page 526, entry [559]Open original source
٥٥٦ - الدِّمْياطيّ ** شيخُنا العالم، الحافظ البارع، النَّسّابة المجوِّد، الحُجّة عَلَم المُحدّثين، عُمدة النُّقاد، شرف الدين أبو محمد وأبو أحمد، عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف، التُّونيّ، الشافعيُّ، صاحب التصانيف. مولده بتُونةَ قرية من أعمال تِنّيس، في آخر عام ثلاثة عشر وست مئة. وكان منشؤه بدِمياط، ويُعرَف أولًا بابن الجامد، وكان من المِلَاح في وقته. حدَّثني ابن حَرَمي الفَرَضيُّ عن شيخ دِمْياطيٍّ قال: كانوا إذا بالَغُوا في نَعْت العروس بالجمال قالوا: كأنها ابن الجامد. تفقَّه بدِمياط، وتميَّز في المذهب، وقرأ القرآن، ثم طلب الحديث بعدُ وقد صار له ثلاث وعشرون سنة، فسمع بالإسكندرية في سنة ست وثلاثين من أصحاب السِّلَفيِّ، ثم قَدِمَ القاهرةَ، وعُنِيَ بهذا هذا الشأن روايةً ودرايةً، ولازمَ الحافظ زكيَّ الدين حتى صار مُعِيدَه، ثم حجَّ سنة ثلاث وأربعين وسمع بالحَرَمين، وارتحل إلى الشام في سنة خمس وأربعين، وارتحل إلى الجزيرة وإلى العراق مرتين، وكتب العالي والنازل، وبالغ، وصنَّف إذ ذاك وحدَّث وأَملى في حياة كبار مَشيخَته. وكان مليحَ الهيئة، حسن الأخلاق، بسّامًا، فصيحًا، نَحْويًا لُغويًا، مقرئًا، سريع القراءة، جيّد العبارة، كثير التَّفنُّن، صحيح الكتب، مُكثرًا مفيدًا، حُلْو المذاكرة، حسن المعتقَد، كافًّا عن الدخول في الكلام. سمع من: أبي الحسن بن المقيَّر، وعليِّ بن مختار العامري، ويوسف بن عبد المعطي بن المَخِيليّ، والعَلَم الصابوني، وإبراهيم بن الخيِّر البغدادي، وأبي نصر بن العُلِّيق، وأحمد ويحيى ابني القُمَيرة، وموهوب بن الجَواليقيّ، وعبد العزيز بن يحيى الزَّبيديّ، وهبة الله بن محمد بن مُفرِّج بن الواعظ، وعلي بن زيد التّسارَسِيّ، وظافر بن شَحْم المُطرِّز، وشُعيب الزَّعْفراني المُجاور، وصفيّة بنت عبد الوهاب القرشية، وحمزة بن أوس الغَزّال، ومحمد بن محمد بن مُحارب القَيْسيّ، وأبي إبراهيم محمد بن عبد الرحمن بن الجَبّاب، وابن عمِّه أبي الفضل أحمد بن الجَبّاب، وعبد الوهاب بن رَوَاج، وعبد الله بن الحسين بن رَوَاحة، وأبي الحسن محمد بن يحيى بن ياقوت، وأبي الحسن علي بن هِبة الله بن الجُمَّيْزِيّ، وحسين بن يوسف الشاطِبيّ، وعبد العزيز بن النَّقّار الكاتب، ومظفَّر بن عبد الملك الفُوِّي، وعبد الرحمن بن مكّي السِّبط، وأبي علي منصور بن سَنَد بن الدِّماغ، ويوسف بن محمود السّاوِيّ، ومحمد بن حسن السَّفاقُسِيّ خاتمة من سمع حُضورًا من السِّلَفي. وسمع بدمشق من: عمر بن البَراذعي، والرَّشيد بن مَسلَمة، ومَكّي بن عَلّان، وطبقتهم. وبدِمياط من: خطيبها الجَلال عبد الله بن الحسن الشافعيّ. وبحَرّان من: عيسى بن سلامة الخيّاط. وبمارِدِين من: عبد الخالق بن أنجب النِّشتَبْريّ. وبحلب من: الحافظ ابن خليل، فأكثَرَ، فلعلَّه سمع منه مئتي ألف حديث. وبالموصل من: أبي الخير إياس الشَّهَرزُوريّ صاحب خطيب الموصل أيضًا، وعنده عدّة من أصحاب السِّلَفيَّ، وشُهْدة، وابن عساكر، وقد ذكرناهم، وخلق من أصحاب ابن شاتيل، والقزّاز، وابن بَرِّيٍّ النَّحْوي، وإسماعيل بن عوف، ويحيى الثَّقَفيّ، وابن كُلَيب. ثم أصحاب ابن طَبَرزَد، وحَنْبَل، والبُوصِيريّ، والخُشُوعيّ. ونَزَل إلى أصحاب الكِنْدي، وابن مُلاعِب، والافتخار الهاشِميّ. وكتب عن طائفة من رفقائه، ومن هو أصغر منه، فعَدَدُ "معجمه" ألف ومئتان وخمسون نفسًا. وقد أجاز له أبو المُنجَّى بن اللَّتِّي وأبو نصر بن الشِّيرازيّ وخلقٌ، ويروي بالإجازة العامّة عن المؤيَّد الطُّوسي، وجماعة. ومن مصنّفاته كتاب "الصلاة الوسطى" مجلد لطيف، كتاب "الخيل" مجلد، وقد سمعتهما منه، "قبائل الخزرج" مجلد، "العِقد المُثمن فيمن اسمه عبد المؤمن "مُجَيليد، "الأربعون المتبايِنة الإسناد من حديث أهل بغداد" مجلد، "مشيخة البغاددة" مجلد، "السيرة النبوية" مجلد، وله تصانيف كثيرة لم أقف على بعضها، وهي مهذَّبة منقَّحة، تَشهَد له بالحفظ والفَهْم وسَعَة العلم. حدَّث عنه: الصاحب كمال الدين عمر بن أبي جَرادة العُقَيلي (¬١)، والإمام أبو الحسين اليُونينيّ، والقاضي عَلَم الدين ابن الإخنائيّ، وشيخ الشيوخ علاء الدين القُونَوِيّ، والإمام أثير الدين أبو حيّان النَّحْوي، والحافظ جمال الدين أبو الحَجّاج المِزِّي، والعلّامة تقيّ الدِّين السُّبكي، والعلّامة فخر الدين النُّوَيريّ، وخلقٌ كثير من الرَّحّالين. وحدثني عنه طائفة، منهم الفقيه محمود بن خليفة، وقد قرأت عليه عدَّةَ أجزاء، وما فاتني عنه من الأجزاء العالية أكثر، ولقد رأيتُ أنِّي قرأتُ عليه في النَّوم ثلاثةَ أجزاء القاضي أبي الأحوص العُكْبَريِّ، ثم إنه طال عمرُه، وتفرَّد بأشياءَ وتكاثَروا عليه، وآخرُ من ارتحل إليه صاحبُنا أبو عَمرو المُقاتِلي، فأكثَرَ عنه. سمعت أبا الحَجَّاج الحافظَ يقول: ما رأيت أحدًا أحفظَ من الدِّمياطي. وسمعت شيخَنا يقول: سمعت ابن رَوَاجٍ يقول: قرأ عليَّ السِّراج بن شُحَانة نَتْف الإبط، فحرَّكه بالكسر (¬٢)، فقلت: لا تحرِّكه يَفُحْ صُنَانُه. ذَكَر لي الدِّمياطيُّ: أنه تلا بالسَّبع على الكمال العباسيّ، وأراني الإجازة منه في مجلّد، وقد كان شيخُنا أبو محمّد حمل عن الصَّغَاني عشرين كتابًا من تصانيفه في الحديث واللغة، وسمع "جزء ابن عَرَفة" من بضعة وثمانين نفسًا بالشام ومصر والعراق، و "جزء الأنصاري" عن أكثر من مئة شيخ. وأمّا عِلم النَّسبَ فمسلَّمٌ إليه، أرْبَى فيه على المتقدِّمين. سكن دمشق مدّةً، وأفاد أهلَها، ثم تحوّل إلى مصر ونشر بها علمه، وكان موسَّعًا عليه في الرِّزق، وله حُرْمة وجلالة، وممَّا خلَّف لابنيه ثلاثة الآف مِثقال. قال أبو الفتح اليَعمَري: هو أجمعُ أصحاب المُنذريِّ رِحلةً، وأرفعُهم نِحْلةً، وأجمعُهم للحديث وعلومه، وأبرعُهم في منقوله ومفهومه، وإلى أن قال: كان يتفداه كل رئيس، ويُقرّ له بالنَّفاسة كل نفيس، لم يزل عاكفًا على العلم عُكُوف تَوْبةَ (¬١) على حبِّ الأَخْيَليَّة، ووقوف غَيْلان (¬٢) على دار مَيّة، يُلْقي دُروسا، تجلو على السماع عروسا. قلت: ما زال يُسمِع الحديث إلى أن مات فجأة بعد أن قُرئ عليه الميعاد، ثم صعد إلى بيته، فغُشِيَ في السُّلَّم عليه، وتوفّاه الله تعالى في نصف ذي القَعْدة سنة خمس وسبع مئة، عن اثنتين وسبعين سنة، وصلَّوا عليه بدمشق صلاة الغائب، وكانت جنازته مشهودة، وله نظمٌ جيِّد. وفيها مات خطيب حلب وحاكمها ومفتيها العلّامة شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام الدمشقي الشافعي عن ثمانين سنة، وقاضي نابُلُس الشيخ مجد الدين سالم بن أبي الهَيْجاء الأَذْرَعيّ الشافعيّ، وشيخ الإسكندرية المُقرئ شرف الدين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن الصّواف الجُذامي في شعبان وله ست وتسعون سنة، ومقرئ حماة الإمام بدر الدين محمد بن أيوب التاذِفيّ الحنفي تلميذ أبي عبد الله الفاسي، وخطيب دمشق ومحدّثها الشيخ شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سِبَاع الفَزَاريّ المصريّ الدمشقي الشافعي النَّحوي في شوّال عن خمس وسبعين سنة وشهر، ومُسنِد مصر أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن شهاب ابن مؤدِّب الحدّادين عن بضع وثمانين سنة، ومحدِّث حمص القاضي بدر الدين محمد بن مسعود بن أيوب بن التُّوزيّ الحلبي وهو في عَشْر الثمانين، ومُسنِدة القاهرة زينب بنت سليمان بن إبراهيم الإسْعَرديّة. قرأت على الحافظ الناقد أبي محمد عبد المؤمن بن خلف، عن يحيى بن أبي السُّعود سماعًا، أن شُهْدة بنت أبي نصر الكاتبة أخبرته، قالت: أخبرنا أبو الحسين بن أحمد النِّعالي، قال: أخبرنا عبد الواحد بن محمد الفارسي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شَيْبة السَّدُوسِيُّ، حدثنا جدِّي، حدثنا رَوْح بن عُبادة، حدثنا ابن عَوْن، عن الحسن، عن أُمِّه، عن أُمِ سلمةَ ﵂، قالت: ما نَسِيتُ الغُبار على شَعْرِ صَدْرِ رسولِ الله ﷺ وهو يقول: "اللهمَّ إِنَّ الخيرَ خيرُ الآخِرَة، فاغفر للأنصارِ والمهاجرة"، إذ جاء عمّارٌ ﵁ فقال: "وَيْحكَ - أو وَيْلكَ - يا ابنَ سُمَيّةَ، تَقتُلُكَ الفئةُ الباغيةُ"، أخرجه مسلم والنسائي (¬١) من حديث خالد الحذّاءِ وابن عون عن الحسن، وإسناده صحيح.