Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

داوود بن عيسى

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار · page 3383, entry [1466]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار — كمال الدين ابن العديم

page 3383, entry [1466]Open original source
داوود بن عيسى: ابن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي بن يعقوب بن مروان، الملقب بالملك الناصر بن الملك المعظم بن الملك العادل اشتغل بالفقه والأدب وحصل منهما طرفا صالحا، وقرأ المنطق على شمس الدين الخسروشاهي (¬١)، ولازمه مدة دولته، وملك دمشق حين توفي أبوه الملك المعظم عيسى في سنة أربع وعشرين وستمائة فقصده عمه الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب فسير الى عمه الملك الأشرف موسى يعتضد به الى سنجار، وكنت رسولا عند الملك الأشرف بسنجار، فتوجه إليه الى دمشق وأقام عنده بها والملك الكامل على تل العجول، فصالح الفرنج وتوجه الملك الأشرف الى أخيه الملك الكامل ليصلح أمر ابن أخيه داوود، فاستماله الملك الكامل وجعل له دمشق، وكان الملك الأشرف يحب دمشق حبا مفرطا فاتفقا جميعا على قصد دمشق واخراجها من يد داوود فقصداه وحصراه في دمشق الى أن سلمها إليهما، وملكها الملك الأشرف (٢٨٨ - ظ) في سنة ست وعشرين وستمائة وكنت نازلا بظاهرها بالمزة حينئذ وأبقى في يده من البلاد: البيت المقدس سوى ما صولح الفرنج عليه منه، ومدينة نابلس والكرك والصلت، وأخذ الملك الكامل من الملك الأشراف حران والرها وسروج والرقه ورأس عين، ودامت البلاد التي أقرت في يد الملك الناصر داوود في يده إلى أن مات الملك الأشرف، واستولى الملك الصالح اسماعيل بن أبي بكر بن أيوب على دمشق وانتزعها الملك الكامل، ثم مات الملك الكامل، واستولى الملك الصالح أيوب على البلاد الشرقية، وأخوه الملك العادل أبو بكر على الديار المصرية، وحصلت دمشق في يد الملك الجواد بن ممدود، فراسله الملك الصالح أيوب وعوضه عن دمشق بسنجار وعانة والرقة، وحصل الملك الصالح أيوب بدمشق وعمه اسماعيل ببعلبك، فطمع أيوب بالديار المصرية، وسار إلى نابلس فنزلها، وكاتب أمراء بمصر، وعمل عمه الملك الصالح اسماعيل والملك المجاهد شيركوه على دمشق، واستوليا عليها فقبض الملك الناصر داوود على ابن عمه الملك الصالح أيوب وسجنه بالكرك وترددت رسله إلى الملك العادل أبي بكر بن الملك الكامل إلى مصر في أمور اقترحها عليه منها مساعدته على أخذ دمشق من عمه اسماعيل، فلم يجبه إلى ذلك، فكاتب أمراء مصر في اخراج الملك الصالح أيوب من سجن الكرك وتمليكه الديار المصرية، فأجابوا إلى ذلك، وأخرجه من السجن وسار به إلى الديار المصرية وقبض الامراء على الملك العادل ببلبيس، ودخل الملك الناصر داوود والملك الصالح أيوب إلى الديار المصرية وملكها (٢٨٩ - و) وأقام الملك الناصر معه بها مدة، وكان قد عاهده على أمور لم يف الملك الصالح له بها، فنزل من الديار المصرية إلى بلاده، ثم حصل بينهما وحشة اقتضت أن أخذ منه نابلس، وبقي في يده الكرك والصلت وعجلون، وفيها علي بن قلج من جهة الملك الناصر، ثم نزل الملك الصالح إلى الشام، وتسلم من الملك الناصر الصلت، ولم يبق بيده غير الكرك، ثم أرسل إلى الكرك عسكرا يحصرها، فنزل الملك الناصر داوود منها، وقصد حلب وأبقى أولاده بها، وقدم حلب وافدا على الملك الناصر يوسف بن محمد بن غازي في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة سبع وأربعين وستمائة، وخرج الملك الناصر يوسف وتلقاه إلى قرنبيا (¬١)، وكنت معه وأنزله في دار قيصر الطاهري بالحاضر، وأقام له الضيافة والراتب، ووصل إليه الخبر بحلب باستيلاء عسكر الملك الصالح أيوب على الكرك بتسليم أولاده إليهم، وبقي بحلب مقيما في ضيافة الملك الناصر إلى أن توجه الملك الناصر يوسف إلى دمشق بعد قتل الملك المعظم توران شاه بن أيوب (¬٢) وفتح دمشق وهو معه وبدت منه أحوال أنكرت عليه، وطلب من الملك الناصر الأذن في التوجه إلى بغداد فأذن له وزوده فأبلغ عنه أنه ربما خبط عليه فاعتقله وسيره إلى حمص وسجنه في قلعتها وشفع فيه الخليفة المستعصم، فأطلق من الاعتقال، وعاد إلى دمشق في شهر شوال من سنة إحدى وخمسين وستمائة، ثم توجه إلى بغداد وشفع المعتصم (¬٣) في أن يرتب له ولأولاده ما يقوم بهم، فأجابه (٢٨٩ - ظ) الملك الناصر الى ذلك وعاد الى دمشق وأقام بها، وأطمعه جماعة من الأمراء (¬١) البحرية بملك دمشق وتحدث معهم في ذلك وبلغ الملك الناصر ذلك فاستشعر منه وطلب الاذن في المسير إلى بغداد وسار اليها فلم يؤذن له بالدخول اليها فمضى إلى الحلة، وكان له بها جوهر نفيس أودعه في الديوان فلم يسمحوا له به وصالحوه على أن اطلقوا له ذهبا وطلب العود إلى الشام، وسمح الملك الناصر له في ذلك فعاد إلى جهة الكرك واتصل بالعربان في تلك الناحية وتوهم منه الملك المغيث صاحب الكرك فعمل عليه حتى قبضه وسجنه، واتفق وصول التتار إلى بغداد، فسير المستعصم رسولا في طلبه ليقدمه على العساكر ويلتقي التتار، فوصل الرسول وأخرجه من السجن وقدم به إلى دمشق وأنزل بالبويضا من الغوطة، ووصل الخبر باستيلاء التتار على بغداد فأقام بالبويضا (¬٢)، ووكل الملك الناصر به بعض الأمراء وهو نازل في دار بالبويضا كانت لعمه مجير الدين يعقوب بن الملك العادل واجتمعت به فيها غير مرة، ولم يزل بها إلى أن مات ﵀، وكان فاضلا أديبا شاعرا مجيدا فقيها متكلما شجاعا حسن المحاضرة دمث الأخلاق، فصيح اللسان جميل الصورة. أنشدني مقاطيع وقصائد من شعره بنابلس وبحلب وبدمشق وكان قبل ذلك قد اجتاز بناحية بزاعا وبمنبج (٢٩٠ - و) متوجها إلى البلاد الشرقية إلى خدمة عمه الملك الكامل في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. أنشدني الملك الناصر داوود بن عيسى بنابلس في أرض بلاطه، وقد خرج إلى لقائي وقد توجهت رسولا إلى مصر، لنفسه يخاطب الله ﷾: يا من تردى بالجلال جماله … وله من الأنوار حجب تبهر مالي اليك وسيلة أنجو بها … يوم المعاد إذا أزمّ المحشر إني لمعتذر بذنبي غافل … فيما يقربني إليك مقصر لكنني أرجو لكل كبيرة … ثقتي بعفوك إن عفوك أكبر وإذا الملوك تكثرت بعد يدها … ألفيتني بسواك لا أتكثر وإذا طغت وبغت بما خوّلتها … أقبلت نحوك خاضعا استغفر يا مالكا رقّي وقلبي ذائب … في حبه بين الأنام مشهر إن النهار بغير وجهك مظلم … عندي وليلي من بهائك نيرّ أشتاق وجهك لا سواه إذا غدا … قوم تشوقهم الجنان النضر ويروق لي من ماء وجهك شربة … تروى الصدى إن راق غيري الكوثر مالي رجاء في جنان زخرفت … كلا ولا أخشى حميما تسعر لكن رجائي أن أراك وخشيتي … من أن تهيجني الذنوب فأهجر يا من تفرد بالبقاء فماله … ندّ يضاهي أو شريك يذكر (٢٩٠ - ظ) أنت الجواد فما يقلل جوده … ذنب ولا الحسنات فيه تكثر كن لي اذا الرسل الكرام تعاظمت … ذنبي فظنت أنه لا يغفر فلأنت أولى بالتجاوز محسنا … والعفو عن أهل القنوط وأجدر وأنشدني الملك الناصر داوود بن عيسى لنفسه بحلب يمدح الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين: ودان ألمت بالكثيب ذوائبه … وجنح الدجى وحف (¬١) تجول غياهبه تقهقه في تلك الربوع رعودة … وتبكي على تلك الطلول سحائبه أرقت له لما توالت بروقه … وحلّت عز اليه وأسبل ساكبه الى أن بدا من أشقر الصبح قادم … يراع له من أدهم الليل هاربه وأصبح ثغر الأقحوانة ضاحكا … تدغدغه ريح الصبا وتداعبه تمر على بنت الرياض بليلة … تجشّمه طورا وطورا تلاعبه وأقبل وجه الأرض طلقا وطالما … غدا مكفهرا موحشات جوانبه كساه الحيا وشيا من الارض فاخرا … فعاد قشيبا غوره وغواربه كما عاد بالمستنصر بن محمد … نظام المعالي حين فلّت كتائبه إمام تحلى الدين منه بماجد … تحلت بآثار النبي مناكبه هو العارض الهتان لا البرق مخلف … لديه ولا أنواره وكواكبه إذا السنة الشهباء شحّت بطلّها (¬٢) … سخي وابل منه وسحت سواكبه (٢٩١ - و) فأحيا ضياء البرق ضوء جبينه … كما تجلت جود الغوادي مواهبه له العزمات اللاء لولا نصاله … لزعزع ركن الدين وانهدّ جانبه بصير بأحوال الزمان وأهله … حذور فما تخشى عليه نوائبه بديهته تغنيه في كل مشكل … وان حنكته في الامور تجاربه حوى قصبات السبق مذ كان يافعا … وأربت على زهر النجوم مناقبه تزينت الدنيا به وتشرفت … بنوها فأضحى خافض العيش ناصبه لئن نوّهت باسم الإمام خلافة … ورفّعت الزاكي النجار مناسبه فأنت الإمام العدل والمعزف الذي … به شرفت أنسابه ومناقبه جمعت شتيت المجد بعد افتراقه … وفرقت جمع المال فانهال كاثبه وأغنيت حتى ليس في الارض معدم … يجود عليه دهره أو يحاربه ألا يا أمير المؤمنين ومن غدت … على كاهل الجوزاء تعلو مراتبه ومن جده عم النبي وخدنه … إذا صارمته أهله وأقاربه أيحسن في شرع المعالي ودينها … وأنت الذي تعزى اليه مذاهبه وأنت الذي يغني حبيب بقوله … ألا هكذا فليكسب الحمد كاسبه بأني أخوض الدوّ والدو مقفر … سباريته (¬١) مغبرّة وسباسبه وأرتكب الهول المخوف مخاطرا … بنفسي ولا أعيا بما أنا راكبه وقد رصد الأعداء لي كل مرصد … فكلهم نحوي تدبّ عقاربه (٢٩١ - ظ) وآتيك والعضب المهنّد مصلت … طرير شباه قانيات ذوائبه وأنزل آمالي ببابك راجيا … فواضل جاه يبهر النجم ثاقبه فتقبل مني عبد رق فيغتدي … له الدهر عبدا طائعا لا يغالبه وتنعم في حقي بما أنت أهله … وتعلي محلي فالسها لا يقاربه وتلبسني من نسج ظلك ملبسا … تشرف قدر النيرين جلائبه وتركبني نعمى أياديك مركبا … على الفلك الاعلى تسير مواكبه وتسمح لي بالمال والجاه بغيتي … وما الجاه إلا بعض ما أنت واهبه ويأتيك غيري من بلاد قريبة … له الأمن فيها صاحب لا يجانبه وما اغبر من جوب الفلاحر وجهه … ولا أنضيت بالسير فيها ركائبه فيلقي دنوا منك لم ألق مثله … ويحظى وما أحظى بما هو طالبه وينظر من لألاء قدسك نظرة … فيرجع والنور الإمامي صاحبه يشير بذلك الى مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين بن علي صاحب اربل وكان قد قدم بغداد على المستنصر فأحضره اليه، واجتمع به وسأل الملك الناصر داوود لما قدم بغداد أن يعامل بذلك، وان يجتمع بالخليفة المستنصر كما فعل في اكرام مظفر الدين فما أجيب الى ذلك: ولو كان يعلوني بنفس ورتبة … وصدق ولاء لست فيه أصاقبه لكنت أسلي النفس عما ترومه … وكنت أذود العين عما تراقبه (٢٩٢ - و) ولكنه مثلي ولو قلت أنني … أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه ولا أنا ممن يملأ المال عينه … ولا بسوى التقريب تقضى مآربه ولا بالذي يرضيه دون نظيره … ولو أنعلت بالنيرات مراكبه وبي ظمأ رؤياك منهل ريّه … ولا غرو أن تصفو لوردي مشاربه ومن عجب أني لدى البحر واقف … وأشكو الظما والبحر جم عجائبه وغير ملوم من يؤمك قاصدا … إذا عظمت أغراضه ومطالبه وقد رضت مقصودي فتمت صدوره … ومنك أرجّي أن تتم عواقبه وأنشدني لنفسه يرثي الامام المستنصر ﵀: أيا رنة الناعي عبثت بمسمعي … فأجّجت نار الحزن ما بين أضلعي وأخرست مني مقولا ذا براعة … يصوغ أفانين القريض الموشع نعيت إليّ الجود والبأس والندى … فأوقفت آمالي وأجريت أدمعي رويدا فقد فاجأتني بقطيعة … يضيق بها صدر القضاء الموسع أبا جعفر ياباني المجد بعدها … تهدّم ركن المجد في كل موضع ويا كافل الاسلام في كل موطن … وراعي رعاة الدين في كل مجمع ومن كنت أرجو أنني في زمانه … أبادر أيام الزمان المضيع فأستدرك الماضي بفضل تضرع … واستقبل الآتي بدرع تورع أحقا طوتك الحادثات كما طوت … قرونا مضت من عهد كسرى وتبع (٢٩٢ - ط) وغالك ريب الدهر والدهر جائر … إذا صال لا يبقي وإن جال لا يعي فأيأس أمالا تداني لها الغنى … فراحت بفقر من رجائك مدقع دعا باسمك الناعي على حين غفلة … فأصمى سويداء الفؤاد المصدع فقلت وإني في الفصاحة قسّها … مقالة مسلوب الرويّة ألكع أيا دهر قد أمنتني كل خيفة … فلست لميت بعده بمفجع فعل كل مأمور وكل مؤمّر … وخذ بعده يا دهر من شئت أودع ولو كان خطب الموت يقبل فدية … ويدفعه سعي الكميّ المدرع فديتك بالنفس النفيسة طائعا … ودافعت بالجيش اللهام الممنع بضرب طليق الكف حرّان ثائر … وطعن ربط الجأش في الروع أروع ببيض تقدّ البيض من حرّ وقعها … وسمر ترد القرن قاني المقنع وكل فتى يلقى المنايا بصدره … بقلب ثبوت لا بقلب مزعزع يفضون بنيان المقانب في الوغى … بكبّات آساد مشابيل جوّع ولكنه من لا يتاقى ويلتقى … ببذل فداء أو بأطراف شرّع لقد كنت لي حصنا حصينا من العدى … إليه التفاتي في الخطوب ومفزعي وعارض جود منه أستنزل الندى … فأسقى بغيث من عطاياه ممرع فأضحي ومن بحر المكارم مشربي … وأمسي وفي روض المواهب مربعي سأبكيه أيام الحياة وان أمت … بكته عظامي في قرارة مضجعي (٢٩٣ - و) وأشكره شكر الثرى لسمائه … بدرّ من اللفظ البليغ المرصع وما كلف بالشيء مثل مكلّف … ولا داعيات الطبع مثل التطبع ولا كل من يولى جميلا بشاكر … ولا كل من يدعى خطيبا بمصقع هو المرء أدناني فأبعد غايتي … ووسع في ذرعي وطوّل أذرعي فتى بدا الاحسان حيا وميتا … بفرط اصطناع لا بفرط تصنع يا سداء معروف وإلغاء منكر … يسكنّ مسلوب الجنان المروّع وتسليمه تاج الخلافة بعده … الى خير مدعو وأوثق مودع هوى قمر العلياء من برج سعده … فأطلع شمس المجد من خير مطلع بفرع نما من دوحة طاهرية … نما عرفها عن طيّبها المتضوع بمستعصم بالله منتصر له … بحزم التأني لا بحزم التسرع أقام منار الملك بعد اعوجاجه … وشيد واهي الدين بعد التضعضع بإقدام منصور وعزمة قادر … وسيرة مهديّ وإخبات (¬١) طيعّ به رجعت شمس المكارم والعلى … كما رجعت شمس النهار ليوشع ففرق شمل المال بعد اجتماعه … وجمعّ أشتات العلاء الموزّع سأشكر للايام حيلة برئها … لإبلال قلب بالرزيّة موجع بإقبالها تزهي بأكرم مودع … وإن تك قد ولّت بخير مودّع ولائي لكم يا آل أحمد صادق … وإن مان (¬٢) مذّاق وتّمق مدع وإني لشيعيّ المحبة فيكم … وإن لم يشن ديني غلوّ التشيع فلي من نداكم خفض عيش مرفّه … ولي في ذراكم عز قدر مرفّع أخبرني الملك الأمجد أبو علي الحسن بن داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب قال: سير الخليفة المستعصم الى أبي رسولا عندما قصد التتار بغداد يستصرخه ويحثه على سرعة الوصول اليه ولو على الهجن، ويأمره أن يترك أولاده ويأمرهم أن يستصحبوا معهم من يرى استصحابه من أولاد الملوك والأمراء والأجناد وكان أبي اذ ذاك مع العرب في أطراف تيه بني اسرائيل فوافاه الرسول وقد سير اليه الملك المغيث بن العادل بن الكامل عسكرا فقبضه، ثم سيره الى طور هارون صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وتركه هنالك فقصد الرسول الملك المغيث وقال له: الخليفة قد طلب هذا الرجل لهذا المهم العظيم، فسير اليه وأحضره وجاء هو والرسول حتى نزلا بالبويضا خارج دمشق على عزم التوجه الى الخليفة فقال لي أبي: والله يا ولدي ما أنا متوجه الى بغداد أرجو دنيا ولا تقدما على العساكر، وإنما أريد أن أبذل نفسي في سبيل الله تعالى وأرجو أن أنفع المسلمين وأموت شهيدا فلعل الله أن يكفر عني ما اقترفته فيما مضى من عمري وأقام على هذه النية يقصر الصلاة اعتقادا منه أنه يقيم أياما يسيرة يتجهز فيها، ثم يتوجه الى وجهته، فلما وردت الأخبار بأن التتار قد ضايقوا بغداد أشار عليه جماعة من أصحابه أن يتثبط ريثما يتحقق أمرها فقال: أنا قد بعت (٢٩٤ - و) الله نفسي فما أرجع فيما بيني وبين الله تعالى، فلما وصلت الأخبار بأن التتار قد أخذوا بغداد وتواتر ذلك، أظهر بعض الناس أن الخليفة قد نجا بنفسه والتحق بالعرب، فقال لا بد لي من اللحاق به فإن له بيعة في عنقي وقد أمرني بأمر وما يمكنني مخالفته، والذي يخشاه الناس في ذلك هو القتل، وأنا أتمناه فإن الموت لا بد منه وقد حان حينه، فإن هذا الشيب كما تروه فأحسن ما كان الموت بأيدي المشركين في سبيل الله تعالى، فلما تحقق أن الخليفة أخذ فيمن أخذ توجع لفوات ما أمله، وقال: ما كنت أرجو إلاّ أن أكون بين قتلى المعركة ولكن ما يريده الله هو الكائن. قال لي ولده الحسن: فجزاه الله بنيته وآتاه الشهادة فانه مات بالطاعون، وقد صح عن رسول الله ﷺ فيما اتفق عليه الامامان عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطاعون شهادة لكل مسلم (¬١). قال لي ولده: وحدثت أنه سأل الله ﷿ ذلك قبل مرضه بيوم أو يومين، فإنه حدثني الحاجي عبد الله بن فضل بن ردّاد وفارس بن آق سنقر بن عبد الله الأمجدي قالا: كنا جالسين عند والدك ﵀ أيام اشتداد الوباء عقب كائنة بغداد، فتسخطنا بالوباء، وقلنا: هذا سخطة أرسلها الله على الناس، فقال: لا تقولوا هذا فإن الطاعون لما وقع بعمواس (¬٢) قال بعض الناس هذا رجز، هذا الطوفان الذي بعث على بني اسرائيل، وبلغ ذلك معاذا فقال: يا أيها الناس لم تجعلون دعوة نبيكم، ورحمة ربكم عذابا وتزعمون أن الطاعون هو الطوفان الذي بعث على بني اسرائيل (٢٩٤ - ظ) وإن الطاعون لرحمة من ربكم رحمكم بها، ودعوة من نبيكم لكم وكفت الصالحين قبلكم، اللهم أدخل على آل معاذ منه نصيبهم الأوفى فطعن عبد الرحمن بن معاذ وامرأته، ودخل عليه معاذ يعوده فقال: أبني كيف تجدك؟ قال يا أبة «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» (¬١)، فقال: يا بني «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ» (¬٢)، فمات الفتى وامرأته، وطعنت امرأتان لمعاذ فماتتا في يوم واحد، فأقرع بينهما فقدم احداهما قبل صاحبتها في القبر وطعنت خادمه وأم ولده فتوفيتا فدفنهما، حتى إذا لم يبق غيره طعن في كفه بثبرة صغيرة كأنها عدسة، فجعل ينظر إليها ويقول: إنك لصغيرة، وإن الله ليجعل في الصغير الخير الكبير، ثم يقبلها ويقول: ما أحب أن لي بك حمر النعم، فلما نزل به الموت فجعل يغتّ به ثم يغمى عليه، ثم يتنفس عنه فيقول غم غمك، فوعزتك إنك لتعلم أني أحبك، ثم يقول: جرعني ما أردت. قال الحسن بن داوود: قالا لي: فلما فرغ والدك من هذه القصة رفع يديه مبتهلا وقال: اللهم اجعلنا منهم وارزقنا ما رزقتهم، فأصبح من الغد أو من بعد الغد مريضا، وكنت أنا غائبا عنه فلما بلغني مرضه جئت إليه فإذا هو يشكو ألما شديدا بجنبه الأيسر بحيث لا يستطيع الاضطجاع، وكان يقول أحس في جنبي مثل الطعن بالسيف، ولم يزل كذلك أربعة أيام وليلة الخامس الى السحر لم يذق النوم إلاّ إغفاء نسند رأسه بأيدينا، ثم وجدنا خفا واضطجع ونام وأصبح بارئا، وبقي على ذلك يومه وليلته، فلما أصبح في اليوم السادس شكا ألما خفيفا بجنبه الأيمن، وأخذ في التزايد يومه وليلته فتحقق في (٢٩٥ - و) اليوم السابع أنه طاعون، واشتد الألم وعاد كما في المرة الأولى، وانحطت قواه فلما كان بين الصلاتين كنت جالسا عنده وقد أغفى فاتتبه ترعد فرائصه وأشار إليّ أن أقترب منه، فقال: رأيت النبي ﷺ والخضر ﵇ وقد جاءا إليّ يعوداني فجلسا عندي ثم انصرفا، فلما كان أواخر النهار قال لي: ما بقي في رجاء فتهيأ في تجهيزي، فبكيت وبكى الحاضرون من أولاده وغيرهم، فقال لي: لا تكن إلاّ رجلا، ولا تعمل عمل النساء ولا تغير هيئتك، وكن على مقتضى طريقتك، فلما كان الليل اشتد به الضعف وانصرفت في حاجة فحدثني بعض من كان جالسا عنده من أهله أنه أفاق فزعا مرتعبا، فقال: بالله تقدموا إليّ فإني أجد وحشة، فسئل مم ذلك، فقال: أرى صفا عن يميني فيهم أبو بكر وسعد صورهم جميلة، وعليهم ثياب بيض، وصفا عن يساري صورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس وهؤلاء يقولون: تعال إلينا، وهؤلاء يقولون: تعال إلينا وأنا أريد أن أروح الى أهل اليمين، وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت: والله ما أجيء إليكم خلوني من أيديكم، وقد ارنعبت منهم ثم أغفى اغفاءة، ثم قال: الحمد لله خلصت منهم، وقال: رأيت امرأة جميلة لم أر أحسن منها قد جاءت إليّ فأعرضت عنها فكلمتني كالتي تستميلني فقلت: والله ما لي بك من حاجة هذه زوجتي عندي وأنا عنها مشغول، فروحي عني فإن نومه أحب إليّ فقالت: زوجتك ما تدوم لك وما يدوم لك إلاّ نحن. قال الحسن: وتوفي ﵀ صبيحة هذه (٢٩٥ - ظ) الليلة حين تنفس الصبح من يوم السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة بالبويضا. كذا قال لي ولده، ووجدت تاريخ وفاته بخطي أنه توفي أول طلوع الفجر من يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى من سنة ست وخمسين وستمائة وحضر الملك الناصر يوسف بن محمد الصلاة عليه، واستصحبني معه الى البويضاء، وقدمني للصلاة عليه، فصليت عليه بإذن من أولاده، وكان قد أوصى أن يغسله القاضي شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي قاضي دمشق، قال لي ولده الحسن فغمضت عينيه وشددت لحيته وقلبت الماء عليه، فرأيته كأحسن نائم فقلت للقاضي شمس الدين عبد الله: ما ترى وجهه؟ فقال: هو الآن أحسن منه حيا. وحملت جنازته الى جبل الصالحين، فدفن في تربة أبيه الملك المعظم ﵀ الى جانبه من الشمال، ودخل الملك الناصر به الى والدته بعد الصلاة عليه وعزاها وسلاها، ووعدها في مخلفيه خيرا ﵀ رحمة واسعة.
Parsing and provenance details
Local passage ID
873103
Book record
shamela-10798
Source record
965259
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain