page 611, entry [649]Open original source
٦٤٤ - القاضي الحَنْبليّ * الشيخ الإمام، الفقيه المفتي، شيخ المذهب، مُسنِد الشام، بقيّة الإعلام، تقيُّ الدين أبو الفضل، سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن القُدوة الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدَامة، المَقدِسي الجَمّاعيليُّ الأصلِ، الدِّمشقي الصالحي، الحنبلي. وُلد في نصف رجب سنة ثمان وعشرين وست مئة. وسمع "الصحيح" حُضورًا في الثالثة من ابن الزَّبيدي، وسمع "صحيح مسلم" وما لا يُوصَف كثرةً من الحافظ ضياء الدين، ربما عنده عنه له ست مئة جزء، وسمع حُضورًا من جدِّه الجَمَال أبي حمزة وأبي الحسن ابن المقيَّر، وأبي عبد الله ابن الإربِلِي، وسمع من: ابن اللَّتِّي، وجعفر الهَمْداني، وأبي الحسن ابن الجُمَّيزي، وكَريمة الميطوريّة، وعِدَّة. وأجاز له محمد بن عِماد، وابن باقا، والمُسلَّم المازنيُّ، ومحمود بن مَنْده، ومحمد بن عبد الواحد المَدِينيُّ، ومحمد بن زهير شَعْرانة، وأبو حفص السُّهرَوَرْديّ، والمُعافى بن أبي السِّنان، والمقرئ ابن عيسى، وخلق كثير. خرَّج له ابن المُهندِس مئة حديث، وخرَّجتُ أنا له جزءًا فيه مُصافَحات وموافَقات، وخرَّج له ابن الفخر "معجمًا" ضخمًا. وتفرَّد في عصره ورُحِل إليه، وروى الكثير ولا سيّما بقراءة الشيخ عَلَم الدين، وقد كان طلب الحديثَ بنفسه وقرأ على المشايخ في الوظائف وحدَّث وهو شابٌّ، فسمع منه الإِبِيوَرْديّ، والعلاء الكِنْديّ، ثم تكاثر عليه المحدِّثون بعد السبع مئة. وقد تفقَّه بالشيخ شمس الدين وصحبه مدّةً، وبرع في المذهب وتخرَّج به الأصحاب، وكان له معرفة بتواليف الشيخ موفَّق الدين، وأقرأ "المُقنِع" وغيرَه، ودرَّس بالجَوْزيّة وبغيرها، وكان جيِّد الإيراد لدرسه يحفظه من ثلاث مرات أو أكثر. وليَ الجَوْزيّةَ في سنة ست وستين وست مئة، ووليَ القضاء عشرين سنة. ومن تلامذته ولدُه قاضي القضاة عز الدين، وقاضي القضاة ابن مُسلَّم، والإمام عز الدين محمد ابن العز، والإمام شرف الدين أحمد ابن القاضي، وطائفة. وسمع منه: المِزِّي، وابن تَيميّة، وابن المُحِبّ، والواني، والعَلائيّ، وابن رافع، وابن خليل، وعددٌ كثير. وكان مُحِبًّا للرواية، كثير التلاوة، طيِّب الأخلاق، حسن التواضع، صاحب ليل وتهجُّد وصيام وإيثار، وسماح، ولزوم للجماعة لا يُخِلُّ بها. وكان ضخمًا تامَّ الشكل، أبيض، أشقر، مُنوَّر الشَّيب، حليم النفس، مُنشرِحًا لقضاء الحوائج، ليِّن العَرِيكة، محمودًا في القضاء غاليًا، ولولا القضاءُ لكان كلمةَ إجماع، فالله تعالى يرضى عنه ويُسامحه. مات فجأةً في ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ذي القَعْدة سنة خمس عشرة وسبع مئة بعد أن حَكَم بالجَوْزيّة يوم الأحد وطلع إلى منزله بعد العصر، فعَرَض له تغيُّرُ مزاجٍ من أكل بَسِيسةٍ في يومه بزيتٍ ودِبْس، ثم خارت قُواه بعد المغرب وأخَّر الصلاة، وقال: نويتُ الجمع، فعَبَر إلى الله تعالى قبل العشاء، وكانت جنازته مشهودة. وكان قد عُزِل من القضاء في سنة تسع بالقاضي شهاب الدين ابن الحافظ، ثمَّ لمَّا قَدِم السلطان من الكرك اجتمع به ورَدَّه إلى المنصب، وكان يقول لنا: سمعتُ من الضِّياء ألف جزء، وكان زوجَ أختي، وقطع لي من عِمامته تخفيفةً. قال الحافظ عَلَم الدين: سمع أيضًا من إسماعيل بن ظفر، وأحمد بن سلامة، وابن الكريم، والمُؤتمَن بن قُمَيرة، وسمع بنفسه من المُرْسي واليَلْداني، وابن عبد الدائم. وقرأ كثيرًا، وكتب الطِّباق، وحفظ القرآن، وبرَّز في المذهب، وقرأ طرفًا من العربية، وتعلَّم الفرائض والحساب، وحفظ "الأحكام" لعبد الغني و"المُقنِع"، ودرَّس وأفتى وتصدَّر بالإفادة، ودرَّس بالجَوزيّة بعد العزِّ إبراهيم مشارِكًا لشيخه ابن أبي عمر، ثم لابن شيخه، ثم بعده استَقلَّ بها. وكان أبيض سمينًا، أزرقَ العين على تعميمته تَرْك تكلُّفٍ، ولا يُجيد تكويرَها. وكان رفيع البِزَّة، فيه دينٌ متينٌ وتمسُّكٌ بمذهب السَّلف، له تهجُّدٌ لا يقطعه. ثمَّ قال: حدثني من سمعه يقول: لي خمسون سنة ما فاتني الجماعةُ سوى العصر مرةً، وإذا ذكرتُها كأنني ما صلَّيتها. وكان يصوم الأيام البِيض وغيرها، وإلي حُسن أخلاقه المنتهى، لا يعرف الغضب، ولا يَنتهِر أحدًا، ويُصمِّم على مُراده بعملٍ وسُكون، وفيه بِرٌّ بأقاربه ولُطْفٌ بالناس وبالأطفال. قرأ بالأشرفية بالجبل على ابن سعد، وابن عبد الهادي، وابن الكمال، ثم صار شيخَها مدةً ثم تركها، وصار المدرِّس، ودرَّس بمدرسة جدِّهم، ثم ترك الجَوزيّةَ لولده، فكان يحضر دروسَ ابنه ويدعو للجماعة، وقد ذُكِر للقضاء في حياة الشيخ، ولمّا توفي القاضي نجم الدين كان هو المتعيَّن للقضاء، فسعى طائفة للقاضي شرف الدين حسن، فوليَ ثم لمّا تُوفي في سنة خمس وتسعين وليَ القاضي تقيُّ الدين، فباشَرَ عشرين سنة، وقد أَذِنَ لجماعةٍ في الفتوى وأجلس خَلقًا مع الشُّهود، وكان يفرح لهم بتحصيل الرزق، ويقول: ندخل لإقامة الوظيفة ولأجل الشهود والوكلاء والرَّحّالة. وحدَّث: أنَّ خاله القاضي نجم الدين ابن راجح تفرَّس فيه وهو صبيٌّ فقال لأخته: إن صار في أصحابنا قاض فابنُك سليمان. وقد حضر درسَ الناصرية مع شيخه بحضور السلطان لما درَّس بها ابنُ سِنِيِّ الدولة في سنة إحدى وخمسين، وإنما حضره أعيانُ الفضلاء، وكان الشيخ الضياء زوجَ خالته، ثم زوج أخته. أول ما حدَّث في سنة ست وخمسين بـ "الثُّلاثيات" وحدَّث بـ "الصحيح" في سنة ستين. اغتسل القاضي في بيته في الشتاء يوم الجمعة قبل وفاته بعشرة أيام لانقطاع الحمّامات فثَقُل سمعُه، فحضر المِيعاد يوم السبت، وكان يُسمِع الحديث يوم السبت ويوم الثلاثاء بين الصلاتين، فقال: اليوم سمعي ضعيف، فقرأ عليه الشيخ علمُ الدين جزءًا. قال عَلَم الدين: قال لي ابنه عز الدين: وَصَفُوا له أشياء، فقال: أتداوى إن شاء الله تعالى بغير هذا؛ وأشار إلى الدُّعاء في السَّحَر، فأصبح وقد طاب سمعُه، فتصدَّق وسُرَّ. وحكى لي ابنه: أنهم لمّا كانوا على حصار طرابلس، قال ﵀: من الساعة إلى يوم الثلاثاء ما يبقى بيننا وبين هؤلاء معاملة، قال: ففُتِحت يوم الثلاثاء. قال: وحكى التقيُّ عبد الله ابن القاضي شهاب الدين ابن الحافظ: أنَّ والده مرض مدةً فخرجتُ قلقًا، فقال لي القاضي تقي الدين: لا تخف، ما يموت والدك في هذه المرضة. وحكى ولده عز الدين والقاضي شرف الدين ابن الحافظ: أنَّ القاضي تقيّ الدين لم يَحتلِم قطُّ، ثم قال ابنه: وأنا ما احتلمتُ سوى مرة أو مرتين. وحكى القاضي شهاب الدين ابن المَجْد قال: حضرتُ عند القاضي تقي الدين ولا أعلمُ ما طُبِخَ في بيتي، فقال لي: قم وكل عجّوريّة طيبة وحصِّل لك قنبريس، فأتيت فوجدت العجّورية ولم أجد عندهم قنبريس. وقال ولده: ما رأيت أحرصَ منه على الصلوات في أول وقتها، في الحضر والسفر والمرض. ولمّا تَسلطَنَ الشاشنكير تُكلِّم في القاضي بأنه ربما دلَّس عليه، فعُزِلَ بالقاضي شهاب الدين، وكان بيته تلقاءَ بيت القاضي، فصبر وثبت ولم يُسمَع منه سوءٌ في حق شهاب الدين، وبقي الأمر أشهُرًا وهو يقول لابنه: طيِّب قلبك، ما نسكت عن منصبنا، وهذا ما يدوم، فأعاده السلطان لمّا قدم من الكرك وأهلَكَ سلّار والشاشنكير، ومات ابن الحافظ بعدُ بقليل. جرت مِحنة الشيخ تقيّ الدين ابن تَيْميّة في سنة خمس وسبع مئة، وحصل للحنابلة أذًى كثيرٌ بمصر ودمشق، فجاء البريدُ بإلزام الحنابلة بالرُّجوع عن مُعتقَدهم وهُدِّدوا، فتلطَّف القاضي تقيّ الدين في الأمر، ولم يَظهَر عليه ألم ولا غضب، ودارى بحُسْن خُلُقه وأخذ يدافع ويُماطِل، وما كتب شيئًا، وخَمَدَ الشرُّ، وأرادوا منه أن يكتب بالبراءة من مُعتقَد ابن تيميَّة فامتَنعَ وترفَّق بهم. قال الشيخ عَلَم الدين: حدَّثني أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الحميد قال: حججتُ في سنة خمس عشرة فاجتمعتُ بابن الحارثيِّ المُفتي شمسِ الدين، فقال لي: رأيت في النوم كأنَّ قِنديلًا بمحراب جامع الصالحيّة قد طفئ، فقلت لهم في إشعاله، فقالوا: ما بقيَ يعود، وقد أوَّلتُه على موت القاضي تقي الدين سليمان. قال أحمد: فلمّا قَدِمْنا إلى عَقَبة الصوّان سمعنا بموته. وقد نال القاضي من المشاقِّ نَوْبةَ قازان ما رُحِمَ به، فإنه قعد في جماعته بالدّير فنُهِبوا وعُذِّبوا، وسُبيَت الذُّرية، فقال القاضي: أُسر من بيتنا وبني عمِّنا نحو السبعين. قال الشيخ سعد الدين ابن سعد: أُخرج القاضي بأيدي التتار على رأسه طاقية وعليه فَرْوة ما تساوي خمسة دراهم، وفي رقبته حبل، فغاب إلى العشاء وجاء مكشوف الرأس، وقد توصَّل وتسلَّق من الفطاير، فسألناه عن حاله فقال: أوقَدُوا نارًا، فظننتُ أنهم يُعذِّبوني، وإذا هم بصوتٍ وصياحٍ، فذهبوا وبَقِيتُ وحدي، فعدتُ إليكم. ثم إنه دخل المدينةَ مع ناس من التتار على جُعْل فجَبَوا لهم مالًا من أهل البلد، وأَتى إلى الجوزية في أطمار رَثَّة، فأحضر له القاضي تقي الدين ابن الزَّكِيّ جُبّةً. إلى أن قال عَلَم الدين: جاء خبرُ موته إلى المدينة عشاءَ الآخرة، وحضره نائبُ السلطنة والكِبار، وصلَّى بهم عليه ابن تمّام، ثم خطيب البلد، ثم ابن تيميّة، وتأسَّف الناس عليه.