page 513, entry [254]Open original source
٢٤٣ - محمد بن على بن نصر بن البلّ الدورى، الواعظ أبو المظفر، ويلقب مهذب الدين. ولد سنة ست عشرة - أو سبع عشرة - وخمسمائة بالدور، وهى دور الوزير ابن هبيرة بدجيل، ونشأ بها. ثم قدم بغداد فى شبيبته، واستوطنها، فسمع بها من ابن ناصر الحافظ، وابن الطلاية، والوزير ابن أبى نصر بن جهير، وأبى بكر بن الزاغونى، وأبى الوقت، وجماعة كثيرة من المتأخرين. وقرأ بنفسه على الشيوخ، وقال الشعر الحسن، وفتح عليه فى الوعظ، ووعظ بعدة أماكن، حتى صار يضاهى أبا الفرج بن الجوزى، ويزاحمه فى أماكنه. ووعظ عند تربة أم الخليفة الناصر، سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فكان يجلس يوم الأربعاء، ويجلس أبو الفرج يوم السبت، ثم أذن للدورى بالجلوس يوم السبت، فاجتمع الخلق ظنا منهم أن ابن الجوزى هو الذى يتكلم، فلما رأوا الدورى انصرف كثير منهم، وسبوا الدورى، وأصحابه، وخيف من قوع فتنة فبعث أستاذا لدار ابن يونس، وأحضر ابن الجوزى، وطيب قلبه، وقال له: إن السلطان لم يعلم بهذه الجال، وإنما وقع تلبيس، ثم رأوا المصلحة فى منع جميع الوعاظ، فمنعوا. ولما اعتقل الشيخ أبو الفرج بواسط، خلا للدورى الجو، فكان يعظ مكانه عند التربة، واتفق أن الشيخ لما رجع إلى بغداد، ودخلها يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين، فوصل البشير بأنه قد وصل، والدورى يعظ مكانه، فبادر الناس من المجلس لتلقيه، فجعل الدورى يقول: ما هذه الأهوية التى أنتم عليها عاكفون، وقطع عليه المجلس. ثم ذكر ذلك ابن القادسى، فقال ما سمعته ينشد فى مجلسه: يا أكرم البشر الذى ما زلت فى … عمرى له أهدى الثناء وأمدح أتعبت وصّافيك فيك، فلجلج … المثنى، وأعرب فى علاك المفصح والبدر تمّ، وأنت أكمل صورة … والبحر عمّ، وأنت منه أسمح قال أبو الفرج بن الحنبلى - وقرأته بخطه -: كان - يعنى الدورى - واعظا حسنا. وكان يضاهى ابن الجوزى فى وعظه. وكان فصيحا فى إيراده. وله نظم ونثر، سمعته يتكلم. وقال - وهو على المنبر - بالله عليك يا جامع المنصور، هل تسمع قط مثل وعظ الدورى؟. وقال: أخافك حتى لا أظنّ سلامة … وأرجوك حتى لا أظن هلاكا وها أنا رهن فى يديك، ومحسن … بك الظن، فاجعل للأسير فكاكا فما نلت مما أرتجيه لموتتى … سواك، ولا قدر الأراك سواكا قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: يعانى الوعظ، ولم يكن من صنعته. وكان يضاهى جدى، حتى قيل له: أيما أعلم: أنت، أم أبو الفرج؟ فقال: ما أرضاه يقرأ عليّ الفاتحة، فبلغ ذلك أبا الفرج، فقال: ما أقرأ عليه الفاتحة، بل أقرأ عليه ﴿(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)﴾. قال: وكان يتعصب له حاكم قطفتا. وكان ينتحل أشعار الناس، ادعى يوما بيتين لنفسه، وأنشدهما على المنبر، وهما لأبى الفتح البستى. قلت: لا يلزم من إنشاده شعر غيره أنه يدعيه لنفسه. وقد كان موصوفا بالصلاح والديانة. قال ابن نقطة: سمعت منه، وكان شيخا صالحا متعبدا. قال المنذرى: حدث وعمّر، وعجز عن الحركة، ولزم بيته إلى أن مات، وهو ابن أربع - أو خمس - وتسعين سنة. وكان شيخا صالحا متعبدا. و «البلّ» بفتح الباء الموحدة وتشديد اللام. قلت: وكان يحضر المجالس المعقودة مع أكابر الفقهاء، ويفتى معهم. وهو آخر من أفتى بفسق قاضى القضاة العباسيين ومن دخل معه فى تزوير الكتاب الذى أنكر شهوده الشهادة به عند القاضى، واعترف المثبت له أنه مزور، ولا أصل له، وأن القاضى ارتشى لأجل إثباته. وممن أفتى بفسق القاضى وذويه فى ذلك من أصحابنا: ابن الجوزى، وابن الصقال، وخلق كثير من الشافعية والحنفية بدار أستاذ الدارين ابن يونس. توفى ابن البلّ ﵀ يوم الثلاثاء ثانى عشر شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة. وصلّى عليه يوم الأربعاء بالنظامية، وتقدم للصلاة عليه أبو صالح ابن عبد الرزاق، وحمل فدفن برباطه بقطفتا، على نهر عيسى بالجانب الغربى. رحمه الله تعالى. وكان له ولد اسمه: محمد، يكنى: أبا عبد الله، كانت له معرفة جيدة بالحساب وأنواعه، والمساحة، والفرائض، وقسمة التركات، وأقرأ ذلك مدة. وسمع من ابن البطى، وغيره، وشهد عند قاضى القضاة ابن الشهرزورى. توفى شابا فى حياة أبيه، يوم الاثنين رابع عشرين شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن بداره بقراح ابن أبى السحم، شرقى بغداد. رحمه الله تعالى.