page 365, entry [128]Open original source
محمد بن محمد بن عوض محمد بن محمد ابن الشيخ شرف الدين أبي المكارم، حمزة بن عوض، الواعظ المشهور بالديار الرومية، بمنلا عرب الأنطاكي الحنفي، ولقبه ابن طولون زين العرب، كان جده مما وراء النهر من تلاميذ الفاضل التفتازاني، ثم رحل فاستوطن أنطاكية، وبها ولد محمد هذا، وحفظ القرآن في صغره، ثم حفظ الكنز والشاطبية، وغيرهما وتفقه على أبيه وعميه الشيخ حسن والشيخ أحمد فكانا فاضلين، وقرأ عليهما الأصول والقراءات، والعربية، ثم سار إلى حصن كيفا، وآمد، ثم نزل إلى تبريز وأخذ عن علمائها واشتغل هناك سنين، وممن أخذ عنهم بتبريز مولانا مزيد، ثم رجع إلى أنطاكية، وحلب وأقام مدة ووعظ ودرس وأفتى، ثم رحل إلى مكة فحج ثم إلى مصر فأخذ عن الجلال السيوطي وغيره ووعظ بها وأفتى وحصل له قبول تام حتى طلبه قايتباي الملك الأشرف، فدخل عليه ووعظه وألف له كتاباً في الفقه سماه " النهاية " فأحسن جائزته وأكرمه غاية الإكرام، وبقي عنده إلى أن توفي سنة ثلاث وتسعمائة، ثم سافر إلى الروم، ودخل بروسا فأحبه أهلها فأقام عندهم، واشتغل بالوعظ والنهي عن المنكرات، ثم ذهب إلى القسطنطينية فأحبه أهلها، وسمع السلطان أبو يزيد خان وعظه، فمال إليه كل الميل وألف له كتاباً سماه تهذيب الشمائل في السيرة النبوية، وكتاباً آخر في التصوف وخرج معه إلى السفر، وحضر فتح قلعة متون، وكان ثاني الداخلين إليها أو ثالثهم، ثم رجع إلى القسطنطينية، وبقي بها يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم وكان ينكر على الملاحدة والرافضة، ثم رجع ومعه أهله إلى حلب، فأكرمه ملك الأمراء خير بك جداً، وقرأ عليه والتزم بجميع مصالحه، فمكث ثماني سنين مشتغلاً بالتفسير، والحديث، والوعظ والرد على الملاحدة، والرافضة سيما على طائفة أردبيل، وكانت تلك الطائفة يبغضونه، بحث يلعنونه مع الصحابة في الجامع. قال ابن الحنبلي: واتفق له أن حضر في مجلس وعظه شيعي متسلح من أتباع الإيجي، بعثه شاه إسماعيل إلى الغوري، صاحب مصر، فتوجه إليه وعاد من عنده إلى حلب، فهم بإشهار سيفه فقتله: الحلبيون وحرقوه فتغير الايجي من ذلك، وكاتب الغوري في ذلك، فاضطرب له فإذا محضر خير بك كافل حلب يتضمن إخماد الفتنة، وتسكين غضب الغوري، على الشيخ، ثم بد للغوري فكتب أمراً بخروجه من حلب فاجتمع به خير بك خفية فأخبر به خير بك خفية، فأخبره بما وردت به المكاتبة وأمره بالمهاجرة خفية، فهاجر إلى البلاد الرومية، ثم انتهى. وذكر صاحب الشقائق أنه لما دخل الروم في هذه المقدمة، كان في زمن السلطان سليم، فاجتمع به وحرضه على قتال عساكر في الرافض قزلباش، وألف له كتاباً في الغزو وفضائله، نفيساً جداً، وذهب معه إلى حربهم، وكان يعظ الجند في الطريق، ويحرضهم على الجهاد خصوصاً لتلك الطائفة والسلطان يكرمه، ويحسن إليه فلما التقى الجمعان، وحمي الوطيس أمره السلطان بالدعاء، وهو يؤمن، فانهزم العدو وفتحت تبريز حينئذ، ثم سار الشيخ إلى ولاية روم إيلي، فوعظ أهلها، ونهاهم عن المعاصي، وأمرهم بالفرائض، فانصلح به كثير من الناس، وبنى جامعاً في مدينة سراي ومسجداً آخر في أسكوب، وأقام هناك عشر سنين، وأسلم على يديه كثير من الكفار، وغزا مع السلطان سليم أيضاً، أنكروس في سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودعا له حال القتال، فجاء الفتح، ثم انتقل إلى بروسا، وسكن بها وشرع في بناء جامع كبير فتوفي بها قبل إتمامه، وعمر وولد له قريب من مائة نفس، وألف كتباً ورسائل غير ما تقدم وخصوصاً في الكيمياء، ووصل إليها وكان له احتياط في مأكله ومشربه، ونفقته، وكان يختار لذلك ما يفتح به عليه من التجارة، لأنها من أطيب ما أكل الرجل منه، كما في الحديث وكان يحفظ أحاديث كثيرة، وله قدرة على التفسير من غير مطالعة، وكان دأبه في يوم الجمعة أن يتكلم على ما يقرأه الخطيب في الصلاة بخطبة بليغة، ووجوه مختلفة، وعلوم جمة، قال ابن الحنبلي: وكان له قوة حافظة لا نظير لها بحيث حكى لنا شيخنا الشهاب الأنطاكي أنه سأله عن حالته في الحفظ، فذكر له أنه إذا مر على الكراسة التي تكون في خمسة وعشرين سطراً مرة واحدة فإنه يحفظها، ويفهم مضمونها قال: وكان محدثاً مفسراً جامعاً لفضائل شتى، سالكاً طريق السنة في إرخاء العذبة، وكانت عذبته طولى، يرخيها وراء ظهره قال: ومما بلغني أن جده الشيخ حمزة كان يقرأ الكشاف في حلب، وكان إذا أجري ذكر مؤلفه قال ﵀: إن كان مستحقاً للرحمة انتهى. وفي نفس الأمر كان صاحب الترجمة آية من آيات الله، وأعجوبة من عجائب الدهر. أمات بدعاً كثيرة، وأحي سنناً كثيرة، وانتفع به خلائق كثيرة، وكانت وفاته في رابع المحرم سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة ببروسا، وصلي عليه غائبة بدمشق يوم الجمعة حادي عشر رمضان منها رحمه الله تعالى.