page 532, entry [266]Open original source
٢٥٥ - إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن مسرور المقدسى الدمشقى، الفقيه. الزاهد الورع العابد. الشيخ عماد الدين، أبو إسحاق وأبو إسماعيل، أخو الحافظ عبد الغنى الذى تقدم ذكره. ولد بجماعيل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وكان يقول: أخى الحافظ عبد الغنى أكبر منى بسنتين. وقال المنذرى: سنة أربع وأربعين، وهاجر إلى دمشق مع جماعتهم سنة إحدى وخمسين؛ لاستيلاء الفرنج على أرضهم. وقرأ القرآن. وسمع من أبى المكارم بن هلال، وعبد الرحمن بن على الخرقى، وغيرهما، وحفظ غريب القرآن للعزيزى، ومختصر الخرقى فى الفقه. ورحل إلى بغداد مرتين. أولاهما: مع الشيخ الموفق، سنة تسع وستين، فقرأ القرآن على أبى الحسن البطائحى، وسمع من أبى محمد بن الخشاب، وصالح بن الرحلة، وشهدة الكاتبة، والشيخ عبد المغيث الحربى وغيرهم. وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل الطوسى، وتفقه ببغداد على أبى الفتح ابن المنى، حتى برع وناظر وأفتى، ورجع إلى دمشق، وأقبل على أشغال الناس ونفعهم. قال الشيخ موفق الدين - فى حق العماد، لما سئل عنه -: كان من خيار أصحابنا، وأعظمهم نفعا، وأشدهم ورعا، وأكثرهم صبرا على تعليم القرآن والفقه، وكان داعية إلى السنة، وتعليم العلم والدّين. وكان يقرى الضعفاء الفقراء، ويطعمهم ويبذل لهم نفسه. وكان من أكثر الناس تواضعا، واحتقارا لنفسه وخوفا من الله تعالى. وما أعلم أننى رأيت أشد خوفا منه. وكان كثير الدعاء والسؤال لله تعالى. وكان يطيل الركوع والسجود فى الصلاة، ويقصد أن يقتدى بصلاة رسول الله ﷺ، ولا يقبل من أحد يعذله فى ذلك. ونقلت له كرامات كثيرة. وقال الحافظ الضياء: كان عالما بالقرآن والنحو والفرائض، وغير ذلك من العلوم. وصنف كتاب «الفروق فى المسائل الفقهية» وصنف كتابا فى الأحكام، لكنه لم يتمه. وكان مليحا. وكان من كثرة أشغاله واشتغاله لا يتفرغ للتصنيف والكتابة. قال: وسمعت الشيخ موفق الدين يقول: ما نقدر نعمل مثل العماد ﵀؛ كان يتألف الناس ويقريهم، حتى إنه ربما ردد على إنسان كلمات يسيرة من سحر إلى الفجر. وقال الضياء: كان ﵀ يتألف الناس، ويلطف بالغرباء والمساكين، حتى صار من تلاميذه جماعة من الأكراد والعرب والعجم. وكان يتفقدهم ويسأل عنهم، وعن حالهم، ولقد صحبه جماعة من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لما شاهدوا منه. وكانوا يتحدثون عنه، ويذكرون لنا من كراماته وكرمه، وحسن عشرته. وكان سخيا جوادا، كثير المعروف، حتى كان بيته مأوى للناس. وكان ينصرف كل ليلة إلى بيته من الفقراء جماعة كثيرة من أصحابه، فيقدم إليهم ما حضر. قال: وكان لا يكاد يفتر من الاشتغال: إما بالقرآن، أو الحديث، أو غيره من العلوم. وأقام بحران مدة، وانتفعوا به. وكان يشتغل بالجبل، إذا كان الشيخ موفق الدين بالمدينة، فإذا صعد الموفق الجبل نزل هو فاشتغل بالمدينة. وكان يقعد فى جامع دمشق من الفجر إلى العشاء، لا يخرج إلا لما لا بد منه، يقرئ الناس القرآن والعلم، فإذا لم يبق له من يشتغل عليه اشتغل بالصلاة. وكان داعية إلى السنة وتعلم العلم والدين، وختم عليه جماعة من الأصحاب. قال: وما أعلم أنه أدخل نفسه فى شئ من أمر الدنيا، ولا تعرض لها، ولا نافس فيها. وقد يفتح لأصحابنا بعض الأوقات بشئ من الدنيا، فما أعلم أنه حضر عندهم يوما قط فى شئ من ذلك، وما علمت أنه دخل يوما إلى سلطان ولا إلى وال. ولا تعرّف بأحد منهم. ولا كانت له رغبة فى ذلك. قال: وكان محافظا على الصدق والورع. سمعته يقول لرجل: كيف ولدك؟ فقال: يقبل يدك. فقال: لا تكذب. وكان كثير الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. لا يرى أحدا يسئ صلاته إلا قال له وعلمه. ولقد بلغنى أنه خرج مرة إلى قوم من الفساق فكسر ما معهم فضربوه، ونالوا منه حتى غشي عليه. فأراد الوالى ضرب الذين نالوا منه. فقال: إن تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذهم وهم فى حل من قبلي. فتابوا ورجعوا عما كانوا عليه. قال: ورأيته ربما يكون فى مسجد، فإذا أخذ من لحيته شعرة أو من أنفه شيئا جعل ذلك فى عمامته. وربما برى قلما فيتحفظ من القلامة. ولا يدعها فى المسجد. وكان إذا أفتى فى مسألة يتحرز فيها احترازا كثيرا، حتى كان بعض الفقهاء يتعجب من فتاويه، وكثرة احترازه فيها. وسمعت من يقول: كان يكون على ثوبه غبار، فيقول لى: اذهب فانفضه خارج المسجد. وسمعت أبا محمد بن عبد الرزاق بن هبة الله الدمشقى، يقول: سمعت الشيخ عبد الله البطائحى ﵀ يقول: أشكلت علىّ مسألة فى الورع، فما وجدت من أفتانى فيها إلا العماد. وكان ﵀: لا يرى أن يخرج الحصير من المسجد ليجلس عليها خارج المسجد، والحصير التى للمحراب لا يجلس عليها خارج المحراب. وسمعت أحمد بن عبد الله بن أبى المجد الحربى يقول: كان الشيخ العماد عندنا بالحربية - يعنى ببغداد - وكان إذا دخل بيت الله ولم يسم، خرج فسمى ثم دخل. وسمعت من شيخنا وإمامنا موفق الدين أبى محمد المقدسى يقول: عمرى أعرفه - يعنى الشيخ العماد - وكان بيتنا قريبا من بيتهم - يعنى فى أرض المقدس - ولما جئنا إلى هنا. فما افترقنا إلا أن يسافر أحدنا، ما عرفت أنه عصى الله معصية. وسمعت الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبد الملك التنوخى يقول: كان الشيخ العماد جوهرة العصر، وذلك أن واجدا يصاحب شخصا مدة، ربما تغير عليه، وكان الشيخ العماد: من صاحبه لا يرى منه شيئا يكرهه قط، كلما طالت صحبته ازداد بشره، ورأى منه ما يسره. وهذا شئ عظيم، وليس يكون كرامة أعظم من هذا. قال الضياء: ولعله ما قعد عنده أحد إلا حصل له منفعة فى العلم والزهد، أو اقتباس شئ من أخلاقه أو أوراده، وغير ذلك. وكان يذم نفسه ذمّا كثيرا، ويحقرها ويقول: إيش يجئ منى؟ إيش أنا؟ وكان كثير التواضع. سمعت الشيخ موفق الدين قال: ما رأيت من اجتمع فيه من خلال - كانت فى الشيخ العماد - كان أكثر ذمّا لنفسه منه. ولقد حضرت عنده مرة، وقد أخذته الريح، وكان لا يقدر على الكلام فوقفت، فلما قدر على الكلام شرع فى ذم نفسه. وقال: اللهم أصلح فساد قلبى. وجعل ينوح على نفسه: أنا كذا، أنا كذا حتى أبكانى. وسمعت الإمام أبا عبد الله يوسف بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى يقول: كنت أكتب طبقات السماع على الشيخ العماد. فكنت أكتب: الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع. فخاصمنى على ذلك خصومة كثيرة. ثم ذكر الضياء من كرمه وحسن عشرته: أن بعض أصحابه كانت تكون له الحاجة إليه، فيمضى إلى بيته. فيقيم عنده اليوم واليومين. قال: وما رأيته يشكى من ذلك شيئا. قال: وما أظن أنى دخلت عليه قط، إلا عرض علىّ الطعام. قال: ولم يزل هذا دأبه، من وقت ما عقلنا، وكان يتفقد الناس، ويسأل عن أحوالهم كثيرا. وربما بعث إلى الناس نفقة سرا. وذكر عدة حكايات عنه، منها: أنه كان إذا غاب أحد من إخوانه أرسل إلى بيته النفقة وغيرها، وربما جاء بنفسه إليهم، قال: وربما كان بعض الناس يرسل إليه يشترى له حاجة، فربما زاد على ثمنها من عنده، ولا يعلمه بذلك. وكان يلقى الناس بالبشر الدائم. قال: وسمعت عن بعض أهله، أنهم قالوا: ربما كنا نؤذيه، فما يغضب علينا، ويقول: الذنب لى، وأنه كان يدعو لمن ظلمه ويحسن إليه. قال: ولقد كان أعار داره التى فى الدير لابن أخيه عزّ الدين أبى الفتح مدة يسكن فيها، ثم لم يعد إلى سكناها قط، وتركها له. ولم يكن له غيرها. قال: وكان من إكرامه لأصحابه ومعارفه: يظن كل أحد أن ما عنده مثله. من كثرة ما يأخذ بقلبه ويكرمه. ولقد سمعت الفقيه أبا محمد عبد المحسن بن عبد الكريم المصرى، يقول: كان رجل من بيت القابلان من منبج، جاء إلى الشيخ العماد، فمرض، فكان يقعد عند رأسه بالليل، ويقرأ ورده عند رأسه. وسمعت عباس بن عبد الدائم المصرى الكنانى يقول: كنا يوما نمشى مع الشيخ العماد إلى دعوة، فلقى فى السوق رجلا أعمى يسأل، فقال يا فلان: تعال معنا، قال: فاستحى الضرير كثيرا من أجل سؤاله، قال: فلما دخلنا إلى البيت انبسط الشيخ مع الضرير، وقال: يا فلان، كلنا سؤّال، وما زال يقول له، حتى زال ما كان عنده من الحياء. قال: وكان ربما تكلم على أحدنا ونصحه وحرضه على فعل الخير والاشتغال، حتى كان قلب الشخص يطير من كثرة دخول كلامه فى القلب. قال: وأوصانى وقت سفري، فقال: أكثر من قراءة القرآن، ولا نتركه فإنه يتيسر لك الذى تطلبه على قدر ما تقرأ، قال: فرأيت ذلك وجربته كثيرا، فكنت إذا قرأت كثيرا تيسر لى من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لى. قال: وكان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة، تفل عن يساره ثلاثا، واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وكبر تكبيرة يرفع صوته بذلك، ثم يستفتح، قال: فلم أر أحدا أحسن صلاة منه، ولا أتم منها بخشوع وخضوع، وحسن قيام وقعود وركوع، وربما كان بعض الناس يقول له: النبى ﷺ قد أمر بالتخفيف، وقال لمعاذ «أفتان أنت؟» فلا يرجع إلى قولهم، ويستدل عليهم بأحاديث أخر. منها: «أن النبىّ ﷺ، كان يكون فى الركعة الأولى حتى يمضى أحدنا إلى البقيع، ويقضى حاجته، ويأتى والنبي ﷺ لم يركع» وقول أنس: «لم أر أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى - يعنى: عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه - قال الراوى: فحزرنا فى ركوعه وسجوده عشر تسبيحات» وبحديث «كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسى». قال: وقيل عن شيخنا: إنه كان يسبح عشرا، يتأنّى فى ذلك. قال: وسمعت أبا عبد الله محمد بن طرخان، يقول: كنا نصلى يوما خلف الشيخ العماد، وإلى جانبى رجل كأنه كان مستعجلا، فلما فرغنا من الصلاة، حلف لا صليت خلفه أبدا، وذكر حديث معاذ، فقلت له: ما تحفظ إلا هذا؟ ورويت له الأخبار التى وردت فى تطويل صلاة النبى ﷺ، ثم إنّي قعدت عند الشيخ العماد، وحكيت له، وقلت له: أنا أحبك، وأشتهى أن لا يقال فيك شئ، فلو خففت؟ فقال: لعلهم يستريحون منى ومن صلاتى قريبا، يا سبحان الله! الواحد منهم، لو وقف بين يدى سلطان طول النهار ما ضجر، وإذا وقف أحدهم بين يديه ربه ساعة ضجر. قال: وكان يقضى صلوات، فربما قضى فى اليوم والليلة صلوات أيام عديدة حتى كان بعض من يحكى يقول: ربما قضى الشيخ فى عمره صلاة كذا وكذا، مائة سنة. وقال ﵀: فاتتنى صلاة العصر، وكنت قبل أن أبلغ، وقد أعدتها مائة مرة، وأنا أريد أن أعيدها أيضا. قلت: الكلام فى هذا: هل هو مشروع أم لا؟ قال: وكان يصوم يوما ويفطر يوما. قال: وكان كثير الدعاء بالليل والنهار. قال: وكان إذا دعا كأن القلب يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، وكان إذا شرع فى الدعاء لا يكاد يقطعه، ولو اجتمع أهله وجيرانه. فيدعو وهم حاضرون ويستبشرون بذلك. وكان يفتح عليه من الأدعية شئ ما سمعته من غيره قط. وربما بكى بعض الحاضرين عند دعائه. وذكر من توخيه أوقات الإجابة وأماكنها. ويواظب على الدعاء يوم الأربعاء، بين الظهر والعصر بمقابر الشهداء من باب الصغير. وقال: ما رأيت مثل هذا الدعاء، أو أسرع إجابة منه. يا الله يا الله، أنت الله؟ بلى والله، أنت الله، لا إله إلا أنت. الله الله الله، والله إنه لا إله إلا الله. وكان يكثر فى دعائه من قوله: اللهم اجعل عملنا صالحا. واجعله لوجهك الكريم خالصا. ولا تجعل لأحد فيه شيئا، اللهم وخلصنى من مظالم نفسى. ومظالم كل شئ قبل الموت. ولا تمتنى ولأحد علىّ مظلمة يطلبنى بها بعد الموت. وإذا قضيت بالموت - ولا بد من الموت فاجعله على توبة نصوح - بعد الخلاص من مظالم نفسى ومظالم العباد - قتلا فى سبيلك على سنتك. وسنة رسولك ﷺ، شهادة يغبطنى بها الأولون والآخرون، واجعل النقلة إلى روح وريحان. ومستراح فى جنات النّعيم، ولا تجعلها إلى نزل من حميم، وتصلية جحيم. ومن دعائه: أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم. أن تصلى على محمد وعلى آل محمد، وأن ترزقنى رضوانك الأكبر. والفردوس الأعلى. وما قرب إليهما من قول وعمل ونية. والخاتمة بأفضل خاتمة تختم بها لعبادك الصالحين، والعلم والعمل به، والحلم والحكم، والفهم والحفظ. والغنى عن الناس، وزوال الوسواس. والشبهات والنجاسات. والدين والحاجة إلى الناس، والتزين بما يشينني عندك. اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، والغيبة والنميمة، وقلوبنا من النفاق والغل والغش، والحسد والكبر والعجب. وأعمالنا من الرياء والسمعة. وبطوننا من الحرام والشبهة. وأعيننا من الخيانة. فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور. فى دعاء كثير. وذكر جملة من كراماته وكلامه على الخواطر والمغيبات. فذكر عن بعضهم قال: كنت أمشى خلف الشيخ العماد فى السوق الكبير، فإذا صوت طنبور. فلما وصلنا إلى عند صاحبه قال الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ونقض كمه. فرأيت صاحب الطنبور قد وقع وانكسر طنبوره. فقيل لصاحب الطنبور: إيش بك؟ قال: ما أدرى. قال: وسمعت أبا محمد عبد المحسن بن عبد الكريم قال: كنت خلف الشيخ العماد، فوقع فى نفسى: أن الناس لا يعلمون من بعضهم بعضا إلا الظاهر، وأن سرائر الخلق لا يعلمونها، وإذا الشيخ قد دار إلى، وقال: قال - أظنه الفضيل - لا تعمل شرّا أو سوءا، فتمقتك قلوب الصالحين. وسمعت على بن أبى بكر بن إدريس الطحان، قال: كان لى ابن مريض، فقلت: أدعو بدعاء مقاتل بن سليمان مائة مرة، فدعوت به، ثم جئت إليه، فالتفت إلىّ وإلى الحاضرين، وقال: دعاء بلا عمل لا ينفع، أو كما قال. قال: وحكت زوجة الشيخ، قالت: كان قبل موته يكثر أن يقول: قد قرب الأمر، ما بقى إلا القليل. وذكر الحافظ الضياء فى كتاب «الحكايات المقتبسة، من كرامات مشايخ الأرض المقدسة» فصلا فى كراماته - وقرأته بخطه - قال: سمعت الشيخ المجاب الدعوة أبا أحمد نصر بن محمد بن سليمان المرداوى بها يقول: جاء إلى عندنا الشيخ العماد، وكنت أشتهى أن أسأله عن أشياء، فكنت أستحى، فكان يبتدئ ويذكر كل ما أريد أن أسأل عنه. قال: وحدثنى أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار، قال: كنت كثيرا ما أجئ إليه، وأنا أريد أن أقول شيئا، فيسبقنى فيتحدث ببعضه، فإذا رآنى قد ابتدأت فيه سكت، ولم يرنى أنه يريد ذلك. قال الضياء: وكنت أجد فى قلبى قسوة، وكنت أشتهى أن أشكو إليه ذلك، فابتدأنى ليلة وذكر قسوة القلب. وقال: كيف يلين القلب إذا لم يكن العمل بإخلاص النية؟ وتكلم كلاما كثيرا مما كنت أجد فى نفسى، وفرحت بكلامه. وسمعت عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: حدثنى أبو الحسن ابن مشرق العطار. قال: أصابتنى جنابة، ففاتتنى الصلاة - يعني صلاة الفجر - ثم اغتسلت وقضيتها فى النهار، وأتيت إلى صلاة الظهر معه. فوجدته فى التشهد فصليت وسلمت عليه، فقال: يا فلان، تفوتك فى يوم صلاتان؟ فقلت: يا سيدى أنا تائب. قال: وسمعت بعض أهلنا يقول: كنت ربما احتجت إلى شيء من الملبوس أو أشتهى شيئا من المأكول، فما أعلم حتى يبعث إلىّ الشيخ - يعنى العماد - بالذى أحتاج إليه أو أشتهيه. وحدثنى أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الاسعردى وغيره، أنهم كانوا عند الشيخ فى مسجده يوما، فقال لرجل: اخرج إلى هذا الرجل والمرأة اللذين خلف المسجد، واطردهما من ها هنا، فخرج فإذا رجل وامرأة يتحدثان ففرق بينهما. وحدثنى أبو الربيع أيضا، قال: كنت عنده أيضا فى المسجد، فكان يوم يفتح لى بشيء لا يطعمنى شيئا، ويوم لا يفتح لى بشئ، يرسل إلىّ بشيء. قال: جرى لى هذا معه كثيرا. وحدثنى عبد الرحمن بن محمد المقدسى: أن رجلا فرق فى المصلى على الحاضرين زبيبا، وفرق آخر تمرا، أظنه للافطار، وكان الذى فرق التمر ماله ليس بجيد، فأخذ الشيخ التمرة، فشمها ثم تركها، وأخذ الزبيب فأفطر عليه. وسمعت الإمام أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن أبى بكر، قال: أخذت يوما من عند رجل أجزاء كانت لى عنده وإجازات، فكان فى جملة ما أخذت: إجازة لم تكن معى، ثم جئت إلى عند الشيخ، فأبصر الأجزاء، ثم شال الإجازة التى اختلطت معى، فقال: من أعطاك هذه؟ ثم عزلها، قال: فعرفت أنها كرامة فى حقه، وذكر من تيسير القرآن والعلم على من قرأ عليه أمرا عجيبا. قال: وسمعت ظريفة بنت إبراهيم تقول: قال لى أحمد بن سالم: أنا أعرف فى الجبل خمسة من الصّالحين - أو قال: من الأولياء - فسمى منهم الإمام إبراهيم بن عبد الواحد. أحمد بن سالم - هذا - مرداوى كان عالما عاملا، ذا كرامات كثيرة، ذكرها أيضا فى هذا الكتاب. قال: وحدثنى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار: أن زوجته عائشة بنت خلف بن راجح، حدثته: أنها رأت فى النوم قائلا يقول: قولوا للعماد يدعو لكم، فإنه من السبعة التى تقوم بهم الأرض. وقد ذكره أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى تاريخه، وأثنى عليه ثناء كثيرا. وقال: ما تحرك بحركة، ولا مشى خطوة، ولا تكلم كلمة إلا لله تعالى. وكان يتعبد بالإخلاص، ولقد رأيته مرارا فى الحلقة بجامع دمشق، والخطيب يوم الجمعة على المنبر، فيقوم ويأخذ الإبريق ويضع بلبلته على فيه، على رءوس الأشهاد، ويوهم الناس أنه يشرب، وإنه لصائم. قال: وكان يحضر مجالسى دائما بجامع دمشق وقاسيون، ويقول: صلاح الدين يوسف فتح الساحل، وأظهر الإسلام، وأنت يوسف، أحييت السنة بالشام. يشير بذلك إلى ما ذكره أبو المظفر على المنبر من كلام جده فى إمرار الصفات وإثباتها. وقال أبو شامة: هو الذى سن الجماعة فى الصلوات المقضية. فكان يصلى بالجماعة بحلقتهم، بين المغرب والعشاء ما قدره الله تعالى. وبقى ذلك بعده مدة. وذكره أبو محمد البزورى الواعظ، فى طبقات أصحاب ابن المنى فى سيرته. وأثنى عليه كثيرا. وكذلك أبو محمد عبد الرزاق الرسعني فى تفسيره: يذكره كثيرا. ويثنى عليه ويعظمه. ويذكر من فوائده وكلامه. قال الضياء: توفى ﵀. ليلة الخميس. وقت عشاء الآخرة، السادس عشر من ذى القعدة سنة أربع عشرة وستمائة. وقال المنذرى: السابع عشر. ودفن يوم الخميس. وكان صلّى تلك الليلة المغرب بالجامع. ثم مضى إلى البيت، وكان صائما. فأفطر على شئ يسير. وحكى عنه: أنه لما جاءه الموت. جعل يقول: يا حى يا قيوم. لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث فأغثنى. واستقبل القبلة وتشهد ومات ﵀. قال: ولما خرجت جنازته إلى الجامع اجتمع خلق كثير. فما رأيت الجامع إلا كأنه يوم الجمعة من كثرة الخلق. وتركت جنازته فى قبلة الجامع. وصلّى عليه الإمام موفق الدين شيخنا. وكان المعتمد يطرد الناس عنه، وإلا كانوا من كثرة من يتبرك به يخرقون الكفن. وازدحم الناس على جنازته بين يديها وخلفها حتى كاد بعض الناس يهلك، وخرج إلى الجبل خلق كثير. ما رأيت جنازة قط أكثر خلقا منها. وخرج القضاة والعدول ومن لا نعرفهم. وصلّى عليه غير مرة. رحمه الله تعالى. وقال سبط ابن الجوزى: غسل وقت السحر. وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع الناس الجامع، وصلّى عليه الموفق بحلقة الحنابلة بعد جهد جهيد، وكان يوما لم ير فى الإسلام مثله. كان أول الناس عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس. ولولا المبارز المعتمد وأصحابه: لقطعوا أكفانه. وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار. قال: وتأملت الناس من أعلى قاسيون إلى الكهف قريب المنظور، لو رمى إنسان عليهم إبرة لما ضاعت. فلما كان فى الليل نمت وأنا متفكر فى جنازته. وذكرت أبيات سفيان الثورى التى أنشدها فى المنام. نظرت إلى ربى كفاحا، فقال لى … هنيئا رضائى عنك يا ابن سعيد فقد كنت قواما إذا أقبل الدجى … بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك، فاختر أى قصر أردته … وزرنى، فإنى منك غير بعيد وقلت: أرجو أن العماد يرى ربه كما رآه سفيان عند نزول حفرته، ونمت فرأيت العماد فى النوم، وعليه حلة خضراء، وعمامة خضراء، وهو فى مكان متسع كأنه روضة، وهو يرقى فى درج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين، كيف بت؟ فإنى والله متفكر فيك، فنظر إلىّ وتبسم على عادته، وقال: رأيت إلهى حين أنزلت حفرتى … وفارقت أصحابى وأهلى وجبرتى فقال: جزيت الخير عنى، فإننى … رضيت، فها عفوى لديك ورحمتى رأيت زمانا تأمل الفوز والرضا … فوقّيت نيرانى، ولقّيت جنتى قال: فانتبهت مرعوبا، وكتبت الأبيات. وذكر الضياء هذا المنام، عن أبى المظفر السبط، وذكر منامات أخر. منها: أنه رؤى فى النوم على حصان، فقيل له: إلى أين؟ قال: أزور الجبار. ورآه آخر، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال (يا ليت قومى يعلمون، بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين) قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا محمد عثمان بن حامد بن حسن المقدسى يقول: رأيت الحق ﷿ فى النوم، والشيخ العماد عن يمينه، ووجهه مثل البدر، وعليه لباس ما رأيت مثله. قال: وسمعت الفقيه الإمام عبد الحميد بن محمد بن ماضى المقدسى، يقول: شممت من قبر الشيخ العماد مرتين رائحة طيبة، رحمه الله تعالى. وقد حدث بالكثير، وسمع منه خلق كثير من الحفاظ والأئمة، كالضياء والمنذرى. وروى عنه ابن خليل وابن البخارى. أخبرنا أبو عبد الله الأنصارى، أخبرنا أبو الحسن بن البخارى، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد المقدسى، أخبرنا أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسى، أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، أخبرنا الحسن بن أحمد بن شاذان، حدثنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل. حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقرى، حدثنا سعيد بن سلمة المديني، عن هشام بن عروة، عن أخيه، عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «كنت لك كأبى زرع لأم زرع» ثم أنشأ يحدث حديث أم زرع وصواحبها، فذكر الحديث بطوله. ورثاه الصلاح موسى بن شهاب المقدسى بأبيات. منها: يا شيخنا، يا عماد الدين، قد قرحت … عينى وقلبى منك اليوم متبول أوحشت والله ربعا كنت تسكنه … لكنه الآن بالأحزان مأهول كم ليلة بت تحييها وتسهرها … والدمع من خشية الله مسبول وسجدة طال ما طال القنوت بها … قد زانها منك تكبير وتهليل