page 311, entry [152]Open original source
١٤٥ - عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب البغدادى، اللغوى النحوى، المحدث، الإمام أبو محمد بن أبى الكرم ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ظنا. وقرأ القرآن بالروايات. وسمع الحديث من أبى القاسم الربعى، وأبى الغنائم النرسى، ويحيى بن منده. وطلب بنفسه، وقرأ الكثير على ابن الحصين، وأبى العز ابن كادش، وأبى غالب بن البناء، وأبى القاسم الحريرى، وأبى بكر بن عبد الباقى وأبى القاسم بن السمرقندى، والمزرفى، وأبى الحسن بن الزاغونى، وأبى الحسين ابن الفراء، وخلق من الطبقة، ولم يزل يقرأ حتى قرأ على أقرانه. وقد عده ابن نقطة فى أول استدراكه من الحفاظ الذين يعتمد على ضبطهم، وقرنه مع السلفى وأبى العلاء، وابن عساكر. وأخذ اللغة والعربية عن أبى بكر ابن حوامرد القطان وأبى الحسن الفصيحى، وأبى الحسن المحوّلى، وأبى منصور الجواليقى، وأبى السعادات بن الشجرى. وقرأ الحساب والهندسة على أبى بكر محمد بن عبد الباقى، والفرائض على أبى بكر المزرفى. وشارك فى أنواع العلوم، وبرع فى كثير منها. قال ابن الجوزى: انتهى إليه معرفة النحو واللغة. وقال الشيخ فخر الدين ابن تيمية: أكثر التردد إلى مجلس شيخنا العلامة حجة الإسلام أبى محمد بن الخشاب لتحصيل فنى النحو واللغة، وما بلغ أحد من أبناء عصره فيهما ما بلغه. وسئل عنه الشيخ موفق الدين المقدسى؟ فقال: كان إماما فى عصره فى علم العربية، والنحو واللغة. وكان علماء أهل عصره يستفتونه فيهما، ويسألونه عن مشكلاتها. وحضرت كثيرا من مجالسه للقراءة عليه، ولكن لم أتمكن من الإكثار عليه؛ لكثرة الزحام عليه. وكان حسن الكلام فى السنة وشرحها. وقال ابن النجار: كان أعلم أهل زمانه بالنحو، حتى يقال: إنه كان فى درجة أبى على الفارسى. قال: وكانت له معرفة بالحديث واللغة، والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة وما من علم من العلوم إلا كانت له فيه يد حسنة. وقال ياقوت الحموى: رأيت قوما من نحاة بغداد يفضلونه على أبى على الفارسى قال: وسمع الحديث الكثير، وتفقه فيه، وعرف صحيحه من سقيمه، وبحث عن أحكامه، وتبحر فى علومه. وذكره ابن السمعانى فى كتابه، فقال: له معرفة تامة بالحديث، ويقرأ الحديث قراءة سريعة، حسنة صحيحة مفهومة، ويديم القراءة من غير فتور سمع الكثير بنفسه وجمع الأصول الحسان من أى وجه اتفق له، وكان يضنّ بها. قال: وسمعت أبا شجاع البسطامى يقول: قرأ على ابن الخشاب غريب الحديث المقتفى قراءة ما سمعت قبلها بمثلها فى الصحة والسرعة، وحضر جماعة من الفضلاء لسماعها. وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان، فما قدروا على ذلك. قال ابن السمعانى: وكتبت عنه جزءا من حديث أبى الحسن بن مخلد كان يرويه عن الربعى حدثنا بلفظه. وهذا كله وابن السمعانى إنما رآه وله نحو الأربعين سنة. قال ابن القطيعى فى تاريخه: سمعت ابن الأخضر الحافظ يقول: سمعت أبا محمد ابن الخشاب يقول: إنّي متقن فى ثمانية علوم، ما يسألنى أحد عن علم منها، ولا أجد لها أهلا. وذكر غيره وعن ابن الأخضر، قال: دخلت عليه يوما وهو مريض وعلى صدره كتاب ينظر فيه، قلت: ما هذا؟ قال: ذكر ابن جنى مسألة فى النحو، واجتهد أن يستشهد عليها ببيت من الشعر فلم يحضره، وإنّي لأعرف على هذه المسألة سبعين بيتا من الشعر، كل بيت من قصيدة تصلح أن يستشهد به عليها. ووصفه جماعة: بأنه كان عالما بالتفسير والحديث، والفرائض والحساب والقراءات. قال ابن القطيعى: كان الغالب على علومه علم النحو وضروبه وأنواعه، وما يتعلق به. وانتهى إليه معرفة علوم جمة، أنهاها وشرح الكثير من علومه. وكان ضنينا بها مع لطف مخالطة، وعدم تكبر، وإطراح تكلف، مع تشدد فى السنة، وتظاهر بها فى محافل علومه، ومجالس تلاميذه وأصحابه، ينتحل مذهب الإمام أحمد، وينتصر له على غيره من المذاهب، ويصرح ببراهينه وحججه على ذلك. وذكر ياقوت الحموى قال: كان الحافظ بن ناصر ابن عمه أمّ ابن الخشاب قال ابن الخشاب: قالت لى أمى: يا بنى، ما أراك تصلى صلاة الرغائب على عادة الناس، فقلت: يا أمى، أنا أوثر من الصلوات ما ورد عن النبى ﷺ وأصحابه، وهذه الصلاة لم ترد عن رسول الله ﷺ، ولا عن أحد من أصحابه، فقالت: لا أسمع ذلك منك، فاسأل لى ابن عمتى: فاتفق أنى لقيته، فقلت: الوالدة تسلم عليك، وتسألك عن صلاة الرغائب: هل وردت عن النبى ﷺ، أو عن أصحابه؟ فقال لى: فهل لا أخبرتها بحقيقة ذلك؟ فقلت: قد أبت إلا أن أخبرها عنك، فقال: سلم عليها، وقل لها: أنا أسنّ منها، فإنها أحدثت فى زمنى وعصرى. وقد مضت برهة ولا أرى أحدا يصليها. وإنما وردت من الشام، وتداولها الناس حتى أجروها مجرى ما ورد من الصلوات المأثورة. ولابن الخشاب تصانيف، منها كتاب «المرتجل فى شرح الجمل» للزجاجى وقد ترك فيه أبوابا من وسط الكتاب لم يشرحها، وكتاب «الرد على ابن نادستاد (¬١) فى شرح الجمل»، وكتاب «الرد على أبى زكريا التبريزى فى تهذيب إصلاح المنطق لابن السكيت»، وكتاب «أغلاط الحريرى فى مقاماته»، وشرح اللمع لابن جنى إلى باب النداء فى ثلاث مجلدات، وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة فى النحو فى أربع مجلدات. ويقال: إنه وصله عليها بألف دينار. وله جواب المسائل الاسكندرانية فى الاشتقاق. ويقال: إنه كان ضيق العطن فى تصانيفه لا يتمها، وأن كلامه كان أجود من قلمه. وكان ابن الخشاب يكتب خطا حسنا، ويضبط ضبطا متقنا. فكتب كذلك كثيرا من الأدب والحديث وسائر الفنون، وحصل من الكتب والأصول وغيرها ما لا يدخل تحت الحصر، ومن خطوط الفضلاء وأجزاء الحديث شيئا كثيرا. وذكر ابن النجار: أنه لم يمت أحد من أهل العلم وأصحاب الحديث إلا وكان يشترى كتبه كلها، فحصلت أصول المشايخ عنده. وذكر عنه: أنه اشترى يوما كتبا بخمسمائة دينار ولم يكن عنده شئ، فاستمهلهم ثلاثة أيام، ثم مضى ونادى على داره، فبلغت خمسمائة دينار، فنقد صاحبها وباعه بخمسمائة دينار، ووفى ثمن الكتب، وبقيت له الدار. ولما مرض أشهد عليه بوقف كتبه فتفرقت وبيع أكثرها ولم يبق إلا عشرها، فتركت فى رباط المأمونية وقفا. وقرأ عليه الخلق الكثير الحديث والأدب، وانتفعوا به وتخرج به جماعة. وسمع منه كبار الأئمة. وروى عنه خلق من الحفاظ وغيرهم. وكان الحافظ أبو محمد بن الأخضر يقول فى روايته عنه: حدثنا حجة الإسلام أبو محمد بن الخشاب. وكذلك يقول الشيخ موفق الدين المقدسى فى تصانيفه حين يروى عن ابن الخشاب. وكان ثقة فى الحديث والنقل، صدوقا حجة نبيلا. وذكر ابن الجوزى: أنه كان يذكر عنه نوع تفريط فى الدين، وأنه كان قليل الفقه، بحيث إنه سئل عن رفع اليدين فى الصلاة ما هو؟ فقال: هو ركن، فضحك منه. وكان - سامحه الله - قليل المبالاة بحفظ قاموس العلم والمشيخة بحيث إنه كان يلعب بالشطرنج على قارعة الطريق مع العوام، ويمازح السفهاء، ويقف فى الشوارع على حلق المشعبذين وأصحاب اللهو، واللعابين بالقرود والدّباب من غير مبالاة. وإذا عوتب على ذلك يقول: إنه يندر منهم نوادر لا يكون أحسن ولا ألطف منها، ومع ذلك فكان لا يخلو كمه من كتب العلم. وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودون مجالسته، ويتمنون محاضرته فلا يفعل. قال مسعود بن البادر: كنت يوما بين يدى المستضئ، فقال لى: كل من نعرفه قد ذكرنا بنفسه، ووصل إليه برنا، إلا ابن الخشاب، فأخبره فاعتذرت عنه بعذر اقتضاه الحال، ثم خرجت فعرفت ابن الخشاب ذلك، فكتب إليه هذين البيتين: ورد الورى سلسال جودك فارتووا … فوقفت دون الورد وقفة حائم ظمآن أطلب خفة من زحمة … والورد لا يزاد غير تزاحم قال ابن البادر: فأخذتها منه فعرضتها على المستضئ، فأرسل إليه بمائتى دينار وقال: لو زادنا زدناه. وكان متبذلا فى لباسه ومطعمه ومشربه، ولم يكن له زوجة ولا جارية. ويقال: إنه كان بخيلا مقترا على نفسه. وكان يعتم العمة، فتبقى معتمة أشهرا حتى تتسخ أطرافها من عرقه، فتسود وتتقطع من الوسخ، وترمى عليها العصافير ذرقها. وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق، فتجئ عذبتها تارة من تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فلا يغيرها. فإذا قيل له فى ذلك يقول: ما استوت العمة على رأس عاقل قط. وكان ﵀ ظريفا مزاحا، ذا نوادر. فمن نوادره: أن بعض أصحابه سأله يوما، فقال: القفا يمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر. ومنها: أنه لما صنف الكمال الأنبارى كتاب «الميزان» فى النحو عرض عليه، فقال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب ففيه عين. ومنها: أنه كان يوما فى داره فى وقت القيلولة والحر الشديد وقد نام، إذ طرق عليه الباب طرقا مزعجا، فانتبه فخرج مبادرا، وإذا رجلان من العامة، قال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل واحد منا قصيدة وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه. وقد رضينا بحكمك، فقال: ليبدأ أحدكما. قال: فأنشد أحدهما قصيدته وهو مصغ إليه، حتى فرغ منها، وهم الآخر بالإنشاد، فقال له ابن الخشاب: على رسلك، فشعرك أجود. فقال: كيف خبرت شعرى ولم تسمعه؟ فقال: لأنه لا يكون شئ أبخس من شعر هذا. ومنها: أن بعض المعلمين كان يقرأ عليه شيئا من الأدب، فجاء فيه قول العجاج: أطربا وأنت قنّسرى … وإنما يأتى الصبىّ الصبىّ فقرأ المعلم: وإنما يأتى الصبىّ الصبىّ، فقال ابن الخشاب: هذا عندك فى الكتاب وفقك الله. فأما عندنا فلا، فاستحى المعلم. ومنها: ما حكاه ابن الأخضر قال: كنت يوما عنده - وعنده جماعة من الحنابلة - فسأله مكى القراد: عندك كتاب الخيال؟ فقال: يا أبله، ما تراهم حولى؟ ومنها: أنه كان ببغداد رجل يقال له: العتابى نحوى، وكان يدعى من علم النحو فوق ما عنده، فاجتمع ابن الخشاب مرة بابن القصار اللغوى عند قدومه من مصر، فقال ابن الخشاب: ما رأيت من عجائب مصر؟ قال: رأيت أشياء ذكرها. ثم قال: ورأيت فيها حمارا عتابيا، فقال ابن الخشاب: ماذا عجب؛ فإن عندنا ببغداد عتابى حمار. ولابن الخشاب شعر كثير حسن، فمنه ما ألغزه فى الكتاب: وذى أوجه لكنه غير بائح … بسر، وذو الوجهين للسر مظهر تناجيك بالأسرار أسرار وجهه … فتسمعها، ما دمت بالعين تنظر وله لغز فى الشمعة: صفراء لا من سقم مسها … كيف وكانت أمها الشافية؟ عارية باطنها مكتس … فاعجب لها عارية كاسية ومنه - وأنشده ابن القطيعى - فى المديح: تلقاه إما عالما أو متعلما … يومى حجاج أو عجاج الهبا فمجادل يهدى غويا مشغبا … ومجدل يردى كميا محربا وينسب إليه قصيدة طويلة فى الألغاز والعويص فى جميع أنواع العلوم. قيل: إنه كتبها إلى بعض فضلاء عصره ممتحنا له ومعجزا، وأظنه ابن الدهان. ومما ينسب إليه قصيدة نونية، منها: واذكر إذا قمت يوم العرض منتفضا … من التراب بلا قطن ولا كفن وجئ بالنار قد مد الصراط على … حافاتها تتلظى فعل مغتبن وتنشر الصحف فيها كل محتقب … من المخازى وما قدمت من حسن قد كنت تنسى وتلك الصحف محصية … ما كنت تأتى، ولم تظلم ولم تخن هناك إن كنت قدمت مدخرا … تسقى من الحوض ماء غير ذى أسن عند الجزاء تعض الكف من ندم … على تخطيك فى سر وفى علن لا تركنن إلى الدنيا؛ ففى جدث … يكون دفنك بين الطين واللبن واستن بالسلف الماضى وكن رجلا … مبرأ من دواعى الغى والفتن ودع مذاهب قوم أحدثت إثما … فيها خلاف على الآثار والسنن قال ابن الجوزى: مرض ابن الخشاب نحوا من عشرين يوما، فدخلت عليه قبل موته بيومين، وقد يئس من نفسه، فقال لى: عند الله أحتسب نفسى. وتوفى يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة. وصلي عليه على باب جامع السلطان يوم السبت. ودفن بمقبرة الإمام أحمد قريبا من بشر الحافى رضى الله عنهما. وحدثنى عبد الله الجبائى العبد الصالح قال: رأيته فى النوم بعد موته بأيام، ووجهه يضئ، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى قلت: وأدخلك الجنة؟ قال: وأدخلنى الجنة، إلا أنه أعرض عنى، فقلت له أعرض عنك؟ فقال: نعم وعن جماعة من العلماء تركوا العمل. سامحه الله وغفر له.