page 668, entry [707]Open original source
٦٩٩ - ابن رُشَيد * الشيخ الإمام، الحافظ الناقد الخطيب، أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن عمر بن محمد بن رُشَيد، الفِهْريّ، السَّبْتِيّ. اشتغل بالعربية على الشيخ أبي الحسين بن أبي الربيع ونظرائه، واحتفل في صغره بالأدبيات، وبرع في ذلك، وروى كتاب "البخاري" عن عبد العزيز الغافقي قراءةً من لفظه، ثم ارتحل إلى مدينة فاس، فاشتغل بالمذهب اشتغالًا شافيًا، ثم رجع إلى سَبْتة لإقراء الفقه خاصة، وتأدَّب مع شيوخه أن يقرئ غيره. ثمَّ ارتحل إلى تونس، فاشتغل في الأصلين على ابن زيتون ونظرائه كابن سُرور وغيره، ثم ارتحل إلى الإسكندرية. ولم يقدِّم شيئًا على اهتمامه بالحج، فحجَّ سنة أربع أو خمس (¬١) وثمانين، وسمع بمكة والمدينة، ثم نزل إلى مصر. ومن شيوخه: أمين الدين أبو اليُمْن بن عساكر، وعَفيف الدين أبو محمد بن مَزْروع البصري، وقطب الدين القَسطلّاني، وقطب الدين عبد المنعم بن يحيى الزُّهري خطيب المسجد الأقصى، وفخر الدين أبو الحسن بن البخاري، وشرف الدين محمد بن عبد الخالق بن طَرْخان الإسكندري، سمع عليه جميع "الترمذي" بسماعه على ابن البَنّاء بسماعه على الكَرُوخيّ بسنده المشهور باتصال السَّماع إلى الترمذي، وعز الدين بن عبد المنعم الحَرّاني قرأ عليه أكثر كتاب "البخاري" وسمع عليه الباقي، قال: وهو يرويه عن أحمد بن البَيِّع من أصحاب أبي الوَقْت، وقرأت عليه ورقات من أول "سنن أبي داود" عن عَفيفة الفارفانية، عن أبي عليٍّ الحدّاد، عن أبي نعيم، عن ابن داسة، عن أبي داود، والسند كله إجازة إلى ابن داسة، قال: وهو سندٌ لا يوجد أعلى منه، والشيخ المعمَّر أبو المجاهد غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الحَلَاويّ، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد سمع عليه كثيرًا، وغير هؤلاء، رحم الله الجميع. وله مصنفات كثيرة، وأكثرها في متعلقات الحديث، فمنها كتاب "الرحلة المشرقية" في أربع مجلدات كبار محتوية على علوم شتّى، غالبها علم الحديث وغريبه ومشكله، و "فهرست مشيخته" بحسب ترتيب لقاء زمانهم والأخذ عنهم، وأفرد فيه بابًا لمن لقيَ من مشايخ الصُّوفية، نفع الله بهم. ومن تصانيفه "المقدمة المعرِّفة في علوِّ المسافة والصفة" جزء، وكتاب "الصراط السَّويّ في اتصال سماع جامع الترمذي" جزء كبير، وكتاب "إفادة النصيح في مشهور رواة الصحيح" جزء، وجزءٌ في مسألة العنعنة والمحاكمة بين الإمامين، غاب عنِّي اسمه (¬١)، و "إيضاح المذاهب في تعيين من ينطلق عليه اسم الصاحب" جزء، وجزء في حكم رؤية هلال شوّال ورمضان، وتلخيص كتاب "القوانين في النحو" لأبي الحسين بن أبي الربيع، وشرح "حال التجنيس" لحازم بن حازم الإشبيلي، وكتاب "حكم [الاستعارة] (¬١) " جزء، وغير ذلك من الخطب والقصائد النبوية، والمقطَّعات البديعة. أخبرنا أبو عمرو بن المرابط، أخبرنا أبو عبد الله بن رُشَيد، أخبرنا أبو فارس عبد العزيز بن إبراهيم الغافقي، أخبرنا أبو الحسن الشاري، أخبرنا أبو محمد الحَجْريّ، عن شريح بن محمد، أخبرنا ابن منظور، أخبرنا أبو ذرّ الهَرَوِيُّ، أخبرنا أبو إسحاق المُستَمْلي وأبو محمد الحَمَّوي والكُشْمِيهَنيّ، قالوا: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبد الله البخاري (¬٢)، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سَلَمة قال: إنَّ النبي ﷺ صلَّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالَفَ بين طَرَفيهِ. وسمعناه عاليًا بأربع درجات: أخبرنا أبو عمرو بن المُرابط، أخبرنا ابن رُشَيد سنة خمس وتسعين، أخبرنا غازي بن الفضل، حدثنا عمر بن أبي بكر، أخبرنا ابن الحُصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد، أخبرنا أبو بكر الشافعي (¬٣)، حدثنا إسحاق الحَرْبيّ، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حمّاد ابن سلمة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل علينا، ولي أخٌ صغير يُكنَى أبا عُمير، وكان له نُغَيرٌ يلعب به فمات، فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: "ما شأنُه؟ " قالوا: مات نُغَيرُه، فقال: "أبا عُمير، ما فعل النُّغَير". ارتحل ﵀ من الإسكندرية مُتَوجِّهًا إلى بلده سَبْتةَ في حدود سنة ست وثمانين، فاستوطنها مع أبويه ملحوظًا بعين الخاصّة والعامة، ثم ارتحل إلى غَرناطة في أوائل سنة إحدى وتسعين، فتصدَّر للرواية والدراية، فكان مِمَّن صحبه ولازمه في جميع رحلته المشرقية ذاهبًا وراجعًا، مقتبسًا من علمه، ومتأسِّيًا بدينه وورعه: الوزيرُ الأصيلِ جملة الفضائل أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم الرُّنْدِيّ اللَّخْمِيّ، وَرَدَ إلى غرناطة عند انفصاله من صحبة ابن رُشَيد المذكور، فأكرمه السلطان إكرامًا يليق به، إذ كان أوحدَ زمانه، أدبًا ونظمًا ونثرًا وفصاحة ورياسة وخَلْقًا وخُلُقًا، فرقّاه إلى أن صار كاتب سرِّه، فكان ﵀ إذا نزل من خدمة السلطان كل يوم ينزل بنفسه إلى رؤية شيخه أبي عبد الله، فيستقضي حوائجه، وربما يباشر خدمته بنفسه في بعض الأحيان مع كثرة خُدّامه، ويقول له: كل ما أنا فيه من الخير، إنما هو ببركتك وبركة صحبتك، فلما شَغَرَ موضع خطيب في الجامع الأعظم من غَرناطة رتَّبُوه خطيبًا، ورتَّبوا له جامكيّة (¬١) على مصالح الجامع على إقرائه الحديث، وكان ﵀ يشرح كل يوم حديثين من "البخاري" يتكلم على السَّند والمَتْن أحسن كلام وأفصحه، واتخذ أيامًا في الجمعة للرواية، وكل يوم درسًا في الفقه والأصول احتسابًا. وكان ﵀ ورعًا مقتصدًا، منقبضًا عن الناس، ذا هيبة ووَقار، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، يسارع في حوائج الناس بجَلْب المصالح ودرء المفاسد، كثير الإيثار على الفقراء والغرباء لا سيِّما طلاب العلم. أقام بغرناطة خطيبًا إلى أن قُتل صاحبُه الوزير المذكور في شوّال سنة ثمان وسبع مئة، فضاق صدرُه، وربما سمع من السُّفهاء ما لا يَسُرُّه، فارتحل في أواخر السنة المذكورة إلى مدينة فاس، فتلقّاه أهلها وملكها بالبِرِّ والإكرام، وتصدَّر للدرس بها، وانطبقت عليه الفقهاء والمتفقِّهون من جميع المغرب، ثم شَغَرَت وظيفة بمراكُش من وظائف العلم والخطابة، فتولاهما سنةً، ومات له هناك معظم أولاده بسبب وباءٍ وقع بها، فضاق صدرُه واستقال، ورجع إلى فاس. ومات بها ﵀ ورضيَ عنه، في أوائل محرَّم سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ومولده بقوله: في الثالث من شهر جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وست مئة. حكى لي ابن المُرابط أنَّ شيخه ابن رُشَيد على مذهب أصحاب الحديث في الصفات يُمِرُّها ولا يتأوَّل، وأنه لما وليَ خطابة غرناطة انتقدوا عليه أنه يَسكُت هُنَيهةً لدعاء الاستفتاح، ويُسِرُّ البسملة، فعملوا فيه محضرًا بأنه ليس بمالكي، ليُغْروا به السلطان، فكفاه الله تعالى، ومات القاضي فجأة بحبَّة زيتون رقيقة، ثم جاء قاضٍ آخر. ولابن رُشيد: أَشِيحَ الفلا ما نمَّ أُمّ عنبر الشَّحْرِ … أمِ العُرفَ أهدَتْ طِيبَهُ طيِّبَ النَّشْرِ وإلّا فما بالُ الرياضِ تعطَّرت … وما لثُغورِ النَّوْرِ تبسَّم عن دُرِّ وما بالُ أدواحِ البِطَاحِ تأطَّرت … وجرَّت ذُيولًا من غلائلها الخُضرِ وما لفِصاح الطّيرِ تعلُو منابرًا … تُردِّد ألحانًا على مُزهِر الزَّهرِ نعم هو عَرْفٌ من نواحي مُعَرَّفٍ … روى ناقلًا ما حمَّلُوه من السِّرِّ تُرى علِمُوا أنِّي فقدتُ خيالَهُم … لفَقْد الكَرَى فالطَّيفُ نَحْوي لَا يَسْري فاهْمدُوا مع الرِّيحِ الشَّمال شمائلًا … سَقَتْني شَمُولًا فانثَنَيتُ منَ السُّكْرِ