page 913, entry [738]Open original source
٦٢٠ - محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين ابن محمد بن سليمان بن داود بن عبيد الله بن مقسم أبو بكر المقرىء النحوىّ العطّار البغداذىّ «١» سمع من ثعلب وأبى علىّ بن شاذان [٢] ومن جماعة من أئمة الرواة، وكان ثقة. وكان أحفظ الناس لنحو الكوفيين وأعرفهم بالقراءات. وله فى التفسير ومعانى القرآن كتاب جليل سمّاه كتاب الأنوار، وله فى النحو والقراءات تصانيف عدّة [١]. وكان قد اختار لنفسه قراءة مفردة، وذكر أنها تجوز فى اللّغة، فأنكر ذلك عليه، ورفع أمره إلى السلطان فأحضر، واستتيب بحضرة القراء والفقهاء، فأذعن بالتوبة، وكتب محضر توبته، وأثبت جماعة ممن حضر المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه. وقيل إنه لم ينزع عن تلك الحروف، وإنه أقرأ بها إلى حين وفاته. وقد ذكر حاله أبو طاهر بن أبى هاشم المقرىء [٢] صاحب أبى بكر بن مجاهد [٣] فى كتابه الذى سماه كتاب البيان فقال: «وقد نبغ نابغ فى عصرنا هذا، فزعم أن كلّ من صح عنده وجه فى العربية لحرف من القرآن يوافق خطّ المصحف فقراءته جائزة فى الصلاة وغيرها، وابتدع بقيله ذلك بدعة ضلّ بها عن قصد السبيل، وأورط نفسه فى مزلّة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه؛ إذ جعل لأهل الإلحاد فى دين الله بسيء رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة البحث والاستخراج بالآراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض. وقد كان أبو بكر شيخنا نضّر الله وجهه نسله من بدعته المضلّة باستتابته منها، وأشهد عليه الحكام والشهود المقبول قولهم عند الحكام بترك ما أوقع فيه نفسه من الضلالة بعد أن سئل البرهان على صحة ما ذهب إليه فلم يأت بطائل، ولم يكن له حجة قوية ولا ضعيفة، فاستوهب أبو بكر تأديبه من السلطان عند توبته وإظهاره الإقلاع عن بدعته المضلّة، ثم عاود فى وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه، واستغوى من أصاغر المسلمين ممّن هو فى الغفلة والغباوة دونه، ظنا منه أن ذلك يكون للناس دينا، وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما؛ ولن يعدو ما جاء به مجلسه؛ لأن الله قد أعلمنا أنه حائظ كتابه من الزائغين وشبهات الملحدين، بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [١]. ثم ذكر أبو طاهر كلاما كثيرا، وقال بعده: وقد دخلت عليه شبهة لا تخيل بطولها وفسادها على ذى لبّ وفطنة صحيحة؛ وذلك أنه قال: كان لخلف [٢] بن هشام وأبى عبيد وابن سعدان [٣] أن يختاروا، وكان ذلك لهم مباحا غير منكر، وكان ذلك لى أيضا مباحا غير مستنكر، فلو كان حذا حذوهم فيما اختاروه، وسلك طريقا كطريقهم كان ذلك مباحا له ولغيره غير مستنكر، وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة [٤]، واختار أن يقرأها على مذهب نافع [٥]. وأما أبو عبيد وابن سعدان فلم يتجاوز واحد منهما قراءة أئمة القراءة بالأمصار. ولو كان هذا الغافل نحا نحوهم كان مسوغ ذلك غير ممنوع منه ولا معيب عليه؛ إنما كان النّكر عليه شذوذه عمّا عليه الأئمة الذين لهم الحجة فيما جاءوا به مجتمعين ومختلفين. قال أبو أحمد الفرضىّ [١]: رأيت فى المنام كأنى فى المسجد الجامع أصلّى مع الناس وكان محمد بن مقسم قد ولّى ظهره القبلة، وهو يصلى مستدبرها، فأوّلت ذلك مخالفته الأمة فيما اختاره لنفسه من القراءآت. توفى أبو بكر بن مقسم يوم الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة؛ توفى على ساعات من النهار، ودفن بعد صلاة الظهر من يومه.