page 262, entry [267]Open original source
٢٦٣ - ابن أبي عمر * الشيخ الإمام العالم العامل القدوة البارع، مفتي الأُمة، شيخ الإسلام، كبير الحنابلة، شمس الدِّين، أبو الفَرَج وأبو محمد، عبد الرحمن ابن الإمام شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدَامة بن مِقْدام بن نصر، المَقدِسي الجَمَّاعيلي الصَّالِحي، الحَنبلي. مولده في أول سنة سبع وتسعين وخمس مئة بالدَّيْر من سَفْح قاسيون. وسمع حُضورًا قبل الستِّ مئة. وسمع من: حَنبَل "المسند" كلَّه، ومن عمر بن طَبَرزَد فأكثَرَ، ومن الكِنْدِي، وابن الحَرَسْتاني، وأبي المحاسن محمد بن كامل، والقاضي أسعد بن المنجَّي، وابنه، وعمّه الشيخ موفَّق الدين وتفقَّه به، وعرض عليه "المُقْنِع"، وعمل له شرحًا في عشرة مجلدات. وطلب الحديث، وقرأ على الشيوخ، وقرأ على أصحاب أبي الوقت والسِّلَفي. وسمع بمصر من مُرتضَى بن حاتم، وبمكة من أبي المَجْد القَزوِيني، وبالمدينة من عبد المُحسن الخَفِيفيّ. وأجاز له أبو سعد بن الصَّفّار، وأبو الفَرَج بن الجَوْزي، وأبو جعفر الصَّيدلاني، وعدةٌ من المَكِّيين، وروى الكتب الكِبار، وخرَّج له ابن بَلَبَان "مَشْيخة"، والحارثيُّ أخرى. وحدَّث عنه: ابن عبد الدَّائم مع تقدُّمه، والشيخ محيي الدين النَّواوي، والحارثي، والمِزِّي، وابن نَفِيس، وابن العطَّار، وابن تيميَّة، وابن مسلَّم، والبِرْزالي، والمحدِّث الصَّيرَفي، والشيخ مجد الدِّين بن إسماعيل، والقاضي تقيُّ الدِّين سليمان، وأولاده، وخلقٌ كثير. وكان كبير الشأن، بعيد الصِّيت منقطع القَرين، له وقعٌ في النفوس، ومحبةٌ في القلوب جميل الصُّورة بهيّأ، وَفُورًا حَسَنَ البِشْر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كبير القَدْر، كثير التعبُّد والصيام والتهجد والسَّكينة والتودُّد، وحسن الأخلاق، والصفات الحميدة، قلَّ أن ترى العيونُ مثله. وكان ﵀ ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مُشرَبًا حُمْرة، واسع الوجه، أزجّ الحاجبين، أقنى (¬١)، أشهل (¬٢)، رقيقَ البَشَرة، كَثَّ اللحية، مقتصدًا في ثيابه، صغير العِمامة، مرسِلَ عُذَيْبةٍ بين يديه، يدخل إلى مجلس الحُكم على بهيمة. وكان يقوم الليل، ويصلي الضُّحى، وبين العشاءين فيقضي ويحكم، فقلَّ ما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة ويصرفُها على الفقراء. حجَّ ثلاث مرات وغزا عدّة غزوات: نوبة صَفَد، ونوبة الشّقيف وحصن الأكراد. قد جمع الله الألسنةَ على تعظيمه وتوقيره، ولقد جمع له نجم الدِّين بن الخبَّاز "سيرةً" في مئةٍ وخمسين جُزءًا. تسرَّى بجارية ثم بأخرى، وتزوَّج بابنة السَّديد الإرْبِليّ، فولدت له الشَّرَف عبد الله، والعز محمدًا، ونجم الدِّين أحمد الذي وليَ القضاء، ثم تزوَّج حبيبة بنت أحمد الحافظ (¬١)، فولدت له جماعة منهم علي الشهيد وزينب. قال ابن أبي الفتح: وليَ القضاء اثنتي عشْرةَ سنة، لم يتناول على القضاء رزقًا، ثم ترك القضاء. وقال الشيخ فخر الدين عبد الرّحمن البَعْليّ: أعرف منه خمسين سنة ما رأيته غضب. وممَّن سمع منه المحدِّث عمر ابن الحاجب، ومات قبله باثنتين وخمسين سنة، وسأل عنه الضياء في ذلك الزمان فقال: عالمٌ خيِّرٌ. وكان الشيخ محيي الدين النّواويُّ يقول: هو أجلّ شيوخي، وقد أثنى عليه الموافق والمخالف. توفي شهيدًا بعد سبعة عشر يومًا بالبَطْن، ومات في سلخ ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وست مئة، وله خمس وثمانون سنة وأربعة أشهر، وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يتعذّر الإحصاء، ورَثَتْه الشعراء بعدّة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون.