاذِين (b)، وتركب بعد ذلك على بناءٍ مُحْكَم رُفِعَ لها لانْخفاض الأرْض في ذلك المَوْضِع، ثُمَّ تمرُّ إلى أنْ تصل إلى بَابِلَّى (¬١)، وهي ظاهرةٌ في مَواضع، ثُمَّ تَمُرُّ في جِبَابٍ قد حُفِرَت لها إلى أنْ تنتهي إلى باب القَناة، وتُظْهرُ في ذلك المكان، ثُمَّ تمرُّ تحت الأرْض إلى أنْ تَدْخل من (a) باب الأرْبَعِين، وتنْقَسم في طُرقٍ مُتَعدِّدة إلى البَلَد (b). ولأهْل حَلَب صَهاريجٌ في دُوْرِهم يَخْزنون فيها الماء منها ويُبرِّدُونَه فيها، إلَّا ما كان من الأمْكنة المُرتَفعة كالعَقَبَة (¬٢)، وقَلْعَة الشَّريف؛ فإنَّ صَهاريجهُم من المَطَر، وقد كانت هذه القَنَاة فسد طريقُها لطُول المُدَّة ونقص مَنابيع (c) عُيُونها فكَراها السُّلْطَان المَلِك الظَّاهِر ﵀، وحرَّر طَريقها إلى البَلَد وكَلَّسَهُ وسدَّ مَخارج الماءِ فيه، فكَثُر ماؤها، وقَوِيَت عُيُونها، وجدَّد القَنوات في حَلَب والقَساطِل، وأجْرى الماءَ فيها حتَّى عَمَّت أكثر دُوْر البَلَد، واتُّخذت البِرَك في الدُّور، حتَّى قال أبو المُظَفَّر بن مُحمَّد بن مُحمَّد الوَاسِطِيّ المَعْرُوفُ بابن سُنَيْنير (d) يَمدحُهُ، وسَمِعْتُها من لفظه (¬٣): [من الكامل] روَّى ثَرَي حَلَب فعَادَت (a) رَوْضَةً … أُنُفًا وكانَت قَبْلَهُ تَشْكُو الظَّمَا أحْيَا رُفَاتَ مَوَاتها فكأنَّه … عِيسَى بإذن الله أَحْيا الأعْظُما لا غَرْوَ إنْ أجْرَى القَنَاةَ جَداولًا … فلطَالمَا بقَناتِهِ أجْرَى الدَّمَا ووصَلَ ماءُ القَنَاة في أيَّامه إلى مواضِعَ من البَلَد لم يُسْمع بوُصُوله إليها، حتَّى إنَّها سِيقَت إلى الحاضر السُّلَيْمَانيِّ (¬١)، ووقف عليها أوقافًا لعمارتها وإصلاحها. قرأت في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك الّذي وضَعَهُ الحَسَن بن أحْمَدُ المُهَلَّبيُّ العَزِيْز الفاطِميّ المُسْتَولِي على مِصْر، قال (¬٢): فأمَّا حَلَب؛ فهي مَدِينَةُ قِنَّسْرِيْن العَظِيمَة، وهي مُسْتقرُّ السُّلْطَان، وهي مَدِينَةٌ جَلِيلةٌ عامرةٌ آهلةٌ، حَسَنَةٌ المنازل، بسُور عليها من حَجَرٍ، وفي وسطها قَلْعَةُ على جَبَل وسط المَدِينَة لا تُرام، ليس لها إلَّا طريق لا مُقابَلَة عليه، وعلى القَلْعَة أيضًا سُور حَصِيْن؛ وشِرْبُ (¬١) أهْل حَلَب من نَهْرٍ على باب المَدِينَة يُعْرفُ بقُوَيْق، ويَكْنِيه أهْلُ الخَلَاعة أبا الحَسَن. وأعمال قِنَّسْرِيْن كُلّها ومَدِينَة حَلَب فُتِحَت صُلْحًا. وقال: فأمَّا الأقالِيْم الّتي هي منها، فإنَّ من الإقْليم الرَّابع حَلَب، وعَرْضُها أربعٌ وثلاثون دَرَجَة. فأمَّا أهلُها؛ فهم أخْلاطٌ من النَّاس من العَرَب والمَوَالِي، وكانت بها خِطَطٌ لوَلَدِ صالِح بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ، وتَأَثَّلَتْ لهم بها نِعْمة ضَخْمة، ومَلكوا بها نفيس الأمْلاك، وكان منهم مَنْ لَحِقْتُ بقيَّتهم بنو القَلَنْدَر، فإنَّني شاهدتُ لهم نِعَمًا ضَخْمةً، ورَأيتُ لهم منازلَ في نهايةِ السَّرْو. وكان بها أيضًا قومٌ من العَرَب يُعْرفونَ ببني سِنَان، كانت لهم نعمةٌ ضَخْمةٌ. وسَكَنها أحْمَدُ بن كَيْغَلَغ، وبنَى بها دارًا مَعْرُوفة إلى الآن؛ ومَلَكَ بها بدرٌ غلامُهُ ضِيَاعًا نفيْسَةً، فأتَى على ذلك كُلِّه الزَّمانُ، وسُوءُ مُعاملَة مَنْ كان يلَي أُمُورَهم، لأنَّهُ لم يكُن بالشَّامِ مَدِينَة أهلها أحْسَن نِعَمًا من أهْل حَلَب، فأتَى على ذلك كُلِّه، وعلى البَلَد (a) نَفْسه، سُوءُ مُعاملَة عليّ بن حَمْدَان لهم، وما كان يراهُ من التَّأَوُّلِ في المُطالبةِ. قلتُ: إلى ذلك أشار أبو مُحمَّد عَبْد الله بن مُحمَّد بن سعيد بن سِنَان في قَصِيْدته الَّتي يقُول فيها (¬٢): [من البسيط] أَوْدَي عليُّ بْنُ حَمْدَانٍ بوَفْرِهمُ … وقُدِّرت لهُم في مُلْكِهِ المِحَنُ وكان سَيْف الدَّوْلَة عليّ بن حَمْدَان قَبض أملاك جِدِّه سَعيد، وهي مَزْرعةٌ تُعْرفُ بكَفر صفْرا (¬١) من كُورَةِ قُوْرُس، ورَحى الدِّيْناريّ (¬٢) وأرْضها السَّقي والعِذْي، وبُسْتان البُقْعَة (a) بحَلَب. عُدْنا إلى كَلام العَزِيزِيّ، قال: وحَلَب من أجَلِّ المُدُنِ وأنْفَسِها، ولها من الكُوَرِ والضِّيَاع ما يَجْمَعُ سائرَ الغَلَّات النَّفِيسَة، وكان بَلد مَعَرَّة مَصْرِيْن إلى جَبَل السُّمَّاق بلَد التِّيْن والزَّبِيْب والفَسْتُق والسُّمَّاق وحَبَّة الخَضْراء، يَخْرج عن الحَدِّ في الرُّخْص، ويُحْمل إلى مِصْر والعِرَاق، ويُجَهَّز إلى كُلِّ بَلَدٍ. وبلَد الأثارِب (¬٣) والأَرْتاح (¬٤) إلى نحو جَبَل السُّمَّاق أيضًا، مثل بَلَد فِلَسْطين في كَثْرة الزَّيْتُون. ولها ارتفاعٌ جليل من الزَّيْت، وهو زَيتُ العِرَاق؛ يُحْمل إلى الرَّقَّة إلى الماءِ - ماءِ الفُرَات - إلى كُلِّ بَلَد، وقد اخْتَلَّ ذلك ونَهَكَهُ الرُّوم. فأمَّا خِلَقُ أهْلها، فهُم أحسَنُ النَّاس وجُوهًا وأجْسامًا، والأغلَبُ على ألْوانِهِم الدُّرِيَةُ والحُمْرة والسُّمرة، وعيُونُهم سُودٌ وشُهْل، وهُم من أحْسَنِ النَّاسِ أخْلاقًا وأتَمَّهم قامةً. وكانت اعْتقاداتُهم مثل ما كان عليهِ أهْلُ الشَّام قديمًا، إلَّا من تَخَصَّص منهم، وقِبْلَتُهم مُوافقَةٌ لقِبْلة أهلِ الشَّام. يُشيرُ بقوله: وكانت اعتِقاداتُهم مثل ما كان عليه أهلُ الشَّام قديمًا؛ إلى مَذْهب أهلِ السُّنَّة، وكذلك كان مَذاهبُ أهْل حَلَب، حتَّى هَجَمَها (a) الرُّومُ في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وقَتَلُوا مُعظم أهلها، فنَقَلَ إليها سَيْف الدَّوْلَة من حَرَّان جماعةً من الشِّيْعَة مثل الشَّريف أبي إبْرَاهِيم العَلَويّ وغيره، وكان سَيْف الدَّوْلَة يَتَشَيَّع، فغَلَب على أهْل حَلَب التَّشَيُّع لذلك. وقَوْله: وفي وسطها قَلْعَةٌ على جَبَل وسط المَدِينَة، ليس كذلك، بل القَلْعَة في طَرف المَدِينَة، وسُور المَدِينَة يَخْتلط بسُورها، والظَّاهرُ أنَّه شاهَدَ القَلْعَة من داخل المَدِينَة فظنَّها في وسطها، ولم يُشاهدها من خارج. وقَوْله: وشِرْب أهْل حَلَب من نَهْر قُوَيْق، ليسَ كذلك، إلَّا لَمْن كان بالقُرْبِ منه، أو أنَّه أراد ما يَحْمله السَّقَّاؤون في الرَّوَايا، بل الغَالِب في شرْب أهْلها من قَنَاةِ حَيْلان. وقد أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا الحُمَيْديّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن هِلِّل (b) بن المُحَسِّن الصَّابِئ، قال: كَتَبَ المُخْتَار بن الحَسَن بن بُطْلان المُتَطَبِّب كتابًا إلى والدي هِلِّل بن المُحَسِّن في سَنَة أرْبعين وأرْبَعِمائة، يذْكُرُ له فيها خُرُوجه من بَغْدَاد، وما دَخَل من البلاد، قال فيها (¬١): رَحَلنا من الرُّصَافَة إلى حَلَب في أربَع مَراحل، وحَلَب بلدٌ مُسَوَّر بحَجَرٍ أبيض، فيه ستَّة أبواب، وفي جانب السُّور قَلْعَةُ في أعْلَاها مَسْجِد وكَنِيْسَتان، وفي أحديهما كان المذبَحُ الّذي قرّب عليه إبْرَاهِيمُ ﵇. وفي البَلَد جامعٌ، وستّ بيَعٍ، وبِيْمَارِسْتان صَغير. والفُقَهاءُ يفْتُون على مَذْهبِ الإمامِيَّةِ. ويَشْربُ أهْل البَلَد من صَهاريج فيه مَمْلوءَة بماء المَطَر، وعلى بابه نَهْرٌ يُعْرفُ بالقُوَيْق، يَمُدُّ في الشِّتَاء ويَنْضَبُ في الصَّيْف. وفي وسط البَلَد دَارُ عَلْوَة صاحبَة البُحْتُرِيّ. وهو بلدٌ قليل الفاكهة والبُقُول والنَّبيذ إلَّا ما يأتيهِ من بلادِ الرُّوم، وفيها من الشُّعَرَاءِ جَمَاعَة، وذكَر أبا الفَتْح بن أبي حَصِينَة (¬٢)، وذكَرَ کاتبًا نصرانيًّا هو صَاعِد بن عِيسَى بن سُمَّان (a)، وذكَر أبا مُحمَّد بن سِنَان، وأبا المَشْكُور. ثُمَّ قال (¬٣): ومن عَجائب حَلَب أنَّ في قَيْسارِيَّة البَزِّ عشرين دُكَّانًا للوكَلاءِ، يَبِيعُونَ فيها كُلّ يوم مَتاعًا قَدْرُه عشرونَ ألف دِيْنار؛ مُسْتمرٌّ ذلك منذ عشرين سَنةً وإلى الآن. وما بحَلَب مَوضعٌ خَرَابٌ أصْلًا. قُلتُ: الكَنِيْسَة الّتي أشارَ إليها في القَلْعَة أنَّ فيها مَذْبَح إبرَاهِيْم ﵇، هي الآن مَقام إبْرَاهِيمَ ﵇ الأسْفَل، والكَنِيْسَة الأخْرى دَثَرَتْ، والمَسْجِد الّذي في أعْلى القَلْعَة هو مَقَامُ إبَراهِيم ﵇ الأعْلَى، وأمَّا البِيَعُ السِّتّ، فاثْنتان باقنتان؛ إحداهُما بالقُرْبِ من الزَّجَّاجين إلى جانب مَسْجِد ابن زُرَيْق، والأُخرى بالقُرْبِ من الرَّحْبَة، والبَواقي جُعِلَت مَسَاجد في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة حين حَصَر الفِرِنْجُ حَلَب وبَعْثَرُوا الضَّريح الّذي بمَشْهَدِ الدَّكَّة، ويقال إنَّ به سِقْطًا للحُسَين بن عليّ ﵁، وكان يُدبِّر أمْر البَلْدةِ أبو الفَضْل بن الخَشَّاب، لأنَّ صاحبَها تَمُرْتاش بن إيلْغَازِي بن أُرْتُق كان بِمَارِدِينَ، فجعَل ابنُ الخَشَّابِ كَنَائِس حَلَب هذه مَسَاجِد، إحداهما (a) الكَنِيْسَة العُظْمَى الّتي يُقالُ إنَّ هِيْلانَة ملكة القُسْطَنْطِينيَّة بنَتْها، فجُعِلَ فيها مِحْرَابٌ، وعُرِفَت بمَسْجِد السَّرَّاجين، وهي غَرْبي المَسْجِد الجامع وجعلَها نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي مَدْرَسَةً لأصْحَاب أبي حَنِيفَة ﵁، والأُخرى جُعِلَت مَسْجِدًا بالحَدَّادِين، فَوُقِفَت مَدْرَسَةً للحَنَفِيَّة أيضًا؛ وَقَفَها حُسام الدِّين لاجِيْن وهي مَدْرَسَة الحَدَّادِين، والأُخرى كانت بدَرْبِ الخَرَّاف (b) فهدَمَها عَبْد المَلِك بن المُقَدَّم، وبناها مَدْرَسَة للحَنَفِيَّة أيضًا، وأمَّا الرَّابعة فلا أعْلَم بها. قَرَأتُ بِخَطِّ الحُسَيْن بن كَوْجَك العَبْسيِّ الحَلَبيِّ، في كتاب سِيرَة المُعْتَضِد بالله، تأليف سِنَان بن ثَابِت بن قُرَّة، كتَبَ بها إلى أبي الحُسَيْن مُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرَّوذْبَاريِّ الكَاتِب، قال ثَابِت بن سِنَان في أوَّل الجزءِ السَّادِس منها: لمَّا انتهَيتُ إلى هذا المَوْضِع، أمَرَني أَمِير المُؤمِنِين أنْ أُمَيِّزَ معهُ، وبحَضْرَته، ما في الخزائن القَديمةِ للسُّلْطان من الدَّفاتِر والآلاتِ النُّجُومِيَّةِ وغيرها ممَّا يَجْري مَجْراها، فما كان يَصْلح للأميرَيْن أبي جَعْفَر وأبي الفَضْل، أيَّدَهُما اللهُ، عَزَلتهُ لهما على ما رَسَمَهُ لي فيما رَغب في اخْتيارِي إيَّاهُ لهما، ممَّا يُشاكِل سنَّهُمَا من كُتُب الفِقْه، وكُتُب اللُّغة، وكُتُبِ السِّير القَديمةِ والقَرْيبَة العَهْد، وأخْبار المُلُوك وأيَّامِ النَّاسِ، وأخْبار الدَّوْلَة العبَّاسيّة، وأشْباه ذلك. قال: فكان فيما أخْرَج إلينا صَناديق كَثِيْرة، فيها كُتُب أحمَد بن الطَّيِّب الّتي كان المُعْتَضِدُ قَبَضَها لمَّا نَكَبَه، وكُنْتُ بها عارفًا، وقد كُنتُ مَيَّزتُها للمُعْتضِدِ فِي ذلك العَصْر وعملتُ لها فِهْرسْتًا، فمرَّ (a) فيها كتابٌ بخَطِّ أحمد بن الطَّيِّب بأخْبار مَسير المُعْتَضِد بالله من مَدِينَة السَّلام إلى وَقْعة الطَّوَاحِين، وأخْبار انْصرافه عنها، فتَتَبَّعَتْهُ نَفْسي تَتَبُّعًا شديدًا لصحَّته، وأنَّه أضْلٌ لرَجُل مُحصِّل وبخَطِّه، وكان وقوعُ هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يَدِي، فبدَأني بما كان في نَفْسي، فرَمَى بهِ إليَّ لأتأَمَّلَهُ، ثمّ قال لي: أحْسبُ هذا ممَّا سبيْلُه أنْ تقتَصّه في الكتاب الّذي عملتَهُ لمُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرُّوذْبَارِيّ، فقُلتُ: بل أنْسَخهُ فيه حَرْفًا حَرفًا، فقال: افْعل، ثمّ ارْدُدْهُ. فنَسَخهُ ثَابِت من خطِّ أحمد بن الطَّيِّب كما قال، وذَكَرَ فيه المنازل إلى أنْ ذكَر وقال: ورَحَلْنا عن بَالِس ليلة السَّبْت لأرْبَع عَشرة ليلة بقيَت منه، فنَزلنا على مِيْلَين من بَالِس، على صِهْرِيج في أوَّل بَرِّيَّة خُسَاف (¬١)، ثمّ رَحلنا عن المَوْضِع سَحَرًا، فقطَعنا بَرِّيَّة خُسَاف إلى انْقضائها، وبين بَالِس وبين انْقضاء بَرِّيَّة خُسَاف خمسة عَشر مِيْلًا بأمْيَال العِرَاق، وفيها قُرَىً خراب، ثمّ يوجد بعد هذه الخَمْسة عَشر مِيْلًا ماء نَزْرٌ قليل يَنْصَبُّ من قَنيِّ من حَدِّ حَلَب في قُنيِّ (a) حتَّى يَنْتهي إلى هذا المَوْضِع قليلًا يسيرًا، وفي هذا المَوْضِع يَجْري إليه الماءُ من قَرْيَة لمُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ، تُعْرَفُ بقَرْيَة الثَّلج (¬١)، كانت المَنْزل ذلك اليوم، والقُنِيُّ في هذه القَرْيَة غَزيرة كَثِيْرة الماء، قد سِيْقَت من نَهْر حَلَب من نَهْر قُوَيْق، من مَوْضِعٍ إلى مَوضِعِ، حتَّى انْتهى إليها، ثمّ إلى المَوْضِع الّذي ذَكَرناهُ على رأس بَرِّيَّة خُسَاف، وبين بَالِس وبين قَرْيَة مُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ ثلاثة وعشرون مِيْلًا، تكُون سَبْعة فَرَاسِخ ومِيْلَين. قلتُ: هكذا ذَكَرَ أحَمد بن الطَّيِّب، وقد أخْطأ في مَوْضعين أحدهما قوله: يَنصَّبُ من قُنِيّ من حَدِّ حَلَب، والآخر في قوله: والقُنيِّ في هذه القَرْيَة غزيرة كَثْيِرة الماء، قد سِيقَتْ من نَهْر حَلَب، من نَهْر قُوَيْق، فإنَّ حَدَّ حَلَب ونَهْر قُوَيْق بعيدٌ من هذا المكان، يكون مِقْدَار ستَّة فَرَاسِخ من جِهَة الغَرْب، وهذه القُنيِّ تأتي من جهة الشَّمَال، لكنَّ الماء في هذه المواضِع الّتي ذَكَرها وفي قُرَى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضِع وبين النَّاعُورَة (¬٢)، قد حُفِرَ له جِباب إلى مَنْبع الماء، ومَنْبَع الماء قَرِيْبٌ في تلك الأرْض كُلّها، ثمّ خُرِق بعض الجِباب إلى بعض إلى أنْ ينتهي الماء إلى أرض يتسلَّط عليها، فيَسْقي أرْض تلك القَرْيَة، وهذه القَرْيَة الّتي أشار إليها أظنُّها تُعْرف الآن بالكِلابِيَّةِ. قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا عن هذا المَوْضِع يوم الأَحَد لثلاث عشرة ليلة بَقِيَتْ منه، فنَزلنا مَنْزِلًا يُعْرفُ بالنَّاعُوْرَة، بينَهُ وبين المَنْزل الّذي كُنَّا نزلناهُ ثمانية أمْيَال، تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وفيه قَصْرٌ لمَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك من حِجَارَةٍ صَلْدَة ليسَ بالكَبير، وماؤُه من العُيُون الّتي ذَكَرْناها. قُلتُ: هذا القَصْر كان مَبْنِيًّا من الحِجَارَة السُّود الكِبار المَنْحُوتة، وأدْرَكْتُ أنا قطعةً منه، وهو بُرْج من أبْرِجَةِ القَصْر، وقد انْهدمَ الآن، وتقسَّمت حجارته إلَّا القليل منه. قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا غَدَاة يَوْم الاثْنَين لاثْنتي عَشرة لَيْلةٍ بقيَتْ من شَهْر ربيع الآخر، فنَزلنا مَدِينَة حَلَب في وَقْتِ ارْتفاع النَّهَار من هذا اليَوم، وبين المَنْزلَيْن ثَمانية أمْيَال تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وأقَمنا بحَلَب إلى انْقِضاء يوم الأرْبَعاء لليلةٍ خَلَتْ من رَجَب. قال: وعلى حَلَب سُورٌ مُحيطٌ بها وبقلْعتها، كانت الرُّومُ بَنَتْهُ، وبَنَتْ الفُرْس بعْضَهُ أيَّام أَنَوشَرْوان، والقَلْعَة على جبلٍ مُشْرفٍ على المَدِينَةِ، وعليها سُورٌ، وعليها بابا حَديد؛ واحدٌ دونَ الآخر، وفي وسطها قد حُفِرَ إلى الماءِ يُنْزل إليه على مائةٍ وعشرين مِرْقَاة، قد خُرِقتْ تحت الأرْض خُرُوقًا، وصُيِّرت آزاجًا، يَنْفذُ بعضُها إلى بعضٍ إلى ذلك الماءِ، وفيها ديرٌ للنَّصارَي، وفيه امرأةٌ قد سدَّتِ البابَ عليها في وَجْهها منذ سَبْع عَشرة سَنَة. ثمّ يَنْحدرُ السُّور إلى المَدِينَةِ من جانبي القَلْعَة. ولها ستَّة أبواب، تُعْرفُ: باب العِرَاق، وباب قِنَّسْرِيْن، وباب أَنْطاكِيَّة (a)، وباب الجِنَان، وباب اليَهُود، وباب أربعين؛ وهو ممَّا يلي القَلْعَة، ومن جانبها الآخر باب العِرَاق. وشِرْبُ أكْثَر أهْل حَلَبَ من ماءِ قُوَيْق، لأنَّهُ يَجْري إلى أبواب الجِنَان وأَنْطاكِيَة وقِنَّسْرِيْن. وقُدَّام باب أَنْطاكِيَة رَبضٌ يُعْرفُ بَربَضِ الدَّارَيْن، في وَسَطه قَنْطَرَةٌ على قُوَيْق، كان مُحمَّدُ بن عَبْد المَلِك بن صالح بناهُ، أعْني الرَّبَض، ولم يَسْتَتِّمه، واسْتَتَمَّهُ سِيْما الطَّويل، ورَمَّ ما كان اسْتَهدَم منه وصَيَّرَ عليه بابَ حديد حِذَاء باب أَنْطاكِيَة، أخذَهُ من قَصْرٍ لبَعْضِ الهاشِميِّين بحَلَب، يُسَمَّى قَصْر البَنات، ويُسَمَّى الباب باب السَّلامَة. قُلتُ: والقَصْر قد كان في الدَّرْب المَعْرُوف بدَرْبِ البنَاتِ بحَلَب، بالقُرْبِ من الصَّنادِيقيّين، وشَرْقي الدَّارَيْن بُسْتان، يُعْرفُ ببُسْتان الدَّار من شمالي مَيْدان باب قِنَّسْرِيْن، وهو الآن وَقْفٌ على المَدْرَسَة النُّورِيَّة الشَّافِعِيّة المَعْرُوفة ببني أبي عصْرُون، وهو مَنْسوبٌ إلى إحدَى الدَّارَيْن اللَّتَيْن ذَكَرهُما أحمدُ بن الطَّيِّب. قال ابن الطَّيِّب: وشِرْبُ أهْلِ باب أرْبَعين، وأهْل بابِ اليَهُود، وأهلِ الأسْوَاقِ من عُيُون تَجْري على وَجْهِ الأرْض مِقْدَار أرْبعة فَرَاسِخ في موضِع هو أعْلَى من حَلَب، ثمّ تجري على باب اليَهُود على وجهِ الأرْض، وتَسْقِي بَساتيْن الدُّوْر هناك سَيْحًا، ثمّ يكون ما وراء هذا المَوْضِع من حَلَب أسْفل منه فقد عُدِل بعبَّارَة بَنَتْها الرُّوم في الطَّريق، يَجْري الماءُ عليها، فهو في السُّوق، وإنَّما بينهُ وبين باب أربعين (a) رُبْع ميل على عشرة أذْرع من الأرْض. قُلتُ: يُريدُ بالعُيُون المَذْكُورَة قناة حَلَب الآتية من حَيْلان، وهي تَسْقي داخل باب الأرْبَعِين بُسْتانًا بَطَل وبُني دُوْرًا، وتَسقي بُسْتان اليَهُود باب اليَهُود الّذي هو وَقْفٌ على الكَنِيْسَة. قال: وقُوَيْق نَهْر يأُخُذُ من وادٍ على أربعة فَرَاسِخ من حَلَب ممَّا يلي حَيْلان (a) يتَّصل بوَادِي العَسَل. قُلتُ: وادي العَسَل غَرْبي مَدِينَة حَلَب، ونَهْر قُوَيْق يأتي إلى حَيْلان، ثمّ يجري في الوَادِي بين جَبَلين، لا يتَّصل بوَادِي العَسَل. وقال أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف في كتاب نُزْهَة النُّفُوس وأُنْس الجِلَيْس (¬١): ذِكْرُ مَدِينَة حَلَب، وهي في الإقْليمِ الرَّابِع قَريبًا من أَنْطاكِيَة، وبها يَنْزل الوُلاةُ العُزَّامُ، وهي عامرةٌ، أهلُها كَثِيْر، وبُعْدُها عن خَطِّ المَغْرب ثلاثةٌ وسَبْعُون دَرجَةً، وعن خطِّ الاستواء خمسةٌ وثلاثون دَرَجَة. وقَرَأتُ في كتاب جَغْرافيَا، تأليفُ ابن حَوْقَل النَّصِيْبيِّ، وهو كتابٌ حَسَنٌ في بابه، قال (¬٢): حَلَبُ وهي مَدِينَة جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكانت عامرةً جدًّا، غاصَّةً بأهلها، كَثِيْرة الخَيْرات، على مَدْرِج طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات، افْتتَحها الرُّومُ، وكان لها سُورٌ من حِجَارَة لم يُغْنِ عنهم من العَدُوِّ شيئًا، بسُوءِ تَدْبير سَيْفِ الدَّوْلَة وما كان به من العِلَّةِ، فأخْربَ جامعَها، وسَبَي ذرارِيَّ أهْلها، وأحرقُوها، وكان لها قَلْعَةٌ غير طائلة ولا حَسَنَة العِمَارَة، لجأ إليها قومٌ من أهلها فنَجَوْا، ونقِل ما بها من المتاع والجهاز (b) السُّلطان وأهلِ البَلَد وسبي بها، وقُتل من أهل سَوادها ما في إعادته إرْماضٌ لمَن سَمِعَهُ، وَوَهْنٌ على الإسْلام وأهْلهِ. وكانت لها أسْواقٌ حَسَنَةٌ، وحَمَّاماتٌ، وفَنادِق، ومَحالّ، وعِرَاضٌ فَسِيحةٌ، ومَشَايخ وأهْل جِلَّة، وهي الآن كالمُتَماسكةِ (a). ولها واد يُعْرفُ بأبي الحَسَن قُوَيْقٍ، وشرب أهْلها منْهُ، وفيهِ قليلُ طَفَسٍ (¬١). ولم تزل أسْعارها في الأغْذيَةِ وجميع المآكل قَديمًا واسِعةً رخيْصَةً. وعليهم الآن للرُّوم في كلِّ سنةٍ قانونٌ يُؤدُّونه، وضَرِيبةٌ تُسْتخرَجُ من كلِّ دارٍ وضَيْعةٍ معلُومة، وكأنَّهم معهم في هُدْنَةٍ، وليْسَت - إنْ كانت أحوالُها مُتماسِكَةً، وأُمورُها رَاجِيةً (b) - بحالِ جُزءٍ من عشرين جُزءًا ممَّا كانت عليه في قديم أَوَانِها، وسَالِف أزْمانِها. أشارَ ابنُ حَوْقَل إلى فَتْح الرُّوم لها، وتَخْريبها، في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وفي ذِكْر الضَّريبة الّتي تُؤدَّى إلى الرُّوم في كُلِّ سنةٍ إلى ما قَرَّرهُ قرعُويَه السَّيْفيِّ مع الرُّوم من الأتاوة الَّتي تُؤدَّى في كلِّ سنةٍ عن حَلَب إلى الرُّوم، وليس هذا مَوضِع ذِكْرها (¬٢). وقال أبو العبَّاس أحمد بن إبْرَاهِيم الفارِسيّ الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (¬١): وأمَّا جُنْد قِنَّسْرِيْن، فإنَّ مَدِينتها قِنَّسْرِيْن، غيرَ أنَّ دار الإمَارة والأسْواق ومجامع النَّاس والعِمَارات بحَلَب. قال: وهي عامرةٌ بالأهْل جدًّا، على مَدْرجةِ طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات. سَمِعْتُ أبا عَبْد الله مُحمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر يقول: بلَغَني أنَّ حَلَب كانت من أكثر المُدُن شَجَرًا، فأفْنى شَجَرها وقُوع الخُلْف بين سَيْف الدَّوْلَة والإخْشِيْد على ما تَذْكره (¬٢)؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما كان يَنْزل عليها ويَقْطع شَجَرها، فإذا أخَذَها جاءَ الآخر وفَعَل مِثْلهُ. وأخْبَرني مَكِّيّ بن هارُون بن صالِح الكَفْر بلَاطيِّ (¬٣)، وكان من كَفْر بَلاط (¬٤) من نُقْرَة بَني أَسَد، قال: أخبَرَني أبي هارُون، عن أبيهِ صالِح، يَأْثرهُ عن سَلَفه، أنَّ النَّاس كانوا يَمْشُون من مَقام إبْرَاهِيْم ﵇ الّذي على سَطْح جَبَل نَوَائِل إلى زُبَيْدة، وهي قَرْيَة على طَرف جَبَل الأَحَصّ، وهي مُشْرفة على النُّقْرَة، في ظلال شَجر الزَّيْتُون. والدَّليلُ على صحَّة ما ذَكَرهُ أنَّه ما من قَرْيَة في نُقْرَة بَني أَسدَ إلَّا وفيها أثَر مِعْصَرَة للزَّيْت والحَجَر الّذي كان يُعْصَر بها.
Parsing and provenance details
Local passage ID
884580
Book record
shamela-1160
Source record
973656
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain