page 844, entry [516]Open original source
ذكر وفاته مكث الشيخ فى القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته وكانت وفاته فى سحر ليلة الاثنين عشرى ذى القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلم به الحرس على الأبراج، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم أعلم به فى منامه، وأصبح الناس، واجتمعوا حول القلعة حتى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئا، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين التى من شأنها أن تفتح أول النهار. وفتح باب القلعة. وكان نائب السلطنة غائبا عن البلد، فجاء الصاحب إلى نائب القلعة، فعزاه به وجلس عنده، واجتمع عند الشيخ فى القلعة خلق كثير من أصحابه، يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن: أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا فى الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى (٥٤:٥٤، ٥٥ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)﴾ فشرع حينئذ الشيخان الصالحان: عبد الله بن المحب الصالحى، والزرعى الضرير - وكان الشيخ يحب قراءتهما - فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن. وخرج الرجال، ودخل النساء من أقارب الشيخ، فشاهدوه ثم خرجوا، واقتصروا على من يغسله، ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصالحين وأهل العلم، كالمزى وغيره، ولم يفرغ من غسله حتى امتلأت القلعة بالرجال وما حولها إلى الجامع، فصلى عليه بدركات القلعة: الزاهد القدوة محمد بن تمام. وضج الناس حينئذ بالبكاء والثناء، وبالدعاء والترحم. وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق فى الساعة الرابعة أو نحوها. وكان قد امتلأ الجامع وصحته، والكلاسة، وباب البريد، وباب الساعات إلى الميادين والفوارة. وكان الجمع أعظم من جمع الجمعة، ووضع الشيخ فى موضع الجنائز، مما يلى المقصورة، والجند يحفظون الجنازة. من الزحام، وجلس الناس على غير صفوف، بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس والسجود إلا بكلفة. وكثر الناس كثرة لا توصف. فلما أذن المؤذن الظهر أقيمت الصلاة على السدة، بخلاف العادة، وصلوا الظهر، ثم صلوا على الشيخ. وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدين ابن الخراط لغيبة القزوينى بالديار المصرية، ثم ساروا به، والناس فى بكاء ودعاء وثناء، وتهليل وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين أيضا. وكان يوما مشهودا، لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلف من أهل البلد وحواضره إلا القليل من الضعفاء والمخدرات، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة أهل السنة. فبكا الناس بكاء كثيرا عند ذلك. وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النعش على الرءوس، يتقدم تارة، ويتأخر أخرى. وخرج الناس من أبواب الجامع كلها وهى مزدحمة. ثم من أبواب المدينة كلها، لكن كان المعظم من باب الفرج، ومنه خرجت الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل. وتقدم فى الصلاة عليه هناك: أخوه زين الدين عبد الرحمن. ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله بمقابر الصوفية، وحزر الرجال: بستين ألفا وأكثر، إلى مائتى ألف، والنساء بخمسة عشر ألفا، وظهر بذلك قول الإمام أحمد» بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز» وختم له ختمات كثيرة بالصالحية والمدينة، وتردد الناس إلى زيارة قبره أياما كثيرة، ليلا ونهارا، ورئيت له منامات كثيرة صالحة. ورثاه خلق كثير من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى، وأقطار متباعدة، وتأسف المسلمون لفقده. رضى الله عنه ورحمه، وغفر له. وصلّى عليه صلاة الغائب فى غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى فى اليمن والصين. وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم جمعة «الصلاة على ترجمان القرآن». وقد أفرد الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادى له ترجمة فى مجلدة، وكذلك أبو حفص عمر بن على البزار البغدادى فى كراريس. وإنما ذكرناها هنا على وجه الاقتصار ما يليق بتراجم هذا الكتاب. وقد حدث الشيخ كثيرا. وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث، ومن تصانيفه، وخرج له ابن الوانى أربعين حديثا حدث بها.