page 708, entry [400]Open original source
٣٨١ - محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبى الرجال أحمد بن على اليونينى البعلبكى، الشيخ الفقيه المحدث الحافظ، الزاهد العارف الربانى، تقى الدين أبو عبد الله بن أبى الحسين، أحد الأعلام وشيوخ الإسلام. ولد فى سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيونين من قرى بعلبك. ونشأ يتيما بدمشق، فأقعدته أمه فى صنعة النشاب، ثم حفظ القرآن. وسمع الحديث من أبى طاهر الخشوعى، وأبى التمام القلانسى، وحنبل المكبر، وأبى اليمن الكندى، والحافظ عبد الغنى وغيرهم. وتفقه بالشيخ موفق الدين. وأخذ الحديث عن الحافظ عبد الغنى، والعربية عن أبى اليمن الكندى وبرع فى الخط المنسوب، ولبس خرقة التصوف من الشيخ عبد الله البطائحى صاحب الشيخ عبد القادر. ولزم خدمة الشيخ عبد الله اليونينى الزاهد، صاحب الأحوال والكرامات الذى يقال له: أسد الشام، وانتفع به. وكان الشيخ عبد الله - هذا - يثنى على الشيخ الفقيه ويقدمه، ويقتدى به فى الفتاوى. وكذلك كان شيخه الحافظ عبد الغنى يثنى عليه. وبرع فى الحديث وحفظ فيه الكتب الكبار حفظا متقنا «كالجمع بين الصحيحين» للحميدى «وصحيح مسلم». قال ولده قطب الدين موسى صاحب التاريخ: حفظ والدى «الجمع بين الصحيحين» وأكثر «المسند» يعنى مسند الإمام أحمد. وحفظ «صحيح مسلم» فى أربعة أشهر. وحفظ سورة الأنعام فى يوم واحد، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية فى بعض يوم. وذكره عمر بن الحاجب الحافظ، فأطنب فى وصفه وأسهب، وقال: اشتغل بالفقه والحديث، إن إلى صار إماما حافظا - إلى أن قال: ولم ير فى زمانه مثل نفسه فى كماله وبراعته، وجمع بين على الشريعة والحقيقة. وكان حسن الخلق والخلق، نفّاعا للخلق، مطرحا للتكلف. من جملة محفوظه «الجمع بين الصحيحين» وحدثنى أنه حفظ «صحيح مسلم» جميعه، وكرر عليه فى أربعة أشهر. وكان يكرر على أكثر «مسند» أحمد من حفظه. وأنه كان يحفظ فى الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثا. وقال الحافظ عزّ الدين الحسينى: هو أحد المشايخ المشهورين، الجامعين بين العلم والدين. وكان حفظ كثيرا من الحديث النبوى، مشهورا بذلك. انتهى. وكان حريصا على سماع الحديث وقراءته، مع علو سنة، وعظم شأنه. وكان أهل بعلبك يسمعون بقراءته على المشايخ الواردين عليهم، كالقزوينى، وبهاء الدين المقدسى، وابن رواحة الحموى، وغيرهم. وكان ذا أحوال وكرامات، وأوراد وعبادات. لا يخل بها، ولا يؤخرها عن وقتها لورود أحد عليه، ولو كان من الملوك. وكان لا يرى إظهار الكرامات، ويقول: كما أوجب الله على الأنبياء إظهار المعجزات أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات، ويروى عن الشيخ عثمان شيخ دير ناعس - وكان من أهل الأحوال - قال: قطب الشيخ الفقيه ثمان عشرة سنة. وكان له ﵀ منزلة عالية عند الملوك، ويحترمونه احتراما زائدا، حتى كان مرة بقلعة دمشق فى سماع البخارى، عند الملك الأشرف. فقام الشيخ الفقيه مرة يتوضأ. فقام السلطان ونفض تخفيفته لما فرغ الشيخ من الوضوء، وقدمها إليه ليتنشف بها، أو ليطأ عليها برجله، وحلف أنها طاهرة. وأنه لا بد أن يفعل ذلك. قال الحافظ الذهبى: حدثنى بذلك شيخنا أبو الحسين بن اليونينى. أو ابن الشيخ الفقيه. قال الحافظ: والشك منى. قال: وسار الملك الأشرف إلى بعلبك مرة، فبدأ قبل كل شئ، فأتى دار الشيخ الفقيه، ونزل فدق الباب، فقيل: من ذا؟ فقال: موسى. قال: ولما قدم الملك الكامل على أخيه الأشرف جعل الأشرف يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه. فقال: أشتهى أن أراه. فأرسل إليه إلى بعلبك بطاقة فاستحضره، فوصل إلى دمشق. فنزل الكامل إليه، وتحادثا بدار السعادة، وتذاكرا شيئا من العلم. فذكروا مسألة القتل بالمثقل، وجرى ذكر حديث «الجارية التى قتلها اليهودى، فرضّ رأسها بين حجرين. فأمر رسول الله ﷺ بقتله» فقال الملك الكامل: إنه لم يعترف. فقال الشيخ الفقيه: فى صحيح مسلم «فاعترف» فقال الكامل: أنا اختصرت صحيح مسلم، ولم أجد هذا فيه. فقال: بلى، فأرسل الكامل، فأحضر اختصاره لمسلم فى خمس مجلدات. فأخذ الكامل مجلدا، والأشرف آخر، وعماد الدين بن موسك آخر. وأخذ الشيخ الفقيه مجلدا، فأول ما فتحه: وجد الحديث، كما قال، فتعجب الكامل من سرعة استحضاره، وسرعة كشفه. وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية. فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبك. فقال للكامل: إنه لا يؤثر ببعلبك شيئا. فأرسل الكامل إليه ذهبا كثيرا. وقال ولده قطب الدين موسى: كان والدى يقبل بر الملوك، ويقول: أنا لى فى بيت المال أكثر من هذا، ولا يقبل من الأمراء ولا الوزراء شيئا، إلا أن يكون هدية مأكول ونحوه. ويرسل إليهم شيئا من ذلك، فيقبلونه على سبيل التبرك والاستشفاء. وذكر أنه أثرى وكثر ماله، وأن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين. فأعطاه لمحيى الدين بن الجوزى ليأخذ عليه خط الخليفة. فلما شعر الشيخ بذلك أخذ الكتاب ومزقه. وقال: أنا فى غنية عن ذلك. قال: وكان والدى لا يقبل شيئا من الصدقة. ويزعم أنه من ذرية جعفر الصادق بن محمد بن على بن الحسين بن على رضى الله عنهم. قال: وكان قبل ذلك فقيرا لا مال له. وكان للشيخ عبد الله زوجة لها ابنة جميلة. فكان الشيخ عبد الله يقول لها: زوجيها من الشيخ محمد، فتقول له: إنه فقير، وأنا أحب أن تكون ابنتى سعيدة. فيقول: كأنى أراه وإياها فى دار، وفيها بركة، وله رزق كثير، والملوك يترددون إلى زيارته. فزوجتها منه. فكان الأمر كذلك. وكانت أول زوجاته. وكانت الملوك كلهم يحترمونه ويعظمونه. بنو العادل وغيرهم. وكذلك مشايخ العلماء، كابن الصلاح، وابن عبد السلام، وابن الحاجب، والحصرى. والقضاة، كابن سناء الدولة، وابن الجوزى، وغيرهم. وكان الناس ينتفعون بعلومه وفنونه، ويتلقون عنه الطريقة الحسنة. وكان عظيم الهيبة، منور الشيبة، مليح الصورة، ضخما، حسن السمت والوقار. وكان يلبس قبعا صوفه إلى الخارج، على طريقة شيخه الشيخ عبد الله. وكان كثير الاقتداء به، والطاعة له. حكى مرة: أنه كان قد عزم على الرحلة إلى حران، قال: وكان قد بلغنى أن بها رجلا يعرف علم الفرائض جيدا. فلما كانت الليلة التى أريد فى صبحتها أن أسافر: جاءتنى رسالة الشيخ عبد الله اليونينى. فعزم على إلى القدس الشريف. فكأنى كرهت ذلك، وفتحت المصحف، فطلع قوله تعالى (٢١:٣٦ ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ)﴾ قال: فخرجت معه إلى القدس. فوجدت ذلك الحرانى بالقدس. فأخذت عنه علم الفرائض، حتى خيل إلىّ أنى قد صرت أبرع منه فيه. وقد وقع بين الشيخ وبين أبى شامة الشافعى منازعة فى الكلام على حديث الإسراء. وصنف كل منهما فى ذلك شيئا. وحدث الشيخ بالكثير. وروى عنه ابناه: أبو الحسين الحافظ، والقطب المؤرخ، وأبو عبد الله ابن أبى الفتح، وإبراهيم بن حاتم البعلى الزاهد، ومحمد بن المحب، وأبو عبد الله ابن الزراد، وإبراهيم بن القرشية البعلى، خاتمة أصحابه بالسماع. وبالإجارة: زينب بنت الكمال، وغيرها. وتوفى ليلة تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة ببعلبك. ودفن عند شيخه عبد الله اليونينى رحمة الله عليهما.