page 911, entry [949]Open original source
٩٣٢ - تنكز * نائب السَّلطنة بدمشق، سيف الدين الناصري التُّركي. جُلِب إلى مصر وهو حَدَثٌ فنشأَ بها، ثم كان من خاصكيّة السلطان أيده الله تعالى، وكان معه بالكرك في سنة تسع وسبع مئة، وعاد السلطان إلى مصر وأباد أضدادَه وتَأمَّر تنكز، ثم بَعَثَه السلطانُ على نِيابة الشام في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتمكَّن، وسارَ في العساكر فافتتح مَلَطْيَة، وعَظُمَ شأنه، ولم يَزَل في ارتقاءٍ ورِفعة وكَثْرة أموال وأملاك إلى أن وَلَّت عنه الدنيا. وكان ذا سَطْوة وهَيبة وزَعَارَّة، وإقدام على الدماء، وله نفسٌ سَبُعيّة، وفيه عُتُوٌّ وحِرص مع دِيانة في الجُملة. سمع "الصحيح" غيرَ مرَّة من ابن الشِّحْنة، وسمع "صحيح مسلم" وكتاب "الآثار" للطَّحَاوي، وسمع من عيسى المُطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدائم، وحدَّث، قرأ عليه المَقْريزي "ثلاثيّات البخاري" بالمدينة النبوية. وكان فيه حِدّة وقِلّة رأفة، وَقَفَ مدرسة وأنشأ رِباطًا ببيت المقدس، ودارَ قرآن بدمشق، وجامعًا بظاهر دمشق، وكان محتجِبًا عن غالب الأمور، فدخل عليه الداخلُ من أناس مكَّنهم ثم استأصَلَهم، وكان لا يُفكِّر في العاقبة، ولا له رأيٌ ولا دهاء، ولكلِّ أجلٍ كتاب، بَيْنا هو في احتفال لعُرس ولديه الصبيَّين على ابنتي مولاه السلطان، إذ بلغ السلطانَ عنه أمور ومخالفةٌ لمَراسيمِه، فتَنمَّر له ودار عليه، وجَهَّز لإمساكه نائبَ صَفَد طشتمر، فبعثه وبادر الأمراء إلى خدمة طاشتمر بأمرٍ أتاهم، وركب الجيشُ، وأُغلقت أبواب البلد، ثم أتاه الحاجب قرمشي وطرنطيه البشمقدار، فحار وخذل، وخرج إلى نائب صفد وقد استَسلَم، فقُيِّد وبُعِث على البريد، ثم سَكَنَ البلدُ ولم يَنتطِح فيها عَنْزان، وذلك يوم الثالث والعشرين من ذي الحِجّة سنة أربعين وسبع مئة. ثم بعد اثني عشر يومًا وصل كبيرُ الدولة سيف الدين بشتك ونزل بقصر الملك الظاهر، وجُمِعت حواصل تنكز، وما كان استَكنَز من ذهب وجوهر وخيل ورقيق، وقصور وبساتين وقرى، مما لم يتهيَّأ مثلُه إلا لسلطان، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وأُوذِيَ غِلمانُه ونوّابه وأتباعه وعُصِروا، وأُخِذت أموالهم، وزاد البلاء. وبعد أيامٍ قُتِل مملوكاه: طغاي وجونغاي، اللذان دَمَّرا عليه وحسَّنا له الفرارَ خوفًا على أنفسهما، وكان قد اعتمد عليهما ففَعَلا في الأمور قبائحَ وارتَشَيا كثيرًا، وكان لا تتمُّ ولايةٌ ولا عزلٌ حتى يستأذنَهما الحاجب أو الوالي، فما رَضِياه هو الذي يتمُّ وإن كان فيه فساد كبير، وما أبَيَاه لا يتمُّ ولو كان الأصلحَ والأَولى، ثم إنه هو لو اطَّلَع على حقائق الأمور لما كان في حَلِّ الأشياء يُبرِم أمرًا جيدًا، إما أن يعتدي وإما أن يقصر. كان سيِّئَ الرأي لا يصلح لسياسة الرعيَّة، بل هو حُطَمة غُشَمة جبّار، يخافه العدو والصديق، ويَحذَره المُحِقُّ والمُبطِل، لا يصفح عن ذنب ولا يُقِبل عَشْرة أحد، فصار له بهذا وقعٌ في النفوس وهَيْبة، وجمع المفسدين، وأكثر من سماع الغِناء، وشرب القِمِزّ (¬١)، وعمل قبائحَ، ومع هذا فلما أُخذ رَقَّ له كثير من الرعيّة وحزنوا له ولهَوْل مصرعه. ومات تحت الضرب بالثَّغر، وقيل: بل سُقى، وهو أصح، وذلك في العشر الأخير وصلَّى عليه أهل الثغر في المحرَّم سنة إحدى وأربعين وسبع مئة، وله بضع وستون سنة. وأُخذت سَرَاريُّه وأولاده إلى مصر، ووُجِد له من الذهب النَّقد أزيد من ثلاث مئة ألف، ومن الدراهم ألف ألف ونحو ست مئة ألف، ومن الخيل والإبل والبغال نحو الألف، ومن الرَّقيق عِدّة، ومن الحواصل والعُدّة وفاخر الأمتعة ما لا يوصف، ومن الذخائر والجوهر والزركش ما يناسب ذلك، وأَخذوا الغُلامَيه ما يساوي مئتي ألف مثقال وأزيَد. وأُمسك في هذه الكائنة ثلاثة أمراء أعيان وأُخذت أمواله وكُحِل صاروجا، والآخران هما: طبيغا والجي بغا، وهَلَكَ جماعة، وتقدَّم آخرون، وتفاصيل الأمور تزيد وتنقص، وأما أملاكه ووقوفه فشيء كثير إلى الغاية. اللهمَّ ففرِّج عن الأُمّة، وامحق الفجّار واكفِناهم بما شئتَ، آمين، فلقد كان تنكز سِياجًا على دمشق والناسُ في أمنٍ به، والظَّلمة كافُّون، والرعيّة في عافية من المصادَرة والعَسْف، فتفتَّحت أبواب وشرور. وكان سامحه الله تعالى أبيضَ إلى السُّمرة، رشيق القَدِّ إلى الطُّول، مليح الشعر خفيف اللحية، قليل الشيب، جَهْوريّ الصوت، في مِزاجه يُبْس وسوداء، في لسانه عُجْمة، جَلَبه خواجة علاء الدين السِّيواسي التاجر، فاشتراه حسام الدين لاجِين الذي تَسلطَن، فلمّا قُتِل لاجين ونائبه مَنكُوتمر، صار تنكز من خاصكيّة السلطان، وشهد معه وقعة وادي الخزندار، ثم وقعة شَقحَب، ومع تقدمه وعلوِّ رُتْبته لم يكن يصلح للمُلْك، ولا يجيء منه سلطان أبدًا، لبخله وحِرصه ولعدم وُدِّه للأمراء، بل كانوا منه في رَوْع وخوف، ومَن صادقه منهم يكون منه على وَجَل، ولا كان له كمال دهاءٍ ولا تمامُ شجاعة، ومن كان بهذه الصفات أنَّى يتملَّك، أنَّى ينبل؟! بل لو هرب لأَوشَك من اتَّبعه أن يُسلِموه هذا الذي أعتقده، وغاية ما عَزَمَ عليه أن يفرَّ إلى قلعة جَعبَر أو إلى درندة، وكان يؤتى به أسيرًا أو يُقتَل على فرسه، ولم تكن غلمانه ذوي عددٍ بالنسبة إلى حِشْمته، ولا كانوا معه في سَعَة كما ينبغي، بل كانوا يتألَّمون من أخلاقه وشُحِّه.