page 927, entry [955]Open original source
ملحق فيه ترجمتان لابن دقيق العيد في موضعين مختلفين من النسخة المعتمدة في طبعة دار الفكر وقد سبقت ترجمته عند المصنف في هذا الجزء برقم (٥١٤) ص ٢٠ ابن دَقِيق العِيد الإمام العلامة، شيخ الإسلام، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مُطيع القُشَيري المَنفَلوطي، المِصري، المالكي والشافعي. أحد الأعلام، وقاضي القضاة. ولد في شعبان في سنة خمس وعشرين وست مئة بناحية ينبع. وسمع من: ابن المُقيَّر، وابن الجُمَّيزي، وابن رَوَاج، والسِّبط، وعدَّة، وسمع من: ابن عبد الدائم، والزين خالد بدمشق. وخرّج لنفسه "أربعين تساعيات"، ولم يحدِّث عن ابن المُقيَّر وابن رَوَاج لأنه داخَلَه أدنى شكٍّ في كيفية التحمّل عنهما، وله سماع من فخر القضاة ابن خالد، والرّشيد، والمُنذِري. ألَّف التصانيف البديعة كـ "الإلمام" و "شرح العمدة" وكتاب "الإمام" في الأحكام الذي لو كَمُل لجاء في خمسة وعشرين مجلدًا، وله مؤلف في علوم الحديث (¬١). وكان إمامًا متفنِّنًا، محدِّثًا مجوِّدًا محرِّرًا، فقيهًا مدقِّقًا، أصوليًّا مدركًا، أديبًا نحويًا، غوَّاصًا على المعاني، وافرَ العقل، كثيرَ السَّكينة، تام الورَع، مديمًا للسهر، مُكبًّا على المطالعة والجَمْع، قلَّ أن ترى العيونُ مثله، وكان سَمْحًا جوادًا زكيّ النفس، نَزْر الحديث، عديم الدعاوى، له اليد الطُّولى في الفروع والأصول، وبصيرٌ بعِلل المنقول والمعقول. قد قهره الوَسواس في أمر المياه والنَّجاسات، وله في ذلك عجائب، وكان يميل إلى التَّسرّي والتمتُّع، وله عدَّة بنين بأسماء العشرة. تفقه بأبيه وبأبي عبد الله، وتخرَّج به أئمة، وكان لا يَسلُك المِراءَ في بحثه، بل يتكلم بسكِينةٍ كلماتٍ يسيرة، فلا يُرادُّ ولا يُراجِع. روى عنه: أبو الفتح اليَعْمُري، وقطب الدين بن منير، وقاضي القضاة القُونَوي، وقاضي القضاة عَلَم الدين، وآخرون. وحدَّثني إملاءً. ومناقبُه عديدة، من أغربها: قال ابن رافع: حدثنا القاضي عبد الكافي بن علي بن تمّام، قال: حكىَ لي الشيخ قطب الدين السّنباطي قال: قال الشيخ تقي الدين - يعني ابن دقيق العيد -: لِكاتب الشِّمال سِنين لم يَكتُب عليَّ شيئًا. قلت: لكن الشيخ لم يعن هذا، ولعله ذكره بنيَّةٍ صالحة، والعالِم إذا ذمَّ نفسَه ولازَمَ الصّمتَ فقد نجا. قال قطب الدين الحافظ: كان ممن فاق بالعلم والزهد، عارفًا بالمذهبين، إمامًا في الأصلين، حافظًا في الحديث وعلومه، يُضرَب به المثل في ذلك، وكان آية في الإتقان والتحري، شديدَ الخوف، دائمَ الذِّكر، لا ينام الليل إلّا قليلًا، يقطعه بمطالعةٍ وذِكْر وتهجُّد، وأوقاتُه كلُّها معمورة. صنَّف كتبًا جليلة، كمَّل تسويد كتاب "الإمام"، وشرَحَ "مقدمة المُطرِّزي" في أصول الفقه، وألَّف "الأربعين في الرّواية عن ربِّ العالمين"، وشرح بعض "الإمام" شرحًا عظيمًا، وبعض مختصرات ابن الحاجب في الفقه. عزل نفسه غيرَ مرة من القضاء، فيُسأل ويُعاد، وبلغني أنَّ السلطان حسام الدين لما طَلَع إليه قام وخطا عن مرتبته له، وكان شفوقًا على المشتغلين، كثير البِرّ لهم. أتيتُه بجزءٍ سمعه من ابن روَاج والطبقة بخطِّه، فقال: حتى انظر، ثم عدتُ إليه فقال: هو خطي، لكن ما أُحقِّق سماعي له ولا أذكُرُه. وبلغني أنَّ جدَّه لأمِّه الإمام تقيَّ الدين المُقترَح كان يشدِّد ويبالِغ في الطهارة. إلى أن قال قطب الدين: وتوفي في مصر سنة اثنتين وسبع مئة. ومن "معجم" البِرْزالي قال: تقي الدين ابن الشيخ مجد الدين المُجمَع على غزارة علمه، وجودة ذهنه، وتفنُّنه في العلوم، واشتغالِه بنفسه وقلّة مخالطته، مع الدِّين المتين، والعقل الرَّصين، قرأ أولًا مذهب مالك، ثم قرأ مذهب الشَّافعي، ودرَّس بالفاضليّة فيهما، وهو خبير بصناعة الحديث، عالمٌ بالأسماء واللغات والمتون والمجروحين، وله اليد الطُّولى في الأصلين والعربية والأدب، نشأ بقُوص وتردّد إلى القاهرة، وكان في آخر عمره شيخَ البلاد، وعالمَ العصر، وكان يَذكر أنه من وَلَد بَهْزِ بن حَكيم القُشَيري، شكّ في ابن المقيّر هل يعتبر حال السماع، فلم يرو عنه، وما أجاز لأحد إلّا شيئًا حدَّث عنه به، وكان في نحو سنة خمس وسبعين خطيبًا وحاكمًا. قال النَّجْم بن عبد الحميد: ولم يكن حينئذٍ في وقته من يضاهِيه في علم الحديث وغيره. وكتب فيه ابن الزَّمْلَكَاني: هو إمام الأئمة في وقته، وعلَّامة العلماء في عصره، بل ولا قبلَه في سنين مثلُه في العلم والدِّين والزهد والورع، تفرَّد في علوم كثيرة، كان يعرف التفسير والحديث، ويحقِّق المذهبين تحقيقًا عظيمًا، ليس في علماء المذهبين مثلُه، ويعرف الأصلين والنحو واللغة، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغَوص على المعاني، أقرَّ له الموافق والمخالف، وعظَّمه الملوك، حتى إنَّ السلطان كان ينزل له عن سريره ويقبِّل يده، وكان صحيح الاعتقاد، قويًا في ذات الله، وله التصانيف العجيبة. إلى أن قال ابن الزَّمْلَكاني: وليس الخَبر كالعيان، ﵀. وقال الحافظ اليَعْمَري (¬١) - فيما قرأته بخطه - قال: لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملتُ عن أجلّ منه فيما رويت، قرأت عليه بمكة من "المحصول" لفخر الدين، وكنت مستملي تصانيفه، وربما راجعته فرجع إليَّ، وكنت المتصدرَ لإفادة طلبته بدار الحديث من جهته، وكان للعلوم جامعًا، وفي فنونها بارعًا، مقدَّمًا في معرفة الحديث على أقرانه، شديدَ النظر بأذكى المعيّة وأزكى لوذعية، لا يُشَقُّ له غبار، ولا يُجْرَى معه في مِضْمار. إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ … مُصِيبٍ ولم يَثنِ اللسانَ على هَجْرِ وكان حَسَن الاستنباط، مبرِّزًا في العلوم العقلية والنقلية. فكان من العلوم بحيثُ يُقضَى … له في كلِّ عِلمٍ بالجميعِ ولم يزل حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه، وقف نفسه على العلم وقصَرَها، ولو شاء العادُّ أن يحصر كلماته لحَصَرَها، وله تخلُّق، وبكرامات الصالحين تحقُّق، وبمقامات العارفين تعلُّق؛ أخذوا نوبةَ حمص سنة ثمانين وست مئة في قراءة البخاري لدفع البلاء، فأكملوه إلّا يسيرًا، قال كمال الدين محمّد بن علي الهَمَذاني: رأيت شيخنا ابن دقيق العيد، فقال لي متبسِّمًا: قد انقضى الشُّغل من أمسِ بعد العصر، يريد النصر، فقلت له: عن يقين؟ فقال: أوَيُقالُ مثل هذا عن غير يقين؟! قلت: عن معاينةٍ أو خبر عالٍ؟ قال: بل عن خبر، ثم قال: ولقد كنا بقُوص بأخبارهم في وقعة عين جالوت، بمنزلِه في قدومهم وذهابهم. إلى أن قال: وله في الأدب باعٌ وَسَاع، وكرمُ طبعٍ، لم يخلُ في بعضها من حُسْنِ انطباع، حتى لقد كان الشهاب ود يقول: لم تَرَ عيني آدَبَ منه، لكنّه في القضاء أطلَقَ في الاستِنابة خطَّه، فربما استأمَن من لا ينوءُ بالأمانة حملُه، وربما حسَّن الظنَّ في فعله، فلو اقتصر على الفُتيا والدَّرس ولم يَكسر أعماله الصالحة بهذا اللَّبس، لكان ثَوْرِيَّ زمانه، وأوْزَاعيَّ أوانه، والعبد لا يَنتفِي من مقدور، ولا يَقتفِي إلّا ما هو عليه في الكتاب مَسطُور. وقال كمال الدين جعفر في "الطالع السعيد" في ترجمة ابن دقيق العيد: التقيُّ ذاتًا ونعتا، والسالكُ الطريقِ الذي لا عِوَجَ فيه ولا أمْتا، والمُحْرِز من صفات الفْضل فنونًا مختلفة وأنواعًا شتَّى، والمحلَّى بالحالَتين الحسنتين هديًا وسَمْتا، الشيخُ الإمام علَّامة العلماء الأعلام، وراوية فنون الجاهلية وعلوم الإسلام، ذو العلوم الشرعيّة، والفضائل العقليّة، والفنون الأدبية، والمعارف الصوفية، والباعِ الوافي في استنباط المسائل، والأجوبةِ الشافية لكلِّ سائل، والاعتراضاتِ الصحيحة التي يجعلها الباحثُ لتقرير الإشكالات وسائل والخُطَبِ الصادعة الفصيحة البليغة التي تُستفاد منها الرسائل، إن عَرَضت الشبهات بَرَّزَ جوهر ذهنِه ما عرض، أو اعترض من المشكلات أصاب شاكلتها بسهم فهمه فأصاب الغرض، أو خَطَبَ أسهَبَ في البلاغة، وأطنَبَ في البراعة، أو كتب فوحي الكلام يتنزَّل على يَراعه، فللّهِ دَرُّه إذ ارتفع بنفسه، وإن كان له من أبويه ما يقتضي الارتفاع، وعلا على أبناء جنسِه فكان مِن رِفْعة المنزلة في المكان النفّاع، إن ذُكِر التفسيرُ حُمِد فيه محمودَ المذهب، أو الحديثُ فالقُشَيريُّ فيه صاحب الرَّقْم المُعلَم والطِّراز المذهّب، أو الفِقهُ فأبو الفتح العزيز الإمامُ الذي الاجتهادُ إليه يُنسَب، أو الأصولُ فأين ابن الخطيب من الخطيب، وهل يُقرَنُ المخطئُ بالمُصيب؟ أو الأدبُ فإن اقتصرتَ قلتَ: نابغة زمانِه، وإن اختصرتَ قلت: حبيب، لم يَشغَله عن النّظر في العلوم كثرةُ المناصب، ولا ألهاهُ علوُّ المراتب، ولا صرَفَه عن التصرُّف فيه لَذّهُ المطاعم وعذوبة المشارب، طالما لازَمَ السهر حتى أسفر وجهُ الصَّباح، مشتغلًا بالذِّكر والفِكْر لا بذوات الألفاظ الفِصَاح، والوجوه الصِّباح. وتُبدي له الدنيا من الحُسْن جُمْلَةً … يَهِيمُ بها النُّسّاكُ لو شاهدوا البَعْضا فيُعرِض عنها لاهِيًا عن جَمالها … ويُوسِعها بُعْدًا ويَرفُضُها رَفْضا ويَسهَرُ في فِكْرٍ وذِكْرٍ وفي عُلا … ومَن بات صبًّا بالعُلى جانب الغَمْضا تمسَّكَ من التقوى بالسَّبب الأقوى، وقام بوظيفة التَّحقيق والتَّدقيق التي لا يُطيقُها غيرُه من أهل زمنه ولا عليها يَقوى، مع تَرْك المُباهاة بما لديه من الفضائل، والسلامة من الدعوى، وجعل وظيفةَ العلم والعمل مِلّة، حتى قال بعض الفضلاء: مِن مئة سنة ما رأى الناس مثله. حاز علمًا ودِينًا ونزاهة، فعَظُم قدرًا وجاهًا ووجاهة، ومَن غَرَس العلم والتقوى حتى اجتنى النّباهة، ذاك الذي حاز كلَّ فضلٍ جزيل، وحوى كلَّ فعلٍ جميل، والذي يقالُ فيه: إنَّ الزمان بمثله لَبَخيل. وبالجملة فالاستغراقُ في مناقبِه يَخرُج عن الإمكان، ويحوجُ إلى توالي الأزمان. وكُتِب له: بقية المجتهدين، وقُرئ بين يديه فأقرَّ عليه، ولا شكَّ أنه من أهل الاجتهاد، وما ينازع في ذلك إلّا من هو من أهل العِناد، ومن تأمّل كلامه علم أنه أكثرُ تحقيقًا وأمتن، وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدمَّ وأتقن. إلى أن قال: وُلِدَ الشيخ تقيُّ الدين ووالدُه متوجِّهٌ في البحر المالح إلى الحجاز الشريف، يومَ السبت خامس عشر من شعبان سنة خمس وعشرين وست مئة. إلى أن قال: وطاف به والدُه، ودعا له أن يجعلَه اللهُ عالمًا عاملًا، إلى أن حَكى من وسواسه في صغره أن غَسَل هاونًا مرّات، فقال له أبوه: ما تريد يا محمّد بهذا؟ فقال: أريد أركِّبُ حِبرًا. إلى أن ذَكَر في شيوخه: الشيخ البكري، وابن الأنجَب البقّال، ووالده مجد الدين، وعبد الوهّاب ابن زَين الأُمناء، ومحيي الدين يحيى بن الزكيّ، والرّشيد العطَّار، والقفطي تلميذ والده البهاء، وكان يقول عن البهاء هذا: البهاء معلِّمي، وجالَسَ في الأصول الشمس الأصبهاني لمّا حكم بقُوص. ابن دقيق العيد الإمام العلَّامة الحافظ المجتهد، شيخ الإسلام، تقيُّ الدِّين أبو الفتح محمد ابن العلّامة مجد الدِّين علي بن وَهْب بن مُطيع بن أبي الطاعة القُشَيري، المصري المَنفَلوطي الصَّعيدي، المالكيُّ، الشافعيّ. قاضي الديار المِصرية وعالمُها، وصاحبُ المصنَّفات الشهيرة. مولده في شعبان سنةَ خمس وعشرين وستِّ مئة، بطريق الحجاز بالقُرب من ينبُع. سمع من أبي الحسن بن المُقيَّر، لكنه توقَّف في كيفية الأخذ عنه، فما حدَّث عنه. وحدث عن: أبي الحسن بن الجُمَّيزي، وأبي القاسم سِبط السِّلَفي، والحافظ زكيِّ الدين المُنذري، ورشيد الدين العطَّار، وأبي البقاء خالد بن يوسف، وأبي العبّاس بن عبد الدائم، وعبد الوهاب بن الحسن بن عساكر، وجماعة. وقلَّ ما روى، وخرَّج لنفسه "أربعين حديثًا تساعيّة"، وصنّف شرحًا مليحًا لـ "عمدة الأحكام"، و "كتاب الإلمام"، وشَرَع في عمل كتاب "الإمام في الأحكام" وفرَغَ منه مجلدات نحوَ الرُّبع، ولو كَمُل لكان عديمَ النظير. تكلَّم على علل الحديث ورجاله وأحوالهم، وقوّةِ الحديث وسَقَمِه، وشَرَحَ من أول "الإلمام" ورقاتٍ جاءت في مجلّدين لا مِثلَ لها في الحُسن، وعمِلَ مختصرًا في علوم الحديث، وكان ذكيًّا يقظًا مُدركًا، غوَّاصًا على المعاني، جَزْلَ العبارة، قاصدًا للإنصاف، مع الوَرَع والتصوُّن وقلّةِ الكلام، والإكبابِ على المُطالَعة والاشتغال، قلَّ أن تَرى العيونُ مثلَه، كان مبالِغًا في أمر الطهارة والوضوء واجتنابِ النجاسات، حتى بقي يُضرَب بوَسْواسِه المَثَل، وعنه في ذلك حكاياتٌ وعجائب، رحمه الله تعالى. ذكره الحافظ الحجّة قطبُ الدين بن مُنير فقال: كان إمامَ أهل زمانه، وممَّن فاق بالعِلم والزُّهد على أقرانه، عارفًا بالمذهبين، إمامًا في الأصلَين، حافظًا متقنًا للحديث وعلومه، يُضرَب بن المَثَل في ذلك، وكان آيةً في الحفظ والإتقان والتحرِّي، شديدَ الخوف، دائمَ الذِّكْر، لا ينام في الليل إلّا قليلًا، يقطعُه فيما بين مطالعةٍ وتلاوةٍ وذِكْرٍ وتهجُّد، حتى صار السَّهرُ له عادةً، وأوقاتُه كلُّها معمورة، لم يُرَ في عصره مثلُه. صنَّف كتبًا جليلة، كمَّل تسويد كتاب "الإمام" وبيّضَ منه قطعة، وشرَحَ "مقدِّمة" المطرِّزي في أصول الفقه، وله كتاب "الأربعين في الرواية عن رب العالمين"، وكتاب "الأربعين" لم يذكر فيها إلّا عن عالِم، وشرَحَ بعض "الإلمام" شرحًا عظيمًا، وشرَحَ بعض "مختصر ابن الحاجب" في الفقه، لم أرَ في كتب الفقه مثله، عزَلَ نفسه من القضاء غير مرَّة، ثم يُسألُ ويعاد، وبلغني أنَّ السلطان حسام الدِّين لما طَلَعَ إليه الشيخ قام لِلُقِيِّه، وخرج له عن مرتبتِه. إلى أن قال: وكان كثيرَ الشَّفقة على المُشتغلين، كثيرَ البِرِّ لهم. سمع من ابن الجُمَّيزي، وابن رَوَاح، وأحمد بن محمد بن الحُباب، والسِّبط. أتيتُه بجزءٍ سمعه من ابن رَوَاج والطبقة بخطِّه، فقال: حتى انظر، ثم عدتُ إليه، فقال: هو بخطِّي محقَّق، ولكن ما أُحقِّق سماعي له ولا أَذكرُه. إلى أن قال ابن منير: وبلغني أن جدَّه لأمّه الشيخ الإمام المحقِّق تقي الدين ابن المقترح كان يشدِّد في الطهارة ويبالغ. توفي في صفر سنة اثنتين وسبع مئة، وله سبع وسبعون سنة. وكان شيخ دار الحديث الكامليّة، وقاضي القضاة الشافعيّة، ولم يخلّف بعدَه مثلَه في حُسن التصنيف، وكثرة الفضائل. حدَّثني شيخنا تقي الدين بن تيميّة لما رجع من مصر على البريد سنة سبع مئة قال: اجتمعتُ بالشيخ أحمد بن دقيق العيد، وذاكرتُه في العلم، فأثنى عليَّ في ذلك، وقال لي: ما كنت أظن أنَّ الله يخلُق مثلَك. سألني أبو الفتح محمد بن عليٍّ الإمام: من هو أبو محمد الهلال؟ فقلت: سفيان بن عيينة. وسمعتُ منه أحاديث، وأملى عليَّ واستجزتُه، فكتب الاستدعاء: أجزتُ لهم ما حدَّثتُ به من مسموعاتي. هكذا كان يجيز، فقال لي أبو الفتح اليَعمَري: هذه الإجازة قلَّما تفيد، فإنَّ الطالب لا يَسوغُ له أن يروي عن هذا المُجيز إلّا ما عَلِم أنه قد حدَّث به قبل تاريخ خطها من غيره، أما ما حدَّث به فيما بعدَ تاريخ الإجازة لا يدخل في ذلك. أنشدني فضلُ بن قِنديل العابد من سنوات، أنشدنا إسماعيل بن ركاب، أنشدنا عَلَم الدين سليمان بن يوسف الواعظ، أنشدني الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد: تجاوزتُ حدَّ الأكثَرين إلى العُلى … وسافرتُ واستبْقيتُهُم في المَفاوِزِ وخُضْتُ بحارًا ليس يُدْرَك قَعْرُها … وسيَّرتُ نفسي في فَسِيح المَفاوِزِ ولَجَجتُ في الأفكار ثم تراجَعَ أخ … تِياري إلى استحسانِ دينِ العجائزِ حدَّثني أبو الفتح محمد بن عليٍّ الحاكم إملاءً بمنزله، قال: قرأتُ على الإمام أبي الحسن الشَّافعي، عن الإمام أبي طاهر السِّلَفي، قال: أخبرنا الرئيس أبو عبد الله الثقفي، أخبرنا عليُّ بن أحمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد، حدثنا سعدان بن نصر، عن سفيان عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله قال: لما نَزَل على النّبيِّ ﷺ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: "هاتان أهوَنُ" أو "أيسَر". متفق على صحته (¬١).