page 457, entry [224]Open original source
ذكر تصانيفه كتاب «المصباح، فى عيون الأحاديث الصحاح» ثمانية وأربعين جزءا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب «نهاية المراد، من كلام خير العباد» لم يبيضه كله، فى السنن، نحو مائتى جزء، كتاب «اليواقيت» مجلد، كتاب «تحفة الطالبين، فى الجهاد والمجاهدين»، كتاب «الآثار المرضية، فى فضائل خير البرية» أربعة أجزاء، كتاب «الروضة» أربعة أجزاء، كتاب «الذكر» جزآن، كتاب «الأسرار» جزآن، كتاب «التهجد» جزآن، كتاب «الفرج» جزآن، كتاب «الصلات من الأحياء إلى الأموات» جزآن، كتاب «الصفات» جزآن «محنة الإمام أحمد» ثلاثة أجزاء، كتاب «ذم الرياء» جزء كبير، كتاب «ذم الغيبة» جزء ضخم، كتاب «الترغيب فى الدعاء» جزء كبير، كتاب «فضائل مكة» أربعة أجزاء، كتاب «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» جزء، كتاب «فضائل رمضان» جزء، وجزء فى «فضائل عشر ذى الحجة» وجزء فى «فضائل الصدقة» وجزء فى «فضائل الحج» وجزء فى «فضائل رجب» وجزء فى «وفاة النبى ﷺ» وجزء فى «الأقسام التى أقسم بها النبى ﷺ» وكتاب «الأربعين» وكتاب «الأربعين» آخر، وكتاب «الأربعين من كلام رب العالمين» وكتاب «الأربعين» بسند واحد، وكتاب «اعتقاد الإمام الشافعى» جزء كبير، وكتاب «الحكايات» سبعة أجزاء، وكتاب «غنية الحفاظ فى تحقيق مشكل الألفاظ» فى مجلدين، وكتاب «الجامع الصغير لأحكام البشير النذير» لم يتمه، وخمسة أجزاء من كتاب لم يتمه، على صفة كتاب «من صبر ظفر» وجزء «فى ذكر القبور» وأجزاء أخرجها من الأحاديث والحكايات. كان يقرؤها فى المجالس، تزيد على مائة جزء، وجزء فى «مناقب عمر بن عبد العزيز» هذه كلها بالأسانيد. ومن الكتب بلا إسناد: كتاب «الأحكام على أبواب الفقه» ستة أجزاء كتاب «العمدة فى الأحكام» مما اتفق عليه البخارى ومسلم، جزآن، وكتاب «درر الأثر على حروف المعجم» تسعة أجزاء، كتاب «سيرة النبى ﷺ» جزء كبير، كتاب «النصيحة فى الأدعية الصحيحة» جزء، كتاب «الاقتصاد فى الاعتقاد» جزء كبير، كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى ألفه أبو نعيم الأصبهانى فى جزء كبير، وكتاب «الكمال فى معرفة الرجال» يشتمل على رجال الصحيحين وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة فى عشر مجلدات، وفيه إسناد ذكر محنته. قال الحافظ الضياء: سمعت الإمام أبا محمد عمر بن سالم بن محمد الأنصارى المعبر يقول: رأيت فى النوم - يعنى: قبل الفتنة التى جرت للحافظ - كأن قائلا يقول لى: يمنع الحافظ من القراءة، ويجرى على أصحابه شدة، ويمشى إلى مصر وبها يموت، وهو من الأربعة، والشيخ أبو عمر - وسمى رجلين من العراق - ولم أحفظ أسماءهما. فلما انتبهت جاءنى رجل، فقال لي: الحال مثل ما رأيت فى النوم، ولم أرجع أره بعد ذلك. وسمعت الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال: سمعت الحافظ يقول: سألت الله تعالى أن يرزقنى مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقنى صلاته، قال: ثم ابتلي بعد ذلك، وأوذى. وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد الله بن أبى الحسن الجبائى بإصبهان يقول: كان أبو نعيم الحافظ قد أخذ على الحافظ أبى عبد الله بن منده أشياء فى كتاب «معرفة الصحابة» وكان الحافظ أبو موسى المدينى يشتهى أن يأخذ على أبى نعيم - يعنى: فى كتاب «معرفة الصحابة» - فما كان يحسن. فلما جاء الحافظ عبد الغنى إلى أصبهان أشار إليه بذلك. قال: تأخذ على أبى نعيم فى كتابه «معرفة الصحابة» نحوا من مائتين وتسعين موضعا. قال: فلما سمع بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخجندى طلب الحافظ عبد الغنى، وأراد إهلاكه فاختفى الحافظ. وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى قال: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا فى أزار. وذلك أن بيت الخجندى أشاعرة، كانوا يتعصبون لأبى نعيم. وكانوا رؤساء البلد. قلت: هذا فى غاية الجهل والهوى. وإلا فما الذى يتعلق بهذا من المذاهب واختلاف المقالات؟. قال الضياء: وسمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل للعقيلى، فأخذنى أهل الموصل، وحبسونى، وأرادوا قتلى من أجل ذكر أبى حنيفة فيه. قال: فجاءنى رجل طويل ومعه سيف، فقلت: لعل هذا يقتلنى وأستريح. قال: فلم يصنع شيئا، ثم إنهم أطلقونى. قال: وكان يسمع هو والإمام ابن البرنى الواعظ، فأخذ ابن البرنى الكراس التى فيها ذكر أبى حنيفة فاشتالها، فأرسلوا وفتشوا الكتاب فلم يجدوا شيئا. فهذا سبب خلاصه. والله أعلم. قال: وكان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، ويبكى الناس، وينتفعون بمجالسه كثيرا، فوقع الحسد عند المخالفين بدمشق، وشرعوا يعملون وقتا يجتمعون فى الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس من غير اختيارهم. فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم تشتف قلوبهم بذلك، فشرعوا فى المكيدة بأن أمروا الإمام الناصح أبا الفرج عبد الرحمن بن نجم ابن الحنبلى الواعظ بأن يجلس يعظ فى الجامع تحت قبّة النسر بعد الجمعة وقت جلوس الحافظ. فلما بلغنى ذلك قلت لبعض أصحابنا: هذه مكيدة والله، ما ذلك لحبهم الناصح، وإنما يريدون أن يعملوا شيئا. فأوّل ذلك: أن الحافظ والناصح أرادا أن يختلفا للوقت. ثم اتفقا على أن يجلس الناصح بعد صلاة الجمعة، ثم يجلس الحافظ بعد العصر. فلما كان بعض الأيام، والناصح قد فرغ من مجلسه. وكان قد ذكر الإمام أحمد ﵀ فى مجلسه - فدسوا إليه رجلا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح كلاما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب ذلك الرجل وهرب، فأتبع، فخبئ فى الكلاّسة، فتمت لهم المكيدة بهذه الواقعة، فمشوا إلى الوالى: وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا، ثم إنهم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة إلى الوالى، وقالوا: نشتهى أن يحضر الحافظ عبد الغنى. وكان مشايخنا قد سمعوا بذلك، فانحدروا إلى دمشق - خالى الإمام موفق الدين، وأخى الإمام أبى العباس أحمد البخارى، وجماعة الفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم، وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ؛ فإنك حاد ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ من القلعة وحده فأحذوه، ولم يعلم أصحابنا بذلك، فناظروه. وكان أجهلهم يغرى به فاحتدّ وكانوا قد كتبوا شيئا من اعتقاداتهم وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك، فلم يفعل، فقالوا للوالى: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شئ وهو يخالفهم. وكان الوالى لا يفهم شيئا فاستأذنوه فى رفع منبره، فأرسلوا الأسرى فرفعوا ما فى جامع دمشق من منبر وخزانة ودرابزين، وقالوا: نريد أن لا يجعل فى الجامع إلا صلاة أصحاب الشافعى، وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة فى مقامهم فى الجامع، ففاتهم صلاة الظهر. ثم إن الناصح ابن الحنبلى جمع السوقة وغيرهم، وقال: إن لم يخلونا نصلى باختيارهم صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضى - وهو كان صاحب الفتنة - فأذن لهم بالصلاة، وخاف أن يصلى بغير إذنه. وكان الحنفية قد حموا مقصورتهم بالجند. ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة يقرأ الحديث. وكان الملك العادل فى بلاد الشرق، فقال أهل بعلبك للحافظ: إن اشتهيت جئنا معك إلى دمشق نؤذى من آذاك، فقال: لا، ثم إنه توجه إلى مصر، ولم يعلم أصحابنا بسفره، فبقى مدة بنابلس يقرأ الحديث. قال الضياء: وهذا سمعته من أصحابنا. وكنت أنا فى ذلك الوقت بمصر أسمع الحديث. قلت: وقد ذكر بعض المخالفين هذه القضية على غير هذا الوجه، فقال: اجتمع الشافعية والحنفية والمالكية عند المعظم عيسى، والصارم برغش والى القلعة. وكانا يجلسان بدار العدل للنظر فى المظالم. قال: وكان ما اشتهر من إحضار اعتقاد الحنابلة، وموافقة أولاد الفقيه نجم الدين الحنبلى الجماعة، وإصرار الفقيه عبد الغنى المقدسى على لزوم ما ظهر به من اعتقاده، وهو الجهة والاستواء والحرف. وأجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع، لا يجوز أن يترك بين المسلمين، ولا يحل لولى الأمر أن يمكنه من المقام معهم. وسأل أن يمهل ثلاثة أيام؛ لينفصل عن البلد، فأجيب. وذكر غيره: أنهم أخذوا عليه مواضع، منها قوله: ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول. ومنها قوله: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها: مسألة الحرف والصوت، فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان، فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيها تنفى حقيقة النزول، فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت، فإنه لم يصح عن إمامك الذى تنتمى إليه فيه شئ، وإنما المنقول عنه: أنه كلام الله ﷿ غير مخلوق. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلال، وأنت على الحق؟ قال: نعم. ثم ذكر منعهم من الصلاة بالجامع، قال: فخرج عبد الغنى إلى بعلبك، ثم سافر إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وكتب أهل مصر إلى الصفي بن شكر وزير العادل: أنه قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رءوس الأشهاد، فكتب إلى والى مصر بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب. فأما قولهم: «أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره، وأنه مبتدع» فيا لله العجب، كيف يقع الإجماع، وأحفظ أهل وقته للسنة، وأعلمهم بها هو المخالف؟ وما أحسن ما قال أبو بكر قاضى القضاة الشامى الشافعى، لما عقد له مجلس ببغداد، وناظره الغزالى، واحتج عليه بأن الإجماع منعقد على خلاف ما عملت به، فقال الشامى: إذا كنت أنا الشيخ فى هذا الوقت أخالفكم على ما تقولون، فبمن ينعقد الإجماع؟ بك، وبأصحابك؟ هذا مع مخالفة فقيه الإسلام فى وقته الذى يقال: إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعى أفقه منه، ومعه خلق من أئمة الفقهاء، والمناظرين والمحدثين، هذا فى الشام خاصة، دع المخالفين لهؤلاء، المجتمعين فى سائر بلاد المسلمين - بغداد ومصر وغيرهما من أمصار المسلمين - مع إجماع السلف المنعقد على موافقة هؤلاء المخالفين لهم، ولم يكن فى المخالفين للحافظ من له خبرة بالسنة والحديث والآثار. ولقد عقد مرة مجلس لشيخ الإسلام أبى العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السنة، وأما أنت: فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات - وأظنه قال: وكلاما من سيرة عنتر - فلا تميز بينهما - أو كما قال - فسكت الرجل. وأما قولهم: «إن بنى الحنبلى، وافقوا الجماعة» فهذا إما أن يكون صحيحا، أو غير صحيح، فإن كان صحيحا، فهو تقية ونفاق منهم، وإلا فكلام بنى نجم الدّين الحنبلى، وكلام أبيهم فى إثبات الصوت كثير موجود، وسنذكر إن شاء الله مما نقله الناصح الحنبلى خاصة فى إثبات الصوت ما نذكره فى مواضعه. وأما قوله: «ولا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة النزول» فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيها ينفى حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك. وأما المكان: ففيه نزاع وتفصيل. وفى الصحيحتين: إثبات لفظ المكان. وأما الانتقال: ففيه جوابان. أحدهما: لا نسلم لزومه؛ فإن نزوله ليس كنزول المخلوقين، ولهذا نقل عن جماعة من الأئمة: أنه ينزل، ولا يخلو منه العرش (¬١). والثانى: أن هذا مبنى على إثبات الأفعال الاختياريّة، وقيامها بالذات. وفيها قولان لأهل الحديث المتأخرين من أصحابنا وغيرهم. وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذى ينتمى إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه فى إثبات الصوت كثير جدا. قال عبد الله بن الامام أحمد فى كتاب السنة [«سألت أبى عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبى: بلى، تكلم بصوت، هذه الأحاديث ترويها كما جاءت»] (¬٢). والمقصود ههنا: الإشارة إلى ما وقع فى حق الحافظ، من التحامل عليه، والتعصب. وقرأت بخط الإمام الحافظ الذهبى - ردا على من نقل الإجماع على تكفيره - أما قوله «أجمعوا» فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين: من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعنى أنها تجرى على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ. قال الحافظ الضياء: وجاء شاب من أهل دمشق بفتاوى من أهلها، إلى صاحب الحافظ بمصر - وهو العزيز عثمان - ومعه كتب: أن الحنابلة يقولون كذا وكذا، مما يشنعون به ويفترونه عليهم. وكان ذلك الوقت قد خرج نحو الإسكندرية يتفرج، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة أخرجناك من بلادنا، من يقول بهذه المقالة؟ فلم يرجع إلا ميتا؛ فإنه عدا به الفرس خلف صيد، فشب به الفرس وسقط عليه، فخسف صدره. كذا حدثنى شيخنا يوسف بن الطفيل، وهو الذى تولى غسله، وأقام ولده موضعه، وأرسلوا إلى الأفضل بن صلاح الدين - وكان بصرخد - فجاء وأخذ مصر، وذهب إلى دمشق، فلقى الحافظ عبد الغنى فى الطريق، فأكرمه إكراما كثيرا وبعث يوصى به بمصر. فلما وصل الحافظ إلى مصر، تلقّي بالبشر والإكرام، وأقام بها يسمع الحديث بمواضع منها، وبالقاهرة. وقد كان بمصر كثير من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم من أذى الحافظ لو أرادوه، ثم جاء الملك العادل، وأخذ مصر، وأكثر المخالفون عنده على الحافظ. وسمعت أن بعضهم بذل فى قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. قال: وقرأت بخط الحافظ كتبه إلى دمشق: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل عليّ وأكرمنى، وقام لى والتزمنى، ودعوت له. ثم قلت: عندنا قصور، فهو الذى يوجب التقصير، فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شئ يعاب فى أمر الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين. وقد تقدم ذكر هيبة العادل له، واحترامه، وتعجب الناس من ذلك. قال: ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقى الحافظ بمصر، والمخالفون لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الملك الكامل على إخراجه من مصر، واعتقل فى دار سبع ليال، فقال: ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالى. وقال: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغنى، يقول: حدثنى الشجاع بن أبى ذكرى الأمير، قال: قال لى الملك الكامل يوما: ههنا رجل فقيه، قالوا: إنه كافر، قلت: لا أعرفه، قال: بلى، هو محدث، فقلت: لعله الحافظ عبد الغنى؟ فقال: نعم، هذا هو، فقلت: أيها الملك، العلماء: أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا، وأنت ههنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، وأرسل إليك شفاعة، أو رقعة، يطلب منك شيئا؟ فقال: لا، فقلت: أيها الملك: والله هؤلاء القوم يحسدونه، فهل فى هذه البلاد أرفع منك؟ قال: لا، فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء، كما أنت أرفع الناس ههنا، فقال: جزاك الله خيرا كما عرفتنى هذا. ثم إنّي أرسلت رقعة إلى للملك الكامل أوصيه به، فأرسل إليّ: تجئ، فمضيت إليه، وإذا عنده جماعة، منهم: شيخ الشيوخ - يعنى: ابن حمويه - وعزّ الدين الزنجانى، فقال لى الملك: نحن فى أمر الحافظ، فقلت: أيها الملك، القوم يحسدونه، ثم بيننا هذا الشيخ - أعنى شيخ الشيوخ - وقلت: بحق كذا وكذا، هل سمعت من الحافظ كلاما يخرج عن الإسلام؟ فقال: لا والله، ما سمعت منه إلا كل جميل، وما رأيته قط، ثم تكلم ابن الرنجانى، فمدح الحافظ مدحا كثيرا، ومدح تلامذته، وقال: أنا أعرفهم، فما رأيت مثلهم. فقلت: وأنا أقول شيئا آخر، فقال: ما هو؟ فقلت: لا يصل إليه شئ يكرهه، حتى يقتل من الأكراد ثلاثة آلاف، قال فقال: لا يؤذى الحافظ، فقلت: اكتب خطك بذاك، فكتب. وسمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا؛ لقول لله كذا، وأقول كذا؛ لقول رسول الله ﷺ كذا، حتى فرغ من المسائل التى يخالفون فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل، قال: إيش فى هذا؟ يقول بقول الله ﷿، وقول رسوله ﷺ. قال: فخلى عنه. ثم ذكر الضياء طرفا من فراسته، وهى نوع من فراسته، وهى ملتحقة بنوع من كراماته. فمنها ما قال: سمعت نصر بن رضوان بن ثروان العدوى يقول: لما كان الحافظ يجلس فى الجامع بعد العصر، كان المنبر الذى يجلس عليه فيه قصر. وكان الناس يشرفون إليه، فخطر فى نفسى لو كان يرفع قليلا. وكان الحافظ على المنبر يقرأ فى جزء، فترك القراءة، فقال بعض الإخوان: نشتهى أن يعلى هذا المنبر قليلا، فلما كان الغد زاد بعض الجماعة فى رجل المنبر قليلا. قال: وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ قال: كنت عند والدى، وهو يذكر فضائل سفيان الثورى، فقلت فى نفسى: إن والدى مثله، فالتفت إلىّ وقال: أين نحن من أولئك؟. وسمعت أبا موسى أيضا يحدث عن رجل بدمياط قال: كنت يوما عند الحافظ، فقلت فى نفسى: كنت أشتهى لو أن الحافظ يعطينى الثوب الذى يلى جسده حتى أكفن فيه. فلما أردت القيام قال: لا تبرح، فلما انصرف الجماعة خلع ثوبه الذى يلى جسده وأعطانيه. قال: فبقى الثوب عندنا، وكل من مرض أو وجع رأسه تركوه عليه حتى يبرأ بإذن الله تعالى. وسمعت أبا الرضى محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسى قال: وقع لى أن أسأل الحافظ عن شئ من ذكر أصحاب النبى ﷺ، فمضيت إليه فوجدت عنده جماعة، فاستحييت أن أسأله وقعدت، فذكر ما كنت أريد أن أسأله عنه وبيّنه. وسمعت أبا على فارس بن عثمان بن عبد الله الدمشقى يذكر عن رجل عن آخر قال: خرجنا جماعة إلى الجبل، فقعدنا على النهر. فقال بعضنا: اشتهينا لو أن الحافظ جاء ومعه جزء يقرأ لنا فيه أخبارا، فقال آخر: ويجئ معه بحلاوة، فلم نلبث إلا والحافظ قد جاء، فقال له بعضنا: لو كنت جئت معك بشئ تقرأ لنا فيه؟ فأخرج جزءا من كمه، وقال: قد جئت بالجزء والحلاوة. وسمعت الحافظ أبا موسى يقول: قالت لى والدتى: قدمنا يوما لوالدك طبيخا من طبيخ فلان - لرجل سماه لى - وكان الحافظ لا يشتهى أن يأكل من طعامه، فأخذ لقمة ورفعها إلى فيه، ثم نظر إليه وقال: هذا من طبيخ فلان، ارفعوه، ولم يأكل منه شيئا. قال الضياء: فسألت خالتى رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة - امرأة الحافظ - بعد ذلك عن هذه الحكاية؟ فحدثتنى بها. قال: وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسى قال: كنت يوما عند الحافظ بالقاهرة، فدخل رجل فسلم عليه، ثم أخرج دينارين فدفعهما إليه، فدفعهما الحافظ إلىّ، وقال: ما كان قلبي يطيب بهما، فسألت الرجل؟ إيش شغلك؟ فقال: أنا أكتب على النطرون، والنطرون بمصر ماء يجمد مثل الملح وعليه ضمان. وسمعته يحدث عن رجل - وأثنى عليه خيرا - قال: كنت مرة قد تحرقت ثيابى، فجئت يوما بدمشق للحافظ، فقلت: يا سيدى لك حاجة أحملها إلى الجبل؟ قال: نعم. خذ معك هذا الثوب، فحملته إلى الجبل. فلما صعدت، جئت بالثوب إليه، فقال: اقعد فصّل لك ثوبين وسراويل، ففصلت ثوبين وسراويل، وفضلت فضلة فأخذها. سمعت الحافظ أبا موسى قال: مرض والدى ﵀ فى ربيع الأول سنة ستمائة مرضا شديدا منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستة عشر يوما، وكنت كثيرا ما أسأله: ما تشتهى؟ فيقول: أشتهى الجنة، أشتهى رحمة الله تعالى، لا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الاثنين جئت إليه. وكان عادتى أبعث من يأتى كل يوم بكرة بماء حار من الحمام يغسل أطرافه. فلما جئنا بالماء على العادة مدّ يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الفجر، ثم قال: يا عبد الله، قد فصل بنا وخفف، فقمت فصليت بالجماعة، وصلّى معنا جالسا. فلما انصرف الناس جئت، فجلست عند رأسه وقد استقبل القبلة، فقال لى: اقرأ عند رأسى سورة يس، فقرأتها، فجعل يدعو الله وأنا أؤمن، فقلت: ههنا دواء قد عملناه تشربه؟ فقال: يا بنىّ ما بقى إلا الموت، فقلت: ما تشتهى شيئا؟ قال: أشتهى النظر إلى وجه الله تعالى. فقلت: ما أنت عنى راض؟ قال: بلى والله، أنا عنك راض وعن إخوتك، وقد أجزت لك ولاخوتك ولابن أختك إبراهيم. قال: وسمعت أبا موسى يقول: أوصانى أبى عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذى تعبنا عليه - يعنى الحديث - فقلت: ما توصى بشئ؟ قال: مالى على أحد شئ، ولا لأحد علىّ شئ. قلت: توصينى بوصية؟ قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه فسلموا عليه فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله تعالى، قولوا: لا إله إلا الله، فقالوها، ثم قاموا. فجعل يذكر الله، ويحرك شفتيه بذكره، وبشير بعينيه، فدخل رجل فسلم عليه، وقال له: ما تعرفنى يا سيدى؟ فقال: بلى، فقمت لأناوله كتابا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه. وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ستمائة. وبقى ليلة الثلاثاء فى المسجد، واجتمع الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء ما لا يحصيهم إلا الله ﷿. ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة، مقابل قبر الشيخ أبى عمرو ابن مرزوق فى مكان ذكر لى خادمه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكى فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبى يرتاح إلى هذا المكان ﵀ ورضى عنه، وألحقه بنبينا محمد ﷺ. قلت: ووقع لابن الحنبلى فى وفاته وهم، فقال: سنة خمس وتسعين وخمسمائة. ورثاه غير واحد، منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن سعد المقدسى الأديب بقصيدة طويلة، أولها: هذا الذى كنت يوم البين أحتسب … فليقضن دمعى عنك بعض ما يجب يا سائرين إلى مصر بربّكم … رفقا علىّ؛ فإن الأجر مكتسب قولوا لساكنها: حييت من سكن … يا منية النفس، ماذا الصد والغضب؟ بالشام قوم وفى بغداد قد أسفوا … لا البعد أخلق بلواهم ولا الحقب قد كنت بالكتب أحيانا تعللهم … فاليوم لا رسل تأتى ولا كتب أنسيت عهدهم أم أنت فى جدث … تسفى وتبكى عليك الريح والسحب بل أنت فى جنة تجنى فواكهها … لا لغو فيها، ولا غول ولا نصب يا خير من قال بعد الصحب «حدثنا» … ومن إليه التقى والدين ينتسب لولاك ماد عمود الدين، وانهدمت … قواعد الحق، واغتال الهدى عطب فاليوم بعدك جمر الغيّ مضطرم … بادى الشرار، وركن الرشد مضطرب فليبكينّك رسول الله ما هتفت … ورق الحمام، وتبكى العجم والعرب لم يفترق بكما حال، فموتكما … فى الشهر واليوم، هذا الفخر والحسب أحييت سنته من بعد ما دفنت … وشدتها وقد انهدت لها رتب وصنتها عن أباطيل الرواة لها … حتى استنارت، فلا شك ولا ريب ما زلت تمنحها أهلا، وتمنعها … من كان يلهيه عنها الثغر والشنب قوم بأسماعهم عن سمعها صمم … وفى قلوبهم من حفظها قضب تنوب عن جمعها منهم عمائمهم … أيضا، ويغنيهم عن درسها اللقب يا شامتين وفينا ما يسوؤهم … مستبشرين وهذا الدهر محتسب ليس الفناء بمقصور على سبب … ولا البقاء بممدود له سبب ما مات من عز دين الله يعقبه … وإنما الميت منكم من له عقب ولا تفوض بيت كان يعمده … مثل العماد، ولا أودى له طنب علا العلى بجمال الدين بعد، كما … تحيى العلوم بمحيى الدين والقرب وتسبق الخيل تاليها، وإن بعدت … وغاية السبق لا تعيى له النجب مثل الدرارى السوارى شيخنا أبدا … نجم يغور ويبقى بعده شهب من معشر هجروا الأوطان وانتهكوا … حمر الخطوب وأبكار العلى خطبوا شمّ العرانين ملح، لو سألتهم … بذل النفوس لما هابرا بأن يهبوا بيض مفارقهم، سود عواتقهم … يمشى مسابقهم من حظه التعب نور إذا سألوا، نار إذا حملوا … سحب إذا نزلوا، أسد إذا ركبوا الموقدون ونار الحرب خامدة … والمقدمون ونار الحرب تلتهب هذا الفخار، فإن تجزع فلا جزع … على المحب، وإن تصبر فلا عجب قال الضياء: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمود البعلى قال: جاء قوم من التجار إلى الشيخ العماد - وأنا عنده - فحدثوه أن النور يرى على قبر الحافظ عبد الغنى كل ليلة أو كل ليلة جمعة. قال: وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ قال: حدثنى صنيعة الملك هبة الله ابن على بن حيدرة، قال: لما خرجت للصلاة على الحافظ لقينى هذا المغربى - وأشار إلى رجل معه - وقال: إلى أين تروح؟ فقلت: إلى الصلاة على الحافظ، فجاء معى، وقال: أنا رجل غريب، ورأيت البارحة فى النوم كأنى فى أرض واسعة، وفيها قوم عليهم ثياب بيض، وهم كثيرون، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لى: هؤلاء ملائكة السماء نزلوا الموت الحافظ عبد الغنى. فقلت: وأين هو الحافظ؟ فقيل لى: اقعد عند الجامع حتى يخرج صنيعة الملك، فامض معه. قال: فلقيته واقفا عند الجامع. قال: وسمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغنى - سنة اثنتى عشرة وستمائة - قال: رأيت البارحة الكمال - يعنى أخى عبد الرحيم، وكان توفى فى تلك السنة - فى النوم، وعليه ثوب أبيض، فقلت له: يا فلان، أين أنت؟ قال: فى جنة عدن، فقلت: أيما أفضل: الحافظ عبد الغنى، أو الشيخ أبو عمر؟ فقال: ما أدرى. وأما الحافظ. فكل ليلة جمعة ينصب له كرسى تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، وينثر عليه الدر والجوهر، وهذا نصيبى منه. وكان فى كمه شئ، وقد أمسك بيده على رأسها. قال: وسمعت الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن عبد الله الكردى - بحران - يقول: رأيت الحافظ فى المنام، فقلت: له يا سيدى، أليس قدمت؟ فقال: إن الله ﷿ بقى علىّ وردى من الصلاة. سمعت عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن سرور يحدث عن الشيخ الزاهد عبد الرحمن عشم المقرى عن رجل حدثه بمصر - وكان يبغض الحافظ - أنه رأى قائلا يقول له فى المنام: إن أراد الله بك خيرا فأنت تكون على ما هو عليه. وقال: الحافظ عبد الغنى يدخل الجنة بعد النبى ﷺ، أو قال: على أثر النبى ﷺ. قال: وسمعت الإمام عبد الساتر بن يوسف بن على العجمى قال: رأيت فى المنام كأن أصحابنا فى الجنة وأنا معهم. قلت: مثل من؟ قال: مثل الشيخ أبي عمر، والموفق، والحافظ. وكأن النار قد أقبلت ولها قتام وظلام، وهى تقرب إلينا حتى كادت أن تصل إلينا، فقال قائل: يا حافظ، اخرج إليها، فخرج الحافظ - رجل طويل فيه سمرة، ووصفه بجميع صفته، قال: ولم أبصر الحافظ قط - ومعه نهر مثل نهر يزيد ثلاث مرات، فبقى يجئ منها حجارة، فتقع فى ذلك النهر فتطفى، وتبقى مثل الطواحين السود. وقد ذكر الضياء غير ذلك من المنامات المرئية له فى حياته وبعد مماته. رضى الله عنه. وقد سمع الحديث من الحافظ عبد الغنى الخلق الكثير. وحدث بأكثر البلاد التى دخلها، كبغداد ودمشق ومصر ودمياط وأصبهان. وحدث بالإسكندرية سنة سبعين وخمسمائة. وروى عنه خلق كثير، منهم: ولداه أبو الفتح، وأبو موسى، وعبد القادر الرهاوى، والشيخ موفق الدين، والحافظ الضياء، وابن خليل، والفقيه اليونينى، ويعيش بن ريحان الفقيه، وأحمد بن عبد الدائم، وعثمان بن مكى الشارعى، وأحمد بن حامد الأرتاحى، وإسماعيل بن عزون، وعبد الله بن علاف. وآخر من سمع منه: محمد بن مهلهل الحسينى. وآخر من روى عنه بالإجازة أحمد بن أبى الخير سلامة الحداد.