page 886, entry [572]Open original source
٥٥١ - محمد بن أبى بكر بن أيوب بن سعد بن جريز الزرعى، ثم الدمشقى الفقيه الأصولى، المفسر النحوى، العارف، شمس الدين أبو عبد الله بن قيم الجوزية، شيخينا. ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة. وسمع من الشهاب النابلسى العابر، والقاضى تقى الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعم، وأبى بكر بن عبد الدائم، وجماعة. وتفقه فى المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقى الدين وأخذ عنه. وتفنن فى علوم الإسلام. وكان عارفا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى. والحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق فى ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالما بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف، وإشاراتهم، ودقائقهم. له فى كل فن من هذه الفنون اليد الطولى. قال الذهبى فى المختصر: عنى بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل فى الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفى الأصلين. وقد حبس مدة، لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخيل، وتصدى للاشغال، وإقراء العلم ونشره. قلت: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشقف بالمحبة، والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله فى ذلك، ولا رأيت أوسع منه علما، ولا أعرف بمعانى القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر فى معناه مثله. وقد امتحن وأوذى مرات، وحبس مع الشيخ تقى الدين فى المرة الأخيرة بالقلعة، منفردا عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ وكان فى مدة حبسه مشتغلا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام فى علوم أهل المعارف، والدخول فى غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك، وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرا يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه «قصيدته النونية الطويلة» فى السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها. وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتلمذون له، كابن عبد الهادى وغيره. وقال القاضى برهان الدين الزرعى عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علما منه ودرس بالصدرية. وأمّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة. وصنف تصانيف كثيرة جدا فى أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم، وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره. فمن تصانيفه: كتاب «تهذيب سنن أبى داود» وإيضاح مشكلاته، والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة مجلد (¬١)، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل ﴿(إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ)﴾» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصارى، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الأحباء، بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء فى هدى خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد فى هدى خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدا (¬٢)، كتاب «جلاء الأفهام فى ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام» وبيان أحاديثها وعللها مجلد، كتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب «إعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان «الشافية الكافية فى الانتصار للفرقة الناجية» وهى «القصيدة النونية فى السنة» مجلد، كتاب «الصواعق المنزلة على الجهمية والمعطلة» فى مجلدات، كتاب «حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح» وهو كتاب «صفة الجنة» مجلد، كتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد، كتاب «الداء والدواء» مجلد، كتاب «تحفة الودود فى أحكام المولود» مجلد لطيف، كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم، كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد، كتاب «مصائد الشيطان» مجلد. كتاب «الطرق الحكمية» مجلد «رفع اليدين فى الصلاة» مجلد. كتاب «نكاح المحرم» مجلد «تفضيل مكة على المدينة» مجلد «فضل العلماء» مجلد «عدة الصابرين» مجلد كتاب «الكبائر» مجلد «حكم تارك الصلاة» مجلد، كتاب «نور المؤمن وحياته» مجلد، كتاب «حكم إغمام هلال رمضان»، «التحرير فيما يحل، ويحرم من لباس الحرير»، «جوابات عابدى الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان»، «بطلان الكيمياء من أربعين وجها» مجلد «الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه» مجلد «الكلم الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف «الفتح القدسى»، «التحفة المكية» كتاب «أمثال القرآن» «شرح الأسماء الحسنى» «أيمان القرآن»، «المسائل الطرابلسية» ثلاث مجلدات «الصراط المستقيم فى أحكام أهل الجحيم» مجلدان، كتاب «الطاعون» مجلد لطيف. توفى ﵀ وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشرين رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وصلّى عليه من الغد بالجامع عقيب الظهر، ثم بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة رضى الله عنه. وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تقى الدين ﵀ فى النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن فى طبقة ابن خزيمة ﵀. وقرئ على شيخنا الإمام العلامة أبى عبد الله محمد بن أبى بكر بن أيوب - وأنا أسمع - هذه القصيدة من نظمه فى أول كتابه «صفة الجنة»: وما ذاك إلا غيرة أن ينالها … سوى كفؤها، والرب بالخلق أعلم وإن حجبت عنا بكل كريهة … وحفت بما يؤذى النفوس ويؤلم فلله ما فى حشوها من مسرة … وأصناف لذات بها يتنعم ولله ذاك العيش بين خيامها … وروضاتها والثغر فى الروض يبسم ولله واديها الذى هو موعد الم … زيد لوفد الحب لو كنت منهم بذيالك الوادى يهيم صبابة … محب يرى أن الصبابة مغنم ولله أفراح المحبين عند ما … يخاطبهم من فوقهم ويسلم ولله أبصار ترى الله جهرة … فلا الضيم يغشاها، ولا هى تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة … أمن بعدها يسلو المحب المتيم ولله كم من خيرة إن تبسمت … أضاء لها نور من الفجر أعظم فيا لذة الأبصار إذ هى أقبلت … ويا لذة الأسماع حين تكلم ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت … ويا خجلة البحرين حين تبسم فإن كنت ذا قلب عليل بحبها … فلم يبق إلا وصلها لك مرهم وذكر أبياتا، ثم قال: فيا خاطب الحسناء، إن كنت باغيا … فهذا زمان المهر فهو المقدم وكن مبغضا للخائنات لحبها … فتحظى بها من بينهن وتنعم وكن أيّما ممن سواها، فإنها … لمثلك فى جنات عدن تأيّم وصم يومك الأدنى لعلك فى غد … تفوز بعيد الفطر والناس صوم وأقدم، ولا تقنع بعيش منغص … فما فاز باللذات من ليس يقدم وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها … ولم يك فيها منزل لك يعلم فحى على جنات عدن، فإنها … منازلك الأولى، وفيها المخيم ولكننا سبى العدو، فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ وقد زعموا أن الغريب إذا نأى … وشطت به أوطانه فهو مغدم (¬١) وأى اغتراب فوق غربتنا التى … لها أضحت الأعداء فينا تحكم؟ وحى على السوق الذى فيه يلتقى الم … حبوب، ذاك السوق للقوم معلم فما شئت خذ منه بلا ثمن له … فقد أسلف التجار فيه وأسلموا وحى على يوم المزيد الذى به … زيارة رب العرش، فاليوم موسم وحى على واد هنالك أفيح … وتربته من أذفر المسك أعظم منابر من نور هناك وفضة … ومن خالص العقيان لا تتفصم وكثبان مسك قد جعلن مقاعدا … لمن دون أصحاب المنابر يعلم فبيناهم فى عيشهم وسرورهم … وأرزاقهم تجرى عليهم وتقسم إذا هم بنور ساطع أشرقت له … بأقطارها الجنات لا يتوهم تجلى لهم رب السموات جهرة … فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم، يسمعون جميعهم … بآذانهم تسليمه إذ يسلّم يقول: سلونى ما اشتهيتم، فكل ما … تريدون عندى، إننى أنا أرحم فقالوا جميعا: نحن نسألك الرضا … فأنت الذى تولى الجميل وترحم فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم … عليه، تعالى الله، فالله أكرم فيا بائعا هذا ببخس معجل … كأنك لا تدرى، بلى، فسوف تعلم فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة … وإن كنت تدرى، فالمصيبة أعظم (¬٢)