page 173, entry [339]Open original source
٣٠٧ - [أبو عثمان الصابونى] اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن ابراهيم بن عامر بن عابد الاستاد الإمام شيخ الاسلام أبو عثمان الصابوني الخطيب المفسر، المحدث، الواعظ. أوحد وقته في طريقته، ووعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة. وخطب وصلّى في الجامع نحوا من عشرين سنة. وكان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعا وحفظا ونشرا لمسموعاته وتصنيفا وجمعا وتحريضا على السماع وإقامة لمجالس الحديث. سمع بنيسابور من أبي العباس البالوي، وأبي سعيد السمسار، وأبي سعيد الرازي الصوفي، وأبي طاهر بن خزيمة، وأبي بكر الجوزقي، وأبي الحسن القزويني، والمخلدي، والسيد أبي الحسن الهمدانى الوصي، وأبي الحسن الماسرجسي، وأبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران، وطبقتهم. وسمع بسرخس من الإمام أبي علي الحسن بن أحمد المعروف براهو [كذا] وغيره. وبهراة من أبي بكر أحمد بن إبراهيم القراب، وأبي معاذ شاه بن عبد الرحمن، وأبي العباس المعمري، وطبقتهم. وسمع بالشام والحجاز ودخل معرّة النعمان فلقي ابا العلا أحمد بن سليمان التنوخي المعرّي، وسمع بالجبال، وغيرها من البلاد. وحدث بنيسابور وخراسان الى غزنة وبلاد الهند، ثم بجرجان وآمل وطبرستان والثغور الى حرّان، وبالشام وبيت المقدس والحجاز، واكثر الناس السماع منه. ورزق العز والجاه في الدين فكان جمالا للبلد، زينا للمحافل والمجالس، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمعا على أنه عديم النظير، وسيف السنة ودامغ أهل البدعة. [وهو النسيب المعمّ المخول، المدلي من جهة الأمومة إلى الحنفية والفضلية والشيبانية والقرشية والتميمية والمزنيّة والضبيّة، من الشعب النازلة إلى الشيخ أبى سعد يحيى بن منصور بن حسنويه السلمي الزاهد الأكبر، على ما هو مشهور من أنسابهم، عند جماعة من العارفين بالأنساب، لأنه أبو عثمان إسماعيل بن زين البيت ابنة الشيخ أبى سعد الزاهد ابن أحمد بن مريم بنت أبى سعد الأكبر الزاهد. وأما من جهة الأب، فهو الأصل الذي لا يحتاج نسبه إلى زيادة فأبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور، ففتك به لأجل التعصب والمذهب، وقلّد الإمامة صبيا، بعد حول سبع سنين فاستدعى أن يذكر صبيا، دعي للختم على رأس قبر أبيه كل يوم، وأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه. وأخذ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي فى تربيته، وتهيئة أسبابه، وترتيب حشمته ونوبه، وكان يحضر مجالسه ويثنى عليه مع تكبره فى نفسه، وكذلك سائر الأئمة، كالاستاذ الإمام أبى إسحاق الاسفراينى، والاستاذ ابى بكر ابن فورك، وسائر الأئمة كانوا يحضرون مجلس تذكيره، ويتعجبون من كمال ذكائه وعقله، وحسن إيراده الكلام، عربيه وفارسيه، وحفظه الأحاديث حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال، وقام مقام أسلافه فى جميع ما كان إليهم من النوب. ولم يزل يرتفع شأنه حتى صار إلى ما صار إليه من الحشمة التامة والجاه العريض، وهو فى جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات ووظائف الطاعات، بالغ فى العفاف والسداد، وصيانة النفس معروف بحسن الصلاة وطول القنوت، واستشعار الهيبة حتى كان يضرب به المثل فى ذلك، وكان محترما للحديث ولثبت الكتب]. قرأت من خطّ الفقيه أبي سعيد السكري: أنه حكا عن بعض من يوثق بقوله من الصالحين أن شيخ الإسلام قال: ما رويت خبرا ولا أثرا في المجلس إلا وعندي اسناده وما دخلت بيت الكتب قط إلا على طهارة وما رويت الحديث ولا عقدت المجلس قط ولا قعدت للتدريس الاعلى الطهارة وقال منذ صح عندي «أن النبي (ص) كان يقرأ سورة الجمعة والمنافقين في ركعتي صلاة العشاء ليلة الجمعة ما تركت قراءتهما فيهما. قال: وقد كنت فى بعض الاسفار المخوفة وكان أصحابى يفرقون من اللصوص وقطّاع الطريق، وينكرون عليّ فى التطويل بقراءة السورتين وغير ذلك، فلم أمتنع عن ذلك ولم أنقص شيئا مما كنت أواظب عليه فى الحضر فتولّانا الله بحفظه ولم تلحقنا آفة. [وقرأت من خط السكري أيضا قال: قرات فى كتاب سهل الصعلوكي إلى زاهر بن أحمد الإمام بسرخس حين قصد الاستاذ الإمام إسماعيل أن يرحل إليه لسماع الحديث فى صباه، بعد ما قتل أبوه شهيدا وفى الكتاب بعد الخطاب: وإذا عدّت الأحداث التى كانت فى هذه السنين الخالية قطارا أرسالا ومتصلة اتصالا، ومتوالية حالا فحالا، كان أعظمها نكاية فى الدين وجناية عليه، ما جرى من الفتك بأبى نصر الصابونى ﵀ نهارا، والمكر الذي مكر به كبارا، كما إذا عدت غرائب الوقت وعجائبه فى الحسن، كان بولده الولد الفقيه أبى عثمان إسماعيل أدام الله بقاه وسلامته الابتداء وبذكره الافتتاح فانه بلغ ولم يبلغ بالسن ما تقصر عنه الأمنية والاقتراح من التدبّر والتعلّم والوجاهة والتقدم على التحفظ والتورع والتيقّظ، وقد كان فى نفسه لذكائه وكيسه وفطنته وهدايته وعقله الرحلة إلى الشيخ. فذكر فصلا فيه ثم قال: ولا نشك أنه يصادف منه فى الاكرام والتقدم والتعظيم ما يليق بصفاته وانجابه ودرجاته، وأنا شريك فى الامتنان لذلك كله وراغب فى تعجيل اصداره إلى موضعه، ومكانه فى عمارة العلم بقعوده للتذكير والتبصير، وما يحصل به من النفع الكثير، فان الرجوع لغيبته شديد، والاقتضاءبالعموم لعوده أكيد والسلام. وذكر عن الشيخ أحمد البيهقى أنه قال: عهدي بالحاكم الإمام أبى عبد الله مع تقدّمه فى السن والحفظ والاتقان، أنه يقوم للأستاذ عند دخوله إليه ويخاطبه بالاستاذ الأوحد وينشر علمه وفضله، ويعيد كلامه فى وعظه متعجبا من حسنه معتدا بكونه من أصحابه. قال السكرى: ورأيت كتاب الاستاذ الإمام أبى اسحاق الاسفراينى الذي كتبه بخطه وخاطبه بالأستاذ الجليل سيف السنة. وفى كتاب اخر: غيظ أهل الزيغ. وحكى الاستاذ أبو القاسم الصيرفى المتكلم: أن الإمام أبا بكر ابن فورك كان رجع عن مجلسه يوما فقال: تعجبت اليوم من كلام هذا الشاب تكلم بكلام مهذب عذب بالعربية والفارسية. وحكى عن الشيخ الإمام سهل أيضا أنه كان يقول له بالفارسية: أبى سرايخ براتيش است بيش است. قرات بخط السكري أن الاستاذ أبا عثمان كان يتكلم بين يدي الإمام سهل الصعلوكي، وكان ينحرف بوجهه عن جانبه فصاح به الإمام سهل: استقبلنى واترك الانحراف عنى. فقال: إنّي استحي أن أتكلم فى حرّ وجهك. فقال الإمام سهل: أنظروا إلى عقله]. ولقد أكثر الأئمة الثناء عليه، ومدحه الشعراء فى صباه إلى وقت شبابه وشيبه. فمن ذلك ما قال بعض من ذكر [من] أئمة الأصحاب: منا المهذب إسماعيل أرجحهم … علما وحلما ولم يبلغ مدى الحلم [وكتب أبو المظفر الجمحي إليه بعد أن سمع خطبته بهذه الأبيات: أستدفع الله عنه آفة العين … وكم قرأت عليه اية العين العلم يفخر والآداب فاخرة … منيرة يهتدى فيها ذو والشين لو عاد سحبان حيّا قال من عجب … عين الاله على عين الفريقين قد كان دينى على إتمام رؤيته … لمّا رأيت محيّاه قضى دينى قل للذى زانه علم ومعرفة … كم للعلوم باسماعيل من زين وقال فيه البارع الرويانى: ماذا اختلاف الناس فى متفنّن … لم يبصروا للقدح فيه سبيلا والله ما رقي المنابر خاطب … أو واعظ كالحبر إسماعيلا] ولقد عاش عيشا حميدا بعد ما قتل أبوه شهيدا إلى اخر عمره، فكان من قضاء الله تعالى أنه كان يعقد المجلس فيما حكاه الأثبات والثقات يوم الجمعة في خان الحسين على العادة المألوفة منذ نيف وستين سنة وكان يعظ الناس ويبالغ فيه اذ دفع اليه كتاب ورد من بخارا مشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها (¬١) واستدعى فيه اعتناء المسلمين بالدعاء على روس الملإ في كشف ذلك البلاء عنهم، ووصف فيه ان واحدا تقدم إلى خباز يشتري الخبز فدفع الدراهم الى صاحب الحانوت فكان يزنها والخبّاز يخبز والمشتري واقف فمات الثلاثة في الحال واشتدّ الأمر على عامة الناس فلما قرا الكتاب هاله ذلك واستقرأ من القاري «أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ» [النحل/ ٤٥] ونظائرها وبالغ في التخويف والتحذير. وأثر فيه ذلك وتغير في الحال وغلبه وجع البطن من ساعته وانزل من المنبر وكان يصيح من الوجع وحمل الى الحمام الى قريب من غروبالشمس، فكان يتقلب ظهرا لبطن ويصيح ويئنّ فلم يسكن ما به فحمل الى بيته وبقى فيه سبعة أيام لم ينفعه علاج، فلما كان يوم الخميس سابع مرضه ظهرت آثار سكرة الموت فودّع أولاده واوصاهم بالخير ونهاهم عن لطم الخدود وشق الجيوب والنياحة ورفع الصوت بالبكاء. ثم دعا بالمقري أبي عبد الله خاصته حتى قرأ سورة يس وتغيّر حاله وطاب وقته. وكان يعالج سكرات الموت الى ان قرأ اسناد ما روي ان رسول الله (ص) قال: «من كان اخر كلامه لا اله الّا الله دخل الجنة». ثم توفي ﵀ من ساعته عصر يوم الخميس وحمل جنازته من الغد عصر يوم الجمعة الى ميدان الحسين الرابع من المحرم سنة تسع وأربعين وأربع مائة واجتمع من الخلائق ما الله أعلم بعددهم، وصلّى عليه ابنه أبو بكر ثم أخوه أبو يعلى، ثم نقل الى مشهد أبيه في سكة حرب ودفن بين يدي أبيه وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة فكان وفاته طاعنا في سبع وسبعين من سنّه. وسمعت خالي أبا سعيد يذكر مجلسه في موسم من ذلك العام على ملأ عظيم من الخلق وأنه يصيح بصوت عال مرارا ويقول لنفسه: يا إسماعيل: «هفتاد وهفت وهفتاد وهفت» بالفارسيّة فلم يأت عليه إلّا أيام قلائل حتى توفى لأنه كان يذكر المشايخ الذين ماتوا فى هذا السن من أعمارهم (¬١).