page 624, entry [319]Open original source
٣٠٣ - عبد الله بن عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى، ثم الدمشقى، الحافظ ابن الحافظ، أبو موسى بن أبى محمد. ويلقب جمال الدين. ولد فى شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وسمع بدمشق من جماعة، منهم: عبد الرحمن بن على بن الخرقى، وإسماعيل الجنزوى، والخشوعى. ورحل به أخوه الحافظ عزّ الدين محمد - المتقدم ذكره - فسمع ببغداد من ابن كليب، وابن المعطوس، وبأصبهان من مسعود الحمال، وخليل الدارنى، وأبى المكارم اللبان، وخلق كثير، وبمصر من أبى عبد الله الارتاحى، وفاطمة بنت سعد الخير. ثم ارتحل ثانيا إلى العراق. فسمع من ابن الجوزى، وأبى الفتح المندائى، وطبقتهما ببغداد وواسط، ومن منصور الفراوى، والمؤيد الطوسى، وغيرهما بنيسابور. وسمع بالموصل، وأربل، وبالحرمين. وكتب بخطه الكثير. وجمع. وصنف وأفاد. وقرأ القرآن على عمه الشيخ العماد، والفقه على الشيخ موفق الدين، والعربية على أبى البقاء العكبرى. قال الحافظ الضياء: اشتغل بالفقه والحديث، وصار علما فى وقته. ورحل ثانيا، ومشى على رجليه كثيرا، وصار قدوة، وانتفع الناس بمجالسته التى لم يسبق إلى مثلها. وقال عمر بن الحاجب: سمعت الضياء يصف ما قاسى أبو موسى من الشدائد والجوع والعرى فى رحلته إلى نيسابور، وأصبهان. وقال أبو عبد الله البرزالى: حافظ ديّن متميز. وقال الضياء عنه أيضا: حافظ متقن، دين ثقة، كانت قراءته سريعة صحيحة مليحة. وقال عمر بن الحاجب الحافظ: لم يكن فى عصره مثله فى الحفظ، والمعرفة والأمانة، وكان كثير الفضل، وافر العقل، متواضعا، مهيبا، وقورا جوادا سخيا، له القبول التام، مع العبادة والورع والمجاهدة، كأن كلامه الضياء، وكان قد عود الناس شيئا لم يروه من غيره، وذلك: أن كل من احتاج إلى قرض شيء يمضى إليه، فيجتال له حتى يحصل له ما يطلب، حتى صار عليه من ذلك ديون، وكثير من الناس لا يرجع يوفيه. قال ابن الحاجب: ولو اشتغل حق الاشتغال ما سبقه أحد، ولكنه تارك. وقال غيره: عقد أبو موسى مجلس التذكير، ورغب الناس فى حضوره، وكان جم الفوائد، يطرز مجلسه بالبكاء والخشوع، وإظهار الجزع. وقال المنذرى: الحافظ أبو موسى، حدث بدمشق ومصر وغيرهما، اجتمعت به لما قدم مصر للغزاة بثغر دمياط. قال الذهبى: وروى عنه الضياء، وابن أبى عمر، وابن البخارى، وجماعة كثيرون. وآخر من روى عنه إجازة: القاضى تقى الدين سليمان، ومع هذا فقد غمزه الناصح ابن الحنبلى، وأبو المظفر سبط ابن الجوزى بالميل إلى السلاطين، والانقطاع إلى الملك الصالح. والعجب: أن هذين الرجلين كانا من أكثر الناس ميلا إلى الملوك، والتوصل إليهم، وإلى برهم بالوعظ وغيره. وما أحسن قول القائل: لا تنه عن خلق وتأتى مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم ولقد كان أبو موسى أتقى لله وأورع، وأعلم منهما وأكثر عبادة، وأنفع للناس، وبنى الملك الأشرف دار الحديث بالسفح على اسمه، وجعله شيخها، وقرر له معلوما، فمات أبو موسى قبل كمالها. توفى ﵀ يوم الجمعة، خامس رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون ﵀. ورآه بعضهم فى النوم، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أسكننى على بركة رضوان. ورآه آخر، فسأله، فقال: لقيت خيرا. فقال له: كيف الناس؟ قال: يتفاوتون على قدر أعمالهم. ورآه آخر من أصحابه، فقال له: أوصيك بالدعاء الذى حفظتك إياه فاحفظه، فقال له: ما بقيت أحفظه، فقال له: هو مكتوب فى الورقة التى كتبتها لك، فما نفعنى الله إلا به، وكان الدعاء: «اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك - الحديث». ورثاه جماعة. منهم يوسف بن عبد المنعم بن نعمة بقصيدة، يقول فيها: لهفى على ميت مات السرور به … لو كان حيّا لأحيا الدين والسننا لو كنت أعطى به الدنيا معاوضة … إذا لما كانت الدنيا له ثمنا يا سيدى ومكان الروح من جسدى … هلاّ دنا الموت منى حين منك دنا؟