page 488, entry [517]Open original source
٥١٤ - قاضي القُضاة ابن أبي الطَّاعة ** شيخ الإسلام، تقيُّ الدين، أبو الفتح محمّد بن عليّ بن وهب بن مُطيع ابن أبي الطاعة، القُشَيريّ، المِصْري المَنْفلُوطيّ، المالكي والشافعيّ، قاضي الديار المِصرية وعالمُها. مولده بصحراء عَيْذاب في شعبان سنة خمس وعشرين وست مئة. وتفقّه على والده مجد الدين ابن دقيق العيد المالكي. وسمع من: ابن رَوَاج وابن الجُمَّيزي، وسبط السِّلَفي، وابن المقيَّر، والحافظ المُنذريّ، وابن عبد الدائم، وأبي البقاء النابُلُسي، وعِدَّة. وصنَّف التصانيف كـ"الإلمام في السُّنن" ولم يُكْمله وكمَّل تسويده، و"الإلمام في الأحكام" و"شرح العُمدة". وبرع في الأُصول والفروع، ومعرفة الصحيح والسقيم. وكان ذا ذهن وقّاد، وفِكْر صائب، وعبادة دائمة، وصدق شاف، وورع تامّ، عديم الكلام فيما لا يَعنيه، فقيه النفس، مائلًا إلى الحُجّة، مَهِيبًا وَقورًا لا سيّما في المناظرة، قلَّ أن ترى العيونُ مثله. أخذ عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره. ووليَ القضاء بعد تمنُّع وتوقُّف، وعَزَل نفسه غير مرة، وكانت الملوك تحترمه وتتأدَّب معه، وتُحكى عنه كرامات وأحوال، وكان لا ينام الليل بل يتشاغل بالعلم والتأليف، والعبادة والذِّكر، ومصالح النفس، وكان كثير التمتع بالأهل والتَّسَرِّي، فلا ينام إلَّا بعد صلاة الفجر نومةً ويقوم، وكان شديد الوَسْواس في أمر الماء والطهارة؛ له في ذلك حكايات، وكان لا يغتاب أحدًا ولا يسمع الغِيبة، وحديثُه الفاظٌ يسيرة حتى في دروسه. وقد أَخبر يومَ كَسْرة التتار على حمص سنة ثمانين وبشَّر بها في ذلك اليوم وهو بمصر. ومناقبه غزيرة كثيرة شَهيرة، رحمه الله تعالى. حدَّث عنه: القاضي عَلَم الدين الإخنائي، والقاضي علاء الدين القُونَويّ، والحُفّاظ: المِزِّي، والبِرْزالي، واليَعْمَري، والحلبي، وابن سامة. وأملى عليَّ حديثًا، وسمعتُ من لفظه جزءًا، وامتحنني في اسم رجلٍ سهلٍ فقال: من أبو محمَّد الهِلاليّ (¬١)؟ فأجبتُه. ومن تصانيفه: "شرح مقدمة المُطرِّزي" في أصول الفقه، وتأليفه في علوم الحديث، و"الأربعون في الروايات عن ربِّ العالمين"، وشرح أوراق من أول "الإلمام" جاء في سِفْرين، وشرح بعض "مختصر ابن الحاجب" في الفقه، وله "أربعون" تُساعيّات، ونظم جيِّد، ونثر حُلْو، وفيه جودٌ وبذلٌ للطلبة وغيرهم. توفّي في صفر (¬٢) عن سبع وسبعين سنة، وتأسَّف الخلق عليه وحُمل على الرؤوس. وقد جمع له ترجمةً قطب الدين الحلبيّ، وفتح الدين اليَعمري، وشمس الدين ابن نُباتة وغيرهم. وامتنع عن الرواية عن ابن المقيَّر وعن ابن رَوَاج وَسْوَسةً وتورُّعًا وتوقُّفًا عن كيفيّة أخْذِه، وكان لا يُجيز لأحد إلَّا شيئًا حدَّث به وسمع منه؛ فيكتب: أجزتُ لهم ما حدّثتُ به من مسموعاتي.