page 4003, entry [1689]Open original source
سابق (¬١) بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس: ابن ادريس بن نصر أبو الفضائل الكلابي، وتمام نسبه نذكره في ترجمة جد أبيه صالح بن مرداس إن شاء لله تعالى، وأمه بنت الملك أبي طاهر بن فناخسرو بن بويه. ملك حلب في الليلة الثانية من شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة، وكان أخوه (¬٢) قد قتل يوم عيد الفطر بعد العصر على ما ذكرناه في ترجمته، وكان قد فوض نصر أموره الى سديد الملك أبي الحسن علي بن منقذ بعد عوده من طرابلس، وفوض إليه أموره، وكان الوزير ابن النحاس بقلعة حلب، وفي القلعة وال يقال له ورد، وعندهما جماعة من الخواص، فلما علموا بقتل نصر استدعوا أخاه سابق بن محمود، وكان ساكنا في العقبة في الدار التي تنسب الى عزيز الدولة فاتك، وكان قد شرب فيها وسكر، فحمل من العقبة وهو سكران، ورفع من السور (١٤٣ - و) بحبل الى القلعة وهو سكران، ونادوا بشعاره وأطاعه الأجناد، وأشاروا عليه باطلاق أحمد شاه من الاعتقال، وكان نصر اعتقله، فأطلقه، وخلع عليه، فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكن الفتنة. واستقرت قاعدة سابق، ولقب عز الملك أبو الفضائل، ودخل عليه أبو الفتيان ابن حيوس، فمدحه بقصيدته التي أولها: عليّ لها أن احفظ العهد والودّا … وإن لم تفد إلا القطيعة والصدا (¬٣) فأطلق له سابق ألف دينار، وجعل له كل شهر ثلاثين دينارا. وكان سابق من متخلفي بني مرداس، كان ينظم الشعر، فإنني وقفت في ديوان شعر ابن النحاس على أبيات يخاطب لها سابق بن محمود، وقد أنشده شعرا لنفسه فيه: كنت أنشدتني من الشعر نظما … بحتريا يفوق لفظا ومعنى ولما مات سابق وعرف بنو كلاب تخلفه اجتمعوا الى أخيه وثاب، وحسنوا له أخذ حلب، وانضاف إليه أخوه شبيب بن محمود، ومبارك بن شبل ابن خالهما؛ فسير سابق واستدعى أحمد شاه أمير الأتراك، وكان في ألف فارس، واستعان به، فأنفذ الى رجل من الأتراك يعرف بمحمد بن دملاج كان نازلا في طريق بلد الروم في خمسمائة فارس، وضمن له مالا، فوصل ابن دملاج في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة من سنة ثمان (١٤٣ - ظ) وستين وأربعمائة، وتحالفوا، وخرجوا الى وثاب وبني كلاب في يوم الخميس مستهل ذي الحجة، وكان بنو كلاب في جمع يقارب سبعين ألف فارس وراجل، وكانوا بقنسرين فعندما عاينوا الأتراك، انهزموا من غير قتال، وخلفوا حللهم، وأموالهم، ونسائهم وأموالهم، فغنم أحمد شاه وابن دملاج وأصحابهما جميع ذلك، فيقال إنهم أخذوا لهم مائة ألف جمل، وأربعمائة ألف شاة، وسبوا من حرمهم الحرائر، وإمائهم وعبيدهم مالا يحصى كثرة، وعادوا بالأسرى الى حلب، فأطلقهم سابق، وأنزل أخته زوجة مبارك بن شبل في دار وأكرمها. فسار وثّاب ومبارك بن شبل الى السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان، وشكوا حالهم، وسألوا منه أن يعينهم على سابق، فوعدهم وأقطعهم في الشام، وأقطع الشام أخاه تتش، فسار ومعه جموع الترك ووثّاب ومبارك بن شبل، وصل إليه بنو كلاب، فنزل على حلب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، ووصل إليه أبو المكارم مسلم بن قريش، ونزل معه عليها، وكان هواه مع سابق، فكان يسيّر إليه بما يقوي نفسه، وينكر على بني كلاب خلطنهم، ودام الحصار ثلاثة أشهر. وأحس أبو المكارم بتغير النية فيه، وتحقيق التهمة به من مراسلة سابق وأهل حنب، فاستأذن تاج الدولة في الرحيل، ورحل وجعل رحيله وعبوره وبعسكره على باب حلب، وباع (١٤٤ - و) أصحابه أهل حلب كلما كان في عسكره عصبية وتقوية لهم، وقوى نفوسهم ونفس سابق، وسار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عكسره بعد الضعف الشديد الى بلاده، ورحل معظم بني كلاب، وبقي مع تاج الدولة تتش من بني كلاب وثّاب وشبيب أخو سابق ومبارك بن شبل في عدد يسير، فأشار عليهم أبو المكارم بن قريش بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب الى حلب، وكاتبهم سابق، وتألقهم، وقال لهم: إنما أذب وأحامي عن بلادكم وعزكم، ولو صار هذا البلد الى تتش، أزال ملك العرب وذلوا، واستوحشوا من الأتراك، فهربوا الى حلب، وصاروا الى سابق، وكتب سابق الى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي نصر النحاس يعرفه ما هو فيه من الضيق، ويسأله الاقبال عليه، والقيام بمعونته، ويحذره من التخلف عنه فيكون ذلك سببا لزوال ملك العرب، ويعيب عليه في التوقف عنه، والقصيدة: دعوت لكشف الخطب والخطب معضل … فلبيّتني لما دعوت مجاوبا ووفّيت بالعهد الذي كان بيننا … وفاء كريم لم يخن قط صاحبا وما زلت فرّاجا لكل ملمة … إذا المحرب الصنديد ضجّع هايبا فشمر لها وانهض نهوض مشيّع … له غمرات تستقل النوائبا وقل لكلاب بدد الله شملكم … أو يحكم ما تتقون المعائبا (١٤٤ - ظ) أتستبدلون الذل بالعز ملبسا … وتسون أذنابا وكنم ذوائبا وما زلتم الآساد تفترس العدى … فما بالكم مع هؤلاء ثعالبا ثبوا وثبة تشفي الصدور من الصدا … ولا تخجلوا أحسابنا والمناقبا ولا بد من يوم نحكم بيننا … وبين العدى فيه القنا والقواضبا أرى الثغر روحا أنتم جسد له … إذا الروح زالت أصبح الجسم عاطبا وقد ذدت عنه طالبا حفظ عزكم … إباء ولافيت المنايا الشواغبا وها أنا لا أنفك أبذل في حمى … حماكم مجدا مهجتي والرغائبا أاذخر مالي عنكم وذخائري … إذا بتَّ عن طرق المكارم عازبا شكرت صنيع ابن المسيب إذ أتى … يجر مغاوير تسد السباسبا منها: أيا راكبا يطوي الفلاة بحسرة … هملعة (¬١) لقيت رشدك راكبا ألا أبلغ أبا الريان عني أوكه (¬٢) … تربح من الإيلاف ما كان واجبا أخا شخصه لا يبرح الدهر حاضرا … تمثله عيني وإن كان غائبا متى تجمع الأيام بيني وبينه … أشد عليه ما حييت الرواجبا (¬١) وأهد انى شبل سلامي وقل له: … لك الخير دع ما قد تقدم جانبا فتلك حقود لو تكلم صامت … لجاء إليها الدهر منهن تائبا وقد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها … عجالا وإلا أعوز الدر جالبا (١٤٥ - و) فإني رأيت الموت أجمل بالفتى … وأهون أن يلقى المنايا مجاوبا وكان قد بلغ سابقا أن أميرا من أمراء خراسان يقال له تركمان التركي، قد توجه منجدا تاج الدولة تنش ومعه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلابي، أحد أمراء بني كلاب، من حلب ليلا، وأعطاه كتابه الى أبي زائدة، وفيه هذه الأبيات، ومعه بعض أصحاب سابق، ومعهم مال، فاتفق مع منصور ونائب سابق، وجمعوا ما يزيد على ألف فارس وخمسمائة راجل من بني نمير وقشير، وكلاب، وعقيل، بتدبير أبي المكارم بن قريش، والتقوا تركما التركي في أرض الفايا (¬٢)، فكبسوا عسكره، وقتلوه. وبلغ ذلك تاج الدولة تتش فرحل عن حلب الى الفرات، وشتى بديار بكر، ثم عاد الى حلب، وافتتح منبج في طريقه وبزاعا وعزاز، وصبح حلب صباحا، فخرج عسكر حلب، فالتقوا على الخناقية، وانهزم عسكر تتش بغير قتال. وكان أبو زائدة وابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في قدر خمسين فارسا مقابلهم فحملوا عليه، واتفقت هزيمتهم فقتلوا من الغزّ جماعة وغنموا، وتقدم محمد بن زائدة الى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم السرميني المعروف بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه، ويعرفه ما لبني كلاب من الأيام المعروفة، ويذكر هذه الوقائع، فعمل: دعوت مجيبا ناصحا لك مخلصا … يرى ذاك فرضا لا محالة واجبا فلبيت لا مستنكفا جزعا ولا … هدانا اذا خاض الكريهة هائبا قال فيها في ذكر هذه الوقائع: ولما دعاني المدركي ابن صالح … شققت ولم أرهب اليه الكرائبا أسابق صرف الدهر في نصر سابق … الى تركمان الترك أزجي النجائبا فلما التقيناهم غدا البعض سالبا … لانفسهم والبعض للمال ناهبا فيا لك من يوم سعيد بيمنه … عن الثغر أضحى عسكر الضد هاربا وكان يرى في كفه الشام حاصلا … ويوم بزاعا رد ما ظن خائبا وفي يوم خناقيه قد خنقتهم … بعثير ذل رد ذا الشرخ شائبا عطفت لهم اذ خام من خام منهم … بفتيان كالعقبان شامت توالبا (¬١) فلله قومي الصادرون لو انثنوا … معي أو فريق كنت للجمع ناكبا فولوا وقضبان المخافة فيهم … مسابقة أرماحنا والقواضبا فكم فارسا منهم تركنا مجدلا … يباشر ترب القاع منه الترائبا وإذ ايقنوا أن ليس للكسر جابر … تولو وعن جبرين حثوا الركائبا وخلنوا بها كسبا حووه وأبصروا … سلامتهم منا أجل مكاسبا ورحل تاج الدولة تتش من جبرين، وكان نازلا بعسكره عليها الى دمشق. ولما جرى هذا الحادث طمع شرف الدولة، أبو المكارم، مسلم بن قريش في الشام، وكاتبه سابق بن محمود يبذل له تسليم حلب اليه، ووفدت (١٤٦ - و) عليه بنو كلاب بأسرها، فتوجه الى حلب، ونزل عليها في السادس عشر من ذي الحجة من سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، فغلقت أبوابها في وجهه، وكان عند سابق أخواه شبيب ووثاب بحلب، فلم يمكناه من التسليم، فلم يقاتلها، وأهلها يحرصون على التسليم اليه لما هم فيه من الجوع، وعدم القوت، وسلم البلد اليه ولد الشريف الحتيتي، على ما نذكره في ترجمة أبي المكارم مسلم بن قريش فانحاز سابق الى القلعة. وأخواه شبيب ووثاب في القصر لضيق القلعة، وحصر أبو المكارم القلعة الى أن دبر شبيب ووثاب وهما في القصر على سابق، وقفرا في القلعة وصاح الاجناد بها شبيب يا منصور، وقبض سابق وحبس، وتسلم شبيب ما كان بها من المال، وسفر سديد الملك أبن منقذ بين مسلم بن قريش وبين شبيب الى أن تسلم القلعة في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وانقضى أمر سابق بعد حصار للقلعة أربعة أشهر، وانقضت دولة آل مرداس. دفع إلى القاضي أبو محمد بن الخشاب جزءا بخطه وذكر لي أنه نقله من خط أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي جراده في ذكر ملوك حلب. وكتب إلينا المؤيد ابن محمد بن علي الطوسي عن أبي الحسن قال بعد ذكر نصر بن محمود وقتله بظاهر حلب ثاني عيد الفطر من سنة ثمان وستين: بعد أخوه سابق بن محمود أقام أربع سنين، وسلم البلد إلى شرف الدولة أبي المكارم مسلم (١٤٦ - ظ) بن قريش العقيلي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة-يريد البلد دون القلعة. قرأت بخط أبي عبد الله العظيمي، وأنبأنا به أبو اليمن الكندي وغيره عنه؛ سنة ثماني وستين وأربعمائة فيها: قتل نصر بن محمود صاحب حلب يوم الأحد، يوم عيد الفطر. وجلس سابق بن محمود مكانه. قال: وفي هذه السنة، يعني سنة اثنين وسبعين وأربعمائة. وصل شرف الدولة إلى حلب وتسلمها من سابق بن محمود، وامتنعت القلعة عليه، وكان بالقلعة سابق وأخوه شبيب، فقبض شبيب على سابق يوم السبت ثاني عشر صفر، وتولى الأمر بنفسه يوما واحدا، ثم عاد سابق فقبض على أخيه شبيب وتولى الأمر كما كان أولا، وبقي الحصار أربعة أشهر، ثم سلم القلعة سابق إلى شرف الدولة يوم الأحد عاشر ربيع الآخر، وقيل جمادى الآخر، وهو الأصح، يعني من سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة (¬١). نقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه قال: وأقام نصر مالكا إلى سنة ثمان وستين، فلما كان يوم عيد الأضحى عيّد وخرج العصر لنهب الأتراك ابن خان وأصحابه، ويأخذ نساءهم فإنه قال: «نريد الوجوه الملاح» فضربه واحد فقتله، واختبطت حلب، وقفلت أبوابها، وقفل باب القلعة، فجاء الأمير أبو الحسن سديد الملك، وكان قد نزل لما مات محمود، وقال له نصر: «ما يرّب هذه الدولة غيرك»؛ فلما قتل نصر لم يجسر أن يذكر للوزير ابن النحاس-وكان صديقه-ذلك ظاهرا، فقال له وهو في القلعة من تحت السور: الأمير نصر (١٤٧ - و) سالم كما تحب، ولكن سألتني عن شيء قبل خروجي وهو: القيل فاد، معناه: القيل الملك، وفاد مات. فاحتفظ ابن النحاس بن القلعة، وأجلسوا بعده أخاه سابقا، وكان سابق كما قيل لي من أحسن الناس محاضرة، وأصبحهم وجها، وأسوأهم فعلا في نفسه وأفعاله. حدثني مولاي ﵀ قال: من طريف عمله أنه مدحه الشريف أبو المجد بثلاث قصائد، فتأخرت الجائزة، فكتب إليه، وقد ضاع له دنانير ثم وجدها. قل للأمير أبي الفضائل سابق … قولا يفوه به لسان الناطق فبحق من رد الدنانير التي … ضاعت بتقدير الإله الخالق أردد علي مدائحا أنشدتها … ذهبت لديك ذهاب خلّب بارق قال: فأنفذ له قصيدة وكتب إليه على ظهرها: نحن نسأل عن الباقي وننفذه إليك. وأقام بحلب مستضعفا بغير بنو كلاب على باب حلب، تأخذ منه الغسالات والقوافل، ولا يخرج أحد إلاّ بخفارة، ولا يدخل إلا كذلك. والأمير سديد الملك مقيم بالجسر لعلمه أن الداء قد أعضل؛ قال: فاشتغل عنهم بحصنه وبلده كفر طاب، يشتو بالجسر، ويصيف بكفر طاب، إلى أن غلب سابق، واستحكم يأسه، أنفذ إليه وقال: أشتهى أن تحضر، تفصل بيني وبين أخوتي، وما قد دهمنا من شرف الدولة، فمضى حينئذ وقد أمن غائلتهم. وقال: سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة؛ فيها تسلم شرف الدولة (١٤٧ - ظ) قلعة حلب، شهر ربيع الآخر ولم يكن فيها ما يؤكل. قلت انقطع ذكر سابق بعد أخذ حلب منه، فلم نقع له على ذكر ولا خبر والظاهر أنه تطل مدته، وأنه توفي بعد ذلك بقليل.