page 285, entry [141]Open original source
١٣٤ - عبد القادر بن أبى صالح بن عبد الله بن جنكى دوست بن أبى عبد الله ابن عبد الله الجيلى، ثم البغدادى، الزاهد. شيخ العصر، وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ، وسيد أهل الطريقة فى وقته، محى الدين أبو محمد، صاحب المقامات والكرامات، والعلوم والمعارف، والأحوال المشهورة. وبعض الناس يذكر نسبه إلى علي بن أبى طالب رضى الله عنه، فيزيد بعد أبى عبد الله: ابن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب. ولد سنة تسعين وأربعمائة - أو سنة إحدى وتسعين (¬١) - بكيلان. وفد بغداد شابا، فسمع بها الحديث من أبى غالب بن الباقلانى، وجعفر السراج وأبى بكر بن سوسن، وابن بيان، وأبى طالب بن يوسف، وابن خشيش وأبى الزينى، وتفقه على القاضى أبى سعد المخرامى وأبى الخطاب الكلوذانى. وقيل: إنه قرأ أيضا على ابن عقيل، والقاضى أبى الحسين، وبرع فى المذهب والخلاف والأصول، وغير ذلك وقرأ الأدب على زكريا التبريزى. وصحب الشيخ حماد الدباس الزاهد، ودرس بمدرسة شيخه المخرمى، وأقام بها إلى أن مات، ودفن بها. قال ابن الجوزى: كانت هذه المدرسة لطيفة، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد. وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس. وكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط، ويتوب عنده فى المجلس خلق كثير، فعمرت المدرسة ووسعت، وتعصبت فى ذلك العوام. وأقام فى مدرسته يدرس ويعظ إلى أن توفى. وذكره ابن السمعانى فقال: إمام الحنابلة وشيخهم فى عصره، فقيه صالح، دين خير، كثير الذكر، دائم الفكر. سريع الدمعة. كتبت عنه. وكان يسكن بباب الأزج فى المدرسة التى بنوا له. وسمعت أبا الحسين بن التبان الفقيه البغدادى يقول: إن مدرسة عبد القادر كانت للقاضى المخرمى، فلما فوضت إلى عبد القادر أراد أن يوسعها ويعمرها. فكان الرجال والنساء يأتونه بشئ فشئ إلى أن عمرها، فاتفق أن امرأة مسكينة جاءت بزوجها، وكان زوجها من الفعلة الروزجارية، وقالت لعبد القادر: هذا زوجى، ولى عليه من المهر قدر عشرين دينارا، ووهبت له النصف بشرط أن يعمل فى مدرستك بالنصف الباقى، وقد تراضينا على هذا. فقبل الزوج ذلك وأحضرت المرأة الخط وسلمته إلى عبد القادر. فكان يستعمل الزوج فى المدرسة، وكان يعطيه يوما الأجرة، ويوما لا يعطيه؛ لعلمه بأن الرجل محتاج فقير، ولا يملك شيئا، إلى أن علم أن الزوج عمل بخمسة دنانير، فأخرج عبد القادر الخط، ودفعه إلى الزوج، وقال: أنت فى حل من الباقى. قلت: ظهر الشيخ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة وحصل له القبول التام من الناس، واعتقدوا ديانته وصلاحه، وانتفعوا به وبكلامه ووعظه، وانتصر أهل السنة بظهوره، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته وهابه الملوك فمن دونهم. قال الشيخ موفق الدين صاحب المغنى: لم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عن الشيخ عبد القادر، ولا رأيت أحدا يعظم من أجل الدين أكثر منه. وذكر الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام شيخ الشافعية: أنه لم تتواتر كرامات أحد من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر، فإن كراماته نقلت بالتواتر. قرأت بخط الإمام ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلى الدمشقى قال: حكى شيخنا أبو الحسن بن غريبة الفقيه: أن الوزير ابن هبيرة ﵀، قال له الخليفة - يريد: المقتفى لأمر الله - قد شكى من الشيخ عبد القادر، وقال: إنه يستخف بى، ويذكرنى. وله نخلة فى رباطه، يتكلم ويقول: يا نخيلة لا تتعدى أقطع رأسك، وإنما يشير إلي. تمضى إليه وتقول له فى خلوة: ما يحسن بك أن تتعرض بالإمام أصلا وأنت تعرف حرمة الخلافة. قال الشيخ أبو الحسن فذهبت إليه، فوجدت عنده جماعة، فجلست أنتظر منه خلوة، فسمعته يتحدث، ويقول فى أثناء كلامه: نعم. اقطع رأسها، فعلمت أن الإشارة إليّ، فقمت وذهبت، فقال لي الوزير: بلغت، فأعدت عليه ما جرى، فبكى الوزير، وقال: لا شك فى صلاح الشيخ عبد القادر. وقرأت بخط ابن الحنبلى أيضا: أن خاله أبا الحسن بن نجا الواعظ اجتمع بالشيخ عبد القادر، وكان يحكى عنه. قال: سبقت يوم العيد إلى المصلى إلى المكان الذى يصلى فيه الشيخ عبد القادر. قال: فجاء الشيخ عبد القادر، ومعه خلق كثير، والناس يقبلون يده، فصلى ركعتين قبل الصلاة. فقلت، فى نفسى: ما هذه الصلاة؟ فمن السنة أن لا يتنفل قبلها. قال: فلما سلم التفت إلىّ وقال: لها سبب. ونقلت من خط الإمام صفى الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادى. قال: قرأت بخط الإمام أبى أحمد عبد الصمد بن أحمد بن أبى الجيش. قال: حدثنى أحمد بن مطيع الباجسرائى. قال: كنت أجئ من مدرسة الوزير ابن هبيرة من باب البصرة إلى الشيخ عبد القادر، فجئت فى بعض الأيام، وهو كأنه ضجران، فانتهرنى. وقال: قم، فمضيت، فبينا أنا فى بعض الطريق أنفذ خلفى، فجئت. فقال: لما حردت عليك، ومشيت نمت، فرأيت النبى ﷺ، فقال: أنت معلم الخير لا تضجر. أنت معلم الخير لا تضجر. أنت معلم الخير لا تضجر - ثلاث مرات - قال: ثم أخذ علىّ، وأقرأنى. وكان الشيخ عبد القادر، ﵀ فى عصره معظما، يعظمه أكثر مشايخ الوقت من العلماء والزهاد. وله مناقب وكرامات كثيرة. ولكن قد جمع المقرئ أبو الحسن الشطنوفى المصرى، فى أخبار الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات، وكتب فيها الطم والرم، وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع. وقد رأيت بعض هذا الكتاب، ولا يطيب على قلبى أن أعتمد على شئ مما فيه، فأنقل منه إلا ما كان مشهورا معروفا من غير هذا الكتاب، وذلك لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين، وفيه من الشطح، والطامات، والدعاوى، والكلام الباطل، ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر ﵀. ثم وجدت الكمال جعفر الأدفوى قد ذكر: أن الشطنو فى نفسه كان متهما فيما يحكيه فى هذا الكتاب بعينه. ومن أحسن ما فى هذا الكتاب: ما ذكره المصنف عن قاضى القضاة أبى عبد الله محمد بن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسى، قال: سمعت شيخنا الشيخ موفق الدين بن قدامة يقول: دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة فإذا الشيخ عبد القادر ممن انتهت إليه الرئاسة بها علما وعملا ومالا واستفتاء. وكان يكفى طالب العلم عن قصد غيره؛ من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم، والصبر على المشتغلين، وسعة الصدر. وكان ملء العين، وجمع الله فيه أوصافا جميلة، وأحوالا عزيزة، وما رأيت بعده مثله. وذكر فيه أيضا بإسناده عن موسى بن الشيخ عبد القادر، وقال سمعت: والدى يقول: خرجت فى بعض سياحاتى إلى البرية ومكثت أياما لا أجد ماء، فاشتد بى العطش فأظلتنى سحابة، ونزل علىّ منها شئ يشبه الندى. فترويت به. ثم رأيت نورا أضاء به الأفق، وبدت لى صورة، ونوديت منها: يا عبد القادر أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات - أو قال: ما حرمت على غيرك - فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اخسأ يا لعين، فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثم خاطبنى، وقال: يا عبد القادر، نجوت منى بعلمك بحكم ربك وفقهك فى أحوال منازلاتك. ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق. فقلت: لربى الفضل والمنة. قال: فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان. قال: بقوله: وقد أحللت لك المحرمات. وهذه الحكاية مشهورة عن الشيخ عبد القادر، فليس الاعتماد فيها على نقل مصنف هذا الكتاب. وذكر فى هذا الكتاب أيضا من طريق نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر عن أبيه، قال: جاءت فتيا من العجم إلى بغداد، بعد أن عرضت على علماء العراقيين، فلم يتضح لأحد فيها جواب شاف. وصورتها: ما يقول السادة العلماء فى رجل حلف بالطلاق الثلاث: أنه لا بد أن يعبد الله ﷿ عبادة ينفرد بها دون جميع الناس فى وقت تلبسه بها. فما يفعل من العبادات؟ قال: فأتى بها إلى والدى، فكتب عليها على الفور: يأتى مكة، ويخلى له المطاف، ويطوف أسبوعا وحده، وتنحل يمينه. قال: فما بات المستفتى ببغداد. فأما الحكاية المعروفة عن الشيخ عبد القادر أنه قال: قدمى هذه على رقبة كل ولى لله، فقد ساقها هذا المصنف عنه من طرق متعددة. وأحسن ما قيل فى هذا الكلام: ما ذكره الشيخ أبو حفص السهروردى فى عوارفه: أنه من شطحات الشيوخ التى لا يقتدى بهم فيها، ولا يقدح فى مقاماتهم ومنازلهم، فكل أحد يؤخذ عليه من كلامه ويترك، إلا المعصوم ﷺ. ومن ساق الشيوخ المتأخرين مساق الصدر الأول، وطالبهم بطرائقهم، وأراد منهم ما كان عليه الحسن البصرى وأصحابه مثلا من العلم العظيم، والعمل العظيم، والورع العظيم، والزهد العظيم، مع كمال الخوف والخشية، وإظهار الذل والحزن، والانكسار، والازدراء على النفس، وكتمان الأحوال والمعارف، والمحبة والشوق ونحو ذلك - فلا ريب أنه يزدرى المتأخرين، ويمقتهم، ويهضم حقوقهم. فالأولى تنزيل الناس منازلهم، وتوفيتهم حقوقهم، ومعرفة مقاديرهم، وإقامة معاذيرهم. وقد جعل الله لكل شئ قدرا. ولما كان الشيخ أبو الفرج بن الجوزى عظيم الخبرة بأحوال السلف، والصدر الأول، قلّ من كان فى زمانه يساويه فى معرفة ذلك. وكان له أيضا حظ من ذوق أحوالهم، وقسط من مشاركتهم فى معارفهم. كان لا يعذر المشايخ المتأخرين فى طرائقهم المخالفة لطرائق المتقدمين، ويشتد إنكاره عليهم. وقد قيل: إنه صنف كتابا، ينقم فيه على الشيخ عبد القادر أشياء كثيرة، ولكن قد قل فى هذا الزمان من له الخبرة التامة بأحوال الصدر الأول، والتمييز بين صحيح ما يذكر عنهم من سقيمه. فأما من له مشاركة لهم فى أذواقهم، فهو نادر النادر. وإنما يلهج أهل هذا الزمان بأحوال المتأخرين، ولا يميزون بين ما يصح عنهم من ذلك من غيره، فصاروا يخبطون خبط عشواء فى ظلماء. والله المستعان. وللشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى كلام حسن فى التوحيد، والصفات والقدر، وفى علوم المعرفة موافق للسنة. وله كتاب «الغنية لطالبى طريق الحق» وهو معروف، وله كتاب «فتوح الغيب» وجمع أصحابه من مجالسه فى الوعظ كثيرا. وكان متمسكا فى مسائل الصفات، والقدر، ونحوهما بالسنة، بالغا فى الرد على من خالفها. قال فى كتابه «الغنية» المشهور: وهو بجهة العلو، مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء (١٠:٣٥ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ)،﴾ (٥:٣٢ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ)﴾ ولا يجوز وصفه بأنه فى كل مكان، بل يقال: إنه فى السماء على العرش، كما قال (٥:٢٠ ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)﴾ وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغى إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور فى كل كتاب أنزل على كل نبى أرسل، بلا كيف. وذكر كلاما طويلا، وذكر نحو هذا فى سائر الصفات. وذكر الشيخ أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصرى، الشاعر المشهور، عن شيخه العارف على بن إدريس: أنه سأل الشيخ عبد القادر، فقال: يا سيدى، هل كان لله ولى على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: ما كان، ولا يكون. وقد نظم ذلك الشيخ يحيى فى قصيدته. قال الشيخ تقى الدين أبو العباس ابن تيمية ﵀: حدثنى الشيخ عزّ الدين أحمد بن إبراهيم الفاروقى، أنه سمع الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد السهروردى، صاحب العوارف، قال: كنت قد عزمت على أن أقرأ شيئا من علم الكلام، وأنا متردد: هل أقرأ الإرشاد لإمام الحرمين، أو نهاية الإقدام للشهرستانى، أو كتابا آخر ذكره؟ فذهبت مع خالى أبى النجيب، وكان يصلى بجنب الشيخ عبد القادر، قال: فالتفت الشيخ عبد القادر، وقال لى: يا عمر، ما هو من زاد القبر، ما هو من زاد القبر، فرجعت عن ذلك. قال الشيخ تقي الدين: ورأيت هذه الحكاية معلقة بخط الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسى ﵀. انتهى. وقال ابن النجار فى تاريخه: سمعت عمر بن محمد السهروردى، شيخ الصوفية يقول: كنت أتفقه فى شبابى بالمدرسة النظامية، فخطر لى أن أقرأ شيئا من علم الكلام، وعزمت على ذلك فى نفسى من غير أن أتكلم به، واتفق أنى صليت يوم الجمعة مع عمى أبى النجيب فى الجامع، فحضر عنده الشيخ عبد القادر مسلما، فسأله عمى الدعاء لي، وذكر له أنى مشتغل بالفقه، قال: وقمت وقبلت يده، فأخذ بيدى، وقال: تب مما عزمت على الاشتغال به، فإنك تفلح، ثم سكت وترك يدى، قال: ولم يتغير عزمى عن الاشتغال، حتى تشوشت علىّ جميع أحوالى، وتكدر وقتى علىّ، فعلمت أن ذلك لمخالفة الشيخ، قال: فتبت إلى الله من ذلك اليوم، ورجعت عنه، فصلحت حالى، وطاب قلبى. ونقلت من خط السيف بن المجد الحافظ: سمعت الشيخ الزاهد على بن سلمان البغدادى، المعروف بالخباز برباطه بالجانب الغربى من بغداد، يحكى عن الشيخ عبد القادر الجيلى، وناهيك به، فإنه صاحب المكاشفات، والكرامات التى لم تنتقل لأحد من أهل عصره، أنه قال: لا يكون ولىّ لله تعالى إلا على اعتقاد أحمد رضى الله عنه. قال الحافظ ابن النجار: كتب إلى عبد الله بن أبى الحسن الجبالى، ونقلته من خطه قال: كان شيخنا عبد القادر الجيلى يقول: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك. ما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك. وقال: ما ثمّ إلا خلق وخالق، فإن اخترت الخالق فقل كما قال: (٧٧:٢٦ ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ)﴾ ثم قال: من ذاقه فقد عرفه، فاعترضه سائل، فقال: يا سيدى، من غلبت عليه مرارة الصفراء كيف يجد حلاوة الذوق؟ قال: يتعمد قيء الشهوات من قلبه، وقال: طالبتنى نفسى يوما بشهوة من السوق، فكنت أدافعها، وأخرج من درب إلى درب، وأطلب الصحارى. فبينا أنا أمشى إذ رأيت ورقة فأخذتها، فإذا فيها مكتوب: ما للأقوياء والشهوات؟ إنما هى للضعفاء من عبادى، ليتقووا بها على طاعتى. فخرجت تلك الشهوة من قلبى قال: وكنت أقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشط، وبلغت الضائقة فى غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أياما لم آكل فيها طعاما، بل كنت أتتبع المنبوذات أطعمها، فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشط لعلى أجد ورق الخس أو البقل، أو غير ذلك فأتقوت به. فما ذهبت إلى موضع إلا وغيرى قد سبقنى إليه وإن وجدت أجد الفقراء يتزاحمون عليه فأتركه حبا، فرجعت أمشى وسط البلد أدرك منبوذا إلا وقد سبقت إليه، حتى وصلت إلى مسجد ياسين بسوق الريحانيين (¬١) ببغداد وقد أجهدنى الضعف، وعجزت عن التماسك، فدخلت إليه وقعدت فى جانب منه وقد كدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمى ومعه خبز صافى وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح فمى من شدة الجوع، حتى أنكرت ذلك على نفسى: فقلت ما هذا؟ وقلت: ما ههنا إلا الله، أو ما قضاه من الموت، إذ التفت إلى العجمى فرآنى، فقال: بسم الله يا أخى، فأبيت، فأقسم علىّ فبادرت نفسى فخالفتها، فأقسم أيضا، فأجبته، فأكلت متقاصرا، فأخذ يسألنى: ما شغلك؟ ومن أين أنت؟ وبمن تعرف؟ فقلت: أنا متفقه من جيلان. فقال: وأنا من جيلان فهل تعرف شابا جيلانيا يسمى عبد القادر، يعرف بسبط أبى عبد الله الصومعى الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب وتغير وجهه، وقال: والله لقد وصلت إلى بغداد، ومعى بقية نفقة لى، فسألت عنك فلم يرشدنى أحد ونفذت نفقتى، ولى ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتى، إلا مما كان لك معى، وقد حلت لى الميتة، وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن، بعد أن كنت ضيفى، فقلت له: وما ذاك؟ فقال: أمك وجهت لك معى ثمانية دنانير، فاشتريت منها هذا للاضطرار، فأنا معتذر إليك، فسكته، وطيبت نفسه، ودفعت إليه باقى الطعام، وشيئا من الذهب برسم النفقة، فقبله وانصرف قال: وكنت أعامل بقليا كل يوم برغيف وبقل، فبقى له علىّ، فضقت، وما أقدر على ما أوفيه، فقيل لى: امض إلى المكان الفلانى، فمضيت، فوجدت قطعة ذهب، فوفيت بها البقلى. فكنت أشتغل بالعلم، فيطرقنى الحال، فأخرج إلى الصحارى، ليلا أو نهارا، فأصرخ، وأهج على وجهى، فصرخت ليلة، فسمعنى العبارون، ففزعوا، وجاءوا فعرفونى، فقالوا: عبد القادر المجنون، أفزعتنا، وكان ربما أغشى عليّ، فيغسلونى، ويحسبون أنى مت من الحال التى تطرقنى، وربما أردت الخروج من بغداد، فيقال لى: ارجع: فإن للناس فيك منفعة، وذكر عن ابن الخشاب، قال: كنت أشتغل بالعربية، وأسمع بمجلس عبد القادر، فلا أتفرغ له، فجئت يوما فسمعته، ثم قلت: ضاع اليوم منى، فقال على المنبر: ويلك، تفضل الاشتغال بالنحو على مجالس الذكر، وتختار ذلك؟ اصحبنا، نصيرك سيبويه، فقلت: إنه يعنينى بكلامه، أو كما قال. قال ابن النجار: وسمعت أبا محمد الأخفش يقول: كنت أدخل على الشيخ عبد القادر فى وسط الشتاء وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، والعرق يخرج من جسده، وحوله من يروحه، بالمروحة كما يكون فى شدة الحر. وأخبار الشيخ عبد القادر كثيرة. اقتصرنا منها على هذا. قال ابن الجوزى: توفى الشيخ عبد القادر، ليلة السبت ثامن - وقال غيره: تاسع - ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بعد المغرب. ودفن من وقته بمدرسته. وبلغ تسعين سنة. وسمعت أنه كان يقول عند موته: رفقا رفقا. ثم يقول: وعليكم السلام، وعليكم السلام. أجئ إليكم، أجئ إليكم. وسمعت من يحكى أنه قال عند موته: أنا شيخ كبير، ما وعدنا بهذا. قال غيره: صلّى عليه ولده عبد الوهاب. وقبره ظاهر يزار بمدرسته ببغداد. رحمه الله تعالى. ورثاه نصر النميرى - غداة دفنه - بقصيدة أولها: مشكل الأمر ذا الصباح الجديد … ماله ذاك السنا المعهود ومرامى الأبصار من كل قطر … مظلمات على النواظر سود مطلع الشمس فيه داج كأن قد … كورت، أو أتى عليها خمود أترى حلت المنون بمحي الدين … حقا، فما لنوره خمود؟ ما أرى الأمر غير ذاك، ولن … يوجد صبر ومثله مفقود ذو المقام العلى فى الزهد … لا ينكر قول المحب فيه الحسود والفقيه الذى تعذر أن … يلقى له فى الورى جميعا نديد تترامى إليه فى العلم بالله … وبالحكم فى الفتاوى الوفود معرض الطرف والضمير عن … الدنيا تصدى لوصله وتحيد مخلص فى جميع أعماله لله … ما إن عليه فيها مزيد لم يزغ عن طريقة السلف … الصالح والمقتفى بهم مسعود ورع كامل، وزهد صحيح … وتقى وافر، وعهد وكيد وكلام يروق كالدر ناطقه … بأعناقها الحسان الغيد أو كنور الربيع أبداه للإبصار … بالأبرقين روض مجود تخشع القلب عنده، ويظل الدمع … يجرى، وتقشعر الجلود واعتقاد مع غيره ليس يرضى … عملا من عبادة المعبود يلتقى النجح ملتقيه، ويعطى … عنده غاية المراد المريد حال من دونه الحمام، فللدين … خمول، وللعلى تبديد ولعمرى لقد مضى، وهو عند الله … والناس كلهم محمود طيب الذكر والأحاديث لم يدنس … بلؤم رداؤه والبرود شكت المكرمات لما تشكى ومضى … إذ مضى التقى والجود هذه نكبة تساوى قريب الناس فى … شرب كأسها والبعيد بكت الأرض والسموات فيها أسفا … واعترى النسيم ركود وقليل إن أضحت عندها الأرض … بما فوق منكبيها تميد مات من كانت الأقاليم تسقى … الغيث أغوارها به والنجود ولو أن النفوس تفدى لما مات … ومنا على الثرى موجود سيد الأولياء فى الشرق والغرب … وبحر الفضائل المورود وذكر باقى القصيدة. وله فيه مرثية أخرى. قرأت على أبى العباس أحمد بن محمد بن سلمان الحنبلى ببغداد: أخبركم أبو الحسن على بن ثامر بن حصين، أخبرنا أبو طالب عبد اللطيف بن محمد القطيعى ح وقرأت على أبى الفضل محمد بن إسماعيل بن الحموى بدمشق: أخبركم أبو إسحاق إبراهيم بن على الواسطى، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الفقيه وأبو طالب بن القطيعى، قال: أخبرنا أبو محمد عبد القادر بن أبى صالح الجيلى، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلانى، أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن شاذان، أخبرنا أحمد - يعنى ابن سلمان - النجاد، حدثنا الحسن - يعنى ابن مكرم - حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس عن الزهرى عن ابن كعب بن مالك عن أبيه رضى الله عنه، قال: «قلما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا أراد سفرا إلا يوم الخميس».