page 1031, entry [403]Open original source
أحمد بن محمد أبو العباس النامي الدارمي المصيصي: شاعر مجيد من شعراء سيف الدولة أبي الحسن بن حمدان المقيمين بحلب في أيامه، وكان فاضلا أديبا عارفا بالأدب واللغة، وقفت له على أمالي أملاها بحلب، روى فيها عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفشي، وابن درستويه، وأبي عبد الله الكرماني، وأبي بكر الصولي، وإبراهيم بن عبد الرحيم العروضي، وأبيه محمد المصيصي، وطحال. روى عنه: أبو القاسم الحسين بن علي بن أبي أسامة الحلبي، وأبو الفرج الببغاء، وأبو الخطاب بن عون الحريري، وأبو بكر الخالدي، والقاضي أبو طاهر ابن جعفر الهاشمي الحلبي، وأبو الحسين أحمد بن علي بن أبي أسامة الحلبي. ووقع إلي كتاب صنفه في العروض سماه «المقنع» وعليه خطه بقراءة أبي القاسم ابن أبي أسامة عليه. وقيل إنه كان جزارا بالمصيصة، وقرأت في أشعار السري الرفاء الموصلي يهجوه ويذكر أنه كان بالمصيصة جزارا في موضع بها يقال له باب الشام: أجزار باب الشام كيف وجدتني … وأنت جزور بين نابي ومخلبي أراك انتهبت الشعر ثم خبأته … عن الناس فعل الخائف المترقب تباعدت عن ياقوتة الثغر بالمدى … إليه فلم تجرح ولم تتحوّب ولما جرى الحذّاق في ضوء صبحه … تعثّرت منه في ضبابة غيهب (٣٤ - و) حرمت من الايجاز أقرب مسلك … ومن ذهب الألفاظ أحسن مذهب وتزعم أن الشعر عندك أعربت … محاسنه عن ناطق منك معرب فما بال شعر الناس ملء عيوننا … وشعري في الأشعار عنقاء مغرب أنبأنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل عن أبي القاسم بن السمرقندي قال: أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن أحمد الأديب إجازة عن أبي منصور الثعالبي في يتيمة الدهر: أحمد بن محمد النامي شاعر مفلق من فحول شعراء العصر وخواص شعراء سيف الدولة وكان عنده تلو المتنبي في المنزلة والرتبة (¬١). وذكر ابن فورجة في التجني على ابن جني قال: وكان على كثرة شعراء سيف الدولة لا يتقي أبو الطيب المتنبي منهم غير أبي العباس أحمد بن محمد المصيصي المعروف بالنامي، وله يقول المتنبي: والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده … في الجاهلية عين العي والخطل خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل (¬١) قال: وذلك أن النامي كثيرا ما يذكر في مدائحه أيام الجاهلية. أخبرنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب في كتابه إليّ من بغداد عن أبي بكر محمد ابن عبد الباقي الأنصاري قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي قال: أخبرنا أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد الصقر الكاتب قال: وكان النامي (٣٤ - ظ) بطيء الخاطر شديد القول، إذا أراد أن يعمل شعرا خلا خلوة طويلة أياما وليالي، فإن نطقت في داره جارية أو غلام كاد أن يقتله، وانقطع خاطره، واذا أراد أن يعمل قصيدة جمع جميع ما للعرب والمحدثين من الشعر على وزن تلك القصيدة وجعله حواليه ونظر فيه حتى يقتدح به خاطره ويتجلب معانيه. قال: ورأيته يفعل ذلك. وقال أبو علي التنوخي: وقد أخبرني أيضا بهذا جماعة منهم أبو اسحاق إبراهيم ابن علي النصيبيّ أنه شاهده، وأنه كانت ترتفع له القصيدة في سبعة أشهر، قالوا: فكانت تحدث الحادثة عند سيف الدولة من فتح، أو صفة لوقعة، أو تهنئة بعيد أو غير ذلك فيعمل فيها الشعراء وينشدونه في الحال، أو بعد يوم ويومين ولا ينشده هو شيئا، فإذا كان بعد سبعة أشهر أو ثلاثة أو أكثر من ذلك أو أقل على حسب ما ترتفع، جاء إليه فاستأذن في الانشاد وقال: قد ارتفعت لي قصيدة في الفتح الفلاني، أو القضية الفلانية التي كانت جرت في وقت كذا وكذا، فإن رأى مولانا أن يأذن في انشادها، قال: فيكايده سيف الدولة فيقول: في أي وقت وأي قصة؟ فلا يزال يريه أنه قد أنسي تلك الحال لبعدها توبيخا له إلى أن يكاد يبكي فيقول: نعم نعم هاتها الآن؛ قال: وربما اغتاظ لطول العهد وخروج الزمان عن الحد فلا يأذن له في الانشاد (٣٥ - و). قال أبو علي التنوخي: وأخبرني أبو عبد الله بن الصقر هذا قال: كنت قائما بين يدي سيف الدولة وقد ولد له قبل ذلك بتسعة أشهر مولود، وهنأه الشعراء عليه، فجاء النامي واستأذنه في الانشاد يهنيه بالمولود، فقال له سيف الدولة: يا أبا العباس الصبي قد حان لنا أن نسلمه الى الكتاب، تنشدنا تهنئة بولادته الآن، فما زال يتضرع حتى أذن له. قال أبو علي: وأخبرني ابن الصقر هذا، قال: قال لي النّامي يوما: كنت البارحة أعمل شعرا فصعق ديك سمعت صياحه، فانقطع خاطري قال: فقلت له: لا يجب أن تخبر بهذا عن نفسك. قرأت بخط محمد بن علي بن نصر الكاتب في كتاب «المفاوضة»، وأنبأنا المؤيد بن محمد بن علي عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري قال: أخبرنا أبو غالب بن بشران-إجازة-قال: حدثنا محمد بن علي بن نصر قال: حدثني أبو الفرج الببغاء قال: قصدت يوما أبا العباس النامي المصيصي بعد تأخره عن سيف الدولة لأجل ما كان تنجّز بينهما في معنى المتنبي وتقديمه له عليه، فعرفته خبره، وتفاوضنا ما جرى مع سيف الدولة، فقال: يا أبا الفرج خدمته الدهر الأطول وما رعى، واستجمل أن يقول لي: قال المتنبي، وأنا الذي أقول: له نظرة نحو الحمول بحومل … وأخرى الى ودّان صادقة الودّ (٣٥ - ظ) الى ها هنا عهد الوداع الذي به … عهدت وما لي بالتجلّد من عهد فيا قلب أعوان عليك كثيرة … وما لك صبر عليهن من بدّ وشاة وعذال وبرق ودمنة … ألا قل ما أجدت عليك وما تجدي قرأت في كتاب «أدب الخواص» (¬١) تأليف الوزير أبي القاسم الحسين بن علي ابن الحسين بن المغربي قال: وأنشدنا يوما-يعني سيف الدولة أبا الحسن بن حمدان-في مجلسه القافية التي أولها إن الخليط أجد البين فانفرقا يعني من شعر زهير بن أبي سلمى، فأبدى استحسانا لها، فقال له النامي المصيصي أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي: أراك كلفا بها، أفتحب أن أمدحك بخير منها؟ قال: نعم أشدّ الحب، فلما كان بعد أيام لقيه راكبا على نهر حلب المسمى قويق، قال: فترجل ووقف عليه سيف الدولة، وأخذ ينشد قصيدة في غاية الحسن أولها: ما أنت مني ولا الطيف الذي طرقا … ردّ الكرى واسترد مني الأرقا (¬٢) فأراد سيف الدولة كياده والعبث به، فأعرض عنه وأظهر استنقاصا لشعره، فقطع الانشاد في وسط القصيدة، وركب ومضى-وسيف الدولة يراه-الى شاطئ النهر فخرقها وغسلها فاحتمله سيف الدولة، ولم ينكر ما كان منه، ودرست آثار هذه القصيدة فليس توجد في ديوانه. أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد المؤدب إذنا (٣٦ - و) ومكاتبة عن أبي غالب بن البناء قال: أنبأنا أبو غالب بن بشران قال: حدثنا محمد بن علي بن نصر الكاتب: قال: وحدثني أبو القاسم علي بن محمد المنجم الرقّي قال: كان جميع أصحاب سيف الدولة يغتاظون من المتنبي ويتعصبون عليه للنامي، فلما عمل في وقعة بني كلاب القصيدة الرائية التي أولها: طوال قنا تطاعنها قصار (¬١) فعمل النامي قصيدة أولها: أألبيض تعصي يا عقيل بن عامر … وما تبر الأعمار مثل البواتر كأن عليا والقنا في ظهورهم … سماء رمتهم بالنجوم الزواهر فولت تناجي بالنجاء خلالها … وتجأر من أحكام سمر جوائر قال: وتشاجر الناس في القصيدتين، وتقدم سيف الدولة بانفاذهما الى بغداد وأن يكتب في معناهما الى العلماء، فلم يحكم أحد بشيء إلا أن قصيدة النامي أعيدت وقد كتبت بالذهب، فعلم من هذا أنهم قد فضلوها. أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي بحلب قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن المنصور السمعاني -إجازة ان لم يكن سماعا-قال: أنشدني أبو القاسم اسماعيل بن أحمد الدمشقي الحافظ (¬٢). ح وأنبأنا به عاليا الخطيب أبو القاسم عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي قال: أخبرنا عمي عبد الرحمن بن أحمد بقراءتي عليه قالا: أنشدنا عبد المحسن بن محمد بن علي التاجر قال: أنشدنا أبو الفتح أحمد بن علي (٣٦ - ظ) المدائني بحلب قال: أنشدنا أبو القاسم الحسين بن علي بن أبي أسامة قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن محمد النامي لنفسه. رأيت في الرأس شعرة بقيت … سوداء عيني تحب رؤيتها فقلت للبيض إذ تروعها … بالله ألا رحمت غربتها قالت رأيت السوداء في وطن … تكون فيه البيضاء ضرتها أنبأنا أحمد بن أزهر السباك عن أبي بكر الأنصاري قال: أنبأنا أبو غالب بن بشران قال: حدثنا محمد بن علي نصر قال: أبو الخطاب بن عون الحريري وحدثني عنه أبو القاسم الشاعر بذلك، وقد رأيته ولم أسمع منه هذه الحكاية قال: دخلت الى أبي العباس النامي فوجدته جالسا ورأسه كالثغامة بياضا وفيه شعرة واحدة سوداء، قلت له: يا سيدي في رأسك شعرة سوداء، قال: نعم، هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها، ولي فيها شعر، قلت: أنشدنيه فأنشدني: رأيت في الرأس شعرة بقيت … سوداء تهوى العيون رؤيتها فقلت للبيض إذ تروعها … بالله ألا رحمت غربتها وقلّ لبث السوداء في وطن … تكون فيه البيضاء ضرتها ثم قال: يا أبا الخطاب بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف بسوداء بين بين ألف بيضاء؟! قرأت في نسخة قديمة من ديوان شعر أبي العباس (٣٧ - و) النامي، وأظنها بخط جامع شعره، ما صورته: وكنت أنشدت في ليلة من الليالي سيف الدولة أبيات البحتري. وأبت تركي الغديات والآ … صال حتى خضبت بالمقراض شعرات أقصهن ويرجع … ن رجوع السهام في الأغراض فهل الحادثات يا بن عويف … تاركاتي ولبس هذا البياض (¬١) فاستحسنها وقال للنامي: أعمل مثل هذا، فعمل قصيدة يمتدحه ويصف الشيب وفيها: ولقد جارت النهى فتغاضيت … لبيض نهين بعض التغاضي ثم خفت انقراض ود الغواني (¬٢) … فاستعرت الصبا من المقراض خطوات الشباب عن شعرات … أشعرت أنها بواق مواض وقرأت في هذه النسخة المشار إليها، وقال لي أبو العباس النامي: أهديت إلى صديق لي سكينا عليها طائر مذهب وكتبت معها أبياتا منها: أوقد الصقل ماء إفرندها الجاري … فجاءت كالنار ذات اشتعال جو نور لم تخله بدعة الصنعة … من طائر بديع المثال عام في لؤلؤ ولكنه قد … قام فيه مذهب السربال أخبرنا أبو الحسن بن المقير فيما أذن لنا فيه قال: كتب الينا الفضل بن سهل الحلبي أن أبا بكر الثابتي أخبرهم إذنا قال: أنشدنا أبو الفتح أحمد بن علي بن (٣٧ - ظ) النحّاس بحلب قال: أنشدنا الحسين بن علي بن أبي أسامة قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن محمد النامي لنفسه يصف الشقائق. وعذراء كالعذراء عاقصة الشعر … بدت في وقايات لقامتها حمر تنشر عنها معجزا من زبرجد … يد الشمس زرته عليها يد القطر قرأت بخط بعض الفضلاء: مات النامي أبو العباس في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة عن سن عالية، وكان من شعراء سيف الدولة. والصحيح ما أنبأنا به أبو اليمن الكندي عن محمد بن عبد الباقي الأنصاري عن التنوخي قال: مات أبو العباس أحمد بن محمد المصيصي الشاعر المعروف بالنامي الكبير بحلب في سنة سبعين أو احدى وسبعين وثلاثمائة عن سنّ عالية، وسمعت من يذكر أنه مات عن تسعين سنة أو نحوها. وأخبرنا أبو محمد بن عبد الله الأسدي إذنا عن مسعود الثقفي قال: أنبأنا أبو بكر الخطيب قال في كتاب «المؤتنف»، ح. ونقلته من خط محمد بن سعدون العبدري مما أخرجه أبو عبد الله الحميدي من كتاب «المؤتنف تكملة المؤتلف والمختلف (¬١)» لعبد الغني والدارقطني قال: وأما النامي بالنون فهو أحمد بن محمد أبو العباس المصيصي الشاعر المعروف بالنامي، ذكر لي أبو القاسم التنوخي أنه مات بحلب في سنة سبعين أو إحدى وسبعين وثلاثمائة، شك في ذلك.