page 185, entry [183]Open original source
١٧٩ - الملك الظاهر * سلطانُ الحرمين والشام ومصر، رُكْن الدين أبو الفتوح، بَيبَرْس التُّركي القَفْجَاقي البُندُقْداري، ثم الصَّالحي النَّجْمِي. ولد سنة أربع وعشرين وست مئة تقريبًا أو بعدها، فأُخِذَ وجُلِب إلى الشام وله ست عشرة سنة، فاشتراه الأمير علاء الدين البُندُقدار، ثم انتقل إلى الملك الصالح، وطلع منه أمرٌ كبير من الشجاعة المُفرِطة والإقدام، والرأي والحَزْم والهيبة، وكان أسمرَ بحُمْرة، أشهَلَ بزُرقة، تامَّ القامة، مليحَ الشكل، جَهِيرَ الصوت، وصار من أعيان الجامَكِية، شهد وقعةَ المنصورة، ثم تأمَّر في دولة المُعِزّ. وله مواقف مشهودة، وسيرة كبيرة، أنشأَها محيي الدين بن عبد الظاهر في مجلَّدات يصف فيها شجاعته وفتوحاته وشمائله، وسيرة أخرى في مجلَّدين لابن شدّاد، وكان طليعةَ الجيش في مَصافِّ عين جالوت، ثم وَثَبَ الأمراءُ الذين واطَؤُوه على قتل الملك المظفَّر قُطُز وملَّكوا الظاهر في ذي القَعدة سنة ثمان وخمسين. وكان عظيمَ الهيبة، كثير الغزو، خليقًا للمُلك، واللهُ يَعفُو عنه، فله أيامٌ بِيضٌ في الإسلام، ودوَّخ الفرنج وأخذ منهم عدة حصون كقَيساريَّة، وحصن الأكراد، وصَفَد، وأنطاكية، وكَسَر التتار بالأَبُلُسْتَيْن من أرض الروم، ودخل مدينة قيصريّة، وجلس في دَسْت المُلْك وخضعوا له، ثم رجع مؤيَّدًا مظفّرًا، واقتنى من الغلمان الأبطال ما لا يوصف كثرة، وأقام خليفتين: المستنصِر ثم الحاكم، وحجَّ البيت، وأسرع فقدم دمشق، وسار إلى حلب، ثم إلى قلعة البِيرة، ثم كرّ مسرعًا فوافق دخولُه مصر يوم قدوم الرَّكْب المصري، فكذا فليكن العزم. قال قُطب الدين اليُونِيني (¬١): كان له عشرة آلاف مملوك، وخلف أولادًا عشرة، الذكور: الملك السعيد، والملك سلامش، والخضر، وتفاصيل أخباره قد ذكرنا منها في حوادث السنين. قدم دمشق من نَوْبة دخوله الروم فنزل بقصره بدمشق في سابع المحرَّم، ومرض في نصف المحرَّم فتوفي في الثامن والعشرين منه (¬٢)، ثم حُمِلَ إلى القلعة ليلًا، وغسَّله وصبَّره المِهتار والكمال ابن المَتِّيجي المؤذن والأمير عز الدين الأفرَم، وجُعل في تابوت في بيتٍ بالقلعة، وله نيِّف وخمسون سنة، وذلك في سنة ست وسبعين، ثم عُمِلت له التُّربة وأُنزل إليها، وتملَّك ولدُه السعيد وله ثمان عشرة سنة، ثم خُلِع بعد سنتين وبُعث إلى الكرك فأقام أيامًا ومات ﵀. وقيل: إنَّ الظاهر سقى [الملك القاهر عبد الملك ابن السلطان المعظَّم عيسى، ثم قام لحاجة وعادَ] (¬٣) ونسي أثرَ الكأس وملأَه الساقي، فشرب الملكُ الظاهر فتأثَّر به، والله أعلم. وكان كثيرًا ما يباشر الحِصارات والنقور والمجانيق بنفسه، ويتعجَّب الأمراء من إقدامه، وكانت الفرنج والتتار تهابُه. وكان قد جعل نائبَ مُلْكه مملوكَه بدر الدين بَيْليك الخَزندار، فكان من نبلاء الرجال، له فهم ومعرفة ودِيانة، فكَتَم موتَه وساق بالجيش والخزائن حول محفّة السلطان، يُوهِمُ أنه مريض، فوصل إلى السَّعيد بمصر، وأعلن بالوفاة، فسُقِيَ بَيليك سمًّا سقاه شمس الدين الفارقاني وولده السعيد، فمرض بقُولَنْج (¬١) أسبوعًا، ومات في ربيع الأول.