page 437, entry [220]Open original source
٢١٢ - عبيد الله بن على بن نصر بن حمرة بن على بن عبيد الله البغدادى التيمى المعروف بابن المارستانية، الأديب، الفقيه المحدث، المؤرخ أبو بكر. ويلقب فخر الدين. كان يذكر أنه من ولد أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ويذكر شيئا متصلا إليه. وقد قرأت بخطه فى نسبه: المحمدى، ولا أدرى إلى ما هذه النسبة؟ ذكر أنه ولد فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسمع الحديث من أبى المظفر بن الشبلى، وابن البطى، ويحيى بن ثابت ابن بندار، وعبد الحق بن عبد الخالق، وشهدة، وأبى الفتح بن شاتيل. وقرأ كثير على المشايخ المتأخرين بعدهم، وكتب بخطه، وحصل الأصول وعنى بهذا الفن، وطلب العلم فى صباه، فتفقه فى المذهب. وقرأ الأدب. وكان أديبا، فاضلا فصيحا، مليح العبارة، بليغا، حسن التصنيف، ذكر ذلك ابن النجار وغيره. وقال أبو المظفر سبط بن الجوزى: أحد الفضلاء المعروفين بجمع الحديث والطب، والنجوم، وعلوم الأوائل، وأيام الناس. وصنف كتابا سماه «ديوان الإسلام، فى تاريخ دار السلام» قسمه ثلاثمائة وستين كتابا، إلا أنه لم يشتهر، وصنف سيرة الوزير ابن هبيرة. وقال ابن النجار: كان قد قرأ كثيرا من علم الطب، والمنطق والفلسفة. وكانت بينه وبين عبيد الله بن يونس صداقة ومصاحبة، فلما أفضت إليه الوزارة اختص به، وقوى جاهه، وبنى دارا بدرب الشاكرية، وسماها: دار العلم، وجعل فيها خزانة كتب، ووقفها على طلاب العلم. وكانت له حلقة بجامع القصر، يقرأ فيها الحديث يوم الجمعة، ويحضر عنده الناس، فيسمعون منه، ورتب ناظرا على أوقاف المارستان العضدى، فلم تحمد سيرته، فقبض عليه وسجن فى المارستان مدة مع المجانين مسلسلا، وبيعت دار العلم بما فيها من الكتب مع سائر أمواله وقبضت، وبقى معتقلا مدة، ثم أطلق، فصار يطب الناس، ويدور على المرضى فى منازلهم، وصادف قبولا فى ذلك، فأثرى، وعاد إلى حالة حسنة، وحصل كتبا كثيرة، ثم إنه انتدب للتوجه فى رسالة من الديوان، فخلع عليه خلعة سوداء: قميص وعمامة، وطرحة، وأعطى سيفا وأركب مركوبا جميلا، وتوجه إلى تفليس فى صفر سنة تسع وتسعين إلى الأمير أبى بكر بن إيلد كزين البهلوان، زعيم تلك البلاد، فأدركه أجله هناك. قلت: القبض عليه إنما كان بعد عزل ابن يونس والقبض عليه، وتتبع أصحابه، وفى تلك الفتنة كانت محنة ابن الجوزى أيضا كما تقدم. وبالغ ابن النجار فى الحط عليه بسبب ادعائه النسب إلى أبى بكر الصديق، وبسبب أنه روى عن مشايخ لم يدركهم، كأبى الفضل الأرموى. قال: واختلق طباقا على الكتب بخطوط مجهولة، تشهد بكذبه وبزوره، وجمع مجموعات فى فنون من التواريخ وأخبار الناس، من نظر فيها ظهر له من كذبه وقبحه وتهوره ما كان مخفيا عنه، وبان له تركيبه الأسانيد على الحكايات والأشعار والأخبار، إلى أن قال: وقد حدث بكثير مما اختلقه، وعن جماعة لم يلقهم سمع منه الغرباء، ومن لا يعرف طريقة الحديث. ورأيته كثيرا، ولم أكتب عنه شيئا. قال: وقد نقلت فى هذا الكتاب من خطه وقوله وروايته أشياء، العهدة عليه فى صحتها؛ فإنى لا أطمئن إلى صحتها، ولا أشهد بحقيقة بطلانها. ثم قال: قرأت على أبى عبد الله الحنبلى بأصبهان عن معمر بن عبد الواحد بن الفاخر القرشى، ونقلته من خطه. قال: أنشدنى أبو بكر عبيد الله بن على بن علي بن نصر بن حمزة التيمى لنفسه: أفردتنى بالهموم … ذات دل ونعيم أودعت قلبى سقاما … والحشا نار الجحيم ليس لى شغل سواها … من خليل وحميم هى داء للمعافى … ودواء للسقيم شغلت قلبى بأمر … مقعد فيها مقيم قلت: العجب أنه تبرأ وتنزه عن الرواية عنه نفسه، ثم روى عن اثنين عنه. ولقد بالغ فى الحط عليه، وزاد فى ذلك اعترافه بأنه نقل عنه فى هذا الكتاب أشياء، ولعله لا يبين فى بعضها أو كثير منها أنها من جهته. وقد وقفت على كتابه الذى جمعه فى سيرة ابن هبيرة، فلم أجد فيه ما ينكر، بل غالب ما نقل فيه من الحكايات عن الوزير من كلامه قد نقله ابن الجوزى وغيره. وكذلك بالغ ابن الدبيثى فى تاريخه فى الحط عليه، وقال: إنه ادعى الحفظ وسعة الرواية عمّن لم يلقه ولم يوجد بعد. وتابعه على ذلك المنذرى. وهذا غير صحيح؛ فإن أقدم من ادعى السماع منه الأرموى. وهو كان موجودا فى حياته، وسماعه منه ممكن. نعم ينبغى أن يقال: لم يصح سماعه منه، أو لم يعرف، ونحو ذلك. ومن مبالغته فى الحط قال أبو شامة: هذا غلوّ من قائله. وهو كما قال. ولا ريب أنه مطعون فيه من جهتين: من جهة ادعائه النسب إلى أبى بكر؛ فإن هذا أنكره الناس كلهم عليه، واشتهر إنكاره، حتى قال بعضهم: دع الأنساب لا تعرض لتيم … فأين الهجن من ولد الصميم لقد أصبحت من تيم دعيّا … كدعوى حيص بيص إلى تميم ومن جهة ادعائه سماع ما لم يسمع؛ فإن هذا صحيح عنه. قال ابن نقطة: سألت أبا الفتوح الحصرى عنه بمكة؟ فقال: سامحه الله. كان صديقى. وكان يكرمنى. وكان غير ثقة. حدثنى علي بن أحمد الشريف الزيدى أنه استعار منه مغازى الأرموى فردها إليه وقد طبق عليها السماع على كل جزء، ولم يسمعها. قال ابن نقطة: وكان شيخنا ابن الأخضر الحافظ ينهى أن يقرأ أحد على شيخ بطبقة تكون بخطه، أو بخط أبى بكر بن سوار. وذكر حكايتين عن أبى الحسين عبد الحق بن عبد الخالق أنه كذبه، وقال: إنه سمع لنفسه منه أجزاء لم يقرأها عليه. وأما ما نسبوه إليه من تركيب الأسانيد، وتصرفه بالكذب فى تصانيفه، حتى إن ابن الدبيثى قال: لو تم كتابه «ديوان الإسلام» لظهرت فضائحه. فهذا أمر لم يثبت عنه. وقد ذكر ابن نقطة: أنه رأى بعض تاريخه، ولم يذكر فيه طعنا. والله أعلم. وقال ابن القادسى عنه: كان خطيبا، بليغا شاعرا، حافظا محدثا، فصيحا. سافر، وسمع الحديث من أمم لا تحصى واستشهدهم. وصنف عدة مصنفات فى التواريخ وغيرها. وله «تاريخ مدينة السلام» على وضع كتاب الخطيب. وهو كتاب نفيس، وقد ذكر فيه أقواما، ذكر أنهم لا يعرفون. وقد عظمهم هو ووصفهم. وقد طعن أصحاب الحديث عليه وجرحوه، منهم شيخنا ابن الجوزى، وعبد العزيز بن الأخضر. وحدث ببغداد. وروى عن أبى الوقت، وقرأ على أبى محمد بن الخشاب. قال أبو المظفر السبط: كان ابن المارستانية هو الذى قرأ كتب عبد السلام ابن عبد الوهاب بن عبد القادر يوم أحرقت. كان يقرأ الكتاب، ويقول: يا عامة، هذا عبد السلام يقول: من بخّر زحل بكذا وكذا. وقال: يا إلهى يا علة العلل، نال ما أراد، فيلعنه الناس ويضجون بذلك. فلما خلع على ابن المارستانية، وأرسل إلى تفليس، خرج من دار الوزير وبين يديه الحجاب، وأرباب الدولة فوقف له عبد السلام وتقدم إليه، وقال له سرّا فيما بينهما: الساعة من بخّر زحل أنا أو أنت؟ فقال: أنا. وتوفى ابن المارستانية فى رجوعه من تفليس بموضع يعرف بخرج بند ليلة الأحد غرة ذى الحجة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ودفن هناك. سامحه الله. وقال القادسى: توفى بحرختيد فى سلخ ذى القعدة. وقيل: توفى فى صفر. وهو وهم. و «حمرة» فى نسبه بضم الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الراء المهملة. كذلك قيده ابن النجار، وابن نقطة، والمنذرى وغيرهم. ورأيت بخطه «حمزة» وفوق الزاى نقطة. ولا يلتفت إلى ذلك. وقيل له: ابن المارستانية، لأن أبويه كانا قيّمى المارستان التنستى ببغداد.