page 1612, entry [782]Open original source
اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن عامر بن عائذ: أبو عثمان الصابوني النيسابوري، الامام الحافظ المفسر الواعظ، قدم حلب حاجا سنة اثنتين وأربعمائة، وحدث بها، وسمع منه جد جدي أبو الفضل هبة الله ابن (¬٢) أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة، واجتاز بمعرة النعمان، وسمع من أبي (¬٣) (٩٧ - و) العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان شيئا من شعره رواه عنه، وحدث بمعرة النعمان فسمع منه أبو غانم عبد الرزاق بن أبي حصين المعري، وحدث بدمشق ونيسابور وغيرهما من البلاد عن أبي العباس أحمد بن محمد بن اسحاق البالوي، وأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف، وأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ، واسحاق بن ابراهيم الهروي، وأبي عبد الرحمن محمد ابن الحسين بن موسى السمسار، وأبي منصور محمد بن عبد الله بن جمشاد الواعظ، وأبي الحسن محمد بن الحسين بن داود الحسني، وأبي الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرجسي، وأبي بكر محمد بن عبد الله الحوزقي، وأبي طاهر ابن خزيمة، وأبي محمد الحسن بن أحمد المخلدي، وأبي محمد بن أبي شريح، وأبي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، وأبي حفص عمر بن أحمد ابن محمد بن عمر بن حفص الرازي، وأبي معاذ الشاه ابن أحمد الهروي، وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن الرومي، وأبي الحسن عبد الرحمن بن ابراهيم المزكي، وأبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري، وروى عن أبي الفتح البستي شيئا من شعره. روى عنه: أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين، وأبو بكر أحمد بن الحسين الحافظ البيهقيان وآباء الحسن علي بن محمد بن شجاع الربعي، وعلي ابن الخضر السلمي الدمشقيان، ونجا بن أحمد العطار، وعلي بن الحسين بن صصرى، وعلي بن عبد الله الواعظ النيسابوري، وطريف بن محمد بن عبد العزيز الحيري، وأبوا علي (٩٧ - ظ) الحسين بن أحمد بن عبد الواحد الصوري، ونصر الله بن أحمد بن عثمان الحشنامي، وأبو العباس أحمد بن منصور بن محمد الغساني، وأبو المحاسن الروياني، وأبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي، وأبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني، ومحمد بن علي بن أحمد بن المبارك الفرّاء، ومحمود بن سعادة السلماسي، وأبو القاسم بن أبي العلاء، وعبد الله بن عبد الرزاق بن فضيل، وغير هؤلاء ممن يطول ذكرهم. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي بن البناء البغدادي الصوفي بدمشق، وشيخ الشيوخ أبو الحسن بن عمر بن أبي الحسن بن محمد بن حمّوية بحلب بالياروقية (¬١) قالا: أخبرنا أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي بن محمد بن الطائي قال: أخبرنا شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي قال: أخبرنا الإمام حقا، وشيخ الإسلام صدقا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد عمر بن حفص الرازي قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الحسين بن خداش قال: حدثنا سعدان ابن نصر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، ومات وأنا ابن عشرين سنة، فكن أمهاتي يحثثنني على خدمته، فدخل علينا النبي ﷺ دارنا فحلبنا له من شاة لنا داجن وشيب له من ماء بئر في الدار، وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه (٩٨ - و) فشرب النبي ﷺ وعمر ناحية، فقال عمر: أعط أبا بكر، فناول الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن» (¬١) حديث صحيح أخرجاه في صحيحيهما. أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل عن أبي عبد الله محمد ابن الفضل بن أحمد الفراوي قال: أخبرنا الإمام شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل ابن عبد الرحمن الصابوني قال: أنشدني أبو العلاء التنوخي الأديب بمعرّة النعمان لنفسه: محمود الله والمسعود خائفه … فعدّ عن ذكر محمود ومسعود (¬٢) ملكان لو أنني خيرت ملكهما … وعود صلب أشار العقل بالعود القبر لا ريب منزول فما أربي … إلي ارتفاع رفيع السمك مصعود قوتي غناي وطمري ساتري وتقى … مولاي كنزي وورد الموت موعودي والنفس أمارة بالسوء ما اجترمت … إلاّ وسيئ طبعي قائل عودي قال أبو عبد الله الفراوي: أنشدنا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني لنفسه: ما لي أرى الدهر لا يسمو بذي كرم … ولا يجود بمعوان ومفضال ولا أرى أحدا في الناس مشتريا … حسن الثناء بأنعام وأفضال ولا أرى أحدا في الناس مكتنزا … ظهور أثنية أو مدح مقوال صاروا سواسية في لومهم … شرعا كأنما نسجوا فيه بمنوال (٩٨ - ظ) قال أبو عثمان: ورأيت في بعض أجزائي مكتوبا: طيب الزمان لمن خفّت مؤونته … ولن يطيب لذي الأثقال والمؤن فاستحسنته وأضفت إليه من قبلي: هذا يزجي بيسر عمره طربا … وذاك ينماث (¬١) في غم وفي حزن فاجهد لتزهد في الدنيا وزينتها … إن الحريص على الدنيا لفي محن قال: وكنت قلت في باب ولدي أبي نصر عبد الله الخطيب رحمة الله ورضوانه عليه: غاب وذكراه لم تغب أبدا … وكان مثل السّواد في الحدقه لو ردّه الله بعد غيبته … جعلت مالي لشكره صدقه فلم يرد الله سبحانه رده إلي، وقبض روحه في بعض ثغور أذربيجان متوجها إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه محمد المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، فصبرا لحكمه، ورضا بقضائه، وتسليما لأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين، وإلي الله ﷻ الرغبة في التفضل عليه بالمغفرة والرضوان، والجمع بيننا وبينه في رياض الجنان بمنه وفضله. أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني قال: حدثنا أبو الفرج بن أبي الحسين بن يوسف-من لفظه-قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن اسحاق بن موسى المخزومي بقرية سراك من نواحي نيسابور قال: حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي قال لما عزم شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني على الحج، فابتكر يوما وقد أسرجت الدواب، وزمت الركاب، وهيئت الأقتاب، وهو يبكي مودعا أهله وينشد هذه الأبيات: ما كنت أعلم ما في البين من جزع … حتى تنادوا بأن قد جئ بالسفن قالت تودعني والدمع يغلبها … كما يميل نسيم الريح بالغصن وأعرضت ثم قالت وهي باكية: … يا ليت معرفتي إياك لم تكن أنبأنا أبو المحاسن بن الفضل قال: أخبرنا علي بن أبي محمد قال: أنبأنا أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر قال: ومن ذلك-يعني شعر أبي عثمان-قوله: (٩٩ - و) إذا لم أصب أموالكم ونوالكم … ولم آمل المعروف منكم ولا البرا وكنتم عبيدا للذي أنا عبده … فمن أجل ماذا أتعب البدن الحرا أخبرنا أبو يعقوب بن محمود الصوفي بالقاهرة عن أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي قال: سمعت أبا القاسم عبد الرحمن بن طاهر بن سعيد بن فضل الله أبي الخير الميهني الشيخي بثغر جنزة (¬١) يقول: سمعت أبي يقول: كان جدي الشيخ أبو سعيد فضل الله بن أبي الخير في آخر عمره يقعد على دكة من خشب، ولم يك يصعدها من علماء نيسابور إذا رأوه سوى ثلاثة أحدهم إسماعيل الصابوني. هذا ما ذكره عبد الرحمن، وقال لي علي بن عيسى الواعظ النيسابوري المعروف بالعيار بمرند (¬٢) وكان قد رأى الصابوني-الحكاية، وقال: سوى اسماعيل الصابوني، وأبي محمد الجويني، وأبي القاسم القشيري. أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: قرأت بخط الإمام والدي ﵀: سمعت أبا الحسن ظريف بن محمد الحيري يقول: دخلت مع والدي على شيخ الإسلام اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني فقال: كنا ثلاث وستين رجلا، من أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ، وهم المقدمون من أصحابه الذين كانوا يسمعون منه متى شاءوا من غير نوبة، وغيرهم كان لهم نوبة، فلم يبق من أولئك إلاّ ثلاثة، يعني نفسه، والشيخ (٩٩ - ظ) أبا بكر محمد بن عبد العزيز الحيري والشيخ أحمد بن الحسين البيهقي. أخبرنا أبو القاسم بن الحرستاني إذنا قال: أخبرنا أبو المظفر بن عبد الكريم القشيري في كتابه قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ قال: أخبرنا إمام المسلمين حقا، وشيخ الاسلام صدقا أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بحكاية ذكرها (¬٣). أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أبي البناء بن الحسين الساوي الصوفي بالقاهرة -قراءة عليه-قال: أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفي قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبيد الله بن سعادة الزريقي بسلماس (¬١) يقول: سمعت أبا عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني-وقت وداعه الناس-: يا أهل سلماس لي هاهنا عندكم أشهر أعظ في كل يوم ولم أشرع إلاّ في تفسير آية واحدة وما يتعلق بها، ولو بقيت عندكم تمام سنة لما تعرضت لغيرها، والحمد لله تعالى. أنبأنا أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد الشيرازي قال: أخبرنا علي بن الحسن الحافظ قال: حدثني أبو بكر يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي الواعظ بدمشق قال: أخبرنا أبي أبو طاهر بن أبي بكر قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن نصر بن كاكا المرندي الفقيه قال: حدثني أبو الحسين البغدادي قال: كان الشيخ الإمام أبو الطيب ﵁ إذا حضر محفلا من محافل التهنئة أو التعزية، أو سائر ما لم يكن يعقد إلاّ بحضوره فكان المفتتح به والمختتم، الرئيس بإجماع الموالف والمخالف المقدم، (١٠٠ - و) أمر بإلقاء مسألة، وكانت المتفقهة لا يسألون غيره في مجلس حضره، فإذا تكلم عليها ووفى حق الكلام فيها وانتهى إلى آخرها، أمر أبا عثمان فترقل الكرسي، وتكلم على الناس على طريق التفسير والحقائق، ثم يدعو، ويقوم أبو الطيب فيفرق الناس. قال: وهو يومئذ في أوائل سنة. (¬٢) قال ابن كاكا: وحدثني أبو سعد يحيى بن الحسن الهروي الفقيه نزيل نيسابور عن الإمام أبي علي الحسن بن العباس قال: اتفق مشايخنا من أئمة الفريقيين وسائر من ينتمي الى علم التفسير والتذكير أن أبا عثمان كامل في آلاته مستحق للإمامة بصفاته، لم يترقل الكرسي في زمانه على ظرفه وبيانه وثقته وصدق لسانه. قال ابن كاكا: وحدثني أبو طالب الحراني وكان قد أمضى في خدمة العلم طرفا صالحا من عمره بنيسابور وقرأ على أبي منصور البغدادي وأبي محمد الجويني قال: توسطت مجالس أعيان الوقت أيام السلطان أبي القاسم (¬١) ﵀، فصادفتهم مجمعين على أن أبا عثمان إذا نطق بالتفسير قرطس في غرض الإجادة والإصابة، وإذا أخذ في التذكير والرقائق أجابته القلوب القاسية أحسن الإجابة، وإنه في علم الحديث علم بل عالم، وبسائر العلوم متحقق عالم. قال: وحدثني الشيخ أبو منصور المقرئ الأسد أباذي وقد جمع في أسفاره بين بلاد المشرق والمغرب قال: كانوا يعدون بخراسان وأفنية العلم رحاب، ويد العدل تجاب (١٠٠ - ظ) والعيش عذب مستطاب، في علوم التفسير رجلين: أبا جعفر فاخر السجستاني، والصابوني بخراسان لا يثلثهما فاضل ولا يدخل في حسابهما كامل. قال أبو منصور: فأما اليوم فلا مثل لأبي عثمان في الموضعين. قال: وحدثني أبو عبد الله الخوارزمي-شيخ تفقه ببغداد ووقع إلينا- قال: دخلت نيسابور عند اجتيازي إلى العراق لطلب العلم فرأيت أبا عثمان مائسا في حلة الشباب ولمته يومئذ كجناح الغداف (¬٢) أو حنك الغراب، وشيوخ التفسير إذ ذاك متوافرون، كأبي سعد وأبي القاسم، وهو يعد على تقارب سننه صدرا وجيها وشيخا نبيها، له ما شئت من إكرام وإعظام وإجلال وافضال. قال: وحدثني أبو شيبة مولى الهرويين قال: وفد أبو عثمان عن السلطان المعظم (¬٣) الى الهند فلما صدر منها دخل هراة، وعقد المجلس أياما، وأبو زكريا -يعني-يحيى بن عمار في قيد الحياة قد انتهت اليه رئاسة الحنابلة في جميع الإقليم، فكان إذا فرغ من المجلس جاءه من جلس عنده وأبو زكريا يظهر السرور بمكانه، ويصرح أنه من حسنات قرانه. قال: وحدثني أبو الفضل محمد بن شعيب النديم قال: كان مشايخنا الذين ينظم بقولهم عقد الإجماع يسلمون لأبي عثمان مقاليد الإمامة في علم التفسير والحديث وما يتعلق بهما من الفنون أيام السلطان (١٠١ - و) المعظم والمراتب متنافس فيها. قال: وحدثني أبو الوفاء الكرماني-وكان حميد الخليقه، سديد الطريقة، كثير الإقامة بنيسابور، وقد سمع بها الكثير، وعاشر الصدور-قال: لقيت المسان من الرواة ومن نبغ من الفقهاء العصريين بعدهم، فذكر من أولئك: الحيري، والطرازي، ومن هؤلاء: العمري والجويني وغيرهم من الأئمة الذين هم المعتمدون في أصول الفقه وفروعه، المدرسون لمفترق الشرع ومجموعه، فاذا نطقوا خرست الألسن هيبة وإجلالا، وإذا أفتوا همت الكواعب بأن تخر لتقبيل فتاويهم سراعا عجالا، أو نازلوا الخصم في المناظرة وقوة الكلام صاعا بصاع سجالا فأنزلوا به آجالا لا أو جالا. قال: ويجاوبهم الى من يتحقق بعلم التنزيل أو التأويل ويطلع على خبايا التحقيق والتحصيل، فكانت آراؤهم على أن أبا عثمان منهم عين الاكليل وأنه: يجلو القلوب بوعظه وكلامه … كالثلج بالعسل المشوب لسانه قال: وحدثني الحسين بن إبراهيم، مستملي المالكي، قال: ما زلت أسمع بالعراق من الشيوخ، ثم بديار بكر من القاضي أبي عبد الله المالكي أن الصابوني في الحفظ والتفسير وغيرهما ممن شهدت له أعيان الرجال بالكمال. قال: وحدثني محمد بن عبد الله العامري الأسفرائيني الفقيه قال: أدركت آخر أيام الأئمة الذين كانوا أئمة الأرض دون خراسان كأبي اسحاق، وأبي منصور البغدادي وأبي بكر القفال (١٠١ - ظ) إمام الشفعوية في المشرق، وأبي زكريا يحيى بن عمار المفسر، وكان الناس يطلقون القول في مجالس النظر المعقودة عندهم أن أبا عثمان لا يدافع في كماله ولا ينازع في شيء من خصاله. أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن محمود بن الحسين الساوي الصوفي بالديار المصرية قال: أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الحافظ قال: سمعت أبا نصر أحمد بن سعد بن أبي صابر الطريثيثي-وكان من شيوخ الصوفية بوراوي من مدن أذربيجان-يقول: كان أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الحافظ بهراة يقول: لم أر في أئمة العلم أقل حسدا من اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بنيسابور. قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في تعليق له: سمعت الموهبي أبا الحسن مكي بن أبي طالب البروجردي بهمذان يقول: سمعت أبا القاسم عبد الله بن علي بن اسحاق الطوسي بنيسابور يقول: كنا نقرأ على اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني جزءا، فلما بقي منه قدر قريب قام وتوضأ ورجع وقال: شككت في الوضوء فلم أر لي أن أكون شاكا في وضوئي ويقرأ عليّ حديث رسول الله ﷺ. أنبأنا أبو المحاسن سليمان بن الفضل بن سليمان قال: أخبرنا علي بن الحسن قال: أنبأنا أبو الحسن عبد الغافر بن اسماعيل الفارسي قال: اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عائذ الأستاذ الإمام، شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني، الخطيب المفسر، المحدث، الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع نحوا من عشرين سنة، وكان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعا وحفظا ونشرا لمسموعاته، وتصنيفا وجمعا، وتحريضا على السماع، وإقامة لمجالس الحديث، سمع الحديث بنيسابور، وذكر بعض شيوخه، وبسرخس، وبهراة، وسمع بالشام والحجاز والجبال وغيرها من (١٠٢ - و) البلاد، وحدث بخراسان الى غزنة وبلاد الهند، وبجرجان، وآمل، وطبرستان، والثغور، وبالشام وبيت المقدس، والحجاز. وأكثر الناس السماع منه، ورزق العز والجاه في الدين والدنيا، وكان جمالا للبلد، زينا للمحافل والمجالس، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمعا على أنه عديم النظر، وسيف السنة ودافع أهل البدعة، وكان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور ففتك به لأجل التعصب والمذهب، وقتل وهذا الإمام صبي بعد، حول تسع سنين، وأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه، وأخذ الإمام أبو الطيب الصعلوكي في تربيته وتهيئة أسبابه، وكان يحضر مجالسه ويثني عليه، وكذلك سائر الأئمة كالأستاذ أبي اسحاق الأسفرائيني، والاستاذ الإمام أبي بكر بن فورك، وسائر الأئمة، ويتعجبون من كمال ذكائه وعقله وحسن إيراده الكلام، وحفظه للأحاديث حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال، ولم يزل يرتفع شأنه حتى صار الى ما صار إليه وهو في جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات ووظائف الطاعات، مبالغ في العفاف والسداد وصيانة النفس، ومعروف بحسن الصلاة وطول القنوات واستشعار الهيبة حتى كان يضرب به المثل، وكان محترما للحديث. قرأت من خط الفقيه أبي سعد السكري أنه حكى عن بعض من يوثق بقوله من الصالحين أنه قال: ما رويت خبرا ولا أثرا في المجلس إلاّ وعندي إسناده، وما (١٠٢ - ظ) دخلت بيت الكتب قط إلاّ على الطهارة، وما رويت الحديث ولا عقدت المجلس، ولا قعدت للتدريس قط إلاّ على الطهارة. قال السكري: ورأيت كتاب الاستاذ الإمام أبي اسحاق الأسفرائيني إليه كتبه بخطه وخاطبه بالاستاذ الجليل سيف السنة، وفي كتاب آخر غيظ أهل الزيغ. وحكى الاستاذ أبو القاسم الصيرفي المتكلم أن الإمام أبا بكر بن فورك رجع عن مجلسه يوما فقال: تعجبت اليوم من كلام هذا الشاب، تكلم بكلام عذب بالعربية والفارسية. أخبرنا زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد فيما أذن في روايته عنه قال: أخبرنا عمي أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الحافظ قال: اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عائذ، أبو عثمان الصابوني النيسابوري الحافظ الواعظ، قدم دمشق حاجا سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وحدث بها، وعقد مجلس التذكير، وروى عن أبي طاهر بن خزيمة، وأبي علي زاهر بن أحمد السرخسي الفقيه، وأبي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي وأبي العباس أحمد بن محمد بن اسحاق البالوي، وأبي محمد الحسن بن أحمد المخلدي، وأبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف، وأبي سعيد محمد بن الحسين بن موسى السمسار، وأبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، وأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ، وأبي معاذ الشاه بن أحمد الهروي، وأبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري، وأبي محمد عبد الله بن أحمد بن الرومي، وأبي الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرجسي (١٠٣ - و) والسيد أبي الحسن محمد بن الحسين بن داود الحسني، وأبي الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم المزكي، وأبي منصور محمد بن عبد الله بن جمشاد الواعظ، والحاكم أبي عبد الله الحافظ، وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي محمد بن أبي شريح، وخلق سواهم. وروى عنه من أهل دمشق أبو الحسن: علي بن محمد شجاع الربعي، وعلي ابن الخضر السلمي، وعبد العزيز الكتاني، وأبو القاسم بن أبي العلاء، وأبو العباس بن قبيس ومحمد بن علي بن أحمد بن المبارك الفراء، وأبو الحسن علي بن الحسين بن صصرى، ونجا بن أحمد العطار، وعبد الله بن عبد الرزاق بن فضيل الدمشقيون، ومن غيرهم: أبو الحسن علي بن عبد الله النيسابوري الواعظ نزيل أصبهان، وأبو علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي النيسابوري، وأبو علي الحسين بن أحمد بن عبد الواحد الصوري وجماعة كثيرة من أهل نيسابور وغيرهم. وحدثنا عنه: أبو عبد الله الفراوي. قال الحافظ أبو القاسم أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني بقراءتي قال: حدثني الحسن بن سعيد العطار قال: سمعت من أبي عثمان الصابوني جميع كتاب الموطأ رواية أبي مصعب عن مالك، ثم ورد كتابه الى دمشق يذكر فيه أن بعضه ليس بسماع له من شيخه، فذكرت ذلك للشيخ الحافظ أبي محمد عبد العزيز بن أحمد فقال: إليّ ورد كتابه من نيسابور يذكر فيه أن كتاب القراض والفرائض من الموطأ غير مسموعين له، ووعدني باخراج الكتاب، وذكر لي بعد ذلك أنه لا يعلم أين تركه، ولم يزل يزجي الأمر ﵀ الى أن توفي (١٠٣ - ظ). قال: وحدثني الشيخ الفقيه الثقه أبو العباس أحمد بن منصور بن محمد الغساني قال: أراني أبو محمد عبد العزيز أحمد الكتاني الصوفي في نصف جمادى الأولى من سنة تسع وثلاثين وأربعمائة كتاب الإمام أبي عثمان الصابوني إليه يذكر فيه أن كتاب القراض والفرائض من الموطأ رواية أبي مصعب الزهري غير مسموعين له ولا لشيخه زاهر بن أحمد، وبقية الموطأ سماعه من زاهر، فليعلم الجماعة بذلك ليعلموه ولا يرووا عنه من الموطأ هذين الكتابين، فإنهما غير مسموعين له ولا لشيخه زاهر. قال الحافظ أبو القاسم: أنشدنا أبوا جعفر: محمد بن الحسين بن أبي القاسم ابن الحسين الجالوسي، ومحمد بن الخليل بن أبي بكر بن أبي جعفر السلال الطبريان بمرو وقالا: أنشدنا أبو علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي إملاء قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة أنشأها في مدح شيخ الاسلام ويهنيه بالقدوم من الحج. من أبر شهر (¬١) … الآن إذ هبت بها ريح السعادة بكرة وأصيلا بقدوم من أضحى فريد زمانه … أعني أبا عثمان اسماعيلا فعدلا وعقلا واشتهار صيانة … وعلو شان في الورى وقبولا من شاء أن يلقى الكمال بأسره … خدم احتسابا ربعه المأهولا لا زال ركنا للمفاخر والعلى … ما لاح نجم للسراة دليلا وقال الحافظ أبو القاسم: أنبأنا أبو نصر إبراهيم بن الفضل بن إبراهيم البار قال: أخبرنا (١٠٤ - و) أبو عبد الله الحسين بن محمد الكتبي الحاكم بهراة قال: سنة تسع وأربعين وأربعمائة وورد الخبر بوفاة الإمام شيخ الإسلام اسماعيل الصابوني بنيسابور في المحرم، وكان مولده في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وكان أول مجلس عقده بنيسابور بعد قتل والده أبي نصر في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وسمعته يقول: هراة وسجستان مجمع الأسرة، وبوشنج (¬٢) مقطع السرة، ونيسابور موضع النصرة. وذكر غير الكتبي أن مولده ببوشنج ليلة الاثنين للنصف من جمادى الآخرة. قال الحافظ أبو القاسم: أنبأنا أبو الحسن الفارسي قال: حكى الأثبات والثقات أنه كان يعقد المجلس، وكان يعظ الناس ويبالغ فيه إذ دفع إليه كتاب ورد من بخارى، يشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها، واستدعى فيه أغنياء المسلمين بالدعاء على رؤوس الملأ في كشف ذلك البلاء عنهم ووصف فيه أن واحدا تقدم الى خباز يشتري الخبز فدفع الدراهم الى صاحب الحانوت، فكان يزنها والخباز يخبز والمشتري واقف، فمات الثلاثة في الحال، واشتد الأمر على عامة الناس، فلما قرأ الكتاب هاله ذلك، واستقرأ من القارئ قوله تعالى: «أفأ من الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض (¬١)» ونظائرها، وبالغ في التخويف والتحذير، وأثر ذلك فيه، وتغير في الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأنزل من المنبر وكان يصيح من الوجع، وحمل الى الحمام الى قريب من غروب الشمس، فكان يتقلب ظهرا (١٠٤ - ظ) لبطن ويصيح ويأن، فلم يسكن ما به، فحمل الى بيته وبقي فيه سبعة أيام لم ينفعه علاج، فلما كان يوم الخميس سابع مرضه ظهرت آثار سكره الموت فودع أولاده، وأوصاهم بالخير، ونهاهم عن لطم الخد وشق الجيوب والنياحة، ورفع الصوت بالبكاء، ثم دعا بالمقرئ أبي عبد الله خاصته حتى قرأ سورة يس وتغير حاله، وطاب وقته، وكان يعالج سكرات الموت الى أن قرأ اسناد ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (¬٢)» ثم توفي ﵀ من ساعته عصر يوم الخميس، وحملت جنازته من الغد عصر يوم الجمعة-الى ميدان الحسين-الرابع من المحرم سنة تسع وأربعين وأربعمائة، واجتمع من الخلائق ما الله أعلم بعددهم، وصلى عليه ابنه أبو بكر ثم أخوه أبو يعلى، ثم نقل الى مشهد أبيه في سكة حرب، وكان مولدة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وكان وقت وفاته طاعنا في سبع وسبعين. قال الحافظ أبو القاسم: أخبرنا أبو محمد بن الأكفاني قال: حدثنا عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: أخبرنا القاضي أبو علي الحسن بن أبي طاهر الحنبلي قال: توفي الأستاذ أبو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀ في سنة خمسين وأربعمائة. قال عبد العزيز: وكان شيخا ما رأيت في معناه زهدا وعلما، كان يحفظ من (١٠٥ - و) كل فن، لا يقعد به شيء، وكان يحفظ القرآن وتفسيره من كتب كثيرة، وكان من حفاظ الحديث وكان مقدما في الوعظ والأدب وغير ذلك من العلوم. قال ابن الأكفاني: ثم حدثني أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم الدهستاني- قدم علينا-قال: حضرت وفاة أبي عثمان بنيسابور لأربع ليال مضت من المحرم سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وصلى عليه ابنه أبو بكر. قال الحافظ أبو القاسم: وهذا هو الصحيح في وفاته، وقال: سمعت أبا أحمد معمر بن عبد الواحد بن رجاء بن الفاخر بجرباذقان (¬١) قال: سمعت أبا محمد عبد الرشيد بن ناصر الواعظ ببطحاء مكة من لفظه قال: سمعت اسماعيل بن عبد الغافر الفارسي بنيسابور قال: سمعت الإمام أبا المعالي الجويني قال: كنت بمكة أتردد في المذاهب، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: عليك باعتقاد ابن الصابوني. وقال الحافظ أبو القاسم: أنبأنا أبو الحسن عبد الغافر بن اسماعيل قال: ومن أحسن ما قيل فيه ما كتبت بهراة للإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي البوشنجي: أودى الإمام الحبر اسماعيل … لهفي عليه فليس منه بديل بكت السما والأرض يوم وفاته … وبكى عليه الوحي والتنزيل والشمس والقمر المنير تناوحا … حزنا عليه وللنجوم عويل (١٠٥ - ظ) والأرض خاشعة تبكي شجوها … ويلي تولول أين اسماعيل أين الإمام الفرد في آدابه … ما إن له في العالمين عديل لا تخد عنك منى الحياة فإنها … تلهي وتنسي والمنى تضليل وتأهبن للموت قبل نزوله … فالموت حتم والبقاء قليل قال عبد الغافر: وحكى بعض الصالحين أنه رأى أبا بكر بن أبي نصر المفسر المقبري الحنفي جالسا على كرسي وبيده جزء يقرأه، فسأله عما فيه فقال: إذا احتاج الملائكة الى الحج وزيارة بيت الله العتيق جاءوا الى زيارة قبر اسماعيل الصابوني. قال عبد الغافر: وقرأت من خط الفقيه أبي سعد السكري أنه حكى عن السيد أبي إبراهيم بن أبي الحسن بن ظفر الحسيني أنه قال: رأيت في النوم السيد النقيب أبا القاسم زيد بن الحسن بن محمد بن الحسين ﵀ وبين يديه طبق من الجواهر ما شاء الله، فسألته فقال: أتحفت بهذا مما نثر على روح اسماعيل الصابوني. قال: وحكى المقري محمد بن عبد الحميد الأبيوردي، الرجل الصالح، عن الإمام فخر الإسلام أبي المعالي الجويني أنه رأى في المنام كأنه قيل له: عدّ عقائد أهل الحق، قال: فكنت أذكرها إذ سمعت نداء، كان مفهومي منه أني أسمعه من الحق ﵎ يقول: «ألم تقل إن ابن الصابوني رجل مسلم»؟! قال: وقرأت (١٠٦ - و) أيضا من خط السكري حكاية رؤيا رآها الشيخ أبو العباس الشقاني، رأى الحق سبحانه، وأنه قال: وأما ابن ذلك المظلوم فإن له عندنا قربى ونعمى وزلفى في منام طويل (¬١). أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي بحماة قال: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الأصبهاني قال: قال لي الأمين أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد بن الأكفاني المعدّل بدمشق: هذه نسخة وصية الأستاذ الامام شيخ الاسلام أبي عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني رحمة الله عليه ورضوانه وقعت إلي من جهة أعتمد عليها. قال الحافظ أبو طاهر: وقد أجاز اسماعيل لنسيبي أبي الطيب الطهراني، وهو قد أجاز لي قبل رحلتي ودخولي الى دمشق واجتماعي بابن الأكفاني، وآخرون سوى نسيبي ﵏ قال: هذا ما أوصى به اسماعيل بن عبد الرحمن بن اسماعيل أبو عثمان الصابوني الواعظ غير المتعظ، الموقظ غير المستيقظ، الآمر غير المؤتمر، الزاجر غير المتزجر، المعلم، المعرف، المنذر، المخوف، المخلط، المفرط، المسرف، المقترف للسيئات، المعترف، الواثق مع ذلك برحمة الله سبحانه، الراجي لمغفرته، المحب لرسوله ﷺ تسليما وشيعته، الداعي للناس الى التمسك بسنته وشريعته، أوصى وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها (١٠٦ - ظ) واحدا أحدا فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يشرك في حكمه أحدا، الأول الآخر، الظاهر، الباطن، الحي القيوم، الباقي بعد فناء خلقه، المطلع على عباده، العالم بخفيات الغيوب. الخبير بضمائر القلوب، المبدي، المعيد، «الغفور، الودود. ذو العرش المجيد» (¬١)، الفعال لما يريد «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» (¬٢)، هو مولانا «فنعم المولى ونعم النصير» (¬٣)، يشهد بذلك كله مع الشاهدين، مقرأ بلسانه عن صحة واعتقاد وصدق يقين، ويتحملها عن المنكرين الجاحدين، وبعدها ليوم الدين، «يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم» (¬٤)، «يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون، الا من رحم الله انه هو العزيز الرحيم (¬٥)، ويشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله «بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» (¬٦)، ويشهد أن الجنة وجملة ما أعد الله ﵎ فيها لأوليائه حق، ويسأل مولاه الكريم ﷻ أن يجعلها مأواه ومثواه، فضلا منه وكرما، ويشهد أن النار، وما أعده الله فيها لأعدائه حق، ويسأل مولاه الكريم أن يجيره منها ويزحزحه عنها، ويجعله من الفائزين الذين قال الله ﷿: «فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» (¬٧)، ويشهد أن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمر، وهو من المسلمين (¬٨)، والحمد لله رب العالمين، وأنه رضي بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، على ذلك يحيا (١٠٧ - و) وعليه يموت إن شاء الله ﷿، ويشهد أن الملائكة حق، والنبيين حق، «وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور» (¬١)، ويشهد أن الله ﷾ قدر الخير وأمر به ورضيه وأحبه، وأراد كونه من فاعله، ووعد حسن الثواب على فعله، وقدر الشر وزجر عنه ولم يرضه، ولم يحبه وأراد كونه من مرتكبه غير راض به ولا محب له تعالى ربنا عما يقول الظالمون علوا كبير (¬٢)، وتقدس عن أن يأمر بالمعصية أو يحبها أو يرضاها، وجل أن يقدر العبد على فعل شيء لم يقدره عليه، أو يحدث من العبد ما لا يريده ولا يشاؤه، ويشهد أن القرآن كتاب الله وكلامه، ووحيه وتنزيله، غير مخلوق، وهو الذي في المصاحف مكتوب، والألسنة مقروء، وفي الصدور محفوظ، وبالآذان مسموع، قال الله تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله» (¬٣) وقال: «بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم» (¬٤) وقال: «ان الذين يتلون كتاب الله» (¬٥) وقال: «ان هو إلا ذكر وقرآن مبين» (¬٦)، ويشهد أن الإيمان تصديق بالقلب بما أمر الله أن يصدق به، وإقرار باللسان بما أمر الله أن يقرّ به، وعمل بالجوارح بما أمر الله أن يعمل به، وانزجار عما زجر عنه، من كسب قلب، وقول لسان، وعمل جوارح وأركان، ويشهد أن الله ﷾ مستو على عرشه استواء غلبة كما بينه في كتابه في قوله تعالى: إن ربكم «الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا» (¬٧) في آيات أخر، والرسول صلوات الله عليه وسلم تسليما ذكر فيمل نقل (١٠٧ - ظ) عنه من غير أن يكيّف استواءه عليه، أو يجعل لفعله وفهمه أو وهمه سبيلا الى إثبات كيفيّة، إذ الكيفيّة عن صفات ربنا منفية. قال إمام المسلمين في عصره أبو عبد الله مالك بن أنس ﵁ في جواب من سأله عن كيفية الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك زنديقا، أخرجوه من المسجد. ويشهد أن الله ﷾ موصوف بصفاته العلى التي وصف نفسه بها في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ تسليما كثيرا، لا ينفي شيئا منها، ولا يعتقد شبها لها بصفات خلقه بل يقول: إن صفاته لا تشبه صفات المربوبين، كما لا تشبه ذاته ذوات المحدثين، تعالى الله عما تقول المعطلة والمشبهة علوا كبيرا، ونسلك في الآيات التي وردت في ذكر صفات الباري ﷻ، والأخبار التي صحت عن رسول الله ﷺ في بابها، كآيات مجيء الرب يوم القيامة، وإتيان الله في ظلل من الغمام، وخلق آدم بيده، واستوائه على عرشه، وكأخبار نزوله كل ليلة الى السماء الدنيا، والضحك والنجوى، ووضع الكنف (¬١) على من يناجيه يوم القيامة وغيرها مسلك السلف الصالحين، وأئمة الدين من قبولها وروايتها على وجهها بعد صحة سندها، وإبرازها على ظاهرها والتصديق بها، والتسليم لها، واتقاء اعتقاد التكييف والتشبيه فيها، واجتناب ما يودي الى القول بردها، وترك قبولها أو تحريفها بتأويل مستنكر مستكره، ولم ينزل الله به سلطانا، ولم يجر به للصحابة والتابعين والسلف الصالحين لسانا (١٠٨ - و) وينهى في الجملة عن الخوض في الكلام والتعمق فيه، والاشتغال بما كره السلف ﵏ الاشتغال به ونهوا وزجروا عنه، فإن الجدال فيه والتعمق في دقائقه والتخبط في ظلماته كل ذلك يفسد القلب، ويسقط منه هيبة الرب ﷻ، ويوقع الشبة الكثيرة فيه، ويسلب البركة في الحال، ويهدي الى الباطل والمحال والخصومة في الدين والجدال، وكثرة القيل والقال في الرب ذي الجلال الكبير المتعال، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا (¬٢)، والحمد لله على ما هدانا من دينه وسنة نبيه صلوات الله عليه حمدا كثيرا، ويشهد أن القيامة حق، وكل ما ورد به الكتاب أو الأخبار الصحاح من أشراطها وأهوالها ما وعدنا وأوعدنا به فيها حق نؤمن به، ويصدّق الله سبحانه ورسوله ﷺ فيما أخبر عنه كالحوض، والميزان، والصراط، وقراءة الكتب، والحساب، والسؤال والعرض، والوقوف، والصدر عن الحشر الى جنة أو نار مع الشفاعة الموعودة لأهل التوحيد، وغير ذلك مما هو مبين في الكتاب، ومدون في الكتب الجامعة لصحاح الأخبار، يشهد بذلك كله في الشاهدين، ويستعين بالله ﵎ في الثبات على الشهادات الى الممات حتى يتوفى عليها في جملة المسلمين المؤمنين الموقنين الموحدين، ويشهد أن الله تعالى يمن على أوليائه بوجوه «ناضرة. الى ربها ناظرة» (¬١)، ويرونه عيانا في دار البقاء، لا يضارون في رؤيته ولا يمارون ولا يضامون. ويسأل الله ﵎ أن يجعل وجهه من تلك الوجوه. ويقيه كل بلاء وسوء (١٠٨) ومكروه، ويلقيه كل ما يأمله من فضله ويرجوه بيمنه، ويشهد أن خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، ويترحم على جميع الصحابة ويتولاهم ويستغفر لهم، وكذلك ذريته وأزواجه أمهات المؤمنين، ويسأل الله ﵎ أن يجعله معهم، ويرجو أن يفعله به فإنه قد صح عنده من طرق شتى أن رسول الله ﷺ قال: «المرء مع من أحب» (¬٢). ويوصي الى كل من يخلفه من ولد، وأخ، وأهل، وقريب، وصديق، وجميع من يقبل وصيته من المسلمين عامة أن يشهدوا بجميع ما شهد به، وأن يتقوا الله حق تقاته ولا يموتوا إلا وهم مسلمون (¬٣) «ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (¬٤). ويوصيهم بصلاح ذات البين، وصلة الأرحام، والإحسان الى الجيران والأقارب والإخوان، ومعرفة حق الأكابر، والرحمة على الأصاغر، ويناهم عن التدابر والتباغض والتقاطع والتحاسد ويأمرهم أن يكونوا اخوانا، وعلى الخيرات أعوانا وأن يعتصموا «بحبل الله جميعا» (¬١) ولا يتفرقوا، ويتبعوا الكتاب والسنة وما كان عليه علماء الأمة وأئمة الملة، كمالك بن أنس، والشافعي، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن ابراهيم، ويحيى بن يحيى، وغيرهم من أئمة المسلمين وعلماء الدين ﵃ أجمعين، وجمع بيننا وبينهم في ظل طوبى ومستراح العابدين. أوصى بهذا كله اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني الى أولاده وأهله وأصحابه ومختلفة مجالسه وأوصى أنه إذا نزلت به المنية التي لا شك أنها نازلة، والله يسأل خير ذلك اليوم الذي تنزل (١٠٩ - و) المنية به فيه، وخير تلك الليلة التي تنزل به فيها، وخير تلك الساعة وخير ما قبلها وخير ما بعدها-أن يلبس لباسا حسنا طيبا، طاهرا نقيا، وتوضع على رأسه العمامة التي كان يشدها في حال الحياة وضعا على الهيئة التي كان يضعها على رأسه أيام حياته، ويوضع الرداء على عاتقيه ويضجع مستلقيا على قفاه موجها للقبلة، ويجلس أولاده عند رأسه، ويضعوا المصاحف على حجورهم، ويقرءوا القرآن جهرا، وحرج عليهم أن يمكنوا امرأة لاقرلة بينه وبينها ولا نسب ولا سبب من طريق الزوجية تقرب من مضجعه في تلك الساعة، أو تدخل بيتا يكون فيه، وكذلك يحرّج عليهم أن يأذنوا لأحد من الرجال في الدخول عليه في تلك الساعة، بل يأمرون الأخ والأختان وغيرهم أن يجلسوا في المدرسة، ولا يدخلوا الدار، ويساعدوا الأصحاب في قراءة القرآن، وإمداده بالدعاء، فلعل الله ﷾ أن يهون عليه سكرات الموت، ويسهل له اقتحام عقبة الموت على الاسلام والسنة في سلامة وعافية. وأوصى إذا قضى نحبه وأجاب ربه، وفارقت روحه جسده أن يشد ذقنه، وتغمض عينه، وتمد أعضاده، ويسجى بثوب، ولا يكشف عن وجهه لينظر إليه الى أن يأتيه غاسله فيحمله الى مغتسله جعل الله ذلك الحمل مباركا عليه، ونظر بعين الرحمة اليه، وغفر ما قدمه من الأعمال السيئة بين يديه. وأوصى أن لا يناح عليه، وأن يمنع أولياؤه وأقرباؤه وأحباؤه وجميع الناس من الرجال والنساء أنفسهم عن السلق (١٠٩ - ظ) والحلق، والتخريق للثياب والتمزيق، وأن لا يبكوا عليه إلا بكاء حزن قلب ودموع عين لا يقدرون على ردها ودفعها، فأما دعاء بويل ورن شيطان، وخمش وجوه ولطمها، وحلق شعر وتنفه، وتخريق ثوب وتمزيقه وفتقه فلا، وهو بريء ممن فعل شيئا-ذلك كما توفي النبي ﷺ-منهم. وأوصى أن يعجل تجهيزه وغسله وتكفينه وحمله الى حفرته، ولا يحبس ولا يبطأ به، وإن مات ضحوة النهار، أو وقت الزوال، أو بكرة، فإنه لا يؤخر تجهيزه الى الغد، ولا يترك ميتا بين أهله بالليل أصلا، بل يعجل أمره فينقل الى حفرته نقلا بعد أن يغسل وترا، ويجعل في آخر غسلة من غسلاته كافور، ويلف في ثلاثة أثواب بيض سحولية (¬١) إن وجدت، فإن لم توجد سحولية كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ويجمر كفنه وترا لا شفعا قبل أن يلف عليه، ويسرع بالسير بجنازته، كما أمر الرسول ﷺ، ويحمل للصلاة عليه الى ميدان الحسين ويصلي عليه ولده أبو نصر ان كان حاضرا، فان عجز عن القيام بالصلاة عليه فأمر الصلاة عليه الى أخيه أبي يعلى، ثم يرد الى المدرسة فيدفن فيها بين يدي والده الشهيد ﵁، ويلحد له لحدا، وينصب عليه اللّبن نصبا، ولا يشق له شقا، ولا يتخذ له تابوت أصلا، ولا يوضع في التابوت للحمل الى المصلى، وليوضع على الجنازة، ملفوفا في الكفن مسجى بثوب أبيض ليس فيه ابريسم بحال، ولا يطين قبره ولا يجصص، ويرش عليه الماء، وتوضع عليه الحصا، ويمكث عند قبره مقدار ما ينحر جزور ويقسم لحمه حتى يعلم ما يراجع (١١٠ - و) به رسل ربه ﷻ، ويسأل الله تعالى على رأس قبره التثبيت الموعود لجملة المؤمنين في قوله تعالى «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة» (¬١) ويستغفر له ولوالديه، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ولا ينسى بل يذكر بالدعاء، فإن المؤمن إذا قبض كان كالغريق المتغوث ينتظر دعوة صالحة تلحقه، ولا يمكن أحد من الجواري والنسوان أن يكشفن عن رؤوسهن، وأن يندبنه في ذلك الوقت، بل يشتغل الكل بالدعاء والاستغفار لعل الله ﷾ يهون عليه الأمر في ذلك الوقت، وييسر خروج منكر ونكير من قبره على الرضا منه، وينصرفان عنه وقد قالا له: نم نومة العروس ولا روعة عليك، ويفتحان في قبره بابا من الجنة «فضلا من الله» (¬٢) ومنّة فيفوز «فوزا عظيما» (¬٣)، ويجوز ثوابا كريما، ويلقى روحا وريحانا (¬٤)، وربّا كريما رحيما. آخر الجزء الثمانين، ويتلوه في أول الجزء الحادي والثمانين اسماعيل بن عبد المجيد بن اسماعيل بن محمد، أبو سعد القيسي. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه المصطفى، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الأكرمين وسلم. (١١٠ - ظ) ***