page 282, entry [285]Open original source
٢٨١ - عبد الرحمن * الشيخ الكبير الذي نفَّذه القانُ أحمد بن هولاكو رسولًا إلى سلطان الإسلام. كان والدُه مملوكًا، وربما من غلمان دار الخلافة فنشأ عبد الرحمن بالدار، ثم صار من فَرّاشي المستعصم بالله، وكان اسمه قراجا في الأول. ولما قُتل الخليفة واستُبيحت بغداد نَجَا عبد الرحمن، وقيل: بل أُسر، وكان قد ظَفِرَ بجواهر نفيسة، ثم صُيِّر فَرّاشًا للقان، ثم إنه تزهَّد وعمل الناموس، وسار إلى الموصِل، فاتصل بالأمير أيبَك، وكان أيبك مهووسًا بالكيمياء، فربطه عبد الرحمن ومَخرَقَ عليه، فمضى في صحبته إلى أبَغا، فدخل إليه عبد الرحمن وقال: رأيت رؤيا أنَّ في قلعة دَفِينًا من توابيت، وكان عبد الرحمن قد دفن هناك تلك الجواهر، فبعث معه أبغا جماعةً، فوقف وتردَّد ثم قال لهم: احفِروا هنا، فحفروا فظَهَرَ الدَّفين، فعَظُمَ بذلك عند أبغا وقرَّبه، وخَضَع له، فربطه أيضًا بشيء من السيمياء والشَّعْوذة، ثم اتَّخذ خاتمين على صفة واحدة، فأخرج أحدَهما فأعطاه أبغا وهو على حافَةِ بُحيرة عميقة، ثم قال: إن ألقيتَه في البحيرة استخرجتُه لك، فألقاه وقاما، فلما كان من الغد أقبلا، وقد عمل عبدُ الرحمن سمكةً من خشبِ مجوَّفة ملأها مِلحًا مع الخاتم الآخر ورماها في الماء، فغاصت ساعةً وهو يُهمهم ويرقي، فذاب الملح فطَفَت السمكة والخاتم يُبرِق في فمها، فانبَهَر أبغا، وأحضروها له، فأخذ الخاتمَ من فيها، ودكَّ عبد الرحمن فيها رصاصِة وألقاها في البحيرة، فغاصت، والملك يتعجَّب. ثم إنه اتَّصل بالملك أحمد وحسَّن له الإسلام، فأسلم، ووَعَدَه بأنه يتملَّك، فتملَّك، فصار أحمدُ ينزل إلى زيارته ويقبِّل يده، ولا يخالفه في أمر، فانتُفعَ به في الجُمْلة، فأشار عليه بمصالحة صاحب مصر، وباجتماع الكلمة، فبعث رُسلًا في ذلك، ثم قال عبد الرحمن: أنا أذهبُ في توثيق الصُّلح، فأقبل وفي خدمته عددٌ من المغول والكبار، فوصل إلى دمشق في آخر سنة اثنتين وثمانين، فأُنزل بالقلعة في دار رضوان، ورُتِّبَ لهم أشياء مفتخَرة. ثم بلغ السلطان ﵀ مصرعُ أحمد وسلطنةُ أرغون بن أبغا، فاستَحضَر عبدَ الرحمن بقلعة دمشق ليلًا وسمع ما قَدِمَ به، ثم أخبره بهلاك مُرسِله، فبقي عبد الرحمن وأتباعه في القلعة معتقَلِين مدة، فلما كان بعدِ تسعة أشهر تُوفِّي هذا في آخر رمضان سنة ثلاث وثمانين، ودُفن بسفح قاسيون، وقد جاوز الستين. وكان مع طريقته مسلمًا، حسن العقيدة، ديِّنًا، لولا دخولُه في السحر والزَّوكَرة، ولما احتُضِر طلب ملك الأمراء لاجين فأتاه ليلًا إلى القلعة، فاجتمع به، فناوله عِقدَ جوهر له قيمة عظيمة ووهبه إياه، وأوصى إليه بما أحبَّ، وتُوفِّي، وبقي أتباعُه في القلعة وتطاول بهم الأمرُ، وأُهمل جانبُهم، وجاعوا وعَرُوا، فعمل النّجمُ يحيى فيهم أبياتًا، وبعث بها إلى النائب: أَولَى بسِجنك أن يحيطَ ويقتفي … صِيدَ الملوك وأفخرَ العظماءِ ما قدر فراش وحداد ونفْ … فَاطٍ وخَرْبندا إلى سقّاءِ خدموا رسولًا ما لهم علمٌ بما … يُخفي وما يُبدي من الأشياءِ لم يَتْبعوا هذا الرسولَ ديانةً … وطلَّاب علم واغتنام دعاءِ بل رغبةً في نيل ما يتصدق الس … لطانُ من دُرٍّ وفَيضِ عطاءِ ويؤمِّلون فواضلًا تأتيهِ من … لحمٍ وفاكهةٍ ومن حَلواءِ نَفَروا من الكفّار والتجؤوا إلى ال … إسلام واتَّبعوا سبيلَ نَجاءِ فيُقابَلون بطول سجنٍ دائمٍ … وتحسُّر ومجاعة وعَناءِ أكبادُهم مقطوعةٌ فكأنَّهم … موتى وهم في صورةِ الأحياءِ إن كان خيرًا قد مضى أو كان شرًا … قد أَمِنتَ عواقبَ الأسواءِ وإذا قطعتَ الرأس من بَشرٍ فلا … تَحفَلْ بما يبقى من الأعضاءِ فلما سمعها أطلق مُعظمَهم وبقي اثنان أو ثلاثة، قيل: أشار صاحبُ ماردين باعتقالهم. ولعبد الرحمن سَفَرات إلى الشام ومصر والحجّ، وكان لمّا قدم رسولًا لا يسيرون به إلّا ليلًا.