page 379, entry [116]Open original source
ذكر جبل سمعان وهذا الجبل غربي مدينة حلب أوله شمالي جبل جوشن، ثم يمتد غربا ويتصل بجبال عدة محسوبة منه، الى كورة تيزين، وهو جبل نزه، كثير الشجر من التين والزيتون والكرم والكمثرى؛ وفيه آثار عظيمه من بناء الروم، وفيه دير سمعان (¬١)، وكان من الأبنيه العظيمة المستحسنة التي تقصد لحسنها (١٦٤ - و-) وكان على الدير حصن مانع، أخربه سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، خوفا من غلبة الروم عليه، ومضايقتهم حلب به. وهذا الدير غير دير سمعان الذي دفن فيه عمر بن عبد العزيز ﵁ بالقرب من معرة النعمان، ويعرف بدير النّقيرة أيضا. وفي هذا الدير الذي بجبل سمعان يقول أبو الفوارس بن أبي الفرج الاستاذ البزاعي، أنشدنا عبد الرحمن بن أبي غانم بن إبراهيم بن سندي الحلبي قال: أنشدني أبو الفوارس بن أبي الفرج البزاعي الاستاذ لنفسه وكتبها على حائط دير سمعان؛ وقرأت هذه الأبيات أيضا بخط اللطيف علي بن سنان السراج، وذكر أنه أنشده إياها أبو الفوارس لنفسه، وكتبها على حائط دير سمعان، وقد أتاه متفرجا في سنة إحدى وثمانين وخمسمائه. يا دير سمعان قل لي أين سمعان … وأين بانوك خبرني متى بانوا وأين سكانك القوم الألى سلفوا … قد أصبحوا وهم في الترب سكان أصبحت قفرا خرابا مثل ما خربوا … بالموت ثم انقضى عمر وعمران وقفت أسأله جهلا ليخبرني … هيهات من صامت بالنطق تبيان أجابني بلسان الحال إنهم … كانوا ويكفيك قولي إنهم كانوا (¬٢) وقيل إن هذا الجبل ينسب إلى سمعان حواري عيسى ﵇ الذي ينسب الدير إليه، وسنذكر ترجمته إن شاء الله، وقيل سمعان هو اسم (١٦٤ - ظ) الجبل نفسه، والدير المذكور مضاف إلى الجبل المسمى بسمعان ويدل على ذلك ما أخبرنا أبو البيان بن أبي المكارم بن هجام الحنفي بالقاهرة المعزية قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن محمد بن منصور الحضرمي قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن أحمد ابن عيسى السعدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي المقرئ قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن نعيم قال: حدثنا أبو علي عبيد الله الدارسي حدثني أبو مسعود عبيد بن سميع عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما قدم وفد إياد قال لهم رسول الله: «ما فعل قس بن ساعدة»؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: «يرحم الله قس بن ساعدة كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة، وما أجدني أحفظه»؛ فقال أبو بكر ﵁: سمعته يقول بسوق عكاظ: أيها الناس، اسمعوا واحفظوا من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، وسماء ذات أبراج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، ومطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، وضوء وظلام، وبر وأثام، ولباس ومركب ومطعم ومشرب، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا (١٦٥ - و) بالمقام هنالك فأقاموا، أم تركوا هنالك فناموا، يقسم بالله قس بن ساعدة قسما برّا لا إثم فيه، ما لله في الأرض دين أحب إليه من دين قد أظلكم زمانه، وأدرككم أوانه، طوبى لمن أدركه فتابعه، وويل لمن أدركه ففارقه، ثم أنشأ يقول: في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها … يمضي الأصاغر والأكابر لا من مضى منهم يرا … جعهم ولا الباقي بغابر أيقنت أني لا محا … لة حيث صار القوم صائر فقال رسول الله ﷺ: «رحم الله قس بن ساعدة إني لأرجو أن يأتي يوم القيامة أمة وحده»، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجبا، قال: «وما الذي رأيت؟» قال: بينا أنا يوما بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان في يوم قائظ شديد الحر، إذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة عندها عين من ماء، وإذا حوله سباع كثيرة قد وردت، وهي تشرب من الماء، فإذا زأر سبع منها على صاحبه، ضربه بيده، وقال: كفّ حتى يشرب من الذي ورد قبلك، فلما رأيته وما حوله من السباع هالني ذلك، ودخلني رعب شديد، فقال لي: لا تخف، لا بأس عليك إن شاء الله، وإذا (١٦٥ - ظ) أنا بقبرين، بينهما مسجد، فلما أنست به قلت له ما هذان القبران؟ قال: هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع، واتخذت فيما بينهما مسجدا أعبد الله فيه حتى ألحق بهما، ثم ذكر أيامهما وفعالهما، فبكى ثم قال: خليلي هبّا طالما قد رقدتما … أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تعلما أني بسمعان مفرد … وما لي فيها من حبيب سواكما أقيم على قبريكما لست نازحا … طوال الليالي أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الذي … يردّ على ذي لوعة إن بكاكما كأنكما والموت أقرب غاية … بروحي في قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية … لجدت بنفسي أن تكون وقاكما فقال رسول الله ﷺ: «يرحم الله قس بن ساعدة». فقد صرح في هذا الخبر بقوله: بجبل في ناحيتنا يقال له سمعان، وفي الشعر ألم تعلما أني بسمعان مفرد ويجوز أن يكون الجبل في الأصل منسوبا الى سمعان، ثم غلب الاسم على الجبل، كما سمي جبل البشر باسم رجل يقال له البشر، ثم غلب على الجبل، ومثل هذا كثير في كلام العرب، وفي هذا الجبل قرية يقال لها روحين، وفي أرضها مشهد حسن يقال له مشهد روحين، وفيه قبور ثلاثة، قيل ان أحد القبور قبرقس، والى جانبه عين اذا زاد الماء سرحت. وسنذكره فيما يأتي من المزارات بمدينة حلب وأعمالها ان شاء الله. وفي وسط هذا الجبل جبل عال شاهق على الجبال التي حوله، يقال له بيت لاها (١٦٦ - و) وهو بيت لاها الشرقي، لان جبل اللكام يقال له بيت لاها الغربي، ومعناه بالسريانية بيت الله، ويقال: إن ابراهيم ﵇ لما هاجر الى الشام كان يرعى غنمه من أرض حلب الى بيت لاها، ويقال لما حوله من الجبال، جبل ليلون، وقيل فيه لولون، كذا ذكره البلاذري في حديث الجراجمة (¬١) وهو من أحسن الاماكن وأكثرها بهجة، وجميعها من جبل سمعان، وأنشدني منصور بن سعيد بن أبي العلاء الحلبي قال: أنشدني عيسى بن سعدان لنفسه. يا دار علوة ما جيدي بمنعطف … إلى سؤال ولا قلبي بمنجذب ويا قرى الشام من ليلون لا بخلت … على بلادكم هطالة السحب ما مر برقك مجتازا على بصري … إلاّ وذكرني الدارين من حلب ليت العواصم من شرقي فامية … أهدت إليّ نسيم البان والغرب ما كان أطيب أيامي بقربهم … حتى رمتنا عوادي الدهر عن كثب (¬١) ولمحاسن بن اسماعيل بن علي الشوا من قصيدة أولها: أيّها المزن إن طرقت الأحصّا … فاسق منه ذاك المكان الأخصا قال فيها: وتعهد ليلون ليلا تجد زهر … عراص تحكي بروقل عرصا ***