page 1901, entry [880]Open original source
آق سنقر بن عبد الله البرسقي: ﷽ وبه توفيقي وقيل اسمه سنقر وكان مملوك الأمير برسق مملوك السلطان، فترقت به الحال الى أن ولاه السلطان محمود بن محمد الموصل وولاه شحنكية بغداد، وتقدمة عسكرها في أيام المسترشد ثم عزل عن شحنكية بغداد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة فوصل الى الموصل، واستدعاه الحلبيون الى حلب وقد حصرهم الفرنج وضاق بهم الامر فوصل اليهم في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ورحّل الفرنج عنها وملك حلب وأحسن الى أهلها، وعدل فيهم، وأزال المكوس والمظالم، ووقع إليّ نسخة التوقيع الذي كتبه لاهل حلب بازالة المكوس والضرائب وتعفية أثار الظلم والجور وكان ﵀ على ما يحكى حسن الأحوال، كثير الخير، جميل النية، كثير الصلاة والتهجد والعبادة والصوم، وكان لا يستعين في وضوءه بأحد، وقتل ﵀ شهيدا وهو صائم. وكان من حديثه في ملك حلب واستيلائه عليها: أن بلك بن بهرام بن أرتق لما قتل بمنبج (¬١) ملك ابن عمه تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق حلب، فباع تمرتاش بغدوين ملك الفرنج وكان أسيرا في يد بلك، فباعه نفسه، وهادنه وأطلقه ومات شمس الدولة بن ايلغازي صاحب ماردين، فتوجه تمرتاش اليها واشتغل بملك ماردين وبلاد أخيه، فلما علم بغدوين بذلك غدر بالهدنة (٢٧٣ - و) واتفق هو ودبيس بن صدقه، وابراهيم بن الملك رضوان بن تتش على أن نازلوا حلب، واتفقوا على أن تكون البلاد للمسلمين وأن حلب لابراهيم بن الملك رضوان لانها كانت لأبيه، وأن تكون الأموال للفرنج، وطال حصار حلب واشرفت على الاستيلاء عليها، وبلغ بهم الضر الى حالة عظيمة حتى أكلوا الميتات والجيف، ووقع فيهم المرض، فحكى لي والدي أنهم كانوا في وقت الحصار مطرحين من المرض في أزقة البلد، فاذا زحف الفرنج، وضرب بوق الفزع قاموا كأنما نشطوا من عقال وقاتلوا حتى يردوا الفرنج، ثم يعود كل واحد من المرضى الى فراشه، وما زالوا في هذه الشدة الى أن أعانهم الله بقسيم الدولة آق سنقر البرسقي، فأخلص النية لله في نصرتهم، ووصل الى حلب في ذي الحجة من سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وأغاث أهلها ورحل العدو عنها، وكانت رغبات الملوك فيها اذ ذاك قليلة، لمجاورة الفرنج لها وخراب بلدها وقلة ريعه، واحتياج من يكون مستوليا عليها الى الخزائن والاموال والنفقة في الجند. فاخبرني والدي أبو الحسن أحمد وعمي أبو غانم محمد، وحديث أحدهما ربما يزيد على الآخر، قالا: سمعنا جدك-يعنيان-أباهما أبا الفضل هبة الله يقول: لما اشتد الحصار على حلب، وقلت الأقوات بها وضاق الأمر بهم، اتفق رأيهم على أن يسيروا أبي القاضي أبا غانم قاضي حلب والشريف زهرة وابن الجلى الى حسام الدين (٢٧٣ - ظ) تمرتاش الى ماردين وكان هو المتولي حلب، وهي في أيدي نوابه وقد تركها ومضى الى ماردين واشتغل بملك تلك البلاد عن حلب، قال: فاتفقوا على ذلك وأخرجوا أبي والشريف وابن الجلى ليلا من البلد، فلما أصبح الصباح صاح الفرنج الى أهل البلد: أين قاضيكم وأين شريفكم؟ قال: فانقطعت ظهورنا وتشوشت قلوبنا، وأيقنا بأنهم ظفروا بهم، فوصلنا منهم كتاب يخبر أنهم قد وصلوا الى مكان أمن عليهم بالوصول، فطابت قلوب أهل حلب لذلك. قال عمي ووالدي: فسمعنا والدنا يقول: سمعت أبي أبا غانم يقول: لما وصلنا الى ماردين ودخلنا على حسام الدين تمرتاش وذكرنا له ما حل بأهل حلب وما هم فيه من ضيق الحصار والصبر، وعدنا بالنصر وأنه يتوجه اليها ويرحل الفرنج عنها، وانزلنا في مكان بماردين، وجعلنا نطالبه بما وعد وهو يدافعنا من يوم الى يوم وكان آخر كلامه أن قال: خلوهم اذا أخذوا حلب عدت وأخذتها فقلنا في أنفسنا ما هذا الا فرصة، وقلنا له: لا تفعل ولا تسلم المسلمين الى عدو الدين، فقال: وكيف أقدر على لقائهم في هذا الوقت؟ فقال له القاضي أبو غانم: وأيش هم حتى لا تقدر عليهم ونحن أهل البلد اذا وصلت الينا نكفيك أمرهم. قال القاضي أبو الفضل: فكتبت كتابا من حلب الى والدي أبي غانم أخبره فيه بما حل بأهل حلب من الضر، وأنه قد آل الامر بهم الى أكل القطاط (٢٧٤ - و) والكلاب والميتة، فوقع الكتاب في يد تمرتاش وشق عليه وغضب وقال: انظروا الى جلد هؤلاء الفعلة الصنعة قد بلغ بهم الامر الى هذه الحالة، وهم يكتمون ذلك ويتجلدون ويغرونني ويقولون: اذا وصلت الينا نكفك أمرهم. قال القاضي أبو غانم: فأمر تمرتاش بأن يوكل (¬١) علينا، فوكل بنا من يحفظنا خوفا أن ننفصل عنه الى غيره، فأعملنا الحيلة في الهرب الى الموصل، وأن نمضي الى البرسقي ونستصرخ به ونستنجده، فتحدثنا مع من يهربنا وكان للمنزل الذي كنا فيه باب يصر صريرا عظيما اذا فتح أو أغلق، فأمرنا بعض أصحابنا أن يطرح في صائر الباب زيتا ويعالجه لنفتحه عند الحاجة ولا يعلم الجماعة الموكلون بنا اذا فتحناه بما نحن فيه، وواعدنا الغلمان اذا جن الليل أن يسرجوا الدواب ويأتونا بها، ونخرج خفية في جوف الليل ونركب ونمضي. قال: وكان الزمان شتاء، والثلج كثير على الأرض؛ قال القاضي أبو غانم: فلما نام الموكلون بنا جاء الغلمان بأسرهم إلا غلامي ياقوت وأخبر غلمان رفاقي أن قيد الدابة تعسر عليه فتحه وامتنع كسره، فضاقت صدورنا لذلك، وقلت لأصحابي: قوموا أنتم وانتهزوا الفرصة ولا تنتظروني، فقاموا وركبوا والدليل معهم يدلهم على الطريق، ولم يعلم الموكلون بنا بشيء مما نحن فيه، وبقيت وحدي من بينهم مفكرا لا يأخذني نوم حتى كان وقت السحر فجاءني ياقوت غلامي بالدابة، وقال (٢٧٤ - ظ) الساعة انكسر القيد، قال: فقمت وركبت لا أعرف الطريق ومشيت في الثلج أطلب الجهة التي أقصدها، قال: فما طلع الصبح إلا وأنا وأصحابي الذين سبقوني في مكان واحد وقد ساروا من أول الليل وسرت من آخره، وكانوا قد ضلوا عن الطريق، فنزلنا جميعا وصلينا الصبح وركبنا وحثثنا دوابنا وأعملنا السير حتى وصلنا الموصل، فوجدنا البرسقي مريضا قد أشفي وهو يسقى أمراق الفراريج المدقوقة، فأعلم بمجيئنا، فأذن لنا، فدخلنا عليه ووجدناه مريضا مدنفا، فشكونا اليه وطلبنا منه أن يغث المسلمين، وذكرنا له ما حل بهم من الحصار والضيق وقلة الأقوات، وما آل اليه أمرهم، فقال: كيف لي بالوصول الى ذلك، وأنا على ما ترون؟ فقلنا له: يجعل المولى في نيته وعزمه ان خلّصه الله من هذا المرض أن ينصر المسلمين، فقال: أي والله، ثم رفع رأسه الى السماء وقال: اللهم اني أشهدك على أنني ان عوفيت من مرضي هذا لأنصرنّهم، قال: فما استتم ثلاثة أيام حتى فارقته الحمى واغتدى، ونادى في عسكره للغزاة، وبرز خيمته وخرجت عساكره وعملوا أشغالهم، وتوجه بهم حتى أتى حلب، فلما قاربها، وأشرفت عساكره من المرتب رحل الفرنج، ونزلوا على جبل جوشن وتأخروا عن المدينة، وساق الى أن قارب المدينة وخرج أهلها الى لقائه، فقصد نحو الفرنج وأهل البلد مع عسكره، فانهزم الفرنج من يديه، وهو يسير وراءهم على مهل حتى (٢٧٥ - و) أبعدوا عن البلد، فأرسل الشاليشية (¬١) وأمرهم برد العسكر. قال: فجعل القاضي أبو الفضل بن الخشاب (¬٢) يقول له: يا مولانا، لو ساق المولى خلفهم أخذناهم بأسرهم فإنهم منهزمون، فقال له: يا قاضي كن عاقلا أتعلم أن في بلدكم ما يقوم بكم وبعسكري، لو قدر والعياذ بالله علينا كسرة من العدو؟ فقال لا، فقال: فما يؤمنا أن يكسرونا وندخل البلد ويقووا علينا ولا ننفع أنفسنا، والله تعالى قد دفع شرهم فنرجع الى البلد ونقويه، ونرتب أحواله وبعد ذلك نستعد لهم ويكون ما يقدره الله تعالى، ونرجو إن شاء الله تعالى أننا نلقاهم ونكسرهم، قال: ودخل البلد ورتب الأحوال وجلب إليه الغلال وأمن الناس واستقروا. قال: وكان ذلك في آذار فجعل الناس يأخذون الحنطة والشعير ويبلونها بالماء ويزرعونها فاستغل الناس في تلك السنة مغلا صالحا. هذا معنى ما حدثني به والدي وعمي. ونقلت من خط عبد المنعم بن الحسن بن اللّعيبة الحلبي: دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة ووصلت العساكر من الشرق، ومقدّمها آق سنقر البرسقي، وكان الأفرنج نزلوا على حلب في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وخمسمائة وحاصروها وضيقوا على أهلها ومضى القاضي ابن العديم والأشراف، وقوم من مقدمي أهلها مستصرخين لأنه ما كان بقي من أخذها شيء، فوصل البرسقي (٢٧٥ - ظ) معهم في محرم سنة تسع عشرة وخمسمائة، ونزل بالس وكانت رسله مذ وصل الرحبة متواترة الى حمص ودمشق يستدعي مالكها، وسار الأمير صمصام الدين عن حمص في أول ربيع الأول، فلقي الأمير قسيم الدولة البرسقي بتل سلطان بعد انفصاله عن حلب، وانهزام الأفرنج عنها، وكان سرى إليهم من بالس، ووصل الى حلب وخرج أهل حلب ونهبوا من خيام الأفرنج مقدار المائة خيمة، من على جبل جوشن، وما بقي من هلاكهم شيء، لكن الله أمسك أيدي الترك عنهم بمشيئته. قرأت بخط أبي غالب عبد الواحد بن الحصين في تاريخه في حوادث سنة ثمان عشرة وستمائة (¬١): وفي ثاني عشري ذي حجتها دخل البرسقي الى حلب، وفي عده رحل الفرنج عن حلب. قلت: وبعد أن أقام البرسقي بحلب ورتب أحوالها ترك ولده بها وعاد الى الموصل فقتله الاسماعيلية بها على ما نذكره. قال لي شيخنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري: كان آق سنقر البرسقي خيرا، عادلا، لين الأخلاق حسن العشرة مع أصحابه. قال لي: أخبرني أبي محمد بن عبد الكريم: حكى بعض الغلمان الذين يخدمون البرسقي، قال: كان يصلي البرسقي كل ليلة صلاة كثيرة وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد، قال: فرأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل وقد قام من فراشه وعليه فرجية وبر صغيرة، وبيده (٢٧٦ - و) ابريق نحاس، وقد قصد دجلة ليأخذ ماء يتوضأ به، قال: فلما رأيته قمت إليه لآخذ الإبريق من يده فمنعني، وقال: يا مسكين ارجع الى مكانك فإنه برد، فاجتهدت به لآخذ الإبريق من يده، فلم يفعل، ولم يزل حتى ردني الى مكاني، ثم توضأ ووقف يصلي؛ قال: وذكر لي من أحواله الحسنة أشياء يطول ذكرها (¬١). سمعت شيخنا الصاحب قاضي القضاة بهاء الدين أبا المحاسن يوسف بن رافع ابن تميم، يقول: كان البرسقي دينا عادلا قال: ومما يؤثر عنه أنه قال يوما لقاضي الموصل، أظنه المرتضى بن الشهرزوري، أريد أن تساوي بين الرفيع والوضيع في مجلس الحكم، وأن لا يختص أولو الهيئات والمراتب بزيادة احترام في مجلس الحكم، فقال له القاضي: وكيف لي بذلك؟ فقال: ما لهذا طريق إلا أن ترتاد خصما يخاصمني في قضية ويدعوني الى مجلس الحكم، وأحضر إليك وتلتزم معي ما تلتزمه مع خصمي، وسوف أرسل إليك خصما لا تشك في أنه خصم لي، ويدعي علي بدعوى، فادعني حينئذ الى مجلس الحكم لأحضر إليك، وجاء الى زوجته الخاتون ابنة السلطان محمود-فيما أظن-وقال لها وكلي وكيلا يطالبني بصداقك، فوكلت وكيلا، ومضى الوكيل الى مجلس الحكم، وقال: لي خصومة مع قسيم الدولة البرسقي وأطلب حضوره الى مجلس الحكم، فسير القاضي إليه ودعاه فأجاب وحضر مجلس (٢٧٦ - ظ) الحكم، فلم يقم له القاضي، وساوى بينه وبين خصمه في ترك القيام والاحترام، وأدعى عليه الوكيل وأثبت الوكالة، واعترف البرسقي بالصداق، فأمره القاضي بدفعه إليه فأخذه، وقام الى خزانته ودفع إليه الصداق، ثم انه أمر القاضي أن يتخذ مسمارا على باب داره يختم عليه بشمعه، وعلى المسمار منقوش أجب داعي الله، وأنه من كان له خصم حضر، وختم بشمعه على ذلك المسمار ويمضي بالشمعة المختومة الى خصمه كائنا من كان ولا يجسر أحد على التخلف عن مجلس الحكم. قرأت بخط الحافظ أبي الطاهر السلفي: وسنقر البرسقي ولي العراق سنين، وبلغ مبلغا عظيما، ثم وني ديار مضر ودار ملكه الموصل، ثم حلب، وكثيرا من مدن الشام، وجاهد الأفرنج، ثم قتله بعض الملاحدة (¬٢)، لعنهم الله، وكان سيفا عليهم، قلما يرى في جيشه مثله، ﵀ ورضي عنه، رأيته بالعراق في حال ولايته وبالشام قبل أن وليها. قال لي عز الدين أبو الحسن بن الأثير في سنة عشرين وخمسمائة: وقتل آق سنقر البرسقي بالجامع العتيق بالموصل بعد الصلاة يوم الجمعة، قتله باطنية، وكان رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضها ونال منه الباقون أذى شديدا، فقص رؤياه على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبدا وكان يشهدها في الجامع مع العامة فحضر الجامع على عادته، فثار به من الباطنية ما يزيد على عشرة أنفس فقتل بيده منهم ثلاثة وقتل ﵀ (¬١). قرأت بخط أبي الفوارس حمدان بن عبد الرحيم في تاريخه الذي جمعه (¬٢)، ووقع إلي منه أوراق نقلت منها في حوادث سنة عشرين وخمسمائة أن البرسقي سلّم حلب وتدبيرها الى ولده الأمير عز الدين مسعود فدخل (٢٧٧ - و) حلب، وأجمل السيرة وتحلى بفعل الخير، وسار أبوه الى الموصل والجزيرتين، وما هو جار في مملكته حتى دخل شهر ذي القعدة من السنة، فلما كان يوم الجمعة تاسع الشهر قصد الجامع بالموصل ليصلي جماعة، ويسمع الخاطب كما جرت عادته في أكثر الجمع، فدخل الجامع وقصد المنبر فلما قرب منه وثب عليه ثمانية نفر في زي الزهاد فاخترطوا خناجر وقصدوه، وسبقوا الحفظة الذين حوله فضربوه حتى أثخنوه، وجرحوا قوما من حفظته، وقتل الحفظة منهم قوما، وقبضوا قوما، وحمل البرسقي بآخر رمقه الى بيته، وهرب كل من في الجامع، وبطلت صلاة الجمعة، ومات الرجل من يومه وقتل أصحابه من بقي في أيديهم من الباطنية، ولم يفلت منهم سوى شاب كان من كفر ناصح، ضيعة من عمل عزاز من شمالي حلب. قال حمدان فيما نقلته من خطه: وحدثني رجل منها: أنه كان له والدة عجوز لما سمعت بفتكة البرسقي، وكانت تعرف أن ولدها من جملة من ندب لقتله فرحت واكتحلت، وجلست مسرورة كأنه عندها يوم عيد، وبعد أيام وصلها سالما، فأحزنها ذلك، وقامت جزّت شعرها وسودت وجهها.