page 569, entry [601]Open original source
٥٩٨ - سَلّار * هو نائب المملكة بالدِّيار المصرية، أعظم أمراء زمانه، سيف الدين التُّركي التَّتَري، الصالِحيّ المنصوريّ. نقلتُ من خطِّ المولى شمس الدين الجَزَريّ، قال: كان أوّلًا من مماليك الملك الصالح عليٍّ وَلَد السلطان الملك المنصور قلاوون، فلمّا مات الصالح صار من خاصكيّة ولده، ثم اتَّصل بخدمة الملك الأشرف صلاح الدين وحَظِيَ عنده وتأمَّر. وكان عاقلًا وادعًا للشّرِّ، وينطوي على دهاءٍ وخبرة بالأمور، وفيه دينٌ في الجملة، وكان صديقًا لحسام الدين لاجِين المنصوريّ الذي تسلطن ومُصافيًا له، وتقدَّم في دولته، فلما قُتل لاجين ونائبه مَنْكوتمر نُدِب سلّار إلى إحضار السلطان الملك الناصر من الكرك، فسار إليه، فرَكَنَ السلطان إلى عقله وإيمانه، وسار معه إلى مصر، وجلس على السَّرير، واستناب سلّارًا وقدَّمه على الكلِّ، فخضعوا لأمره، ونال سلّار من سعادة الدنيا ما لا يُوصَف، وجمع من الذهب قناطير مقنطرة، حتى اشتهر على أفواه الناس أنَّ دخله كلَّ يوم كان مئة ألف درهم، واستمرَّ في الدَّسْتِ إحدى عشرة سنة، وكانوا يتحدثون أنَّ أقطاعه بضعة وثلاثون طَبْلَخاناه (¬١)، وكان مما أعطاه السلطان بلدُ الكرك، فغَنِيَ بها وحوَّل إليها ذخائر كثيرة. وحاصل الأمر: أنَّ سلّار وبَيْبَرس الجاشنكير استوليا على الممالك وأسرَفا، وكان السلطان كالمحجور عليه، ما يناله إلَّا ما فَضَلَ عنهما، وهو شابٌّ حَبِيّ، فكان يَكتُم ما عنده، فلما نصر الله الإسلام على يده وكسر التتار، وأُشْرِب حبُّه القلوب، وعَظُم وَقْعُه في النفوس، أضمر لهما الشرَّ والانتقام، وأنِفَ من تحكّمهما، وسار مُظهِرًا للحجِّ، فاستقرَّ بالكرك وأعرض عن المُلْكَ، فبَدَر هذان الملِكان المغروران فتَسلطَن بيبرس، وناب له سلّار، فلم تنقُصْ رُتْبة سلّار، بل ازداد عظمة وحِشمة، فأقاما على ذلك تسعة أشهر. وأقبلت سعادةُ دولة السلطان، ونزل من الكرك ليعود إلى مملكته ويستأصل أعداءَه، فانبرمت له الأمور، وأَلقت إليه مصر والشام أفلاذ كَبِدها، فحار المظفَّر في أمره، وخارت قوى سلّار، وحلَّ بهما الدمار، ووقعا في قبضة السلطان فأهلكهما. أما المظفَّر بَيْبرس فإنه خُنِقَ بين يدي السلطان، وأما سلّار فإنه توجه إلى الشَّوبك في جماعته خائفًا وَجِلًا، وتشاغل السلطان عنه بترتيب ملكه أشهرًا، ثم اهتمَّ بإدراكه وإهلاكه، ونزح سلّار عن الشَّوبك وطلب البَرِّيّة، وضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت، ثم خُذِل، وأرسل يطلب أمانًا على أن يقيم ببيت المقدس يَعبُد الله تعالى فأُجيب، ومشى إلى حتفه برِجْليه ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا، ودخل القاهرة بعد أن بقيَ أيامًا في حَيْرة متردِّدًا في البرية مع العُرْبان، يَنُوبُه كلَّ يوم نفقةُ ألف درهم وأربعون غِرارة شعير، وسُيِّر إليه أمان وأقطاع مئة فارس فيما قيل، ويقال: إنه كاتب أمراءَ قبض عليهم السلطان، فالله أعلم. فلما جاء عاتبه السلطان، ثم اعتُقل بمكانٍ ومُنِع من الزاد حتى مات جُوعًا، وفي أهرائه (¬١) نحو من مئتي ألف إردَبّ، فلا قوة إلَّا بالله. وقيل: وجدوه قد أكل خُفَّه، وقيل: دخل عليه جماعة وقالوا له وهو في السِّيَاق: قد عَفَا عنك السلطان، فقام من الفرح ومشى خطوات وسقط ميتًا. وكان أسمر آدم لطيف القَدّ، أَسِيلَ الخدّ، لحيته في حَنَكِه سوداء، من التتار العويراتيّة. مات في أوائل الكُهولة، لعله بلغ الخمسين سنة أو دونها، مات في ليلة الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، وذلك بعد زوال دولته وسعادته بثمانية أشهر، مات بقلعة الجبل، وأَذن السلطان للجاولي أن يدفنه، فتولَّى جنازته ودفنه بتُربة الجاولي عند الكبش. إلى أن قال الجَزَرِيّ: فقيل: إنه أُخذ له ثلاث مئة ألف ألف وخمسون ألفًا، وشيء كثير من الجواهر والحُلِي والخيل والسلاح والغِلال مما لا يكاد ينحصر. قلت: أما قوله: ثلاث مئة ألف ألف دينار؛ فشيء كالمستحيل، ولم يكن ذلك قطُّ، فإنَّ ذلك يجيء عشرة آلاف وَقْر بغلٍ، الوَقْرُ ثلاثون ألف دينار، وما علمتُ أحدًا من كبار السلاطين ملك هذا ولا رُبعه، ثم تدبَّرْ رحمك الله إذا فَرَضتَ صحَّة ذلك بقولهم: إنَّ دخله كان في اليوم أربعة آلاف دينار، أما عليه خَرْج منها! فلو أمكنه أن يَكنِزَ كلَّ يوم ثلاثة آلاف دينار، أكان يكون في السَّنةِ إلَّا ألف ألف دينار ومئتي ألف؟ فيصير في عشرة أعوام اثني عشر ألف ألف دينار، وهذا لعلَّه غاية أمواله، فلاحَ لك فَرْطُ ما حكاه صاحبنا الجَزَريُّ واستحالته. ثمّ إِنَّ شمس الدين نقل بعض تفاصيل تركة سلّار مما كنت علَّقتُه أنا من خطِّ بعض الكتّاب، فقال شمس الدين: قرأت بخطِّ الشيخ علم الدين البِرْزالي قال: دفع إليَّ المولى جمال الدين بن الفُوَيْره ورقةً بتفصيل بعض أموال سلّار وقتَ الحَوْطة على داره في أيام متعددة: يوم الأحد: زُمرُّد: تسعة عشر رِطلًا، يعني بالمصري، ياقوت: رطلان، بَلْخَش: رطلان ونصف، صناديق ضمنها جواهر: ستة، فصوص ماس وغيره: ثلاث مئة قطعة، لؤلؤ كِبار مدرز زِنَة درهم إلى مثقال: ألف ومئة وخمسون حبَّة، ذهب: مئتا ألفٍ وأربعون ألف دينار، دراهم: أربع مئة ألف وسبعون ألفًا. يوم الاثنين: ذهب: خمسة وخمسون ألف دينار وألف ألف درهم وأحد وعشرون ألفًا، فُصُوص بذهبٍ: رطلان ونصف، مصاغ عقود وأساور وزُنود وحَلَق وغير ذلك: أربع قناطير؛ يعني بالمصري، فِضِّيّات أواني وهواوين وصدور: ست قناطير. يوم الثلاثاء: خمسة وأربعون ألف دينار وثمان مئة ألف درهم، براجم وأهِلّة وصُناجق: ثلاثة قناطير فضَّة، وذهب أيضًا: ألف دينار وثمان مئة ألف درهم، أقبية ملوَّنة بفَرْوٍ قاقِم (¬١): ثلاث مئة، وأقبية بفَرْو سِنجاب: أربع مئةٍ، سروجٌ مُزركَشةٌ: مئة سَرْجٍ. ووُجِدَ عند صِهْرِهِ الأمير موسى ثمانية صناديق فأُخِذَتْ، كان من جملة ما فيها عشر حوايص مُجوهَرة سلطانية وتركاش (¬٢) ما يُقوَّم، ومئة ثوب طرْد وَحْش (¬٣). وقدم صُحْبة طلبه من الشَّوبك خمسون ألف دينار وأربع مئة وسبعون ألف درهم وثلاث مئة خِلْعة ملوّنة، وخركاه (¬٤) بأطلس معدني مُبطَّنة بأزرق وبابها مُزركَش، وثلاث مئة فرس، ومئة وعشرون قطار بغال ومثلها جِمال، كل هذا سوى الغِلال والأنعام والجواري والغلمان، والأملاك والعِدَد والقماش. وذكروا: أن كاتبه عوقب، فأقرَّ أنه كان يحمل في كل يوم إليه ألف دينار ما يعلم بها غيره. وقيل: إنَّ مملوكًا له دلَّهم على كنزٍ له مبنيٍّ في داره، فوُجد فيه أكياس، وفتحوا بِركة فوجودها ملآى أكياس ذهب. ثم مات البائس يتحسَّر على خبز يابس. وحدثني شيخنا فخر الدين النُّوري: أنَّ إنسانًا حكي له، قال: دخل العام إلى شَوْنة سلّار من أصناف الغِلال ست مئة ألف أردَبّ. قلت: هذه الغِلال كافية لثلاثة الآف فارس.