page 759, entry [291]Open original source
أحمد بن طلحة: وقيل محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس المعتضد بالله ابن أبي أحمد الموفق الناصر ابن أبي الفضل المتوكل ابن أبي اسحاق المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور ابن ذي الثفنات الهاشمي، أمير المؤمنين. وإنما وقع الاختلاف في اسم أبيه، أي الموفق، لأن المتوكل قال: من غلب كنيته من ولدي على اسمه فاسمه محمد، وكان الغالب كنية أبي أحمد الموفق على اسمه، والأكثر على أن اسمه طلحة. وأم المعتضد أم ولد يقال لها نخلة، ويقال ضرار، وكان اسمها قبل أن تصير إلى أبيه خفير فغير اسمها، وقيل إن اسمها خزر. وكان مولده سنة اثنتين، وقيل ثلاث وأربعين ومائتين، وبويع له بولاية العهد بعد موت أبيه في يوم الاثنين (١١٧ - ظ) لثلاث بقين من المحرم من سنة تسع وسبعين ومائتين ثم ولي الخلافة بعد موت عمه المعتمد على الله يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وهو ابن ست وثلاثين وقيل سبع وثلاثين، وبويع له ساعة موت المعتمد، وقعد على السرير وسلم عليه بالخلافة وقت طلوع الشمس من يوم الأحد، وكانت ولايته عهد المسلمين يوم الاثنين وولايته الخلافة يوم الاثنين، وموته يوم الاثنين، وقدم حلب من بين إحداهما في حياة أبيه، سيره لقتال خمارويه بن أحمد بن طولون في جيش. فقدم حلب في وقت ارتفاع النهار من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقدم إليها على طريق بالس على برية خساف حتى نزل الناعورة، ثم دخل حلب، ثم خرج من حلب إلى قنسرين ثم توجه إلى شيزر ثم إلى حماه إلى أن انتهى إلى الرملة وجرى بينه وبين ابن طولون وقعة الطواحين، وانهزم ابن طولون إلى مصر، ثم عادت النصرة لعسكر ابن طولون على أبي العباس فعاد مفلولا حتى وصل أنطاكية، ثم خرج منها إلى بغراس ثم نفذ إلى المصيصة ثم إلى أذنه ثم إلى طرسوس ثم عاد إلى المصيصة ثم الى الكنيسة السوداء، ثم نفذ إلى مرعش ثم إلى كيسوم، ثم إلى حصن منصور ثم إلى سميساط ثم خرج إلى الرها وتوجه إلى بغداد، ذكر ذلك سنان بن ثابت (١١٨ - و) في سيرة المعتضد، ونقله من خط أحمد بن الطيب السّرخسي وذكر فيه المراحل التي نزلها أبو العباس من يوم خرج من بغداد إلى أن عاد إليها من وقعة الطواحين (¬١). وأما القدمة الثانية فقدمها وهو خليفة خلف وصيف الخادم وقد فارق مولاه الأفشين من برذعة عاصيا، ومضى إلى الثغور وخلع الطاعة، فسار خلفه، وجد في السير، وقدم حلب في طريقه في سنة سبع وثمانين فلحقه بعين زربة وقبض عليه وأحرق السفن، ونزل المصيصة، ثم عاد إلى أنطاكية، ثم إلى حلب ثم توجه إلى بغداد (¬١). وكان المعتضد من أشجع الخلفاء، وأعظمهم همة، وأحسنهم سيرة، وأكملهم رأيا، وأكرمهم نفسا، وأكثرهم عدلا. وحدث عن يزيد بن سنان، وأبيه أبي أحمد الموفق، روى عنه إسماعيل بن اسحاق القاضي، وابن ابنه محمد بن علي المكتفي، وأظن أن المعتضد سمع كتاب السنن من أبي داود السجستاني أخبرنا القاضي أبو المعالي محمود بن محمد إسماعيل اليعقوبي في كتابه إلينا من بوشنج (¬٢). قال: أخبرنا محمد بن منصور الأديب قال: أخبرنا أحمد بن أبي عاصم الصيدلاني قال: أخبرنا أبو يعقوب اسحاق بن إبراهيم العراب الحافظ قال: أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن الحسين بن علي الجوزقي قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن موسى الملحمي الأصبهاني قال: حدثنا محمد بن عبدان الجواليقي قال: حدثنا إسماعيل القاضي قال: حدثنا الإمام أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد بالله أمير المؤمنين قال: حدثنا (١١٨ - ظ) يزيد بن سنان قال: حدثنا يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مؤمن يدخل قبره إلاّ وعمله معه، فإن كان محسنا أضاء له عمله، وإن كان مسيئا قبح له» (¬٣). أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي الحلبي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن محمد الخطيب الكشمهني، ح. وأخبرنا علي بن عبد المنعم بن علي بن الحداد الحلبي قال: أخبرنا يوسف بن آدم المراغي قالا: أنبأنا أبو بكر محمد بن أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله اسماعيل بن عبد الغافر الفارسي قال: أخبرنا أحمد ابن الحسين الحافظ قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ البيع قال: سمعت محمد ابن الفضل النحوي قال: سمعت أبا الطيب عبد الله بن شاذان قال: سمعت يوسف ابن يعقوب يقول: قرأت توقيع المعتضد إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير: «واستوص بالشيخين الخيرين الفاضلين: إسماعيل بن اسحاق الأزدى وموسى بن اسحاق الخطمي خيرا، فإنهما ممن إذا أراد الله بأهل الأرض شرا دفع عنهم بدعائهما». أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد ابن نعيم الضبي قال: سمعت أبا الوليد حسان (١١٩ - و) بن محمد الفقيه يقول: سمعت أبا العباس بن سريج يقول: سمعت اسماعيل بن اسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم، فرآني المعتضد وأنا آملهم، فلما أردت القيام أشار إليّ، فمكثت ساعة، فلما خلا قال لي: أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط. وقع إليّ كتاب ذكر صاحبه في ترجمته فيه أخبار وحكايات قرأتها بخط أبي نصر إبراهيم بن علي بن عيسى بن الجراح فيه: حدثني أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي النحوي قال: سمعت القاضي اسماعيل بن اسحاق يقول: دعاني أمير المؤمنين المعتضد بالله في بعض الأيام، فدخلت عليه وبين يديه جام لطيف في طبق لطيف فيه خبيص، وبيده ملعقة وهو يأكل منه، فسلمت عليه، فرد علي السلام، وسوى الخبيص في الجام بالملعقة التي في يده حتى استوى وانبسط في الجام كما كان، ثم أمر برفعه، ثم قال لي: يا إسماعيل، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ما على إمام المسلمين إذا عف عن أموالهم، ما أكل من شيء؟ قلت: لا شيء عليه يا أمير المؤمنين ولا حرج، بل نعمة يديمها الله، ويسعده بها، وكان بين يديه خادم وضيء الوجه جدا، فجعلت أنظر إليه وألحظه، فرآني المعتضد فقال: يا إسماعيل، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا يسألني الله عنه، قلت: الحمد لله يا أمير المؤمنين، فأحدّث بهذا عنك؟ قال: نعم، حدّث به عني ما أحببت. أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الكشمهني قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن منصور بن محمد السمعاني قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي، ح. وأخبرنا أبو اليمن الكندي-إذنا-قال: أخبرنا أبو منصور بن محمد قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال: أخبرنا التنوخي قال: أخبرني أبي قال: حدثني أبي قال: سمعت القاضي أبا عمر محمد بن يوسف يقول: قدّم خادم من وجوه خدم المعتضد إلى أبي في الحكم فجاء فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل إدلالا بعظيم محلة من الدولة، فصاح أبي عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع! يا غلام، عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة، لأتقدم إليه ببيع هذا العبد، وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم قال لحاجبه: خذ بيده وسوّ بينه وبين خصمه فأخذ كرها وأجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدّث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: (١١٩ - ظ) لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبدا، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأبدان. هذا القاضي هو أبو محمد يوسف بن يعقوب بن اسماعيل بن حماد بن زيد البصري. أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل قال: أخبرنا زاهر بن طاهر المستملي إذنا عن أبي القاسم بن أحمد البندار قال: أنبأنا أبو أحمد بن محمد المقرئ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي إجازة قال: ومات الموفق ليلة الخميس لثمان بقين من صفر-يعني من سنة ثمان وسبعين-وجلس أبو العباس يوم الخميس فعزاه الناس، وخطب يوم الجمعة للمعتمد ثم المفوض يعني جعفر بن المعتمد بالعهد، ثم لأبي العباس أحمد المعتضد بالله ولي عهد المسلمين. وقال الصولي: بعد ذلك أمر المعتمد أن يجعل أبو العباس أحمد بن الموفق في ولاية العهد مكان جعفر المفوض، وكتبت الكتب وقريت عليه، وأدخل القضاة إليه حتى شهدوا بذلك في يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم يعني من سنة تسع وسبعين. قال: فحدثني نصر الحاجب المعروف بالقشوري قال: أنا سفرت في ذلك لمال أطلقه لي المعتضد فأتيت المعتمد فأخبرته به بعد أن أشرت على المعتضد أن يحمل إليه مائتي ألف دينار، وثيابا وطيبا، ففعل ذلك، وطابت نفسه، وحمل إلى المفوض مثل ذلك، وفارقنا المعتمد على أن يرضى جعفر بذلك، فلما سألت (١٢٠ - و) المعتمد ذلك قال لي: أفيرض جعفر؟ قلت: نعم، قال فليجئني أحمد حتى أفعل ما يريد، فجاء فأجلسه على كرسي بين يديه وهو على سريره بعد أن ضمه إليه، وقبل المعتضد يده، فتحدثا ساعة بغير ما قصداه، ثم ابتداه المعتمد فقال: أحضر من شئت فإني أفعل ما تريد، فأحضر الناس وشهدوا على خلع جعفر من ولاية العهد، وتولية المعتضد، وكتب بذلك كتب إلى النواحي، وأن المعتمد قد جعل إليه ما كان إلى الموفق من الأمر والنهي، ووقع المعتمد في الكتاب: أقر عبد الله أحمد الإمام المعتمد على الله أمير المؤمنين بجميع ما في هذا الكتاب، وكتب بخطه، وأقر جعفر بن أمير المؤمنين المعتمد على الله بجميع ما في هذا الكتاب، وكتب بخطه (¬١). أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب قال: أحمد أمير المؤمنين المعتضد بالله بن أبي أحمد الموفق بالله -واسمه-محمد بن جعفر المتوكل على الله بن محمد المعتصم بالله بن هرون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، يكنى أبا العباس. ويقال إن اسم أبيه طلحة، وأمه أم ولد اسمها خفير، ويقال ضرار، توفيت قبل خلافته بيسير. وكان مولده فيما أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ قال: أخبرنا علي بن أحمد ابن أبي قيس قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: (١٢٠ - ظ) حدثنا محمد بن حماد أن ميلاد أبي العباس سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: استخلف أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن محمد في اليوم الذي مات فيه المعتمد على الله وله إذ ذاك سبع وثلاثون سنة. وقال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال: وولي المعتضد بالله أبو العباس ابن أبي أحمد الموفق بالله لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وتسعين ومائتين، وولد بسر من رأى في ذي القعدة سنة أثنتين وأربعين ومائتين (¬١). أنبأنا أبو حفص عمر بن طبرزد عن أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد-إذنا-قال: أنبأنا أبو أحمد المقرئ عن أبي بكر محمد بن يحيى الصولي قال: كانت البيعة بالخلافة لأبي العباس أحمد ابن الموفق بالله-واسم الموفق محمد، وقيل طلحة، وكان المتوكل على الله قال: كل من غلبت عليه كنيته من ولدي فاسمه محمد-يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وسنه يوم ولي الخلافة سبع وثلاثون سنة، مولده في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين، سمعت المكتفي بالله يذكر ذلك. وقال الصولي: حدثني عبد الله بن المعتز قال: كان المتوكل على الله يجلسني والمعتضد آخر (١٢١ - و) أيامه معه على السرير ونحن صغيران، فيرمي إلينا بالشيء فنتحارب عليه، فيضحك من فعلنا؛ قال: وكان هو أسنّ مني. قال: وأم المعتضد يقال لها خزر، ويقال أن اسمها غيّر، كان اسمها ضرار ثم سميت بخفير، وكانت وصيفة لخديجة بنت محمد بن إبراهيم بن مصعب فاشتراها منها أخوها أحمد بن محمد، ثم اشتراها بعض القواد فأهداها إلى المتوكل، فوهبها لإسحق أم الموفق جاريته، فوهبتها للموفق. وكان الذي سماه المعتضد عبيد الله بن عبد الله قبل ولايته العهد ببيتين قالهما وكتب إليهما (¬٢) إليه. إرث الخلافة معضود بمعتضد … لازال عنه وموصول لمن ولدا خليفة ملكه أمن وعافية … ورخص سعر وخصب فليعش أبدا قال: وكان المعتضد من أكمل الناس عقلا، وأعلاهم همة، وأكثرهم تجربة، قد حلب الدهر أشطره، وعاقب بين شدّته ورخائه، وكان أبوه الموفق يسمى المنصور الثاني لانشعاب الأمور عليه وقيامه بها حتى تجلت، وكان المعتضد يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس بعد اخلاقه، وقتل أعداءه، فكان أول لهم كما كان السفاح أولا، وقد احتذى هذا المعنى علي بن العباس الرومي فقال يمدحه لما قام بالخلافه: (١٢١ - ظ). هنيئا بني العباس إنّ إمامكم … إمام الهدى والباس والجود أحمد كما بأبي العباس أنشئ ملككم … كذا بأبي العبّاس أيضا يجدّد إمام يظلّ الأمس يعمل نحوه … تلهّف ملهوف ويشتاقه الغد (¬١) قرأ في كتاب أخبار المعتضد من أخبار بغداد لعبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر الذي ذيل به على تاريخ أبيه قال: وكان المعتضد بالله خليفة لم يقم من خلفاء بني العباس بعد المنصور خليفة كان أكمل منه شجاعة، ورجلة، وجزالة، ورأيا، وحذقا بكل صناعة، وعدلا وانصافا وحسن سيرة، مؤيدا بالنصر، مقرونا بالظفر. تولى الخلافة وهي علقة متمزقة متفرقه، فجمع أطرافها، وضم منتشرها، وشدد أركانها وقوّى عمادها، ووكد أسبابها، وسن السنن العادلة، وأبقى في رعيته الآثار الفاضلة، ودوّخ البلاد، وقوم العباد، حتى رد المملكه إلى حال جدتها بعد دروسها، ودانت له الأطراف، وخضعت له الأشراف، ولم يبق خارجي إلاّ قصمه، ولا مستصعب إلاّ وقمه ولا عاص الا اصطلمه وأمنت السبل بعد أن كانت مخوفة، واطمأنت النفوس بعد أن كانت مرعوبة، ودرت الأموال بعد أن كانت منقطعة، واستوت بالعدل والانصاف أحوال الرعية. قال عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر: ومن سيرة المعتضد (١٢٢ - و) الجميلة، وسننه الحسنة، ورفعه المواريث في أول خلافته، وما كان من الظلم فيها، وزيادته في مسجد الجامع بالجانب الغربي من قصر المنصور بمدينة السلام حتى اتسع، وتأخيره الخراج، وتسهيل العقاب (¬١) والطرقات، وقطعه الحجارة المانعة للمجتازين بها، ورفعه المكس الذي كان يجبى بمكة والمدينة، والخفارات بطريق الموصل، ورفعه البقايا التي كانت على العمال والرعية في جميع البلدان. قال أبو بكر الصولي في كتاب الأوراق: وفي تأخير الخراج والنوروز يقول يحيى بن علي: إنّ يوم النوروز عاد إلى العه … د الذي كان سنّه اردشير أنت حوّلته إلى الحالة الأو … لى وقد كان حائرا يستدير وافتتحت الخراج فيه فلأم … ة في ذاك مرفق مذكور منهم الحمد والثناء ومنك ال … رفد فيهم والنائل المشكور قال الصولي: وكان الحسين بن عبد الله الجوهري جاء بهدايا من عند خمارويه بن أحمد وسعى في تزويج ابنة خمارويه من علي بن المعتضد، فقال المعتضد: قد علمت إنما أراد خمارويه أن يتشرف بنا، فأنا أتزوجها، فتزوجها بحضرة القضاة، وزوجه إياها ابن الجصّاص (¬٢). قلت: ويقال إنه لم يكن عرس مثل عرس قطر الندى والمعتضد، وبوران (١٢٢ - ظ) بنت الحسن بن سهل، وعبد الله المأمون. وقال الصولي: ولما ولي المعتضد الخلافة أمر بالزيادة في المسجد الجامع بالمدينة وأمر بتسهيل عقبة حلوان، وقال: هذا طريق الملك، فسهلت الى الموضع المعروف بدهليزان، وكان الناس يلقون منه تعبا شديدا، فبلغت النفقة عشرين ألف دينار عليهما، وأمر برد المواريث على ذوي الارحام في آخر سنة ست وثمانين بكتاب ابن أبي خازم القاضي الى أبي النجم بعد أن سأله بدر عما عنده فيه، وأنشئت الكتب بذلك، وما فعله في أمر النوروز وتأخيره لتأخير الخراج، وانما احتذى ما كان المتوكل فعله، وكتب فيه إبراهيم بن العباس الصولي كتابا بتأخيره الى سبعة عشر يوما من حزيران، فاحتذى المعتضد ذلك إلاّ أنه جعله لاحد عشر يوما من حزيران. أنبأنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا علي بن المحسن بن علي التنوخي قال: أخبرنا أبي قال: حدثني أبي قال: لما خرج المعتضد الى قتال وصيف الخادم الى طرسوس وأخذه عاد الى أنطاكية فنزل خارجها، وطاف البلد بجيشه، وكنت صبيا اذ ذاك في المكتب، قال فخرجت في جملة الناس، فرأيته وعليه قباء أصفر، فسمعت رجلا يقول: يا قوم الخليفة أصفر بلا سواد، قال: فقال له أحد الجيش: هذا كان عليه وهو جالس في داره (١٢٣ - و) ببغداد، فجاءه الخبر بعصيان وصيف، فخرج في الحال عن داره الى باب الشماسية، فعسكر به، وحلف أن لا يغير هذا القباء أو يفرغ من أمر وصيف، وأقام بباب الشماسية أياما حتى لحقه الجيش، ثم خرج فهو عليه الى الآن ما غيره (¬١). أخبرنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب في كتابه عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الانصاري قال: أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن أبي أحمد المقرئ قال: أخبرنا محمد بن يحيى اجازة قال: وشخص المعتضد من بغداد في النصف من شوال سنة سبع وثمانين لطلب وصيف الخادم، وكان خبره ورد عليه وهو عليل، فكتم علته وأغذ السير الى أن ظفر به لسبع بقين من ذي القعدة، ودخل به الى بغداد في أول المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين، وأركب الخادم الفالج، وألبس برنسا طويلا. قال محمد بن يحيى: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي قال: قال لنا المعتضد: والله ما أدري كيف ظفرت بالخادم، وما هو إلاّ من أمر الله الذي لا يدرى كيف هو. قال: فقلت: كيف يحب سيدنا أن يصف هذا الفتح، قال بسرعة سيرنا، وسبقنا خبرنا حتى وافيناه قبل أن يعلم بنا. قال: فقلت: ألمّ بعين زربة والمطايا … جنوح طيف أخت بني عدي فقال فيها: أمير المؤمنين هناك فتح … خطت به من الله العلي (١٢٣ - ظ) لقد خسي الأعادي في النواحي … بما أنزلت بالخاسي الخصيّ أتتك بحائن رجلاه منه … ألا يا ربّ حتف في مجي خففت إليه حين أتاك عنه … بريد الصدق بالخبر الجلي طويت الأرض طيا فتّ فيه … إليه تغلغل الموت الوحي قال: وهي قصيدة. نقلت من خط أبي الحسين علي بن المهذب التنوخي المعري في تعليق له في التاريخ حملة إليّ بعض عقبة قال: سنة ثماني وثمانين-يعني ومائتين-وفيها: هرب وصيف الخادم من مدينة برذعة من مولاه الافشين، وسار الى الثغور الشامية وتبعه المعتضد وظفر به بناحية الكنيسة السوداء، وهو يريد دخول بلد الروم، فأخذه وانصرف به الى بغداد، فقتله، واعتل المعتضد لاتعابه نفسه في طلبه إياه علة كانت فيها وفاته، وقيل انه وهو في طلبه، وقد عاينه حصره بول فاستبطأ نفسه أن ينزل وعظم عليه أن يبول في ثيابه وسرجه، فانفتقت مثانته وكان سبب موته. أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي قال: أخبرنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني قال: أخبرنا يوسف بن أيوب الامام بمرو وعبد الله بن يوسف الحربي ببغداد قالا: حدثنا أبو الحسين محمد بن علي بن الهاشمي لفظا قال: أنشدنا الامير أبو الحسن (١٢٤ - و) أحمد بن محمد ابن المكتفي بالله قال: أنشدني الصولي للمعتضد بالله: يا لاحظي بالفتور والدعج … وقاتلي بالدلال والغنج أشكو إليك الذي لقيت من الوجد … فمل لي لديك من فرج حللت بالطرف والجمال من الناس … محل العيون والمهج (¬١) أخبرنا أبو القاسم بن الحسين بن رواحة الانصاري قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأصبهاني الحافظ إجازة إن لم يكن سماعا قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا محمد بن علي بن محمد قال: أخبرنا أبو حاتم محمد بن عبد الواحد قال: أنشدني أبو الحسن وصيف بن عبد الله الدينوري للمعتضد: غلب الشوق رقادي … مثل غلبي للأعادي هاهنا جسمي مقيم … وببغداد فؤادي أملك الأرض ولكن … تملك الخود قيادي هكذا كلّ محبّ … باع قربا ببعاد قلت: وقد رويت هذه الابيات ليحيى بن علي بن المنجم قال: عن لسان المعتضد أنبأنا بها أبو روح عبد المعز بن محمد عن أبي القاسم زاهر بن طاهر قال: أنبأنا أبو القاسم بن أحمد عن أبي أحمد المقرئ قال: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي إجازة قال: حدثني يحيى بن علي قال: كنا مع المعتضد في بعض أسفاره فدعاني فقال لي: قلبي ببغداد وان كان جسمي هاهنا، فقل عني شعرا في هذا (١٢٤ - ظ) المعنى أكتب به الى من أريد ببغداد، فاني قد رمت ذلك فلم يتسق لي فقلت عن لسانه: هاهنا جسي مقيم … وببغداد فؤادي وكذا كلّ محبّ … باع قربا ببعاد أملك الأرض ولكن … تملك الخود قيادي غلب الشوق اصطباري … مثل غلبي للأعادي فأنا أحتال أن يخفى … بجهدي وهو باد ليس واد لا أرى فيه … حبيبي لي بواد فاستحسن الأبيات وكتب بها. قال الصولي: والناس يروونها للمعتضد، وقد حدثني بهذا يحيى بن علي، وكان ما علمت صدوقا فيما يحكيه، فأما الذي للمعتضد في هذا المعنى مما أنشدنيه له محمد بن يحيى بن أبي عباد: إن جسمي بسميا … ط وقلبي بالعراق غلب الشوق اصطباري … من تباريح الفراق أملك الأرض ولا أملك … دفعا لاشتياقي قال الصولي: ومن شعر المعتضد: لم يلق من حرّ الفراق … أحد كما أنا منه لاق يا سائلي عن طعمه … ألفيته مرّ المذاق (١٢٥ - و) جسمي يذوب ومقلتي … عبرى وقلبي ذو احتراق ما لي أليف بعدكم … إلاّ اكتئابي واشتياقي فالله يحفظكم جميعا … في مقامي وانطلاقي قال الصولي: وكانت دريرة جارية المعتضد مكينة عنده لها موضع من قلبه، فتوفيت فجزع عليها جزعا شديدا، ومن شعر المعتضد فيها لما ماتت، أنشدنيه محمد ابن يحيى بن أبي عباد، وكان إبراهيم بن القاسم بن زرزر المغني يغني منه بيتين، ويقول: الشعر واللحن للمعتضد طرحه علي: يا حبيبا لم يكن يعدله … عندي حبيب أنت عن عيني بعيد … ومن القلب قريب ليس لي بداك في شيء … من اللهو نصيب لك من قلبي على قلبي … وإن بنت رقيب وخيالي منك مذغبت … خيال ما يغيب لو تراني كيف لي بعدك … عول ونحيب وفؤادي حشوه من … حرق الحزن لهيب لتيقنت بأني … فيك محزون كئيب ما أرى نفسي وإن … سلليتها عنك تطيب لي دمع ليس يعصيني … وصبر ما يجيب (١٢٥ - ظ) ﷽ وبه ثقتي وقال الصولي: ومن شعر المعتضد ضاع الفراق فلا وجدته … وأتى الحبيب فلا فقدته واهتاجني لما أتى … شوق إليه فاعتنقته أنشدنيه يحيى بن علي قال: أنشدنيه المعتضد لنفسه وقال: اصدقني عنه فحلفت له أنه من حسن الشعر ومليحه. قال الصولي: واعتل المعتضد في سنة تسع وثمانين ولم يزل عليلا مذ وقت خروجه إلى الخادم وتزايدت علته. وقال: حدثني جابر وسعد بن غالب المطببان أن علّته كانت فساد مزاح وجفافا من كثرة الجماع، وكان دواؤه أن يقل الغذاء ويرطب بدنه قليلا قليلا ولا يتعب، فكان يستعمل ضد هذا ويريهم أنه يحتمي، فإذا خرجوا دعا بالجبن والزيتون والسموك والصّحاني، فلم يزل كذلك إلى أن سقطت قوته واشتدت علته في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين. فوافى دار العامة مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، ووصيف موشجير، وديوداد بن محمد بن أبي الساج وأخوه، والفضل بن راشد، في السلاح في جميع أصحابهم، وأحضر خفيف السمرقندي أصحابه، وكذلك رشيق القاري، وجعفر ابن بغلاقر، وحضر القاسم بن عبيدة الله (١٢٦ و) والنوشجاني، ويانس وثابت الرصاصي، وبشر وغلمان الحجر، فسألوا القاسم أخذ البيعة لأبي محمد علي بن المعتضد، فقال القاسم: لست أجسر أطلب مالا لهذا وأخاف أن أنفق بلا إذن، فيفيق أمير المؤمنين ويبلّ فأطالب بالمال، فقالوا له بأجمعهم: نحن نضمن المال لك وهو علينا، فقال: رأيكم، فإن أمير المؤمنين المعتضد أمرني أن أسلم المملكة إلى ابنه أبي محمد والخلافة، فبايع الجميع يوم الجمعة بعد العصر وسمي المكتفي، وأفاق المعتضد يوم السبت فلم يخبر بشيء، ثم توفي ليلة الاثنين لخمس ساعات مضت من الليل، فبعث غداة الاثنين لثمان ليال بقين من شهر ربيع الآخر إلى محمد ابن يزيد المهندس فأعلمه صاف أن المعتضد أوصى أن يدفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وينقل إليها أمهات أولاده وولده ليكونوا بالقرب من قبره، فمضى محمد يزيد وحفر قبرا عشر أذرع في خمس، وكفّن في ثلاثة أثواب أدرج فيها، وحضر القضاة والفقهاء، وغسله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس، وصلى عليه يوسف القاضي، وأدخل حفرته بعد ثلاث ساعات من ليلة الثلاثاء. وكتب القاسم إلى المكتفي بالخبر، وقد كان كاتبه قبل ذلك بحقيقه حال المعتضد وهو أخذ البيعة، فكانت مدة خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، ومات وهو ابن خمس وأربعين سنة. (١٢٦ ظ) أنبأنا أبو اليمن الكندي قال: أخبرنا أبو منصور بن زريق قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أخبرنا محمد عبد الله ابن إبراهيم الشافعي قال: حدثنا أبو بكر عمر بن حفص السدوسي قال: المعتضد أرجف الناس بموته يوم الاثنين للنصف من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وذكر خاصته وقواته أنه لم يمت، وخطب له يوم الجمعة لعشر بقين من هذا الشهر، وأخذت البيعة بولاية العهد لعلي بن المعتضد بالله ليلة الثلاثاء، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وذكروا أنه أوصى أن يدفن فيها، فكانت ولايته تسع سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام. وأنبأنا الكندي قال: أخبرنا أبو منصور قال: أخبرنا أبو بكر قال: أخبرني أبو القاسم الأزهري قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا إبراهيم بن محمد ابن عرفة قال: توفي المعتضد يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، ودفن في حجرة الرخام في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي، وتولى أمره، فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام. أنبأنا أبو اليمن قال أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أبو بكر قال: أنبأنا إبراهيم ابن مخلد قال: أخبرنا إسماعيل بن علي قال: توفي أمير المؤمنين المعتضد بالله وله من السن خمس وأربعون سنة وعشرة أشهر وأيام، وكان رجلا أسمر نحيف الجسم معتدل (١٢٧ و) الخلق قد وخطه الشيب في مقدم لحيته طول، وفي مقدم رأسه بيضاء هكذا رأيته في خلافته إلا الشامة (¬١). أخبرنا أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي الحلبي قال: أخبرنا أبو شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي قال: قرأت على أبي القاسم بن السمرقندي أخبركم أبو الحسن بن النقور، وأبو منصور بن عبد الباقي بن محمد بن غالب العطار قالا: أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال: حدثنا أبو محمد عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى السكري قال: حدثنا أبو يعلى قال: حدثنا زكرياء بن يحيى بن جلاد المنقري قال: حدثنا الأصمعي، ح. قال أبو شجاع البسطامي: ورأيت بخطي أن ابن السمرقندي رواه عن عبد العزيز بن علي بن بنت الحربي عن المخلص عن أبي أحمد بن المهتدى بالله، فالله أعلم، قال: أخبرني أبو أحمد بن المهتدي بالله قال: وقال المعتضد عند نزول الموت به: اللهم إنك تعلم أني أعلم أن لك السماوات والأرض وما بينهما فأسألك أن تغفر لي. أخبرنا أبو اليمن إذنا قال: أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني قال: أخبرنا المعافى بن زكريا قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي المعروف بحجظة قال: قال: لي صافي الحرمي: لما مات المعتضد بالله كفنته والله في ثوبين قوهي قيمتهما ستة عشر قيراطا (¬١). (١٢٧ ظ).