page 526, entry [503]Open original source
علي الشوني المحيوي علي الشيخ الصالح، المجمع على جلالته وصلاحه نور الدين الشوني الشافعي أول من عمل طريقة المحيا في الصلاة على النبي ﷺ بمصر، وهو شيخ هذه الطريقة في مصر ونواحيها، ومكة والقدس، ودمشق وسائر البلاد ولد في قرية بالغربية، يقال: لها شون بناحية طندتا بلد سيدي أحمد البدوي، ونشأ في الصلاة على رسول الله ﷺ، وهو صغير ببلده، وكان إذا سرح بالبهائم يعطي غداءه للصغار، ويقول: تعالوا صلوا معي على النبي ﷺ، ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فأقام فيه مجلس الصلاة على النبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها، فكان يجلس في جماعة من العشاء إلى الصبح، ثم من صلاة الفجر حتى يخرج لصلاة الجمعة، ثم من صلاة الجمعة إلى صلاة العصر، ومن صلاة العصر إلى المغرب فأقام على ذلك عشرين سنة، ثم خرج - رضي الله تعالى عنه - يودع شخصاً من أصحابه في المركب أيام النيل كان مسافراً إلى مصر، ففات المركب بهم وما رضي الريس يرجع بالشيخ، فدخل الشيخ مصر فأقام بالتربة البرقوقية بالصحراء، وكان يتردد إلى الأزهر للصلاة على النبي ﷺ، فاجتمع عليه خلق كثير، واعتقله مماليك السلطان قايتباي، فانحصر منه المجاورون بالأزهر، وسعوا في إبطال المجلس واستفتوا في ذلك البرهان بن أبي شريف، فمزق رقعة الفتيا، وانتقدوا عليه كثرة الشموع والقناديل التي توقد في المجلس، وقالوا: هذا فعل المجوس، وأفتى البرهان المذكور بأنه ما دام النور يزيد بزيادة الشموع والقناديل فهو جائز، ولا يحرم إلا إذا وصل إلى حد لا يزداد الضوء به، وممن انتصر له الشيخ شهاب الدين القسطلاني، وصنف كتاباً في الرد على من أنكر على مجلس الشوني، وحث على حضور المجلس، وصار يحضره ولما كتب شرحه على البخاري كان يأتي قربه، فيضعه وسط الحلقة إلى الصباح رجاء القبول، وكان إنشاؤه لمجلس الصلاة على النبي ﷺ في الأزهر سنة سبع - بتقديم السين - وتسعين بتأخيرها وثمانمائة، ولم يتزوج - رحمه الله تعالى - حتى مضى من عمره تسعون سنة اشتغالاً بالصلاة على رسول الله ﷺ، والعبادة. قال الشعراوي: إن ورده في الصلاة على النبي ﷺ عشرة آلاف مرة ليلاً، وعشرة آلاف نهاراً، وكان حسن المعاشرة، جبلي الخلق، كريم النفس، كثير التبسم، لا يكاد قط يسمع منه كلمة فيها رائحة دعوى لمعرفة شيء من الطريق، وكان من الصفاء لا يظن أن أحداً يكذب أبداً، وكان مجبولاً على الأخلاق المحمدية، وإذا نزل بالمسلمين هم لا يقر له قرار، ولا يضحك حتى ينجلي عنهم، وكان الناس يصفونه بكثرة رؤية النبي ﷺ، وإذا ذكر شيء من ذلك في حضرته يسكت، وكان لا يذكر نفسه في رؤية النبي ﷺ، بل إذا ذكروا قصة يقول: رأى بعضهم رسول الله ﷺ، وقال له: كذا كذا، وكان الناس يرونه بعرفات، وفي المطاف، ومشاهد الحج، فإذا رجعوا إلى مصر أخبروا بذلك عنه. فيقول: شبهوني حتى حلف شخص بالطلاق أنه رآه في عرفات. فقال الشيخ: أنا ما فارقت مصر. قلت: ولا شك ولا ريب أن هذا الرجل من مشاهير الأولياء والصالحين، ومجلس الصلاة على النبي ﷺ الذي ابتكره من المجالس التي تلقاها العلماء الأعلام بالقبول في أقطار الأرض، وأقاليم البلاد، وهو المجلس المعروف الآن بدمشق، وما والاها بالمحيا لأنه إنما يعمل في الغالب ليلاً، فلما كان يجيء به الليل يسمى بالمحيا، وأصل إنشائه من الشوني - رحمه الله تعالى - ثم خلفه الشيخ شهاب الدين البلقيني، والشيخ عبد الوهاب الشعراوي بالقاهرة، وكان البلقيني خليفة الشيخ الذي جلس مكانه في الأزهر، وكان الشعرواي في جامع الغمري، وذكر الشعراوي عن نفسه أنه لازم الشيخ نور الدين في السهر معه في الجامع الأزهر نحو خمس سنين. قال: ثم قال لي: أولاً تجمع لك جماعة في جامع الغمري، وتسهر بهم، فلعل يحصل هناك أحد يوافقك. فقلت: نعم، وذلك في سنة تسع عشرة - بتقديم التاء - وتسعمائة. قال: ففعلت ذلك بإشارته. قال: فاجتمع عندنا في ثاني جمعة خلائق كثيرة، وأوقدوا شموعاً وقناديل، ففرح الشيخ بذلك، فانشرح صدره لقراءة " إنا أعطيناك الكوثر " سورة الكوثر: الآية الليلة الجمعة ألف مرة قبل قراءة قل هو الله أحد قال فرأى جماعة كثيرة رسول الله ﷺ فأخبرت بذلك الشيخ، فقال: إن شاء الله نفعلها في مجلس جامع الأزهر. قال الشعراوي: ثم إن جماعتنا كرروا عند ختام القراءة. قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " سورة: البقرة الآية ٢٨٦ ساعة طويلة فحصل لهم بذلك بسط عظيم قال: فأخبرت بها الشيخ، ففعلها في مجلسه وتوارثها عنه جماعة. قال: وهذا كان أصل قراءة إنا أعطيناك الكوثر، وتكرار هذه الآية قال: ثم إننا سهرنا العشر الأخير من رمضان متوالياً، وكان ﷺ فأخبرت بذلك الشيخ، فقال: إن شاء الله نفعلها في مجلس جامع الأزهر. قال الشعراوي: ثم إن جماعتنا كرروا عند ختام القراءة. قوله تعالى: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا " سورة: البقرة الآية ٢٨٦ ساعة طويلة فحصل لهم بذلك بسط عظيم قال: فأخبرت بها الشيخ، ففعلها في مجلسه وتوارثها عنه جماعة. قال: وهذا كان أصل قراءة إنا أعطيناك الكوثر، وتكرار هذه الآية قال: ثم إننا سهرنا العشر الأخير من رمضان متوالياً، وكان الشيخ لا يسهر إلا ليالي الوتر فقط، فقلت له في ذلك فانشرح صدره لسهر العشر كله، وقال: إن ليلة القدر واحدة لا تتعدد وربما يكون مطلع الهلال مختلفاً، وربما جاءت في الإشفاع بالنظر لمطلع بلادنا، فهذا كان سبب سهر العشر كاملاً في الأزهر. انتهى كلام الشعراوي. قلت: ثم إن الشيخ عبد القادر بن سوار العاتكي - رحمه الله تعالى - كان يتردد إلى مصر في التجارة والطلب، فحضر مجلس الصلاة على النبي ﷺ بالأزهر، والشيخ شهاب الدين البلقيني شيخ المجلس يومئذ بعد الشيخ نور الدين الشوني، فوقع في قلبه محبة المجلس، وأعجبته هذه الطريقة، فلازم الشيخ، ثم رجع إلى دمشق، فكان ربما عمل هذه الطريقة في جامع البزوري بمحلة قبر عاتكة خارج دمشق نهاراً، ويقعد هو وجماعة قليلة بعد العصر، وكان الأخ الشيخ الإمام شهاب الدين الغزي كثيراً ما يتحرى الخير ويقصده، وكان يطوف في أرجاء دمشق وضواحيها يتحرى المساجد المهجورة والمعمورة للصلاة فيها والذكر، فدخل يوماً جامع البزوري، فوجد الشيخ عبد القادر المشار إليه في جماعة يعملون هذه الطريقة، وكان يعرفها حين دخل القاهرة مع والده في سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، فقعد معهم، وساعدهم، ثم دعا لهم، وأثنى عليهم، ثم تردد إليهم مراراً، ثم أشار على الشيخ عبد القادر أن يعمل المجلس ليلة الجمعة على طريقة الشوني والبلقيني، ففعل، ثم أشار عليه أن يعمله في الجامع الأموي بعد أن استأذن شيخ الإسلام الوالد في ذلك، فأذن له فيه، واستحسنه، كان إذا ما عمل مجلس الصلاة على النبي ﷺ كما أخبرني الشيخ عبد القادر من لفظه مراراً في سنة إحدى وسبعين وتسعمائة، وسمي إذ ذاك بالمحيا، واستقر الأمر آخراً على عمل المحيا ليلتين في الجمعة ليلة الجمعة في البزوري، وليلة الاثنين بالأموي إلى الآن، وحضر المجلس المشار إليه شيخ الإسلام الوالد مراراً، وقال للشيخ عبد القادر: لو زدتم في المحيا قراءة الإنشراح لتعلقها بخطاب النبي ﷺ كتعلق سورة الكوثر به. قال لي الشيخ عبد القادر فقلت لمولانا الشيخ: يا سيدي نفعل إذا امددتمونا قال: فقال لي الشيخ: افعلوا ذلك يا شيخ عبد القادر. قال: فقلت له: يا سيدى كم نقرأها مرة. قال فسكت الشيخ ساعة ثم قال: إحدى عشرة مرة عدد ضمائر الخطاب التي اشتملت عليها السورة فكان هذا أصل قراءة الإنشراح في المجلس، وكان شيخ الإسلام أخي الشهاب الغزي - رحمه الله تعالى - يلازم المحيا ليلاً، ويقرر كتاب الإحياء نهاراً كلاهما. فقال - رحمه الله تعالى - في ذلك: أمانة نفسي في مطالعة الأحيا ... واحياء روحي في مشاهدة المحيا فيا رب هذا دأب عبدك دائماً ... وذلك قدماً دام في هذه الدنيا توفي بهذا الإلتزام، حتى ألحقه بدار السلام، وكانت وفاة الشيخ نور الدين الشوني رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بزاوية الشيخ عبد الوهاب الشعراوي بخط بين السورين، قال الشعراوي: ولم يكن على بال الشيخ عندنا إلا في مرض موته، فكنت كلما أزوره يقول الفسقية التي فيها أولادك تسمع أحدا فأقول له: نعم. قال: فلما حضرته الوفاة طلب أكابر الدولة أن يدفنوه عندهم. فقال: إذا مت، فادفنوني عند عبد الوهاب. قال: ولما مرض مرض الموت مكث سبعة وخمسين يوماً على جنب واحد لم يلتفت حتى ذاب لحم ظهره، صار النمل يدخل جسده ويخرج، ولم يتأوه قط، فلما مات ما ضممنا لحم ظهره إلا بالقطن وورق الموز قال: ولما دفن رأيته في المنام، وهو يقول لي: قد جعلوني بواباً للبرزخ، فلا يدخل عمل أحد إلى البرزخ إلا وأعرفه، وما دخل على البرزخ عمل أحد ولا أنور إلا من أصحابنا لأنه تلاوة قران، وذكر وصلاة على رسول الله ﷺ. قال: ورأيت قبره اتسع مد البصر، وهو مغطى بلحاف حرير أخضر مساحته نحو فدان من الأرض، ثم أني رأيته بعد سنتين وشيء وهو يقول لي: غطني بملاءتك، فإني عريان، فما عرفت ما المراد بذلك فمات ولدي محمد تلك الليلة، فنزلنا به، فدفنته عنده، فوجدنا الشيخ عرياناً على الرمل الأبيض ليس عليه من كفنه شيء، ووجدناه طرياً وظهره يخر دماً مثل ما دفناه سواء لم يتغير لحمه، فغطيته بملاءتي كما قال، وقلت: هذه وديعة عندك. قال: ثم إني أرسلت وراء البناء، فبنيت عليه حائطاً، وجعلت فيه طاقة عالية لا يستطيع أحد أن يدخل عليه ميتاً بعد ذلك قياماً بحرمته، فليس معه أحد مدفوناً سوى ولدي محمد الأول، وأخوه عبد الرحمن، فإنهما دفنا قبله بسنتين، ومكانهما تحت المسطبة التي في الدركات، والشيخ تحت الشباك لا تحت التابوت انتهى كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراوي رحمهما الله تعالى.