page 708, entry [585]Open original source
(٥٤٨ - هبة الله بن عبد الله بهاء الدّين القفطىّ (¬*)) هبة الله بن عبد الله بن سيّد الكلّ [العذرىّ]، الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، يكنى أبا القاسم، نزيل أسنا، القاضى، أحد الأكابر فى العلم والعمل، والجليل القدر الذى يرجى لدفع الجلل، والمعتكف على الاشتغال والإشغال بغير فتور ولا ملل، انفرد فى ذلك الإقليم، وتلقّى النّاس قوله بالتّسليم، وقابلوه بالتّبجيل والتّعظيم، وهو ندرة الفلك الدّائر، ومرشد السّالك الحائر، ورادع المبتدع الجائر. اشتغل أوّلا بالعبادة، ثمّ جاء إلى قوص فاجتمع بالشّيخ مجد الدّين علىّ بن وهب القشيرىّ، واشتغل عليه بالعلم والأصول والعربيّة وتخرّج عليه، وقرأ الأصول أيضا على الشّيخ شمس الدّين محمد الأصفهانىّ بقوص، وقرأ على الشّريف قاضى العسكر، وقرأ الفرائض والجبر والمقابلة على ابن منيع النميرىّ، وقرأ شيئا من النّحو على ابن أبى الفضل المرسىّ، وسمع الحديث من شيخه القشيرىّ، والعلّامة أبى الحسن علىّ ابن هبة الله بن سلامة، وحدّث بسيرة ابن فارس عن الفقيه أبى مروان محمد بن أحمد ابن عبد الملك اللخمىّ. سمع منه أبو بكر محمد بن عبد الباقى، وطلحة (¬١) بن محمد القشيرىّ وغيرهم، وكان قيّما بالمدرسة النّجيبيّة (¬٢) فبرع فى العلم، وكان يعلّق القناديل، والطّلبة تقرأ عليه، وتمّت عليه بركة شيخه مجد الدّين (¬٣)، فتميّز على أقرانه، وانتهت إليه رئاسة العلم فى زمانه، ودارت عليه الفتوى وإفادة الطّلبة بتلك البلاد، فقصده أصناف العباد، وتولّى أمانة الحكم بتلك البلاد وبقوص مدّة، واتّفق أنّه عمل الحساب فوقف عليه للأيتام مال ثمانمائة درهم، فلم يعرف قضية المصروف، فبات على أنّه يبيع منزله ويغرم ثمنه فى ذلك، فقال له أحد الشّهود الذين معه: النّقدة الفلانيّة، فتذكّرها، ثمّ قصد التنصّل من «المباشرة» فاجتمع بشخص فى ذلك فقال له: متى تنصّلت ما تجاب، ولكن اجتمع بفلان وقل له: بلغنى أنّ القاضى يريد أن يعزلنى، وأظهر التألّم من ذلك، واسأله التحدّث معه فى الاستمرار، ثمّ اجتمع بفلان وعرّفه أيضا ذلك وسله الحديث، ففعل، فقال القاضى: ما هذا الحرص إلّا أورثنى ريبة فصرفه. ثمّ توجّه إلى أسنا حاكما ومعيدا (¬١) بالمدرسة العزّية بها، وكان المدرّس بها النّجيب (¬٢) بن مفلح من تلامذة/ الشّيخ مجد الدّين أيضا، ثمّ توفّى النّجيب وأضافوا إلى الشّيخ بهاء الدّين التّدريس، فصار حاكما مدرّسا. وفتح أسنا، فإنّه كان فيها التشيّع (¬٣) فاشيا، فما زال يجتهد فى إخماده، وإقامة الأدلة على بطلانه، وصنّف فى ذلك كتابا سمّاه «النصائح (¬٤) المفترضة فى فضائح الرّفضة»، وهمّوا بقتله فحماه الله [منهم]، وما زال دأبه ذلك إلى أن رجع جمع كبير عمّا كانوا عليه، وتفقّه عليه خلق كثير منها. وكان فيه إحسان وحسن خلق، وصار بنو السّديد من طلبته، فشدّوا به، وبلغنى أنّ بعض الأسنائيّة قال له: يا سيّدى زال عنّى أمر السبّ واعتقدت فضل الصّحابة، غير أنّى ما قدرت على نفسى أن توافق على تفضيل أحد على علىّ [رضى الله عنه]، [ف] قال له الشّيخ: بقيت تحتاج إلى مسهّل ..... فهو أحد من فتح البلاد، وانتفع به العباد، فجزاه الله خير الجزاء، وجعل جزاءه فى الآخرة أوفر الأجزاء. وأخذ عنه العلم جمع كبير، طبقة بعد طبقة، منهم الشّيخ الإمام تقىّ الدّين أبو الفتح محمد (¬١) القشيرىّ ابن شيخه، والشّيخ ضياء الدّين جعفر (¬٢) بن محمد بن عبد الرّحيم القنائىّ، والقضاة: عزّ الدّين إسماعيل (¬٣)، ونور الدّين إبراهيم (¬٤) الأسنائيّان، ونور الدّين علىّ (¬٥) بن هبة الله، وابن عمّه ناصر الدّين عبد القادر (¬٦) بن أبى القاسم الأسنائيّان أيضا، وعلم الدّين صالح (¬٧) بن عبد القوىّ، وجمال الدّين محمد (¬٨) بن عبد الوهاب بن السّديد، وجمال الدّين عبد الرّحيم (¬٩) ابن الخطيب، ونجم الدّين عبد القوىّ (¬١٠) ابن الثّقة، وأخوه عطاء الله، وجمال الدّين محمد بن يحيى الأرمنتىّ، ونجم الدّين عبد الرّحمن بن يوسف الأسفونىّ، وبهاء الدّين الكرمانىّ (¬١١) الأسنائىّ، وشمس الدّين أحمد بن أبى بكر الأرمنتىّ، وكلّهم فضلاء، وخلائق لا يحصون كثرة. وصنّف فى التّفسير كتابا وصل فيه إلى «كهيعص»، وشرح «عمدة» الطّبرىّ، ووقف عليه الفقيه ناصر الدّين ابن المنيّر السّكندرىّ، وكتب عليه بالثّناء عليه، وشرح «الهادى (¬١٢)» فى الفقه، فى خمس مجلّدات، وشرح «مختصر (¬١٣)» أبى شجاع، وشرح مقدّمة (¬١) «المطرّز» فى النّحو، وكتب على الفرق بين «أو» و «أم»، والمواضع التى يحسن فيها «أم»، والتى تحسن فيها «أو»، وجعل الكلام فيه فى مطالب، وصنّف فى الأصول، وشرح مقدّمة فى أصول الدّين تصنيف شيخه مجد الدّين، وصنّف فى الفرائض والجبر والمقابلة والحساب والمنطق، وصنّف كتابا سمّاه «الأنباء المستطابة (¬٢) فى مناقب الصّحابة والقرابة»، وحكى الفقيه العدل [فخر الدّين] عبد الرّحيم (¬٣) / بن حريز الأسنائىّ: أنّه رأى النبىّ ﷺ، والشّيخ بهاء الدّين بين يديه، يقرأ عليه من هذا الكتاب، والنبىّ ﷺ يقول [له]: أحسنت أحسنت، وحكاه للشّيخ فسرّ به. وحكى لى جماعة من الفقهاء أنّه كان يقول: كنت أحفظ عشرين علما، أنسيت بعضها لعدم المذاكرة. وكان فيه حلم وسعة أخلاق؛ حكى لى صاحبنا علاء الدّين علىّ (¬٤) بن أحمد الاسفونىّ قال: حضر مرّة إنسان أعجمىّ إلى أسنا، يتكلم فى المعقولات، فجرى بينه وبين الشّيخ بحث، ثمّ قال العجمىّ للشّيخ: قال بعض الجبريّة: ولا يقال: ذو الجلال عاقل، بل يقال: عالم وفاعل، قال له: والعقل صفة كمال، فلم لا يجوز إطلاقه عليه ﵎؟ قال لى علاء الدّين فقلت: أمّا ما يجوز (¬٥)، وشرعت أن أقول شيئا، فقال الشّيخ [لى] اسكت، فقال العجمىّ: فقل، فقلت شيئا، فقال: أحسنت على رغم أنف هذا الشّيخ، فلم يكلّمه [الشّيخ] كلمة، فلمّا قام دخل إلى بيته وطلبنى وقال: أنا ما قلت لك اسكت، ألا إنّ الكلام فى علم الكلام صعب، فخشيت أن تقول شيئا غير جيّد فيحفظ عليك، ثمّ أعطانى شرح «الإرشاد» للمقترح (¬١) وملّكه لى. وحكى لى أنّه تبسّم مرّة فى الدّرس وهو صبىّ، فقال له الشّيخ: يا صبىّ لا تكن تضحك فى الدّرس [قال] فقلت: ما ضحكت، فقال: «بلا بلاطة (¬٢)» أنا رأيتك، فقلت: يا سيّدى أنا أسمر وأسنانى بادية، يظهر أنّى ضحكت وما ضحكت، فتبسّم الشّيخ … وآسى عليه بعض الطّلبة مرّة، بسبب أنّ الشّيخ [كان] عدّل جماعة من الطّلبة، فسأل ذلك أن يلحق بهم، فتوقف الشّيخ، فقال: سيّدنا لم لا عدّلتنى؟ ما بقى ممّن لا عدّلته [فى المدرسة] إلّا ثور المدرسة … فعزّ على الشّيخ، ومع ذلك فلم يؤاخذه. وآسى آخر مرّة فى مجلس الحكم فحبسه ثمّ طلع إلى السّطح، فرقد على تخت- وتحته نطع- وكانت ليلة حارّة فتقلّب، ثمّ قام على السّطح وصاح من أعلى السّطح: أبصروا لى فلانا، فأحضر إليه، فقال: اطلق فلانا من الحبس، فلمّا أصبح سألوه قال: صعدت السّطح وتحتى نطع، فصرت أتقلّب من الحرّ، فقلت: كيف يكون حال ذلك الشّخص … ؟ وكان محسنا إلى الخلق، لمّا اشتغل عليه جماعة وانتهوا، أثبت عدالتهم، فبلغ ذلك الظّهير يحيى قاضى قوص، فلم يعجبه كونه لم يستأذنه، فبلغ ذلك الشّيخ/ فأخذهم وتوجّه [إلى قوص]، وحضر الدّرس عند القاضى، فبحث طلبة الشّيخ، فقال القاضى: يا سيّدنا هؤلاء الطّلبة جياد؟ فقال: هؤلاء طلبتى الذين ربّيتهم وعدّلتهم، وهم عدول بشهادة الرّسول، قال ﷺ: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله»، فسكت القاضى ولم يتكلم. وجاء مرّة إلى قوص، فبلغه أنّ شيخنا تاج الدّين محمد ابن الدّشناوىّ يبيع منزله، وكان والد شيخنا صاحبه ورفيقه فى الاشتغال على الشّيخ مجد الدّين، فأرسل الشّيخ إلى شيخنا تاج الدّين فحضر، فقال: كيف تبيع منزلك وتسكن أنت وعيالك فى أىّ مكان؟ فقال: يا سيّدى عندى ضرورة، فلمّا صمّم على بيعه، اشتراه [منه] بمائة دينار، ووزن له الثّمن، ووقفه عليه وعلى أولاده بعده، فلم يزل شيخنا فيه حتّى توفّى، وأولاده الآن فيه. وحضر مع شيخه مجد الدّين إلى مصر، وكان طويلا سمينا، فخرج مخفّفا فمسك، وجعل مع الأسطول فى الحبس، فتفقّده الشّيخ مجد الدّين فلم يجده، فسأل وبحث حتّى عرف مكانه وأرسل أطلقه، فجاء الذى يطلقه وقال: يا بهاء الدّين القفطىّ، فقام آخر وخرج، فما زال يخرج واحدا واحدا، حتّى إنّ الوالى قال للشّيخ: يا سيّدى أرسل من يعرفه، فأرسل واحدا أخذه وأخرجه، فقالوا له فى ذلك فقال: أنا أعرف أنى أخرج، فكاسرت (¬١) حتّى يخرج غيرى. واجتمع بالشّيخ الإمام أبى محمد بن عبد السلام وأثنى عليه، وكذلك السيّد الشّريف قاضى العسكر أثنى عليه وأجازه بالفتوى. وحضر فى مجلس قاضى القضاة ابن عين الدّولة مع شيخه وجلس فى أواخر النّاس، فلمّا عرض بحث، بحث فأعجب القاضى، فقال له الشّيخ مجد الدّين: هذا قيّم مدرستى، فقال له القاضى: اطلع يا قيّم، ورفعه فى المجلس. واتّفق له من الحكايات أنّه وجد كرّاسة فيها نكتة خلافيّة، وكان يوم النّيروز والطلبة يلعبون، فغلق بابه واشتغل بتلك الكرّاسة حتّى أتقنها، فبعد أيام قلائل حضر شخص ومعه مراسيم، أن تجمع له الفقهاء ويناظرهم، فحضر الوالى والقاضى والشّيخ مجد الدّين والطّلبة، فاستفتح ذلك الشّخص وتكلّم فى تلك المسألة، فقام الشّيخ بهاء الدّين وقبّل يد شيخه وقال: أنا أناظره، فاستفتح وأعاد المسألة، والأجوبة إلى آخرها ولم يتوقّف، إلّا أنّ ذاك المناظر/ قال له فى أثناء الكلام: يا فقيه، لله تعالى حكمان: فتوقّف، فقال شيخه: أتمّ الكلام، نعم لله تعالى حكمان: حكم عدل وحكم فضل، وكمّل المناظرة وقام، فرفعه العوامّ. وكانت أوقاته موزّعة، يقوم الثّلث الأخير من الليل، فإذا قارب طلوع الفجر، حضر إلى المدرسة وتوجّه إلى أن يركع الفجر ويصلّى الصّبح، ثمّ يقرأ عليه شئ من «الإحياء» وغيره من كتب الرّقائق إلى أن يسفر الوقت، ثمّ يعبر إلى بيته يطالع ويحضر المعيدون، ثمّ يخرج فيتكلم فى الدّرس زمانا، ثمّ يقوم من يختار القيام، وتجلس الطّلبة تقرأ عليه عربيّة وأصولا وفرائض وجبرا ومقابلة إلى وقت كبير، ثمّ يجلس للقضاء إلى قريب وقت الظّهر، ثمّ يدخل بيته، ثمّ يخرج يصلّى الظّهر ويسأل عن فتاوى، ثمّ يدخل ويخرج العصر يجلس للقضاء، ثمّ يدخل بيته، ثمّ يخرج يصلّى المغرب، ثمّ يدخل بيته، ثمّ يخرج يصلّى العشاء، ويقرأ شيئا من الرّقائق إلى [ال] وقت [الذى يريد]. ثمّ ترك القضاء أخيرا، واستمرّ على العلم والعبادة، وكان مولده بقفط سنة ستّمائة، أخبرنى جماعة عنه أنّه قال: ولدت على رأس القرن، وقيل: إحدى، وقيل: سبع وتسعين. وتوفّى بأسنا فى سنة سبع وتسعين وستّمائة، ودفن بالمدرسة المجديّة (¬١)، ﵀ [تعالى]. وكان الشّيخ تقىّ الدّين (¬١) يقول: لولا البهاء بالصّعيد ما تخرّج أهله بسبب الفتوى، وهو آخر الأشياخ المنتفع بعلومهم وبركتهم بذلك الإقليم. وصحب جماعة من الصّالحين، منهم الشّيخ مفرّج (¬٢) الدّمامينىّ وغيره، حكت أمّ قاضى أسوان، ابنة القاضى الوجيه السّمربائىّ، وهى امرأة صالحة فقالت: رأيت فى النّوم قائلا يقول لى: قد مات الشافعىّ، فانتبهت وذكرته لبعلى قاضى أسنا، وبعد لحظة طرقوا الباب وقالوا: مات الشّيخ بهاء الدّين، ﵀ [تعالى]. وفى سنة تسعين توجّه الشّيخ تقىّ الدّين من القاهرة لزيارة الشّيخ بهاء الدّين بأسنا، وقال: ما جئت إلّا لزيارته، رحمهما الله تعالى.