Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أحمد بن عبد الله بن سليمان

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار · page 814, entry [309]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ت زكار — كمال الدين ابن العديم

page 814, entry [309]Open original source
أحمد بن عبد الله بن سليمان: ابن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم بن أسحم، وقيل أنور بن أسحم بن النعمان، وهو الساطع بن عدي بن عبد غطفان بن عمرو بن بريخ بن جذيمة بن تيم اللاّت، وهو مجتمع تنوخ بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن العرنج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود ﵇، أبو العلاء بن أبي محمد التنوخي المعري. قرأ النحو واللغة على أبيه أبي محمد عبد الله بمعرّة النعمان، ومحمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب. وحدث عن أبيه أبي محمد عبد الله بن سليمان بن محمد-بن محمد (¬١) -، وجدّه سليمان بن محمد وأبي الفتح محمد بن الحسن بن روح، ويحيى بن مسعر (١٥٠ ظ) أبي زكريا وأخويه أبي المجد وأبي الهيثم عبد الواحد ابني عبد الله، وأبي الفرج عبد الصمد بن أحمد بن عبد الصمد الفقيه الضرير الحمصي، وأبي عبد الله محمد بن يوسف الرقي المعروف بابن كراكير، وأبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الرحيم الرحبي، والقاضي أبي عمرو عثمان بن عبد الله الطرسوسي قاضي معرة النعمان، وجدته أم سلمة بنت الحسن بن اسحاق بن بلبل. ورحل إلى بغداد سنة ثماني وتسعين وثلاثمائة، ودخلها سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وسمع بها أبا الحسن علي بن عيسى الربعي، وأبا أحمد عبد السلام ابن الحسين البصري المعروف بالواجكا. وقرأ عليه ببغداد أبو القاسم التنوخي، وابن فورجه، وروى عنه أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، وأقام مدة بالمعرة يقرأ عليه، وأبو المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الأبهري، وأبو محمد الحسن بن علي بن عمر المعروف بقحف العلم، وابن أخيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد قاضي معرة النعمان، وابنه أبو المجد محمد بن عبد الله بن محمد، والشيخ أبو الحسين علي بن محمد بن عبد اللطيف بن زريق المعري، وابنه أبو الفضل أحمد بن علي، روى عنه سبعة أجزاء من حديث أبي العلاء عن شيوخه، وأبو الحسن يحيى بن علي بن عبد اللطيف ابن زريق، وجد جدي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن أبي جرادة، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبيان، والقاضي أبو الفتح ابن أحمد بن أبي الروس (١٥١ و) السروجي، والخليل بن عبد الجبار بن عبد الله التميمي القرّائي، وعثمان بن أبي بكر السفاقسي المغربي، وأبو التمام غالب بن عيسى بن أبي يوسف الأنصاري الأندلسي، وأبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي وأبو الحسن علي بن أخيه أبي المجد بن عبد الله بن سليمان، وزيد بن أخيه أبي الهيثم عبد الواحد، وأبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر بن المهذب، وأبو صالح محمد ابن المهذب بن علي بن المهذب، وأبو اليقظان أحمد بن محمد بن أبي الحواري، وأبو العباس أحمد بن خلف الممتع، وابن أخته إبراهيم بن الحسن البليغ، ومحمد ابن الخضر المعروف بالسابق بن أبي مهزول، وأبو الفضل بن صالح المعريون، والقاضي أبو القاسم المحسن بن عمرو التنوخي المعري، وأبو القاسم عبيد الله بن علي ابن عبد الله الرقّي الأديب، وأبو الحسن رشاء بن نظيف بن ما شاء الله، وأبو نصر محمد بن محمد بن هميماه السالار، وأبو الحسن الدلفي الشاعر المصيّصي، وأبو سعد إسماعيل بن علي السّمّان، وأبو الوليد الدربندي، وأبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصّقر الأنباري، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن التبريزي، وأبو المظفر إبراهيم ابن أحمد بن الليث الآذري. وكتّابه الذين كانوا يكتبون مصنفاته وما يمليه: أبو الحسن علي بن عبيد الله ابن أبي هاشم، وابنه أبو الفتح محمد بن علي، وجعفر بن أحمد بن صالح، وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن إبراهيم الخطيب (١٥١ ظ) القارئ. وكان خشن العيش، قنوعا من الدنيا بملك ورثه من أبيه، والناس فيه مختلفون على مذهبين فمنهم: من يقول أنه كان زنديقا ملحدا ويحكون عنه أشياء تدل على كفره، ومنهم من يقول أنه كان على غاية من الدين والزهد، وأنه كان يأخذ نفسه بالرياضة والخشونة وظلف العيش، وأنه كان مقتنعا بالقليل، غير راغب في الدنيا، وسأورد من قول كل فريق ما فيه كفاية ومقنع، وقد أفردت كتابا جامعا في ذكره، وشرحت فيه أحواله وتبينت وجه الصواب في أمره، وسمته «بدفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري» فمن أراد معرفة حقيقة حاله فلينظر في ذلك الكتاب فإن فيه غنية في بيان أمره (¬١)، وتحقيق صحة اعتقاده، وعلو قدره ان شاء الله تعالى. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي بن البناء البغدادي بدمشق، وأبو سعد ثابت بن مشرف بن أبي سعد البناء البغدادي بحلب قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبيد الله بن نصر بن الزاغوني قال: حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر الخطيب الأنباري من لفظه قال: أخبرنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي بقراءتي عليه في داره بمعرة النعمان قال: حدثني أبو زكريا بن مسعر التنوخي المعري قال: حدثنا أبو عروبة بن أبي معشر الحراني قال: حدثنا هوبر قال: حدثنا مخلد بن عيسى الخياط عن أبي الزناد عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه كان يقول: (١٥٢ و) «إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، فالصلاة نور المؤمن والصيام جنّة من النار (¬١)». قرأت بخط أحمد بن علي بن عبد اللطيف المعري: وولد-يعني أبو العلاء- يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاثة أيام مضت من شهر ربيع الاول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وقرأت في تاريخ جمعه أبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر بن علي بن المهذب المعري التنوخي قال: سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فيها ولد الشيخ أبو العلاء أحمد ابن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي، يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول. وسير إلي قاضي معرة النعمان أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سليمان جزءا بخطه يتضمن أخبار بني سليمان، نقله من نسخة عنده، فقال في ذكر أبي العلاء: ولد يوم الجمعة قبل مغيب الشمس لسبع وعشرين ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، واعتل علة الجدري التي ذهب بصره فيها في جمادى الأولى من سنة سبع وستين وثلاثمائة. أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: حدثني أبو الخطاب العلاء بن حزم الأندلسي قال: ذكر لي أبو العلاء المعري أنه ولد في يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة (¬٢). أخبرنا أبو الحسن بن أبي جعفر أحمد بن علي، وأبو المحامد إسماعيل بن حامد ابن عبد الرحمن (١٥٢ ظ) القوصي قالا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن المؤيد بن أبي اليقظان أحمد بن محمد بن حواري التنوخي المعري-قال أبو الحسن: إجازة- قال: أخبرني جدي أبو اليقظان قال: كان مولد الشيخ أبي العلاء بن سليمان المعري ﵀ بمعرة النعمان يوم الجمعة مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وجدّر في أول سنة سبع وستين وثلاثمائة فعمي من الجدري، وغشّى يمنى حدقتيه بياضا، وأذهب اليسرى جملة. ورحل إلى بغداد سنة ثمان وتسعين، ودخلها سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ولزم منزله عند منصرفه من بغداد مدة سنة أربعمائة، وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه، وتوفي بين صلاتي العشاءين ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة، فكان عمره ستا وثمانين سنة إلا أربعة وعشرين يوما، ولم يأكل اللحم من عمره خمسا وأربعين سنة، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة، رحمة الله عليه. أخبرنا أبو القاسم الحسين بن عبد الله بن رواحة الحموي عن أبي طاهر أحمد ابن محمد السلفي قال: سمعته-يعني أبا محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الإيادي المعري-يقول: دخلت على أبي العلاء وأنا صبي مع عمي أبي طاهر نزوره، فرأيته قاعدا على سجادة لبد وهو يسبح، فدعا لي ومسح على رأسي (١٥٣ و) وكأني انظر إليه الساعة، وإلى عينيه إحداهما بادرة والأخرى غائرة جدا، وهو مجدر الوجه نحيف الجسم. أخبرني والدي ﵀ يأثره عن شيوخ الحلبيين أنه بلغهم أن أبا العلاء بن سليمان قال: أحقق من الألوان لون الحمرة، وذلك أنني لما جدّرت ألبستني أمي قميصا أحمر فأنا أذكر ذلك اللون وأحققه قبل العما. وقرأت فيما سيّره القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك قاضي المعرة من أخبار بني سليمان قال: ولما قدم من بغداد-يعني أبا العلاء-عزم على العزلة والانقضاب من العالم فكتب إلى أهل معرة النعمان: ﷽ هذا كتاب إلى السّكن المقيم بالمعرة شملهم الله بالسعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان، خصّ به من عرفه وداناه، سلّم الله الجماعة ولا أسلمها ولم شعثها ولا آلمها. أما الآن فهذه مناجاتي بعد منصرفي عن العراق، مجتمع أهل الجدل، وموطن بقية السّلف، بعد أن قضيت الحداثة فانقضت، وودّعت الشبيبة فمضت، وحلبت الدهر أشطره، وخبرت خيره وشره، فوجدت أقوى ما أصنعه أيام الحياة أن اخترت عزلة تجعلني من الناس كبارح الأروى (¬١) من سانح النعام، وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصرت في اجتذاب المنفعة إلى حيّزي، فأجمعت على ذلك، واستخرت الله فيه بعد جلائه عن نفر يوثق بخصائلهم، فكلهم رآه حزما وعدّة إذا تم (١٥٣ ظ) رشدا، وهو أمر أسري عليه بليل قضى سنة، وخبت به النعامة، ليس بنسج الساعة ولا ربيب الشهر والسنة، ولكنه غذيّ الحقب المتقادمة، وسليل الفكر الطويل، وبادرت إعلامهم ذلك مخافة أن يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزل الجارية عادتي بسكناه ليلقاني فيه، فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء الأدب، وسوء القطيعة، وربّ ملوم لا ذنب له. والمثل السائر خلّ امرأ وما اختار (¬٢)، وما أسمحت القرون الإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النجوم (¬٣)، وانقضابا من العالم كانقضاب القابية من القوب (¬١)، وثباتا في البلد إن جال أهله من خوف الروم، فإن أبى من يشفق عليّ أو يظهر الشفق إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأعضب (¬٢) والأدماء (¬٣). وأحلف ما سافرت استكثر من النشب، ولا أتكثّر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة بدار العلم، فشاهدت أنفس ما كان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه، والجاهل مغالب القدر، فلهيت عما ما استأثر به الزمان، والله يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل والركاب، ويسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء الطلقة على الظبي الغرير، ويحسن جزاء البغداديين فلقد وصفوني بما لا أستحق (١٥٤ و) وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم وعرضوا علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذل بالصفات ولا هش الى معروف الأقوام، ورحلت وهم لرحلتي كارهون، وحسبي الله «وعليه فليتوكل المتوكلون (¬٤).» قال: وانما قيل رهن المحبسين للزومه منزله، وكف بصره، وأقام مدة طويلة في منزله محتجبا لا يدخل عليه أحد، ثم ان الناس تسببوا اليه حتى دخلوا عليه، فكتب الشيخ أبو صالح محمد بن المهذب إلى أخيه أبي الهيثم عبد الواحد بن عبد الله بن سليمان رحمهما الله في ذلك. بشمس زرود لا ببدر معان … ألمّا وإن كان الجميع شجاني يقول فيها: أبا الهيثم اسمع ما أقول فإنّما … يعين على ما قلت خير معان قريضي هجاء إن حرمت مديحه … لأروع وضّاح الجبين هجان أطلّ على بغداد كالغيث جاءها … بأسعد نجم في أجلّ أوان نضاها ثياب المحل وهي لباسها … وبدّلها من شدّة بليان فياطيب بغداد وقد أرجت به … على بعدها الأطراف من أرجان غدا بكم المجد المضئ وإنّه … ليقمر من أضوائه القمران ميسّر المعالي دوننا هل يسرّها … بطون وهاد أو ظهور رعان (١٥٤ ظ) نأى ما نأى فالموت دون فراقه … فما عذره في النأي إذ هو دان فكن حاملا مني إليه رسالة … تبيّن لينا في هضاب أبان فإن قال: أخشى من فلان تشبها … فقل ما فلان عندنا كفلان هو الخلّ ما فيه اختلال مودّة … فلا تخشى منه زلة بضمان فإن خنت عهدا أو أسأت خليقة … ولم يك شأني في المودّة شاني فلا أحسنت في الحرب امساك مقبضي … يميني ولا يسراي حفظ عناني لعلّ حياتي أن تعود نضيرة … لديه كما كانت وطيب زماني قلت: وكان أبو صالح بن المهذب قائل هذا الشعر ابن عمة أبي العلاء. وكان أبو العلاء مفرط الذكاء والحفظ، وأخبرني والدي ﵀ فيما يأثره عن أسلافه أنه قيل لأبي العلاء: بم بلغت هذه الرتبة في العلم؟ فقال: ما سمعت شيئا إلا حفظته، وما حفظت شيئا فنسيته. وحكى لي أيضا والدي فيما يأثره عن سلفه قال: سار أبو العلاء من المعرة الى بغداد، فاتفق عند وصوله إليها موت الشريف أبي أحمد الحسين والد المرتضى والرضي، فدخل الى عزيته، والناس مجتمعون، فخطا الناس في المجلس، فقال له بعضهم ولم يعرفه: الى أين يا كلب؟ فقال: الكلب من لم يعرف للكلب كذا وكذا اسما، ثم جلس في أخريات الناس الى أن أنشد الشعراء، فقام وأنشد قصيدته الفائية التي أولها (١٥٥ و): أودى فليت الحادثات كفاف … مال المسيف وعنبر المستاف يرثي بها الشريف المتوفى، فلما سمعها الرضي والمرتضى قاما إليه ورفعا مجلسه إليهما وقالا له: لعلك أبو العلاء المعري؟ فقال: نعم، فأكرماه واحترماه، وطلب أن تعرض عليه الكتب التي في خزائن بغداد، فأدخل إليها وجعل لا يعرض عليه كتاب إلا وهو على خاطره، فعجبوا من حفظه (¬١). وزادني غير والدي أنه لما أنشد: أودى فليت الحادثات كفاف .... قيل له: كفاف، فأعادها كفاف، فتأملوا ذلك وعرفوا أن الصواب ما قال. أخبرنا الشريف أبو علي المظفر بن الفضل بن يحيى العلوي الاسحاقي- إجازة كتبها لي ببغداد وأنا بها وقد اجتمعت به بحلب وعلقت عنه فوائد-قال: حدثني والدي ﵁ وأرضاه يرفعه الى ابن منقذ قال: كان بأنطاكية خزانة كتب، وكان الخازن بها رجلا علويا، فجلست يوما إليه فقال: قد خبأت لك غريبة طريفة لم يسمع بمثلها في تاريخ ولا كتاب منسوخ، قلت: وما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد إلي وقد حفظته في أيام قلائل عدة كتب، وذاك أنني أقرأ عليه الكراسة والكراستين مرة واحدة فلا يستعيد إلا ما يشك فيه، ثم يتلو علي ما قد سمعه كأنه قد كان محفوظه، قلت: فلعله يكون يحفظ ذلك، قال: سبحان الله كل كتاب في الدنيا (١٥٥ - ظ) يكون محفوظا له، وإن كان ذلك كذلك فهو أعظم، ثم حضر المشار إليه وهو صبي دميم الخلقة، مجدور الوجه على عينيه بياض من أثر الجدري كأنه ينظر بإحدى عينيه قليلا، وهو يتوقد ذكاء، يقوده رجل طوال من الرجال أحسبه يقرب من نسبه فقال له الخازن: يا ولدي هذا السيد رجل كبير القدر، وقد وصفتك عنده، وهو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك، فقال: سمعا وطاعة فليختر ما يريد. قال ابن منقذ: فاخترت شيئا وقرأته على الصبي وهو يموج ويستزيد، فإذا مر به شيء يحتاج الى تقريره في خاطره يقول: أعد هذا، فأردده عليه مرة واحدة حتى انتهيت الى ما يزيد على كراسة، ثم قلت له: يقنع هذا من قبل نفسي، قال: أجل حرسك الله، قلت: كذا وكذا وتلا علي ما أمليته عليه وأنا أعارضه بالكتاب حرفا حرفا حتى انتهى الى حيث وقفت عليه، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، وعلمت أن ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا أن يشاء الله، وسألت عنه فقيل لي: هذا أبو العلاء التنوخي من بيت العلم والقضاء والثروة والغناء. قلت: ذكره لهذه الحكاية أنها كانت بأنطاكية لا يصح، فإن أنطاكية استولى عليها الروم وانتزعوها من أيدي المسلمين في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وولد (١٥٦ و) أبو العلاء بعد ذلك بأربع سنين وثلاثة أشهر، وبقيت أنطاكية في أيدي الروم الى أن مات أبو العلاء بن سليمان في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وبعده الى أن فتحها سليمان بن قطلمش في سنة سبع وسبعين وأربعمائة (¬١)، فكيف يتصور أن يكون بها خزانة كتب وخازن علوي وهي في أيدي الروم، ويشبه أن تكون هذه الواقعة بكفر طاب أو بغيرها، وقد يتصحف كفر طاب بأنطاكية، وابن منقذ أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ كان من أقران أبي العلاء، وكانت له كفر طاب فيحتمل أن يكون ذلك كان معه والله أعلم. وقرأت في كتاب «جنان الجنان ورياض الأذهان» (¬٢) لابن الزبير المصري ما يناسب هذه الحكاية، قال ابن الزبير: حدثني القاضي أبو الفتح محمود بن القاضي اسماعيل بن حميد الدمياطي قال: حدثني أبي قال: حدثني هبة الله بن موسى المؤيد في الدين، وكانت بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلة (¬١)، قال: كنت أسمع من أخبار أبي العلاء وما أوتيه من البسطة في علم اللسان ما يكثر تعجبي منه، فلما وصلت المعرة قاصدا للديار المصرية لم أقدّم شيئا على لقائه، فحضرت إليه، واتفق حضور أخي معي وكنت بصدد أشغال يحتاج إليها المسافر فلم أسمح بمفارقته والاشتغال بها، فتحدث معي أخي حديثا باللسان الفارسي فأرشدته الى ما يعمله فيها، ثم عدت الى مذاكرة أبي العلاء، فتجارينا الحديث الى أن (١٥٦ ظ) ذكرت ما وصف به من سرعة الحفظ، وسألته أن يريني من ذلك ما أحكيه عنه فقال: خذ كتابا من هذه الخزانة-لخزانة قريبة منه-واذكر أوله، فإني أورده عليك حفظا، فقلت: كتابك ليس بغريب إن حفظته، قال: قد دار بينك وبين أخيك كلام بالفارسية إن شئت أعدته، قلت: أعده، فأعاده ما أخل والله منه بحرف، ولم يكن يعرف اللغة الفارسية. أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل-إذنا-قال: أخبرنا أبو سعد السمعاني-إجازة إن لم يكن سماعا-قال: وذكر أبو العلاء بن سليمان، وحكى تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعدا في مسجده بمعرة النعمان بين يديه يقرأ عليه شيئا من تصانيفه، قال: وكنت قد أتممت عنده سنتين ولم أر أحدا من بلدي، فدخل مغافصة (¬٢) المسجد بعض جيراننا للصلاة فرأيته وعرفته وتغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: ما أصابك، فحكيت له أني رأيت جارا لي بعد أن لم ألق أحدا من بلدي منذ سنين، فقال لي: قم وكلمه، فقلت: حتى أتمم السّبق (¬٣)، فقال: قم أنا أنتظرك، فقمت وكلمته بالأذربيجية شيئا كثيرا، الى أن سألت عن كل ما أردت، فلما عدت وقعدت بين يديه قال لي: أي لسان هذا؟ قلت: هذا لسان أهل أذربيجان، فقال: ما عرفت اللسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتماه، ثم أعاد لفظنا بلفظ ما قلنا، فجعل (١٥٧ و) جاري يتعجب غاية العجب، ويقول: كيف حفظ شيئا لم يفهمه. وأخبرني عنه بمثل هذه الحكاية والدي ﵀ يأثره عن أسلافه قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي فاتفق أنه غاب عن معرة النعمان، فحضر رجل أعجمي يطلبه قد قدم من بلده فوجده غائبا ولم يمكنه المقام فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه، فجعل ذلك الرجل يتكلم بالفارسية وأبو العلاء يصغي إليه الى أن فرغ من كلامه، ولم يكن أبو العلاء يعرف باللسان الفارسي، ومضى الرجل، فقدم جاره الغائب، وحضر عند أبي العلاء فذكر له حال الرجل، وجعل يذكر له بالفارسية ما قال والرجل يبكي ويستغيث ويلطم الى أن فرغ من حديثه، وسئل عن حاله، فأخبرهم أنه أخبر بموت أبيه وأخوته وجماعة من أهله. قال لي والدي: ومما بلغني من ذكائه أن جارا سمانا كان له وبينه وبين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاءه ذلك الرجل وحاسبه برقاع كان يستدعي فيها ما يأخذ منه عند دعو حاجته إليه، وكان أبو العلاء في غرفة له يسمع محاسبتهما. قال: فسمع أبو العلاء السمان المذكور بعد مدة يتأوه ويتململ، فسأله عن حاله، فقال: كنت حاسبت فلانا برقاع كانت له عندي، وقد عدمتها ولا يحضرني حسابه، فقال له: ما عليك من بأس تعال إلي فأنا أملي عليك حسابه، وجعل يملي (١٥٧ ظ) معاملته جميعها رقعة رقعة، والسمان يكتبها الى أن فرغ وقام، فما مضت إلا أيام يسيرة ووجد السمان الرقاع وقد جذبها الفأر الى زاوية في الدكان، فقابل بها ما أملاه عليه أبو العلاء، فلم تخرم حرفا واحدا. أخبرني القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سعيد بن مدرك بن علي بن سليمان قاضي معرة النعمان، قال: أخبرني جماعة من سلفنا أن بعض أمراء حلب قيل له: إن اللغة التي ينقلها أبو العلاء إنما هي من الجمهرة، وعنده نسخة من الجمهرة ليس في الدنيا مثلها، وحسنوا له طلبها منه قصدا لأذاه فسيّر أمير حلب إليه من يطلبها منه، فقال للرسول: سمعا وطاعة للأمير، تقيم عندنا هذه الأيام حتى نقضي شغلك، ثم أمر من يقرأ عليه كتاب الجمهرة، فقرئت عليه حتى فرغت، ثم دفعها الى الرسول، وقال: ما قصدت بذلك إلا بأن أمرها على خاطري خوفا من أن يكون قد شذ منها شيء عن خاطري، فعاد الرسول بها وأخبر أمير حلب بذلك، فقال: من يكون هذا حاله لا يجوز أن يؤخذ منه هذا الكتاب، وأمر برده إليه. قلت وكان أبو العلاء قد سمع الجمهرة من أبيه أبي محمد عبد الله، وسمعها أبوه من أبي عبد الله الحسين بن خالويه ورواها أبو عبد الله عن ابن دريد الأزدي. وسمعت أبا المعالي قاضي المعرة يقول: سمعت (١٥٨ و) جماعة من أهلنا يقولون كان الشيخ أبو العلاء متوقد الخاطر على غاية من الذكاء من صغره، وتحدث الناس عنه بذلك، وهو إذ ذاك صبي صغير، فكان الناس يأتون إليه ليشاهدوا منه ذلك، فخرج جماعة من أهل حلب الى ناحية معرة النعمان وقصدوا أن يشاهدوا أبا العلاء، فدخلوا الى معرة النعمان وسألوا عنه، فقيل لهم هو يلعب مع الصبيان، فجاءوا إليه وسلموا عليه، فرد ﵈، فقيل له: إن هؤلاء جماعة من أكابر حلب جاءوا لينظروك ويمتحنوك، فقال لهم: هل لكم في المقافاة؟ فقالوا: نعم، فجعل كل واحد منهم ينشد بيتا وهو بافية حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم وقهرهم، فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتا يقافي به عند الحاجة؟ فقالوا له: فافعل أنت ذلك، فجعل يجيب كل واحد منهم من نظمه في مقابلة ما أنشده حتى قهرهم، فعجبوا منه وانصرفوا. ومن أعجب ما بلغني من ذكائه ما حدثني به والدي ﵀ قال: بلغني أنه لما سافر أبو العلاء الى بغداد وأقام بها المدة التي أقامها اجتاز في طريقه وهو متوجه بشجرة، وهو راكب على جمل، فقيل له طأطئ رأسك لئلا تلحقك الشجرة، ففعل ذلك، فلما عاد من بغداد ووصل الى ذلك الموضع، وكانت الشجرة قد قطعت، طأطأ رأسه (١٥٨ ظ) فقيل له في ذلك، فقال: هاهنا شجرة، فقال (¬١) له: ما هاهنا شجرة، فقال: بلى، فحفروا في ذلك الموضع، فوجدوا أصلها، والله أعلم. أخبرني بعض أهل المعرة بها قال: كان أبو العلاء المعري يشرب الماء من بئر بالمعرة يقال له بئر القراميد، وكان يستطيب ماءه، فلما رحل الى بغداد سيرت له والدته من ماء بير القراميد شيئا، فلما وصل الماء لم يعلموه به، وسقوه منه، فلما شربه قال: لا إله إلا الله ما أشبه هذا الماء بماء بير القراميد. وأخبرني الوزير الفاضل مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن العلقمي (¬٢) ببغداد قال: سمعت شيخي في النحو ابن أيوب يقول: كان ببغداد رجل من أهل العلم يقال له: أبو القاسم، وكان أديبا وبينه وبين أبي العلاء بن سليمان مكاتبات قد تكررت، ولم يكونا اجتمعا، فاتفق أن أبا القاسم المذكور قدم الشام ودخل على أبي العلاء، ولم يكن رآه قبل ذلك، فسلم عليه فقال له: أبو القاسم؟ فقال: نعم، فقيل له: كيف عرفت أنه أبو القاسم؟ فقال: أخذت اسمه من كلامه. قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي: سمعته-يعني أبا الزاكي حامد بن بختيار خطيب الشمسانية (¬٣) -يقول: سمعت عبد المنعم-يعني أبا المهذب بن أحمد بن أبي الروس-يقول: سمعت أخي-يعني أبا الفتح-يقول: دخل أبو العلاء المعري يوما على عمه القاضي أبي محمد التنوخي فلما رآه من بعيد يقصده قال لجارية لهم: قومي الى سيدك وخذي بيده، فقامت وأخذت بيده، فلما قام أشار إليها أيضا، فأخذت بيده لتوصله الى حجرته، فلما أخذ يدها التفت الى عمه وقال: دخلت وهذه الجارية بكر، والآن فهي ثيب، فقال: ومن أين تعلم، أيوحى إليك؟ فقال: حاشى وكلا، قد انقطع الوحي بعد المصطفى محمد ﵊، ولكنني لما دخلت مسكت يدها وعصب الزند كالأوتار المشدودة، فعلمت أنها بكر، والآن فقد ارتخت، فعلمت أن البكورية زالت، فبحث القاضي أبو محمد وإذا ابن له قد دخل بها في تلك الساعة. وهذا القاضي أبو محمد هو ابن أخي أبي العلاء، وأبو العلاء عمه، ولعل بعض رواة هذا الخبر نقله من حفظه، فاشتبه عليه أي الرجلين عم صاحبه، فوهم والله أعلم. أخبرنا أبو يوسف يعقوب بن محمود بن الحسين الساوي بالقاهرة عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني قال: سمعت أبا الحسن علي بن بركات بن منصور التاجر الرحبي بالذنبة (¬١) من مضافات (١٥٩ و) دمشق يقول: سمعت أبا عمران المعري يقول: عرض على أبي العلاء التنوخي الكفيف كف من اللوبياء، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده، ثم قال: ما أدري ما هي إلا أني أشبهه بالكلية، فتعجبوا من فطنته واصابة حدسه. أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة عن الحافظ أبي طاهر السلفي، ح. وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمي قال: سمعت أحمد بن محمد الأصبهاني يقول: سألت أبا زكريا التبريزي إمام عصره في اللغة ببغداد وقلت له: قد رأيت أبا العلاء بالمعرة، وعالي بن عثمان بن جني الموصلي بصور، والقصباني بالبصرة، وابن برهان ببغداد، وغيرهم من الأدباء، فمن المفضل من بينهم؟ فقال: هؤلاء أئمة لا يقال لهم أدباء، وأفضل من رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء. أخبرنا أبو القاسم بن أبي علي الأنصاري قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال: سمعت أبا الطيب سعيد بن إبراهيم بن سعيد الطّلبيري الطبيب بالثغر يقول: سمعت عبد الحليم بن عبد الواحد السوسي بسفاقس (¬١) يقول: سئل الحسن بن رشيق (¬٢) عن أبي العلاء المعري هل هو أشعر أم أنت؟ فقال: قد ألفت أنا كتابا وهو كتابا في معناه، فالفرق ما بيننا كالفرق ما بين الترجمتين، سمى هو كتابه «زجر النّابح» وسميت (١٥٩ ظ) أنا كتابي «ساجور الكلب» يشير إلى أن أبا العلاء أفضل وألطف وأهدى إلى المعاني وأعرف (¬٣). أخبرنا عبد الله بن أبي علي الحموي عن أبي طاهر أحمد بن محمد، وكتب إلي أبو القاسم عيسى بن عبد الله بن عيسى اللخمي-قال: أخبرنا أبو طاهر السّلفي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الحسن بن زرارة اللغوي يقول: كان بالمشرق لغوي، وبالمغرب لغوي في عصر واحد لم يكن لهما ثالث وهما ضريران، فالمشرقي أبو العلاء التنوخي بالمعرة، والمغربي ابن سيدة الأندلسي. وابن سيده أعلم من المعري، أملى من صدره كتاب المحكم ثلاثين مجلدا، وما في كتب اللغة أحسن منه. قلت: وهذا غير مسلم لابن زرارة فإن ابن سيدة إن كان أملى المحكم في اللغة فأبو العلاء قد أملى من خاطره نثرا: «كالأيك والغصون، والفصول والغايات، والسجع السلطاني» وغير ذلك مما يتضمن اللغة وغيرها من الألفاظ البليغة، والكلمات الوجيزة، ونظما مثل: «استغفر أو استغفري، ولزوم ما لا يلزم، وجامع الأوزان» يزيد على المحكم في المقدار أضعافا مضاعفة، وكتبه محصورة ولولا خوف الإطاله بذكرها لذكرت أسماءها وبيان حجم كل مصنف منها، وقد استوعبت ذلك في كتاب «دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري». أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أحمد بن عبد الله سليمان أبو العلاء التنوخي الشاعر من أهل معرة (١٦٠ و) النعمان، كان حسن الشعر، جزل الكلام، فصيح اللسان، غزير الأدب، عالما باللغة حافظا لها. وذكر لي القاضي أبو القاسم التنوخي أنه ورد بغداد في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأنه قرأ عليه ديوان شعره ببغداد. قال الخطيب: وكان أبو العلاء ضريرا، عمي في صباه وعاد من بغداد إلى بلده معرة النعمان، فأقام به إلى حين وفاته، وكان يتزهد ولا يأكل اللحم، ويلبس خشن الثياب، وصنف كتابا في اللغة، وعارض سورا من القرآن، وحكي عنه حكايات مختلفة في اعتقاده حتى رماه بعض الناس بالالحاد (¬١). أخبرنا أبو القاسم بن أبي علي الرمّاني قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد السّلفي-إذنا إن لم يكن سماعا-؛ وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز الأندلسي قال: أخبرنا أحمد بن محمد قال: يحكى عن أبي العلاء المعري في الكتاب الذي أملاه وترجمه «بالفصول والغايات» وكأنّه معارضة منه للسور والآيات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربعمائة سنة. وسمعت والدي يقول: قيل إن أبا العلاء عارض القرآن العزيز، فقيل له: ما هذا إلاّ مليح إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن، فقال: حتى تصقله الألسن أربعمائة سنة وعند ذلك انظروا كيف يكون. وقرأت بخط الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي في كتاب له تتبع الكلام فيه على الصرفة (¬١)، ونصر فيه مذهب المعتزلة في أن القرآن ليس (١٦٠ ظ) بمعجز في نفسه، لكن العرب صرفوا عن معارضته، فقال فيه: وقد حمل جماعة من الأدباء قول أرباب الفصاحة أنه لا يتمكن أحد من المعارضة بعد زمان التحدي على أن نظموا على اسلوب القرآن وأظهر ذلك قوم وأخفاه آخرون ومما ظهر منه قول أبي العلاء في بعض كلامه: أقسم بخالق الخيل والريح الهابة بليل بين الشرط ومطالع سهيل إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر المكفوف الذيل، اتق مدارج السّيل، وطالع التوبة من قبيل تنج وما أخالك بناج. وقوله: أذلت العائدة أباها، وأضاءت الوهدة ورباها، والله بكرمه احتباها، أولاها الشرف بما حباها، أرسل الشمال وصباها «ولا يخاف عقباها» (¬٢). وهذا الكلام الذي أورده ابن سنان هو في كتاب «الفصول والغايات في تمجيد الله تعالى والعظات» (¬٣) وهو كتاب إذا تأمله العاقل المنصف علم أنه بعيد عن المعارضة وهو بمعزل عن التشبه بنظم القرآن العزيز والمناقضة، فإنه كتاب وضعه على حروف المعجم، ففي كل حرف فصول وغايات، فالغاية مثل قوله: نباج، والفصل ما يقدم الغاية، فيذكر فصلا يتضمن التمجيد أو الموعظة ويختمه بالغاية على الحرف من حروف المعجم، مثل تاج، وراج، وحاج، كالمخمسات والموشحات في الشعر. وله كتاب آخر كبير نحو ستين مجلدا على هذا الوضع أيضا سماه «الأيك (١٦١ و) والغصون» وسماه «الهمزه والردف» يتضمن أيضا تمجيد الله تعالى والثناء عليه والمواعظ، ولم ينسبوه فيه إلى معارضة القرآن العزيز، وإنما نسبوه في الفصول والغايات لا غير، وقد كان له جماعة يحسدونه على فضله ومكانته من أبناء زمانه تصدّوا لأذاه، وتتبعوا كلامه وحملوه على غير المقصد الذي قصده كما هو عادة أبناء كل زمان في افتراء الكذب واختلاق البهتان، ووقفت له على كتاب وضعه في الرد على من نسبه إلى معارضة القرآن والجواب عن أبيات استخرجوها من نظمه رموه بسببها بالكفر والطغيان، سمى الكتاب «بزجر النابح» ورد فيه على الطاعن في دينه والقادح. قرأت بخط أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن الليث الآذري إلى الكيا أبي الفتح الأصبهاني قال: ومنها-يعني من قنسرين- أدلجت متوجها الى معرة النعمان، والسوق الى أبي العلاء أحمد بن عبد الله التنوخي أسعده الله، يحدو ركابي، والحنين إلى لقائه يحثّ أصحابي، وبلغت المعرة ضحية فلم أطق صبرا حتى دخلت إلى الشيخ أبي العلاء أسعده الله، فشاهدت منه بحرا لا بدرك غوره، وقليب ماء لا يدرك قعره، فأما اللغة ضمن قلبه، والنحو حشو ثوبه، والتصريف نشر بيته، والعروض ملك يده، والشعر طوع طبعه، والترسل بين أمره ونهيه، ورأيت أسبابه كلها أسباب من علم أن العيش (١٦١ ظ) تعليل وأن المقام فيها قليل. قال فيها: ورأيت من كتبه كتاب «الفصول والغايات، وكتاب لزوم ما لا يلزم، وكتاب زجر النابح» وسبب تصنيفه هذا الكتاب أن قوما من حساده فكوا من مقاطيع له في كتاب «لزوم ما لا يلزم» أبياتا كفروه فيها، وشهدوا عليه باستحالة معانيها، ومقاصد الشيخ أبي العلاء فيها غير مقاصدهم، ومغايصه في معانيها غير مغايصهم، فمن ذلك قوله: إنما هذه المذاهب أسباب … لجذب الدنيا إلى الرؤساء عرض القوم لا يرقون لدمع … الشمّاء والخنساء (¬١) كالذي قام يجمع الزّنج بالبصرة (¬٢) … والقرمطي بالأحساء (¬٣) وأول الأبيات: يا ملوك البلاد فزتم بنسئ (¬٤) … العمر والجور شانكم في النّساء ما لكم لا ترون طرق المعالي … قد يزور الهيجاء زيّ النّساء (¬٥) يرتجي الناس أن يقوم إمام … ناطق في الكتيبة الخرساء كذب الظنّ لا إمام سوى العقل … مشيرا في صبحه والمساء فإذا ما أطعته جلب الرّحمة … عند المسير والإرساء ثم يقول: «إنما هذه المذاهب» الأبيات الثلاثة، فأي بأس بهذا الشعر، وهل أتي القوم إلا من ضعف الخيزة (¬٦) وسوء الفكر. قرأت بخط الإمام أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني: سمعت الشيخ أبا الطيب سعيد بن إبراهيم بن سعيد الأندلسي يقول: سمعت عبد الحليم بن عبد الواحد بسفاقس (١٦٢ و) يقول: قدم بعض أهل الأدب من المشرق إلى إفريقية، فسأله الحسن بن رشيق عن أبي العلاء المعري وقال: أنشدني شيئا من شعره، فأنشده القصيدة التي أولها: منك الصّدود ومني بالصدود رضا … من ذا عليّ بهذا في هواك قضى (¬١) فلم يرتض هذا المذهب من الشعر، واستلانه، وعزم على هجائه، فهجاه، ثم أنشده بعد بعض أحد الأدباء ممن جاء من المشرق أيضا: هات الحديث عن الزوراء أو هيتا … وموقد النار لا تكرى بتكريتا (¬٢) فقطع ما عمل فيه من الهجو، وقال: لو أخرج أبو العلاء يده من المعرة وصكّ ابن رشيق صكّة لرده إلى الزّاب من حيث جاء، وكان رشيق أبوه مملوكا ربي بالزّاب. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الجبار بن عبد الله العثماني في كتابه قال: سمعت الشيخ الإمام الحافظ السلفي ﵀ إملاء من لفظه ومن كتابه قال: سمعت أبا المكارم عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الأسدي رئيس أبهر (¬٣) بأبهر، وكان من أفراد الزمان، يقول: سمعت رشاء بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ الفاضل الكبير بدمشق يقول: ما حملت الأرمض مثل أبي العلاء العري في فنه؛ وكان يتغالى فيه، وكان قد رآه وقرأ عليه. (١٦٢ ظ). ﷽ وبه توفيقي أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله، وعيسى بن عبد العزيز الأندلسي-قراءة على الأول، وكتابة من الثاني-قالا: أخبرنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني-قال عبد الله: إجازة إن لم يكن سماعا-قال: سمعت محمد بن حمزة بن أحمد التنوخي يقول: سمعت عبد الباقي بن علي المعري يقول: كان أبو نصر المنازي أحد وزراء نصر الدولة بن مروان بديار بكر، فأرسله إلى مصر رسولا، فوصل إلى المعرة، ودخل إلى أبي العلاء، مسلما، فتناشدوا وانبسط أحدهما إلى الآخر، فذكر أبو العلاء ما يقاسي من الناس وكلامهم فيه، فقال له أبو نصر: ماذا يريدون منك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة! فقال: والآخرة أيضا والآخرة أيضا، وأطرق ولم يكلمه إلى أن قام. وهذا هو عبد الباقي هو أبو المناقب عبد الباقي بن علي من أهل معرة النعمان، وكان قد أقام بمصر وتلقب خريطة النايات، وشعره شعر بارد متهلهل النسج، والذي ذكره عن المنازي وجده في تاريخ غرس النعمة (¬١) أبي الحسن محمد بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم بن هلال الصابئ-وقرأته فيه-قال: وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير قال: حدثني المنازي الشاعر قال: اجتمعت بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان وقلت له: ما هذا الذي يروى عنك ويحكى؟ فقال: (١٦٣ و) حسدني قوم فكذبوا علي وأساءوا إلي، فقلت له: على ماذا حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟! فقال: والآخرة أيها الشيخ؟ قلت: أي والله، ثم قلت له: لم تمتنع من أكل اللحم وتلوم من يأكله؟ فقال: رحمة مني للحيوان، قلت: لا بل تقول إنه من شر الناس، فلعمري إنهم يجدون ما يأكلون ويتجزون به عن اللحمان ويتعوضون، فما تقول في السباع والجوارح التي خلقت لا غذاء لها غير لحوم الناس والبهائم والطيور ودمائها وعظامها، ولا طعام يعتاض به عنها ولا يتجزى به منها، حتى لم تخلص من ذلك حشرات الأرض، فإن كان الخالق لها الذي بقوله نحن، فما أنت بأرأف منه بخلقه ولا أحكم منه في تدبيره، وإن كانت الطبائع المحدثة لذاك على مذهبك فما أنت بأحذق منها، ولا أتقن صنعة ولا أحكم عملا حتى تعطلها ويكون رأيك وعقلك أوفى منها وأرجح وأنت من أبجادها غير محسوس عندها، فأمسك. قلت: وهذا يبعد وقوعه من أبي نصر المنازي فإنه كان قدم على أبي العلاء وحكى ما أخبرنا به أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر السّلفي قال: سمعت أبا الحسن المرجي بن نصر الكاتب يقول: سمعت خالي الوزير أبا نصر أحمد بن يوسف المنازي يقول: بعثني نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان (¬١) سنة من ميافارقين إلى مصر رسولا، فدخلت معرة النعمان واجتمعت (١٦٣ ظ) بأبي العلاء التنوخي، وجرت بيننا فوائد، فقال أصحابه فينا قصائد، ومن جملتها هذه الأبيات: تجمع العلم في شخصين فاقتسما … على البريّة شطريه وما عدلا جاءا أخيري زمان ما به لهما … مماثل وصل الجد الذي وصلا أبو العلاء وأبو نصر هما جمعا … علم الورى وهما للفضل قد كملا هذا كما تراه رامح علم … وذاك أعزل للدنيا قد اعتزلا هما هما قدوة الآداب دانية … طورا وقاصية إن مثلا مثلا لولا هما لتفرّ العلم عن حلم … أو لافترى صاحب التمويه إن سئلا يا طالب الأدب اسأل عنهما وأهن … إذا رأيتهما أن لا ترى الأولا خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … فطلعة البدر تغني أن ترى زحلا فلو كان المنازي واجه أبا العلاء بهذا الكلام القبيح المستفظع لما مدح أصحابه أبا نصر بما ذكره، وكذلك الذي احتج به في ترك اللحم لا يليق أن يصدر مثله من أبي نصر المنازي، وقد كان عارفا بالفقه، وشهد له سليم الرازي بأن له يدا في الفقه واللغة على ما نذكره في ترجمته، ومثل ما نقله الناقل عنه جوابا عن قوله في ترك أكل اللحم أنه رحمة للحيوان لا يحسن الجواب عنه بما ذكر، والرحمة للحيوان من الخصال المندوب إليها كما قال ﷺ: «والشاة إن رحمتها رحمك» (¬١)، وقد ترك جماعة (١٦٤ و) من الزهاد والعباد أكل الشهوات والطيبات تقربا إلى الله تعالى، وعدّ ذلك في مناقبهم ومحاسنهم، ولم ينكر عليهم، فكيف يجعل الامتناع من أكل اللحم تركا للآخرة، وقد استقصينا الكلام على هذا في كتاب «دفع الظلم والتجري». وقد قال أبو نصر المنازي في أبي العلاء أبياتا خاطبه بها في مدحه: لله لؤلؤ ألفاظ تساقطها … لو كن للغيد ما استأنسن بالعطل ومن عيون معان لو كحلن بها … نجل العيون لأغناها عن الكحل سحر من اللفظ لو دارت سلافته … على الزمان تمشي مشية الثمل فمن هذا خطابه له وذكره لما قيل فيهما كيف يصح عنه أنه يواجهه بهذا الكلام الفاحش الخارج عن حسن الآداب، المجانب لصحة القول والصواب. أخبرنا عبد الله بن أبي علي الانصاري عن أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ قال: ذكر-يعني أبا الفضل هبة الله بن المثنى بن ابراهيم الهيتي-له أنه دخل المعرة، وكان أبو العلاء يعيش فيها، فنهاه أبو صالح بن شهاب عن الدخول عليه. قلت: وهذا أبو صالح هو أبو صالح محمد بن المهذب بن علي بن المهذب ابن أبي حامد بن همام بن أبي شهاب، وكان ابن عمه أبي العلاء، وهو الذي كتب الأبيات النونية الى أبي الهيثم أخي أبي العلاء حين احتجب أبو العلاء ومنع الناس من (١٦٤ ظ) الدخول عليه وأولها: بشمس زرود لا ببدر معان. وقد ذكرناها وفيها من المدح والتقريظ لأبي العلاء والتحيل في الدخول عليه ما هو واضح، فكيف يمنع الناس من الدخول عليه وينهاهم عنه، اللهم إلاّ إن كان ذلك وقع في الوقت الذي قدم أبو العلاء من بغداد، وعزم على العزلة عن الناس، وكتب الى أهل المعرة ما كتب، وأراد أبو الفضل الهيتي الدخول عليه فنهاه أبو صالح عن ذلك مخافة أن يمضي فيتعذر عليه فيكون كما قال في رسالته: «فأكون قد جمعت بن سمجين: سوء الأدب وسوء القطيعة». ذكر ابن السيد البطليوسي في شرح سقط الزند لأبي العلاء قال: وكان المعري متدينا، كثير الصيام والصدقة، يسمع له بالليل هينمة (¬١) لا تفهم، وكان لا يقرع أحد عليه الباب حتى تطلع الشمس، فاذا سمع قرع الباب علم أن الشمس قد طلعت، فقطع تلك الهينمة وأذن في الدخول عليه، وكان لا يرى أكل اللحم، ولا شرب المسكر، ولا النكاح، وكان ذا عفة ونزاهة نفس، إلاّ أنه كان مخالفا لما عليه أهل السنّة. وقول ابن السيد: «أنه كان مخالفا لما عليه أهل السنة» لا أعلم بأي طريق وقعت المخالفة، وقد وصفه بهذه الصفات المحمودة، وكان شافعي المذهب من أهل السنة والجماعة. وقرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في تعليق له: سمعته يقول:-يعني حامد بن بختيار ابن جروان الشمساني-سمعت عبد المنعم يقول:-يعني عبد المنعم بن أحمد بن أبي الروس السروجي-سمعت أخي-يعني أبا الفتح-يقول: دخل رجل من أهل الساحل على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة ونحن عنده، وكان يعرفه، فقال له: أريد أن يملي سيدنا علي شيئا من غريب القرآن، فقال يا هذا من أين وصل إليّ غريب القرآن وأنا هاهنا في زاوية البيت، فلما خرج قال لنا: مضى فلان؟ فقلنا: نعم، فقال: ضعوا ما في أيديكم من الكراريس وخذوا سواها، ففعلنا، فقال: اكتبوا غريب القرآن فأملى علينا غريب القرآن والكلام عليه ثلاثة أسابيع من صدره، فقلنا له بعد ذلك: العلم لا يحل منعه وقد منعت ذلك الرجل الساحلي، فقال: ما كنت لأضيع الحكمة مع رجل يسب أصحاب رسول الله ﷺ ويتنقصهم. وأخبرنا أبو القاسم بن رواحة عن أبي طاهر السلفي قال: قال لي الرئيس (١٦٥ و) أبو المكارم يعني عبد الوارث بن محمد بن عبد المنعم الابهري، وكان من أفراد الزمان ثقة مالكي المذهب: لما توفي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعرا وختم في اسبوع واحد عند القبر مائتا ختمة، وهذا ما لم يشارك فيه. وكانت الفتاوى في بيتهم على مذهب الشافعي من أكثر من مائتي سنة بالمعرة. قلت: ولم ينقل أن أبا العلاء كان مبتدعا، لكن نسبوه الى ما هو أعظم من ذلك. وقرأت في تاريخ غرس النعمة ابن الصابئ: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري الشاعر، الأديب الضرير، وكان له شعر كثير، وفيه أدب غزير، ويرمى بالالحاد، وأشعاره دالة على ما يزن به من ذاك، ولم يك يأكل لحوم الحيوان ولا البيض، ولا اللبن، ويقتصر على ما تنبته الأرض، ويحرم ايلام الحيوان ويظهر الصوم زمانه جميعه، ونحن نذكر طرفا مما بلغنا من شعره ليعلم صحة ما يحكى عنه من الحاده، وله كتاب سماه «الفصول والغايات» عارض به السور والآيات، لم يقع الينا منه شيء فنورده. وذكر أشعارا: نسبها اليه، فمنها ما هو من شعره في «لزوم ما لا يلزم» وفي «استغفر واستغفري» قد أجاب عنها في كتابه المعروف «بزجر النابح» والكتاب «بنجر الزجر»، واذا تأملها المنصف حق التأمل لم يجد فيها ما يوجب القدح في دينه، ومنها ما وضع على لسانه وتعمل (١٦٥ ظ) تلامذته المنحرفون وغيرهم من الحسدة نظمها على لسانه وضمنوها أقاويل الزنادقة، وفيها من ركاكة اللفظ والعدول عن الفصاحة التي هي ظاهرة في شعره ما يوجب نفيها عنه وبعدها منه، فمما أورده وهو موضوع عليه: إذا كان لا يحظى برزقك عاقل … وترزق مجنونا وترزق أحمقا فلا ذنب يا رب السماء على إمرئ … رأى منك ما لا يشتهى فتزندقا (¬١) وهذا شعر في غاية السقوط والنزول والهبوط، يقضي على ناظمة بالجهل والعمه والكفر والسفه ومما أورد من الأشعار الموضوعة على لسانه البعيدة عن فصاحته وبيانه. صرف الزمان مفرق الإلفين … فاحكم إلهي بين ذاك وبيني أنهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت أنت بقبضها ملكين وزعمت أن لها معادا ثانيا … ما كان أغناها عن الحالين (¬٢) ولم يعز غرس النعمة شيئا من هذه الاشعار المكذوبة الى كتاب يعتمد عليه، ولا: نسب روايتها الى ناقل أسندها اليه، بل اقتصر في ذكرها كما ذكر على البلاغ ولم يتأمل أن مثلها مما يختلق عليه زورا ويصاغ. وقد نسج أبو يعلى بن الهبارية على منوال غرس النعمة من غير فكر ولاروية، فقال في كتابه الموسوم «بفلك المعاني» المشحون بقول الزور فيما ينقله ويعاني: (١٦٦ و) وقد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان مع تحذلقه ودعواه الطويلة العريضة وشهرته نفسه بالحكمة ومظاهرته: ونهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت تقبضها مع الملكين وزعمت أنّك في المعاد تعيدها … ما كان أغناها عن الحالين قال ابن الهبارية: وهذا كلام مجنون معتوه يعتقد أن القتل كالموت، والموت، كالقتل، فليت هذا الجاهل الذي حرم الشرع وبرده، والحق وحلاوته، والهدى ونوره، واليقين وراحته، لم يذع ما هو برئ منه بعيد عنه ولم يقل: غدوت مريض العقل والرأي فأتني … لتخبر أنباء الأمور الصحائح حتى سلط الله عليه أبا نصر بن أبي عمران داعي الدعاة بمصر، فقال: أنا ذلك المريض رأيا وعقلا، وقد أتيتك مستشفيا فاشفني، وجرت بينهما مكاتبات كثيرة، وأمر باحضاره حلب، ووعده على الإسلام خيرا من بيت المال، فلما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام سمّ نفسه فمات (¬١). وابن الهبّاريّة لا يعتمد على ما ينقله، وأبو نصر بن أبي عمران هو هبة الله ابن موسى، المؤيد في الدين، وكان اجتمع بأبي العلاء بمعرة النعمان، وذكرنا فيما نقله ابن الزبير باسناده أنه كانت بينه وبين أبي العلاء صداقة ومراسلة، وذكر حكايته معه. وأما الرسائل التي جرت (١٦٦ ظ) بينه وبين أبي العلاء فإنني وقفت عليها، وملكتها نسخه، والمؤيد في الدين ابتداه وقال: بلغني عن سيدنا الشيخ بيتا، وذكر البيت المذكور، وقال: أنا ذلك المريض عقلا ورأيا وقد أتيتك مستشفيا، لم امتنعت عن أكل اللحم؟ فأجابه أبو العلاء أن ذلك لرقة تأخذه على الحيوان، وأن الذي يحصل له من ملكه لا يقوم بسعة النفقه. فأجابه بجواب حسن وقال: إنه قد تقدم إلى الوالي بحلب أن يحمل إليه ما يقوم بكفايته، لا كما ذكر ابن الهبّاريّة بأن يحمل الى حلب، وأنه وعد عن الاسلام خيرا من بيت المال، فامتنع أبو العلاء عن قبول ما بذله له وأجابه عن كتابه بجواب حسن، فورد جواب المؤيد في الدين يتضمن الاعتذار إليه عن تكليفه المكاتبة في المعنى المذكور، وشغل خاطره، لا كما ذكر ابن الهبارية. وكذلك قول ابن الهبّاريّة أن أبا العلاء «سم نفسه فمات»، خطأ فاحش من القول فإن أبا العلاء مات حتف أنفه بمرض أصابه، وسنذكر ذلك إن شاء الله في ذكر وفاته. قرأت بخط أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد سليمان أو بخط أبيه أبي محمد عبد الله فإن خطيهما متشابهان، في ورقة وقعت إليّ، ذكر فيها شيئا من أحوال أبي العلاء، وقال فيها: إن المستنصر بالله صاحب مصر بذل له ما لبيت المال بمعرة النعمان من الحلال، فلم يقبل منه شيئا وقال: (١٦٧ و). كأنما غانة لي من غنى … فعدّ عن معدن أسوان (¬١) سرت برغمي عن زمان الصبى … يعجلني وقتي وأكواني ضد أبي الطيب لما غدا … منصرفا عن شعب بوّان (¬٢) وقال: لا أطلب الأرزاق والمولى … يفيض علي رزقي إن أعط بعض القوت أعلم … أن ذلك ضعف حقي (¬١) قال: وكان ﵁ يرمى من أهل الحسد له بالتعطيل، وتعمّل تلامذته وغيرهم على لسانه الأشعار يضمنونها أقاويل الملحدة قصدا لهلاكه، وإيثارا لتلاف نفسه، فقال ﵁: حاول إهواني قوم … فما واجهتهم إلا بإهوان تخوّنوني بسعاياتهم … فغيروا نية إخواني لو استطاعوا لوشوا بي … إلى المريخ في الشهب وكيوان وقال: غريت بذمّي أمة … وبحمد خالقها غريت وعبدت ربي ما استطعت … ومن بريته بريت وفرتني الجهال حا … شدة علي وما فريت (¬٢) سعروا علي فلم أحس … وعندهم أني هريت (١٦٧ ظ) وجميع ما فاهوا به … كذب لعمرك حنبريت (¬٣) وقال أيضا في ذلك: والله سلم بعدما … حشد العداة ونفّروا وسعوا الى الأمراء علي … في المجال أفرفر (¬٤) وتراسلوا وتألبوا … وسكت لما اسحنفروا خالوني الصيد الأخير … سطا عليه غضنفر والله يعلم أينا … أطغى وأي أكفر قال: وكان يدفع الله سبحانه عند مكائد الأعداء، ويقوم له من المتقدمين من ينتخي له، ويذب عنه، فقال في ذلك ﵁: ضعفت عن كيدهم غير … أن الله بالحكمة قواني أعانني من عز سلطانه … فلم أبك قلة أعواني وزينوا هلكي بعدوانهم … لكل ذي جور وعدوان ومدّ في القصر (¬١) … حديثي وكم ذممت في قصر وإيوان كفاني الصدق ورب رأى … تعظيمه معظم ديواني فما رموا سهما لهم بالغوا … في سمه إلا وأشواني (¬٢) يا دائبا في عنتي جاهدا … إبليس في ودّك أغواني خال من الضغن وخال حجى … إني وإياك لخلوان (١٦٨ و) كأن طرحي في لظى مالك … يدخله جنة رضوان قال: ولم يكن من شأنه أن يلتمس من أحد من خلق الله شيئا، وكان كثير الأمراض فقال: لا أطلب السّيب من الناس … بل أطلبه من خالق السّيب ويشهد الأول أني امرؤ … لي جسد يغرق في عيني تضرب أضراسي وطبي بها التعطيس … بالكندس في جيبي ويلي مما أنا فيه وجل … الأمر عن ويح وعن ويب لو أن أعمالي محمودة … لقلت حوطي بي وأعني بي قال: وأبان عن تعظيم الله سبحانه واعتقاده الصحيح فيه فقال: ترتاح في الصيف الى أشهر … القرّ وفي مشتاك للصيف فخف إلها عز سلطانه … وجل عن أين وعن كيف وعلم الناس محاسن الأخلاق فقال: والرزق مقسوم فياسر ولا … تطلبه بالرمح والسيف وكن لما تملكه باذلا … ولا تهاون بقرى الضيف فاز امرؤ أنصف في دهره … وخاب من مال الى الحيف سمعت العماد ساطع بن عبد الرزاق بن المحسن بن أبي حصين المعري يقول: بلغني أن الناس لما أكثروا القول في الشيخ أبي العلاء بن سليمان ورموه بما (١٦٨ ظ) رموه به من الإلحاد، سير صاحب حلب قصدا لأذاه، فلما جاءه الرسول بات على عزم أن يأخذوه بكرة اليوم الآتي، فبات الشيخ أبو العلاء تلك الليلة في محرابه يدعو الله ويذكره، ويسأله أن يكفيه شره، وقال لبعض أصحابه أرقب النجم الفلاني فما زال يرقبه الى أن أخبره بأنه غاب، والشيخ يدعو مستقبلا القبلة. فلما أصبح جاءه الرسول فقال له أبو العلاء: امض فقد قضي الأمر، فقال: وما ذاك؟ قال: إن صاحبك مات، قال: تركته وهو في عافية، قال: إنه قد مات الليلة، فعاد فوجد الأمر كما ذكر، وذاك أنه سقط بيت كان به، وتقصفت الأخشاب فمات، هذا معنى ما ذكره لي أو قريب منه (¬١). وقرأت بخط الشريف إدريس بن الحسن بن علي بن عيسى بن علي الإدريسي الحسني قال: أخبرني الشريف النقيب: نظام الدين أبو العباس بن أبي الجن الحسيني قال: حدثني ابن أخت أمين الدولة الشريف القاضي الأفطسي قال: كان الشريف أبو ابراهيم محمد يحضر مجلس معز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب، ويحضره المحبرة العباسي من ولد إسماعيل بن صالح وكل واحد منهما فقيه نبيل في المذهب الذي عرف به، وكان المحبرة يدق على أبي العلاء بن سليمان ويكفره ويحض معز الدولة على قتله، فكان معز الدولة يستطلع رأي (١٦٩ و) الشريف أبي إبراهيم فيه، فيقول فيه بخلاف ما يقول المحبرة ويقرظه عند معز الدولة ويرغبه في إبقائه وينشده من أشعاره التي لا يلم فيها بأمر منكر، فجمع المحبرة جماعة من الفقهاء وغيرهم من أهل السنّة وصعد الى معز الدولة وألجأه الى أن يبعث إليه فيحضره الى حلب، ويعقد له مجلس يخاطب فيه على ما شاع له من الشعر والتصانيف التي صنفها، فندب لإحضاره رسولا من خاصته، فيقال: إن أبا العلاء بن سليمان صعد في الليلة التي ورد فيها الرسول لإحضاره، وبسط منديلا عليه رماد فوضع عليه خده ودعا الله ﷿ بدعاء الفرج طول ليلته، فلم ينزل إلا ورسول ثان من معز الدولة يقول للأول: لا تزعج الرجل واتركه، فعاد، واتفق في تلك الليلة أن سقط المحبرة من سطوح داره فمات. وغبر على ذلك مدة طويلة وأبو إبراهيم محمد ينتظر الثواب من أبي العلاء على ما كان منه إليه، وكان أبو العلاء لا يمدح أحدا ترفعا وضنّا بنفسه وشعره، إلا ما كان من مدحه لنفسه أو أحد من أهل بيته كالقاضي التنوخي، والفصيصي، وما اضطر إليه، فابتدأه الشريف أبو ابراهيم بالقصيدة النونية التي أولها: غير مستحسن وصال الغواني … بعد ستين حجة وثمان (١٦٩ ظ) فأجابه عنها بالقصيدة المكتوبة في سقط الزند: عللاني فان بيض الأماني … فنيت والظلام ليس بفان (¬١) قلت: والشريف المحبرة هو أبو علي محمد بن محمد بن هارون الهاشمي الحلبي، وكان قد تصدى للسعي بأبي العلاء، والتأليب عليه، وكان من أكابر الحلبيين وفقهائهم، ولم يسقط من سطح داره، لكن معز الدولة ثمال بن صالح اعتقله بقلعة حلب سنة أربعين وأربعمائة مع جماعة من أكابر حلب عندما طرق ناصر الدولة بن حمدان الشام، ثم قتله دونهم بسعاية علي بن أحمد بن الأيسر في سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، ولم يكن الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد ناظم النونية موجودا، ولا أدرك زمان ثمال فإنه توفي قبل الأربعمائة، ويحتمل أن أبا إبراهيم المذكور الذي كان يقرظ أبا العلاء عند معز الدولة هو أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن أبي إبراهيم، فإنه كان جليل القدر محترما عند صالح بن مرداس وثمال بن صالح، لكن الشعر الذي ذكره لجده أبي إبراهيم الأكبر، والله أعلم (¬٢). أنبأنا الشريف أبو علي المظفر بن الفضل بن يحيى العلوي قال: قرأت بخط ابن سنان الخفاجي في ذكر أبي العلاء بن سليمان أنه ترك أكل اللحم تزهدا، وكان مع ذلك يصوم أكثر زمانه ويفطر على الخل والبقل ويقول: ان في هذا لخيرا كثيرا. أخبرنا عمر بن محمد بن طبرزد اجازة عن أبي الفضل بن ناصر قال: (١٧٠ و) حدثنا أبو زكريا التبريزي قال: كان المعري يجري رزقا على جماعة ممن كان يقرأ عليه، ويتردد لاجل الأدب إليه، ولم يقبل لاحد هدية ولا صلة، وكان له أربعة رجال من الكتاب المجودين في خزانته وجارية يكتبون عنه ما يرتجله ويمليه. أنبأنا زيد بن الحسن الكندي قال: أنبأنا هبة الله بن علي العلوي الشجري قال: حدثنا أبو زكريا التبريزي قال: ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعري، ولقد اتفق قوم ممن كان يقرأ عليه ووضعوا حروفا وألفوها كلمات وأضافوا إليها من غريب اللغة ووحشيها كلمات أخرى وسألوه عن الجميع على سبيل الامتحان، فكان كلما وصلوا الى كلمة مما ألفوه ينزعج لها وينكرها ويستعيدها مرارا ثم يقول: دعوا هذه، والألفاظ اللغوية يشرحها ويستشهد عليها حتى انتهت الكلمات، ثم أطرق ساعة مفكرا ورفع رأسه وقال: كأني بكم وقد وضعتم هذه الكلمات لتمتحنوا بها معرفتي وثقتي في روايتي، والله لئن لم تكشفوا لي الحال وتدعوا المحال، وإلا هذا فراق ما بيني وبينكم، فقالوا له: والله الأمر كما قلت، وما عدوت ما قصدناه، فقال: سبحان الله، والله ما أقول إلاّ ما قالته العرب وما أظن أنها نطقت بشيء ولم أعرفه. قرأت في كتاب تتمة اليتيمة لأبي منصور الثعالبي وذكر فيها أبا العلاء المعري فقال: (١٧٠ ظ) وكان حدثني أبو الحسن الدلفي المصيّصي الشاعر، وهو ممن لقيته قديما وحديثا في مدة ثلاثين سنة قال: لقيت بمعرة النعمان عجبا من العجب، رأيت أعمى شاعرا طريفا يلعب بالشطرنج والنرد، ويدخل في كل فن من الجد والهزل، يكنى أبا العلاء؛ وسمعته يقول: أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي وأحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء والبغضاء. قال: وحضرته يوما وهو يملي في جواب كتاب ورد من بعض الرؤساء إليه: وافى الكتاب فأوجب الشكرا … فضممته ولثمته عشرا وفضضته وقرأته فإذا … أحلى كتاب في الورى يقرا فمحاه دمعي من تحدره … شوقا إليك فلم يدع سطرا فتحفظتها واستعملتها في مكاتبات الإخوان (¬١). قلت: وهذا الذي حكاه الدلفي لم أسمعه في كتاب غير تتمة اليتيمة، ولم ينقل أحد من المعريين وغيرهم عن أبي العلاء اشتغالا بشطرنج أو نرد، أو دخولا في فن من فنون الهزل، ولم تزل أوقاته منذ نشأ مصروفة إلى الاشتغال بالعلم، كيف وهو أن منصب أبيه ومنصب أخيه لا يقتضى تمكينه من شيء من ذلك، فقد كانا من العلماء الفضلاء، وكان أبو العلاء يزيد عليهما. أخبرنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن اسماعيل الطرسوسي قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي إجازة (١٧١ و) -قلت: ونقلته أنا من خط المقدسي، قال: سمعت الرئيس أبا نصر أحمد بن أحمد بن عبدوس الوفراوندي بها يقول: سألت شيخ الإسلام أبا الحسن علي بن أحمد بن يوسف الهكاري عن أبي العلاء المعري-وكان قد رآه-فقال: رجل من المسلمين. أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة-قراءة عليه- قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي-إجازة، إن لم يكن سماعا-، ح. وكتب إلينا أبو القاسم عيسى بن عبد العزيز اللخمي من الاسكندرية قال: سمعت أبا طاهر السّلفي يقول: سمعت أبا الزاكي حامد بن بختيار بن جروان النميري الخطيب بالشمسانية-مدينة بالخابور-يقول: سمعت القاضي أبا الفتح عبد المنعم بن أحمد بن أبي الروس السروجي يقول: سمعت أخي القاضي أبا الفتح يقول: دخلت على الشيخ أبي العلاء التنوخي بالمعرة ذات يوم في وقت خلوة بغير علم منه، وكنت أتردد إليه وأقرأ عليه، فسمعته وهو ينشد من قبله: كم غودرت غادة كعاب … وعمرت أمّها العجوز أحرزها الوالدان خوفا … والقبر حرز لها حريز يجوز أن تبطئ المنايا … والخلد في الدّهر لا يجوز ثم تأوه مرات وتلا قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ﴾ (١٧١ ظ) ﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ» (¬١)، ثم صاح وبكى بكاء شديدا وطرح وجهه على الأرض زمانا، ثم رفع رأسه ومسح وجهه وقال: سبحان من تكلم بهذا في القدم، سبحان من هذا كلامه، وسكت وسكن، فصبرت ساعة ثم سلمت عليه، فرد علي وقال: يا أبا الفتح متى أتيت؟ فقلت: الساعة، فأمرني بالجلوس، فجلست وقلت: يا سيدنا أرى في وجهك أثر غيظ، فقال: لا يا أبا الفتح بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق وتلوت شيئا من كلام الخالق، فلحقني ما ترى، فتحققت صحة دينه وقوة يقينه. أخبرنا أبو القاسم الأنصاري عن الحافظ أبي طاهر السّلفي، وأنبأنا أبو القاسم اللخمي قال: وسمعت أبا طاهر أحمد بن محمد يقول: وقد كان شيخانا أبو زكريا التبريزي ببغداد وأبو المكارم الأبهري بأبهر، وهما هما ولا يخفى من العلم محلّهما، يبالغان في الثناء عليه ويصفانه بالزهد والدين القوي، والعقيدة الصحيحة القوية، والخوف من الله تعالى، وإن كل ما يذكر من شعره إنما كان يذكره على ما جرت به عادة أهل الأدب، كما فعله أبو الحسين بن فارس في فتيا فقيه العرب، وقبله أبو بكر بن دريد في الملاحن، وعدّ ذلك منهما في جملة المناقب والمحاسن، وهذا الإمامان فمن أجلاّء (١٧٢ و) من رأيته من أهل الأدب والمتبحرين في علوم العرب، والى أبي العلاء انتماؤهما وفي العربية اعتزاؤهما، وقد أقاما عنده برهة من الدهر للقراءة والأخذ عنه والاستفادة. أخبرنا القاضي أبو المعالي أحمد بن مدرك بن سعيد بن سليمان قاضي معرّة النعمان قال: بلغني من شيوخ المعرة أن جماعة من أهل حلب خرجوا إلى ناحية المعرة فقالوا: نريد أن نجتمع بالشيخ أبي العلاء فقال: واحد منهم يقال له ابن الطرسوسي: أي حاجة بنا أن نمضي إلى ذلك الأعمى الأصطيك فقالوا: لابد لنا من المضي إليه، فمضوا حتى وصلوا إلى بابه ودقوا الباب واستأذنوا عليه، فقال: يؤذن للجماعة كلهم ما خلا فلان فلا حاجة له إلى أن يجتمع بالأعمى الأصطيلي، فدخلوا وسألوه الإذن له، فأذن له، وعجبوا من ذلك. قرأت بخط أبي الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الكاتب الوزير في روزنامج أنشأه لولده الحسن يذكر فيه رحلته الى الحج من أذربيجان وعبوره بحلب ومعرة النعمان في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وكان رجلا جليلا وفاضلا، وسنذكر ترجمته في موضعها إن شاء الله. ذكر معرّة النعمان ثم قال وحسنتها وغرّتها وديباجتها وعالمها وراويتها وعلاّمتها ونسابتها الشيخ الجليل العالم أبو العلاء أحمد عبد الله بن سليمان المعروف برهن المحبسين، وهو العالم المقصود (١٧٢ ظ) والبحر من الأدب المورود، والإمام الموجود، والأديب الذي يشهد بفضله الحسود، والزاهد الذي لو أحلّ الدين السجود لوجب له السجود، والفاضل الذي تنضى إليه الركائب، وتركب إلى الاقتباس منه الطريق الموعّر واللاحب (¬١)، وتهجر لمواصلته المناسب والمصاحب، وتطوى إليه البلاد، ويخالف للاكتحال به الرقاد ويحالف السهاد ليؤخذ منه العلم المحض والسداد، ويستفاد من مجالسته العلم المطلوب والرشاد، يفقد لديه الزيغ والإلحاد والفضول في الدين والعناد، الفهم ملء إهابه، والفضل حشو ثيابه، شخص الأدب ماثلا، ولسان البلاغة قائلا: جمال الأيام، وزينة خواص الأنام، وفارس الكلام، والمقدم في النثار والنظام، قد لزم بيته فما يرى متبرزا، وألف داره وأصبح فيها معتمدا متعززا لا يؤنسه عن الوحشة إلاّ الدفاتر، ولا يصحبه في الواحدة إلا المحابر، وقد اقتصر من دنياه على الزاوية، وأنس الاعتزال والعافية، وقصر همته على أدب يفيده، وتصنيف يجيده، وقريض ينظمه، ونثر ينثره فيحكمه، ومتعلّم يفضل عليه، ومسترفد صعلوك يحسن إليه، فهو عذب لمشرب، عف المطلب، نقي الساحة من (١٧٣ و) المآثم، بريء الذمة من الجرائم يرجع الى نفس أمّارة بالخير، بعيدة من الشر، قد كفّ عن زخرف الدنيا ونضرتها، وغضّ طرفه عن متاعها وزهرتها، ونقىّ جيبه فأمن الناس عيبه، قد استوى في النزاهة نهاره وليله، فلم يتدنّس بفاحشة قط ذيله، وعاد لإصلاح المعاد بإعداد الزاد، واعتزل هذه الغدّارة، وأفرج عن المراد. وله دار حسنة يأويها، ومعاش يكفيه ويمونه، وأولاد أخ باق يخدمونه ويقرءون بين يديه، ويدرسون عليه، ويكتبون له، ووراق برسمه مستأجر، ثم ينفق على نفسه من دخل معاشه نفقة طفيفة، وما يفضل عنه يفرقه على أخيه وأولاده واللائذين به الفقراء والقاصدين له من الغرباء، ولا يقبل لأحد دقيقا ولا جليلا، فقد استعمل قول النبي ﷺ أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه. قال ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره (¬١) وما روي أن عقبة بن عامر قال: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك (¬٢) فقد اتخذ الله تعالى ذكره صاحبا، وترك الناس جانبا. فمضيت اليه مسلما، وللاستسعاد به مغتنما، فرأيت شيخا (١٧٣ ظ) حكمت بأنه مولود في طالع الكمال، وأنه جملة الجمال، شمس عصره، وزينة مصره، وعلم الفضل المطلوب، وواسطة عقد الادب المحبوب يزيد على العلماء زيادة النور على الظلام، والكرام على اللئام، وينيف عليهم انافة صفحة الشمس على كره الارض ويشأهم (¬١) كما يشأى السابق يوم الامتحان والعرض. وذكر قصائد سمعها منه من شعره، وقال في آخرها: يا ولدي أبقاك الله هذا ما علقته عن هذا الشيخ المذكور في زورة كانت أقصر من ابهام الضب، وعتاب الصب، وحسوة الطائر، وهجعة السائر، وسالفة الذباب، ودولة الخضاب، ثم عرضت عليه ما أسأرته النوائب من حالي، وتخطته الحوادث من نفقتي ومالي، فأبى عن القبول وامتنع وتلكأ علي ودفع، فلما عرفت مذهبه وظلف نفسه جئته من الباب الذي اقترن بمراده وأنسه. قرأت بخط الحافظ أبي طاهر السلفي في رسالة كتبها الكيا أبو الفتح الحسن ابن عبد الله بن صالح الأصبهاني الى أبي المظفر الليثي الآذري، وقد سأله عن حاله في سفرة سافرها الى الشام وغيرها، قال فيها: وهل أدرك أبا العلاء المعري المحجوب حجب الله عنه السوء، وهو أديبهم الراجح، وعالمهم الفاضل، وشاعرهم البارع، وعهدي به راجعا من بغداد، ولم يصح بجانبي ليله النهار، ولم يقع على شبابه لوقائع الدهر غبار، وهو … احتجت الى علمه، وجئت … الى وطني أربح رأيته معنا مغنّا … فتذكرت قول … لساني وقلبي … صارم كالسيف (¬٢) كتبها الى الدهخذا أبي الفرج محمد بن أحمد قال: فيها والشيخ أبو العلاء المعري فاني وجدته كما قال أبو الطيب. علامة العلماء واللج الذي … لا ينتهي ولكل لج ساحل (¬١) ولم يكن التقائي به في دفعتين الا قدر قبسة العجلان وخفقه النعسان. أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان قال: أخبرني أبي أبو اليسر قال: أخبرني جدي أبو المجد محمد بن عبد الله قال: كان ظهر بمعرة النعمان منكر في زمن صالح بن مرداس، فعمد شيوخ البلد الى انكار ذلك المنكر، فأفضى الى أن قتلوا الضامن بها، وأهرقوا الخمر، وخافوا فجمعهم الى حلب واعتقلهم بها، وكان (١٧٤ و) فيهم بعض بني سليمان، فجاء الجماعة الى الشيخ أبي العلاء وقالوا له: ان الامر قد عظم وليس له غيرك، فسار الى حلب ليشفع فيهم، فدخل الى بين يدي صالح، ولم يعرفه صالح، ثم قال له: السلام عليك أيها الامير. الامير أبقاه الله كالسيف القاطع، لان وسطه، وخشن جانباه، وكالنهار الماتع قاظ، وسطه، وطاب جانباه، «خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين» (¬٢)، فقال له: أنت أبو العلاء؟ فقال: أنا ذاك، فرفعه الى جانبه، وقضى شغله وأطلق له من كان من المحبسين من أهل المعرة، فعمل فيه-قال لي: قال لي أبي: قال لي جدي: وأنشدنيها لنفسه: ولما مضى العمر إلا الأقل … وحان لروحي فراق الجسد بعثت رسولا إلى صالح … وذاك من القوم رأي فسد فيسمع مني هديل الحمام … وأسمع منه زئير الأسد فلا يعجبني هذا النفاق … فكم محنة نفقت ما كسد وقرأت هذه الحكاية في تاريخ أبي غالب همام بن المهذب المعري، وذكر أن اجتماع أبي العلاء بصالح كان بظاهر معرة النعمان قال: سنة سبع عشرة وأربعمائة فيها: صاحت امرأة في الجامع يوم الجمعة، وذكرت أن صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر كل من في الجامع إلا القاضي والمشايخ، وهدموا الماخور، وأخذوا خشبه ونهبوه، وكان أسد الدولة صالح في (١٧٤ ظ) نواحي صيدا. ثم قال: سنة ثماني عشرة وأربعمائة فيها: وصل أسد الدولة صالح بن مرداس الى حلب وأمر باعتقال مشايخ المعرة وأما ثلها، فاعتقل سبعون رجلا في مجلس الحصن سبعين يوما، وذلك بعد عيد الفطر بأيام، وكان أسد الدولة غير مؤثر لذلك، وانما غلب تاذرس (¬١) على رأيه وكان يوهمه أنه يقيم عليهم الهيبة، ولقد بلغنا أنه خاطبه في ذلك فقال له: أقتل المهذب وأبا المجد بسبب ماخور، ما أفعل وقد بلغني أنه دعي لهم في آمد وميافارقين، وقطع عليهم ألف دينار، واستدعى الشيخ أبا العلاء بن عبد الله بن سليمان ﵀ بظاهر معرة النعمان، فلما حصل عنده في المجلس قال له الشيخ أبو العلاء: مولانا السيد الاجل، أسد الدولة ومقدمها وناصحها، كالنهار الماتع اشتد هجيره وطاب أبرداه، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حداه: «خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين» فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ، ولم يعلم الشيخ أبو العلاء أن المال قد قطع عليهم والا كان قد سأل فيه، ثم قال الشيخ أبو العلاء بعد ذلك شعرا: تغيبت في منزلي برهة … ستير العيون فقيد الحسد فلما مضى العمر إلاّ الأقل … وحم لروحي فراق الجسد (١٧٥ ظ) بعثت شفيعا إلى صالح … وذاك من القوم رأي فسد فيسمع مني سجع الحمام … وأسمع منه زئير الأسد فلا يعجبني هذا النفاق … فكم نفقت محنة ما كسد قلت: وبلغني في غير هذه الرواية أنه قال بيتين حين أطلق صالح أهل المعرة: نجى المعرة من براثن صالح … رب يداوي كل داء معضل ما كان لي فيها جناح بعوضة … الله ألحفهم جناح تفضل (¬١) نقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ في تاريخه قال: وحدثني أبي قال: حدثني أبو المعافى بن المهذب قال: عمل الشيخ أبو العلاء في بغداد: منك الصدود ومني بالصدود رضا وهي قصيدة مليحة، فلما ظهرت غني بها، فهو ليلة قاعد في بيته اذ سمع في جواره غناء من القصيدة: بي منك ما لو بدا بالشمس ما طلعت … والغصن ماماس أو بالبرق ماو مضا قال: فلطم وبكى واستغفر الله من ذلك وقال: والله لو علمت أنه يغنى بشعري لما نطقت به. أنشدنا ضياء الدين الحسن بن عمرو بن دهن الخصا بقراءتي عليه بحلب قال: أنشدنا أبو الفضل خطيب الموصل قال: أنشدنا أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي، ح. وأنشدنا الخطيب أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن حرب (١٧٥ ظ) خطيب قلعة حلب، والشريف أبو المحاسن عبد الله بن محمد بن عبد الله الهاشمي الحلبيان بها، والقاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مدرك بن سعيد بن ابن سليمان المعري بها، وشهاب الدين أبو المحامد اسماعيل بن حامد القوصي بدمشق، قالوا: أنشدنا القاضي المؤيد أبو جعفر محمد بن مؤيد بن أحمد بن حواري قال: أنشدني جدي أبو اليقظان أحمد بن محمد بن حواري قالا: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه وهي في أبي الرضا عبد الله بن محمد بن عبد الله القصيصي الكاتب: يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر … لعل بالجزع أعوانا على السفر وإن بخلت عن الأحياء كلهم … فاسق المواطر حيا من بني مطر ويا أسيرة حجليها أرى سفها … حمل الحلي بمن أعيى عن النظر ما سرت إلاّ وطيف منك يصحبني … سرى أمامي وتأويبا على أثري لو حط رحلي فوق النجم رافعة … ألفيت ثم خيالا منك منتظري يود أن ظلام الليل دام له … وزيد فيه سواد القلب والبصر لو اختصرتم من الاحسان زرتكم … والعذب يهجر للافراط في الخفر أبعد حول تناجي الشوق ناجية … هلا ونحن على عشر من العشر قال فيها في المدح: يا روع الله سوطي كم أروع به … فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر (١٧٦ و) باهت بمهرة عدنانا فقلت لها: … لولا الفصيصي كان المجد في مضر وقد تبين قدري أن معرفتى … من تعلمين سترضيني عن القدر القاتل المحل اذ تبدو السماء … لنا كأنها من نجيع الجدب في أزر وقاسم الجود في عال ومنخفض … كقسمة الغيث بين النبت والشجر قد أخذ قوم على أبي العلاء قوله: لولا الفصيصي كان المجد في مضر وجعلوا هذا القول دليلا على سوء اعتقاده لانه يشعر بتفضيل الفصيصي على النبي ﷺ، لان المجد في مضر كان به ﷺ، فلما جاء الفصيصي صار المجد في قحطان. قالوا: وهذا تفضيل للفصيصي نعوذ بالله من ذلك، وكنت أبدا أستعظم معنى هذا البيت وأفكر له في وجه يحمل عليه، وتأويل يصرفه عن هذا المعنى القبيح الذي طعن به الطاعن على ناظمه، فلم يخطر لي في تأويله شيء أرتضيه، ومضى لي على ذلك سنون، فرأيت في منامي ليلة من ليالي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة كأنني أذاكر رجلا بهذا البيت وأقول له: ان هذا كفر، فقال لي ذلك الرجل: لم يرد أبو العلاء ما ذهبت اليه من التفضيل وانما أراد أن المجد كله كان في مضر دون غيرها من القبائل فلما جاء الفصيص وانما صار لقحطان به مجد ونصيب منه، وهذا تأويل حسن، وتكون الالف واللام لاستغراق الجنس والله أعلم. (١٧٦ ظ). أنشدنا أبو اسحاق ابراهيم بن عثمان بن يوسف بن أيوب الكاشغري قال: أنشدنا هبة الله بن يحيى بن الحسن بن البوقي الفقيه الشافعي قال: أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي بن عمر قحف العلم قال: أنشدنا أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه: أما يفيق المرء من سكر … مجتهدا في سيره والسرى نمت عن الأخرى فلم تنتبه … وفي سوى الدين هجرت الكرى كم قائل راح الى معشر … أبطل فيما قاله وافترى على القرا يحمل أثقاله … وإنما يأمل نزر القرى يفتقر الحيّ ويثرى وما … يصير إلا حثوة في الثرى اسمع فهذا هاتف صادق … أراك عقباك فهلاّ ترى أخبرنا أبو هاشم بن أبي المعالي الحلبي قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي بكر الإمام قال: أنشدتنا أم سلمة سنّبك بنت عبد الغابر بن اسماعيل الفارسي بنيسابور، وأبو حفص عمر بن أحمد بن منصور الإمام بمرو قالا: أنشدنا أبو نصر الرامشي النحوي الإمام قال: أنشدني أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري لنفسه: رغبت الى الدنيا زمانا فلم تجد … بغير عناء والحياة بلاغ والقى ابنه اليأس المريح وبنته … لدي فعندي راحة وفراغ (١٧٧ و) وزاد بلاء الناس في كل بلدة … أحاديث مما تفترى وتصاغ تأمّلتها عصر الشباب فلم تسغ … وليس لها من المشيب مساغ ومن شرّ ما أسرجت في الصبح والدجى … كميت لها بالراكبين مراغ أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي قال: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن على بن ثابت الخطيب قال: وبلغنا أنه-يعني أبا العلاء-مات في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة. (¬١) وقرأت بخط أبي الفضل هبة الله بن بطرس الحلبي النصراني المعروف بابن شرارة: لزم أبو العلاء منزله من سنة أربعمائة الى أن توفي يوم الجمعة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول من سنة تسع وأربعين بمعرة النعمان. وقرأت في الجزء الذي سيره لي قاضي المعرة أبو المعالي بن سليمان في أخبار بني سليمان أنه توفي ﵀ وقت صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول من سنة تسع وأربعين وأربعمائة، ودفن في مقابر أهله بمعرة النعمان، وصلى عليه ابن أخيه أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان ﵀. وكذلك قرأت وفاته بخط مؤيد الدولة أبي المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ الكناني. أخبرنا أبو العرب بن أبي الشكر بن أبي القاسم الأنصاري قال: أخبرنا محمد ابن المؤيد التنوخي قال: أخبرني جدي أحمد بن محمد المعري التنوخي (١٧٧ ظ) أبو اليقظان قال: وتوفي-يعني-أبا العلاء بين صلاتي العشاءين ليلة الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وقرأت في تاريخ غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال الصابئ في حوادث سنة تسع وأربعين وأربعمائة قال: وفي الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول توفي بمعرة النعمان من الشام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان. قال: وأذكر عند ورود الخبر بموته تذاكرنا أمره وإظهاره الإلحاد وكفره، ومعنا غلام يعرف بأبي غالب بن نبهان من أهل الخير والسلامة والعفة والديانة، فلما كان من غد يومنا حكى لنا وقد مضى ذلك الحديث يسمعه غرضا فقال: أريت البارحة في منامي رجلا ضريرا وعلى عاتقه أفعيان متدليان الى فخذيه وكل منهما يرفع فمه الى وجهه فيقطع منه لحما يزدرده وهو يصيح ويستغيث، فقلت من هذا-وقد أفزعني ما رأيته منه، وروعني ما شاهدته عليه-؟ فقيل لي: هذا المعري الملحد، فعجبنا من ذلك واستطرفناه بعقب ما تفاوضناه من أمره وتجاريناه (¬١). قلت: خفي على غرس النعمة تأويل المنام وهو أن الأفعيين: هو والذي كان يذاكره بإلحاد المعري وكفره، فرأى هذا الغلام في النوم ما عاينه منهما في اليقظة، قال الله ﷾: «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه» (¬٢) وأما (١٧٨ و) صياحه واستغاثته فإلى الله تعالى عليهما. ذكر الوزير القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني في كتاب «إنباء الأنباه في أنباء النحاة» قال: قرأت بخط المفضل بن مواهب بن أسد الفارزي الحلبي قال: حدثني الشيخ أبو عبد الله الأصبهاني قال: لما حضرت الشيخ أبا العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي الوفاة أتاه القاضي الأجل أبو محمد عبد الله التنوخي (¬٣) بقدح شراب فامتنع من شربه فحلف القاضي أيمانا مؤكدة لا بد من أن يشرب ذلك القدح وكان سكنجبين (¬١)، فقال أبو العلاء مجيبا له عن يمينه: أعبد الله خير من حياتي … وطول ذمائها موت صريح تعلّلني لتشفيني فذرني … لعلي أستريح وتستريح وكان مرضه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا فتناولوا الدوى والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت، فمات في غداة غد، وإنما أخذ القاضي هذه المعرفة من ابن بطلان، لأن ابن بطلان-كان يدخل على أبي العلاء، ويعرف ذكاءه وفضله، فقيل له قبل موته بأيام قلائل: إنه أملى شيئا فغلط فيه، فقال ابن بطلان: مات أبو العلاء، فقيل: وكيف عرفت ذلك فقال: هذا رجل (١٧٨ ظ) فطن ذكي ولم تجر عادته بأن يستمر عليه سهو ولا غلط، فلما أخبرتموني بأنه غلط علمت أن عقله قد نقص، وفكره قد انفسد (¬٢)، وآلاته قد اضطربت، فحكمت عليه عند ذلك بالموت والله أعلم. قرأت بخط بعض البغداديين، قيل: لما مات أبو العلاء المعري سامحه الله وقف على قبره سبعون شاعرا من أهل المعرة، فأنشد كل منهم قصيدة يرثيه بها فقال بعضهم: إن كنت لم ترق الدماء زهادة … فلقد أرقت اليوم من عيني دما سيرت ذكرك في البلاد كأنّه … مسك فسامعة تضمّخ أو فما وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة … ذكراك أوجب فدية من أحرما قلت: وهذه الأبيات لعلي بن محمد بن همام التنوخي، وسنذكرها في ترجمته إن شاء الله تعالى. قرأت في مجموعة بخط بعض الفضلاء لابن أخي المعري يرثي عمه أبا العلاء. لو كان ينفع بعد مصرع مالك … تطويلي الأشعار والأشعارا لوقفت في سبل القوافي خاطري … ولبست من شعري عليك شعارا قلت: وإياه عنى أبو محمد الخفاجي الشاعر في قصيدته الرائية بقوله: ومقيما على المعرّة تطويه … الليالي وذكره منشورا (¬١) ووقع إلي جزء بخط بعض المعريين فيه بعض مارثي به أبو العلاء من الشعر (١٧٩ و) فقرأت فيه لأبي مسلم وادع بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان من جملة قصيدة: ألا يا شبيه البحر أقسم لو درى … بموتك ما جاشت بليل غواربه ويا من بكى طرف المكارم وحشة … له ولسان الفضل والحلم نادبه ولو نطقت كتب العلوم إذا بكى … على فقده من كلّ علم غرائبه ولو أنّ هذا الليل يعلم أنه … قضى لقضى ألاّ تزول غياهبه ولو علمت شهب الظلام بفقده … إذا ندبته في الظلام كواكبه سقى قبره السحب الغزار وخصه … من الله عفو لا يزال يصاحبه فما زال كلّ الناس ينهب علمه … الى أن غدا صرف الردى وهو ناهبه وقد عمّ أهل الأرض جمعا مصابه … كما عمّهم إحسانه ومواهبه رعى الله قبرا أنت يا عمّ ملحد … به وسقاه من حيا المزن صائبه ولولا توخيك الطهارة شيمة … لقلت: سقاه من دم الدمع ساكبه وقرأت فيه لأبي يعلى عبد الباقي بن أبي حصين من قصيدة: نصال الدهر أقصد من سواها … وإن أدمت ولم تدم النصال ألم تر كيف لم يأمن شباها … أمين الأرض والورع البجال وسار سريره فوق الهوادي … لقد خفّت مذ اليوم الجبال وأقبر في المعرّة وهو أولى … بقبر في المجرّة لا يطال (١٧٩ ظ) وقرأت فيه لأبي الفتح الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة: العلم بعد أبي العلاء مضيّع … والأرض خالية الجوانب بلقع لا عالم فيها يبين مشكلا … للسائلين ولا سماع ينفع وعظ الانام بما استطاع من الهدى … لو كان يعقل جاهل أو يسمع ومضى وقد ملأ البلاد غرائبا … أسفي عليه وقد مشيت وراءه ما كنت أعلم وهو يودع في الثرى … أن الثرى فيه الكواكب تودع جبل ظننت وقد تزعزع ركنه … أنّ الجبال الراسيات تزعزع وعجبت أن تسع المعرة قبرة … ويضيق عرض الارض عنه الأوسع أسفي عليه وقد مشيت وراءه … ومتالع فوق المناكب ترفع والشمس كاسفة الضياء كئيبة … والجوّ مسود الجوانب أسفع والأرض عادمة النسيم كأنما … سدّت منافسها الرياح الأربع لو فاضت المهجات يوم وفاته … ما استكثرت فيه فكيف الأدمع إني لمحتشم وقد دخل الثرى … ويكون لي كبد ولا تتقطع (¬١) أخبرنا أبو اليمن الكندي في كتابه قال: أجاز لنا أبو عبد الله محمد بن نصر القيسراني، وقال: وكتبها عند قبر أبي العلاء بمعرة النعمان. نزلت فزرت قبر أبي العلاء … فلم أر من قرى غير البكاء ألا يا قبر أحمدكم جلال … تضمه ثراك وكم ذكاء (¬١) وزرت قبر أبي العلاء في البرية التي فيها مقابر أهله داخل معرة النعمان، بالقرب من آدر بني سليمان، ﵀.
Parsing and provenance details
Local passage ID
872344
Book record
shamela-10798
Source record
964500
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain