Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

١٧٥ - نصر بن فتيان

ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي · page 353, entry [182]

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي — ابن رجب الحنبلي

page 353, entry [182]Open original source
١٧٥ - نصر بن فتيان بن مطر النهروانى، ثم البغدادى، أبو الفتح الفقيه الزاهد، المعروف بابن المنّى، ناصح الإسلام، وأحد الأعلام، وفقيه العراق على الإطلاق. قال ابن القطيعى: ورأيت فى أكثر مسموعاته: يكتب له أبو الفتح عبد الله بن هبة الله، المعروف بفتيان بن مطر. قال: وسألته عن مولده؟ فقال: سنة إحدى وخمسمائة. وهذا أصح مما قاله المنذرى: أنه ولد - ظنا - قبل سنة خمسمائة. وسمع الحديث من أبى بكر بن الدنف سنة إحدى عشرة، ومن القاضى أبى بكر بن عبد الباقى، وعبد الوهاب الأنماطى، وأبى الحسن بن الزاغوانى، وأبى منصور القزاز، وأبى القاسم بن الحصين، وأبى نصر اليونارتى، وأبى غالب ابن البناء، وأبى عبد الله البارع، والحسين بن عبد الملك الخلال، والأرموى، وابن ناصر، وأبى الوقت، وغيرهم. وتفقه على أبى بكر الدينورى، ولازمه حتى برع فى الفقه، وتقدم على أصحابه، وأعاد له الدرس. وصرف همته طول عمره إلى الفقه، أصولا وفروعا، مذهبا وخلافا، واشتغالا وإشغالا، ومناظرة. وتصدر للتدريس والاشتغال والإفادة، وطال عمره، وبعد صيته، وقصده الطلبة من البلاد، وشدت إليه الرحال فى طلب الفقه، وتخرج به أئمة كثيرون. قرأت بخط الإمام ناصح الدين بن الحنبلى وقد ذكر شيخه بن المنى، فقال: رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورا، وكل فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورا، فأنخت راحلتى بربعه، وحططت زاملة بغيتى على شرعه، فوجدت الفضل الغزير، والدين القويم المنير، والفخر المستطيل المستطير، والعالم الخبير، فتلقانى بصدر بالأنوار قد شرح، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح، وبباب إلى كل باب من الخيرات قد شرع وفتح. فتح الله عليه. حفظ القرآن العظيم وهو فى حداثة من سنه. ولاحت عليه أعلام المشيخة، فرجح منه على كل فن بفضل الله ومنّه. قال لى المهذب بن قيداس: كنا نسمى شيخك شيخ صبى - يعنى فى صباه - لعقله ووقاره، وتركه اللعب. ثم قال: لم ينقل عنه: أنه لعب ولا لها، ولا طرق باب طرب، ولا مشى إلى لذة ومشتهى. حدثنى شيخنا الإمام ناصح الإسلام بن المنّى قال: حصل لى من ميراث والدى عشرون دينارا، فاشتريت بها شيئا وبعته فأربحت، فخفت أن تحلو لى التجارة فأشتغل بها، فنويت الحج فحججت، وتجردت للعلم، فسمعت درس الشيخ أبى بكر الدينورى صاحب الشيخ أبى الخطاب الكلوذانى، قال: فتفقه به، ومال الفقهاء من أصحاب شيخه إلى الاشتغال عليه. ودرس بعد موت شيخه قال لى: تقدمت فى زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدم مداسهم. وقال لى ﵀: ما أذكر أحدا قرأ علىّ القرآن إلا حفظه، ولا سمع درسى الفقه إلا انتفع. ثم قال: هذا حظى من الدنيا. قال ابن الحنبلى: أفتى ودرس نحوا من سبعين سنة، ما تزوّج ولا تسرى، ولا ركب بغلة ولا فرسا، ولا ملك مملوكا، ولا لبس الثياب الفاخر إلا لباس التقوى. وكان أكثر طعامه يشرب له فى قدح ماء الباقلاّ. وكان إذا فتح عليه بشئ فرقه بين أصحابه. وكان لا يتكلم فى الأصول. ويكره من يتكلم فيه، سليم الاعتقاد، صحيح الانتقاد فى الأدلة الفروعية. وكنا نزور معه فى بعض السنين قبر الإمام أحمد. وسمعت الشيخ الإمام جمال الدين بن الجوزى وقد رآه يقول له: أنت شيخنا. وأضرّ بعد الأربعين سنة، وثقل سمعه. وكان تعليقه الخلاف على ذهنه، وفقهاء الحنابلة اليوم فى سائر البلاد يرجعون إليه، وإلى أصحابه. قلت: وإلى يومنا هذا الأمر على ذلك. فإن أهل زماننا إنما يرجعون فى الفقه من جهة الشيوخ والكتب إلى الشيخين: موفق الدين المقدسى، ومجد الدين ابن تيمية الحرانى. فأما الشيخ موفق الدين: فهو تلميذ ابن المنى. وعنه أخذ الفقه. وأما ابن تيمية: فهو تلميذ تلميذه أبى بكر محمد بن الحلاوى. وقد جمع بعض فضلاء أصحابه له سيرة طويلة. وهو أبو محمد عبد الرحمن بن عيسى البزورى الواعظ. وقفت على بعضها مما ذكره فيها. قال: وكان ﵀ كثير الذكر والتلاوة للقرآن لا سيما فى الليل، مكرما للصالحين، محبّا لهم، ليس فيه تيه الفقهاء، ولا عجب العلماء. إن مرض أحد من تلامذته ومعارفه عاده، أو كانت لهم جنازة شيعها ماشيا غير راكب، على كبر السن، وضعف البنية. زاهدا فى الدنيا، يقنع منها بالبلغة، وإذا جاءه فتوح أو جائزة من بيت المال وزعها بين أصحابه، وإن ناله منها شئ أعاده عليهم فى غضون الأيام. قال: ولقد حدثنى من أثق به من أصحابنا: أنه جاءته صلة من بعض الصدور نحو أربعين دينارا، ففرقها فى يومه بين أهله وأصحابه، وما أخذ منها شيئا. فلما كان آخر النهار قال لى: يا فلان، لو كنا عزلنا من ذاك الذهب قيراطين للحمام؟ وكان قوته كل يوم قرصين، وربما لم يغنهما. وقال لى بعض أصحابه: إنه يستفضل منهما بعض الأيام ما يدفعه إلى السقا. وكان معظم إدامه: أن يشترى له برنيف ماء الباقلاّ. وما رأيته جعل عليه دهنا قط، راضيا بذلك مع قدرته. وكان يخدم نفسه بنفسه، لا يثقل على أحد من أصحابه، ولا يكلفهم شيئا. اللهم إلا أن يعتمد على يد أحدهم فى الطريق. ولقد كنا عنده يوما جماعة من أصحابه، فأوذن بالصلاة، فنهض بنفسه فاستقى الماء للتطهير، وما ترك أحدا منا ينوبه فى ذلك، ولقد قدمت له نعله يوما، فشق عليه، وجعل يقول: إيش هذا؟ إيش هذا؟ مثلك لا نسامحه فى هذا. وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسى؟ فقال: شيخنا أبو الفتح كان رجلا صالحا، حسن النية والتعليم. وكانت له بركة فى التعليم. قلّ من قرأ عليه إلا انتفع، وخرج من أصحابه فقهاء كثيرون، منهم من ساد. وكان يقنع بالقليل، وربما يكتفى ببعض قرصة، ولم يتزوج. وقرأت عليه القرآن. وكان يحبنا ويجبر قلوبنا، ويظهر منه البشر إذا سمع كلامنا فى المسائل. ولما انقطع الحافظ عبد الغنى عن الدرس لاشتغاله بالحديث، جاء إلينا، وظن أن الحافظ انقطع لضيق صدره. وذكر ابن الجوزى فى المنتظم: أن المستضئ فى أول خلافته جعل للشيخ أبى الفتح حلقة بالجامع، ثم بعد مدة أمر ببناء دكة له فى جامع القصر، وجلس فيها للمناظرة سنة أربع وسبعين. وله تعليقة فى الخلاف كبيرة معروفة. وقرأ عليه الفقه خلق كثير. قد ذكر أعيانهم ابن البزورى فى سيرته على حروف المعجم. فمن أكابرهم وأعلامهم من الشاميين: الشيخ موفق الدين المقدسى، ورحل إليه إلى بغداد، والحافظ عبد الغنى، وأخوه الشيخ العماد، والبهاء عبد الرحمن، والشهاب بن راجح، وناصح الدين بن الحنبلى. ومن أكابر البغداديين: أبو بكر بن الحلاوى، والفخر إسماعيل، وقاضى القضاة أبو صالح نصر بن عبد الرزاق، وأبو محمد عبد المنعم بن أبى نصر الباجسرائى، وابن أخيه أبو عبد الله محمد بن مقبل بن المنىّ. ومن الحرانيين: الشيخ فخر الدين ابن تيمية، والموفق بن صديق، ونجم الدين ابن الصيقل. وممن قرأ عليه: السيف الآمدى الأصولى، ثم تحول شافعيا. وحدث، وسمع منه جماعة. وروى عنه الشيخ موفق الدين، وبهاء الدين عبد الرحمن المقدسيان، وابن القطيعى فى تاريخه. قال جامع سيرته: دخلت عليه يوم الأحد خامس ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين، فقال لى: رأيت فى المنام منذ أيام كأن حلقة كبيرة فى وسط الرحبة، وفيها أولاد المحتشمين. وكان فى وسطها رجل يقول: واعلموا أن النوى قد كدرت … صفو الليالى، فاحذروا أن تندموا قال: فالتفت إلى بعض أصحاب الشيخ، وقلت له: هذا المنام كأنه ينعى إلى الشيخ نفسه، فعاش الشيخ بعد ذلك تمام ثلاثة - أو أربعة - أشهر كما هو ظاهر. قال: وابتدأ به المرض بعد نصف شعبان. وكان مرضه الإسهال. وذلك من تمام السعادة؛ لأن مرض البطن شهادة. ولما ازداد مرضه أقبل الناس إلى عيادته من الأكابر والعلماء، والتلامذة والأصحاب. فحدثنى صاحبه أبو محمد إسماعيل بن على الفقيه، وهو الذى تولى تمريضه قال: قال لى الشيخ يوم الخميس ثانى رمضان: أى فخر، آخر تعبك معى يوم الأحد؟ قال: وهكذا كان. فإنه توفى يوم السبت رابع شهر رمضان، ودفناه يوم الأحد - يعنى خامس رمضان - سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. قال: ونودى فى الناس بموته، فانثال من الخلائق والأمم عدد يفوت الإحصاء. فازدحم الناس، وخيف من الفتن، فنفذ الولاة الأجناد والأتراك بالسلاح، وفتح له جامع القصر، وازدحم الناس ازدحاما هائلا، وحمله أصحابه وغلمانه. وحكى لى بعضهم: أنهم فى حال حمل سريره لم يبق فى رجل أحد منهم مداس إلا وشد؛ لفرط الزحام. فلما فرغوا من دفنه أعيدت إليهم لم يفقدوا منها شيئا. وقدم الشيخ الصالح سعد بن عثمان بن مرزوق المصرى إماما فى الصلاة عليه، بعد ما اجتهد المماليك والأتراك والأجناد فى إيصاله إلى عند نعشه. وكان الناس قد ازدحموا على الشيخ سعد أيضا يتبركون به، حتى خيف عليه الهلاك. وكانت جنازته قد قدمت إلى عند المنبر والشباك. وحدثنى أبو عبد الله محمد بن طنطاش البزار قال: لما وصل الشيخ سعد إلى جنازة الشيخ أمسك عن التكبير، وأطال الوقوف حتى سكن الناس وسكتوا، وهدأت الأصوات، بحيث لم يسمع سوى التكبير، ثم كبر فأعجب الناس ما فعل فلما صلّى عليه عاد الزحام والخصام والاحتشاد فى أبواب الجامع، على وجه ما شوهد مثله إلا ما شاء الله. وذكروا: أنه كان أوصى أن يدفن فى دار بعض أهله جنب مسجده، فحمل إلى الموضع، ودفن فيه، وفتح موضع فى المسجد إلى قبره لزيارة الناس. وقال ابن القطيعى: حضر جنازته قاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانى، ودفن بداره الملاصقة لمسجده، ثم قطع موضع قبره من الدار، وأدخل إلى مسجده بالمأمونية رأس درب السيدة. رحمه الله تعالى. وذكر جامع سيرته، قال: حدثنى الحافظ أبو بكر محمد بن عثمان الحازمى، وكتبه لى بخطه، قال: رأيت الشيخ الإمام الفقيه أبا الفتح بن المنى فى المنام بعد موته، وكأنه فى موضع كبير واسع، وهو فرحان مسرور، وعليه ثياب بيض شديدة البياض، وعلى رأسه طرحة، فجعلت أسلم عليه وأكلمه. وكان بيننا ثمّ ستر كبير. وكلام هذا معناه لم أحفظه. قال صاحب سيرته: ورأيته أنا فى المنام، فسلمت عليه، فالتفت إلىّ كالمعتب وكأنه يقول لى: استبشر بقدومى. وما زالوا من صلاة المغرب يضربون بالصّوالى. ولو رأيت الجمع الذى كان. وكلاما آخر لم أفهمه. رضى الله عنه. قال: ورثاه رفيقنا النجم عبد المنعم بن على بن الصقال الحرانى، أحد أصحابه، وأملاه علىّ من لفظه: إلام يشجيك ذكر الربع والطلل … ويستخف بهاك الفنج فى المقل فإن دعاك دَدِدٌ لبيت دعوته … مدلها غير منقاد إلى العذل ذر الهوى فعطاياه معاطبه … وجوده بالمنى شر من البخل ولا تصخ لقريض بعدها أبدا … وإن توحد فى مدح وفى غزل ما لم ترث قوافيه التى جمعت … صفاته الغربين: العلم والعمل ومن غدا ناصر الإسلام يحرسه … بهمة لم يقصر عن سما زحل وطال ما خدم الرحمن معتكفا … على العبادة لا ينصاغ للكسل إن روق الليل جافى الحبر مضجعه … يتلو بدمع غزير واكف هطل أو أتحف الجو أنوار الضيا ابن … ذكا غدا لتدريس علم واسع جلل وإن بدا مشكل فى الشرع متعلق … أتى به ظاهرا حقا على عجل واها لما حاز من علم وكم قدمت … إلى خصائصه مهما من رجل فيشهد الفضل مبذولا لطالبه … ويدرك الفضل فى أحلى من العسل فما انثنى عمره المحروس عن زلل … واعتناقه الخير عن قول وعن عمل حتى أفاد صحابا كلهم بطل … يوم الجدال عريق الأصل فى الجدل إن تأته تلق ليثا فى عرينته … ذا همة غير نزاع إلى الفشل يريك قس أياد من فصاحته … ويحسن القول فى الأحكام والعلل يفرقون جموع الخصم فى دعة … تفريق شمل جموع الكفر سيف علي أخبرنا أحمد بن عبد الكريم البعلى، حدثنا عبد الخالق بن علوان، حدثنا أبو محمد بن قدامة قال: قرأت على شيخنا أبى الفتح نصر بن فتيان، أخبركم الإمام أبو الحسن بن الزاغونى، أخبرنا أبو القاسم بن البسرى، أنبأنا الإمام أبو عبد الله ابن بطة، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا موسى بن عبد الرحمن ابن العلاء، حدثنا عطاء بن مسلم عن سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن أبى مريم، قال: «رأيت على علىّ بن أبى طالب بردا خلقا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لى إليك حاجة. قال: وما هى؟ قلت: تطرح هذا البرد وتلبس غيره، فقعد وطرح البرد على وجهه، وجعل يبكى، فقلت: لو علمت أن قولى يبلغ هذا منك ما قلته. فقال: إن هذا البرد كسانيه خليلى. قلت: ومن خليلك؟ قال: عمر بن الخطاب رضى الله عنه. إن عمر ناصح الله تعالى فنصحه» اجتمع فى هذا الإسناد خمسة من أئمة الحنابلة: أبو بكر بن أبى داود، وابن بطة، وابن الزاغونى، وابن المنى، والشيخ موفق الدين. رضى الله عنهم أجمعين.
Parsing and provenance details
Local passage ID
871218
Book record
shamela-1053
Source record
963497
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
١٧٥ - نصر بن فتيان — shamela-1053 · Hadith Research Library