page 619, entry [505]Open original source
(٤٧٠ - محمد بن فضل الله بن كاتب المرج القوصىّ (¬*)) محمد بن فضل الله بن أبى نصر بن أبى الرّضى، السّديد بن كاتب المرج، القوصىّ المولد، أديب كامل [شاعر] فاضل، كأنّما خلق خلقه من نسمات السّحر، وصوّر وجهه من محاسن الشّمس والقمر، مع فصاحة لسان وقلم، وحياء وكرم، وصدق لهجة، يسير بها على واضح المحجّة، وكان والده قد أعطى فى سعة العطاء ما يعزّ الآن وجوده، فلا يضاهى عطاؤه وجوده، فجزاه الله بما أسلف من خير، إسلام أبنائه أجمعين، وهداهم إلى اتّباع سيّد المرسلين، وانتقلوا من شريعة عيسى إلى شريعة محمد المختار، وربّك يخلق ما يشاء ويختار، والسّعادة لا تنال بالسّاعد، وإنّما يرزقها من كان المقدور له مساعد. وسديد الدّين هذا هو الدّرّة فى العقد الثمين، وراية المجد التى تتلقّى باليمين، له مشاركة فى النّحو والأصول والحكمة والطبّ وغيرها، قرأ النّحو والأصول والفقه على نجم الدّين الطّوفىّ (¬١) البغدادىّ الحنبلىّ، وكان قد استوطن قوص، ثمّ قرأ «التّقريب» (¬٢) على مؤلفه شيخنا العلّامة أثير الدّين أبى حيّان [أبقاه الله تعالى فى خير وعافية] وتأدّب على أدباء قوص: شيخنا تاج الدّين أبى الفتح محمد ابن الدّشناوىّ، ومجير الدّين عمر ابن اللمطىّ، وشرف الدّين محمد النّصيبينىّ وغيرهم،/ ونظم ونثر، ما يفوق نظم الجوهر ونثر الدّرر، وأجاد فى الأدب، حتّى وصل فيه إلى نهاية الرّتب، وبلغ فيه غاية الأرب، وجرى على مذهب أهل الأدب فى أنّهم يستجلون محاسن الشباب، ويستحلون التشبيب بالشّراب، ووصف الحباب. وقد أثبتّ من نظمه المستعذب، وذكرت من لفظه المحرّر المهذّب، ما يسحر الألباب، ويسخر بالأقران والأتراب، ويميّزه على أبناء جنسه، وهو ممّا أنشدنى لنفسه (¬٣): أما وطيب عشيّات وأسحار … من بعدها أفلت شمسى وأقمارى بها أذكّر دهرى كى يجود بها … فلا يجود ولا يأتى بأعذار لو أنّ تلك من الأيام عدن لنا … أو اللّيالى ولم تحتج لتذكار لله ليلاتها البيض القصار فكم … سطوت منها على دهرى ببتّار أنكرت إفشاء سرّ كنت أكتمه … فيها ولكنّنى أنكرت إنكارى يا للعجائب ليل ما هجعت به … لنوره كيف تخفى فيه أسرارى إنّ الضّنى عن جميع النّاس ميّزنى … فكان علّة إخفائى وإظهارى فلا تقولوا إذا استبطأتم خبرى … أما النّسيم عليه سائر سارى فلو يمرّ نسيم بى لسار إلى … مغناكم بى كما يسرى بأخبارى وأنشدنى أيضا لنفسه: ترى هل لعينى حيلة أن تراكم … وكيف وفيها للدّموع تراكم أيا جيرة الوادى ولم أدر طيبه … أمن شجرات فيه أم من شذاكم فبالمسك مالى حيلة إن أتيتكم … ولا لكم إن طيب ذكرى أتاكم وما بى فقر إن حللت بأرضكم … لأنّ ثرائى وقفة فى ثراكم أسير إليكم والسّقام يقودنى … فإمّا حمامى دونكم أو حماكم فإن قلت تفديكم من السوء مهجتى … فما مهجتى حتّى تكون فداكم؟ هويتكم والنّاس طرّا فما الذى … خصصت به حتّى ولا بهواكم وفيم تعادينى الأنام عليكم … وكلّهم أحبابكم لا عداكم كفانى إليكم أنّ مالى وسيلة … ولو شئتم أن تحسنوا لكفاكم / وكان شبابى إن غضبتم تجنّيا … شفيعا إلى ما أبتغى من رضاكم وكنت أظنّ الشيب ينهى عن الهوى … فلم ينهنى عنكم ولكن نهاكم وأنشدنى أيضا لنفسه: لا أكثر الشّكوى له فأطيلا … وكفى على حالى النّسيم دليلا لمس الصّبا جسدى فألبسه الضّنى … فنسيمها يسرى إليه عليلا أيصحّ جسمى والعهود سقيمة … وأقرّ إن عزم الخليط رحيلا وأجيل طرفى فى الرّسوم شواخصا … وأرى ربوع الظّاعنين طلولا وأرى الأهلّة والشّموس ولا أرى … أشباه بهجتها ضحى وأصيلا وأروم بالظّبيات عنهم سلوة … وأرى العناق يفوت والتّقبيلا ولكم رشفت المسك أحسبه اللمى (¬١) … لكنّنى لم ألفه معسولا لم أدر إلّا كان حلما قربهم … والبعد بعدهم أتى تأويلا وبمهجتى الرّشأ (¬٢) الذى ولى الهوى … فنفى الكرى عن مقلتى معسولا من حبّه قد أوقدت فى أضلعى … نار الخليل ولا أراه خليلا ضمنت لواحظه على ما ضمّنت … وقوامه التّجريح والتّعديلا ما ضرّ من حاكى ملاحة يوسف … أن لو حكى فى الصّدق إسماعيلا وأنشدنى أيضا لنفسه (¬٣): قالوا وقد غلطوا أو ألّفوا زورا … إنّ العزيز سبى العشاق مغرورا والحقّ أنّك تدرى ما صنعت بنا … ولو بخمر الصّبا أصبحت مخمورا فاقتل ولا تستشر فى قتلتى أحدا … فما رأينا مليحا أمره شورى خير من الهجر وصل ترتضيه وما … يسرّ قلبى أو يلقاك مسرورا يا ساحر الجفن أظهرت سرّى إذ … صيّرتنى بفنون السّحر مسحورا وقد لعبت بلبّى إذا حسبتك فى … قتل المحبّين مأجورا ومشكورا إن راح طرفى قفرا إذ رحلت فقد … غدا بسكناك بيت القلب معمورا وأنشدنى من قصيدة لنفسه (¬٤): ورد الكاس فهى نار إذا كا … ن ولا بدّ من ورود النّار / وتحدّ الذين لم يردوها … بضروب من معجزات الكبار واجل فى الليل من سناها شموسا … وأدر فى النّهار منها الدّرارى وأر الدرّ من يغوص عليه … عائما من حبابها فى النّضار إنّما لذّة المدامة ملك … لك فاشرب وما سواها عوار وأنشدنى أيضا لنفسه من قصيدة مدح بها شمس الدّين محمدا الماردانىّ (¬١) الشاعر، أوّلها: برق (¬٢) بدا من دار علوه … أو قلب صبّ صار جذوه فيها قلوب العاشقي … ن تصرّمت صدّا وجفوه إنّى اجتهدت فصرت فى ال … عشّاق قدوة كلّ قدوه لو أنّ قيسا مدركى … لمشى على نهجى وعروه لا عيش من بعد الصّبا … يحلو سوى بجنون صبوه بمهفهف يسبى العقو … ل كأنّ فى جفنيه قهوه أبدا قضيب القدّ من … هـ يميل من لين ونشوه قد أسكرت رشفاته … لكنّها كالشّهد حلوه لك كلّ وصف يجعل ال … سكّيت منطيقا مفوّه أدب وأنساب وأح … ساب وإحسان ونخوه شعرى إليك جنيته … فأتى رقيق اللفظ نضوه (¬٣) وأتت قوافيه على … أعقابه فأتت بقوّه وقد اعترفت بمدح فض … لك لا بإكراه وسطوه ووفيته جهرا ولو … أخفيته لأتاك رشوه وأنشدنى لنفسه ممّا كتبه فى صدر كتاب وهو قوله (¬١): إذا حملت طيب الشّذى نسمة الصّبا … فذاك سلامى والنّسيم فمن رسلى وإن طلعت شمس النّهار ذكرتكم … بصالحة والمثل (¬٢) يذكر بالمثل وأنشدنى أيضا لنفسه (¬٣): أقول لجنح اللّيل لا تحك شعر من … هويت وهذا القول من جهتى نصح / فقد رام ضوء الصّبح يحكى جبينه … مرارا فما حاكاه وافتضح الصّبح وأنشدنى [أيضا] لنفسه (¬٤): لمن أشتكى البرغوث يا قوم إنّه … أراق دمى ظلما وأرّق أجفانى وما زال بى كالليث فى وثباته … إلى أن رمانى كالقتيل وعرّانى إذا هو آذانى صبرت تجلّدا … ويخرج عقلى حين يدخل آذانى وأنشدنى [أيضا] لنفسه من مرثيّة، رثى بها شابا أمرد من أولاد الجند، كان قد اشتغل بالأدب، يقال له ابن بدران، أوّلها (¬٥): تزلزل عقل فيك كالجبل المرسى … ولانت قلوب كالحجارة أو أقسا وجرّع كلّ من حمامك غصّة … وما مثلها ممّا يساغ ولا يحسا مرضت فطمّنّا بأخبار صحّة … فيا ليتها صحّت ولو أعقبت نكسا سبقت بطرف فى يدى الموت باكيا … فليتك لم تسبق ولم تدّع النّفسا وتعسا (¬٦) لدنيا كم أراحت وأتعبت … وصبّح فيها البشر قوما فما أمسى أيا موت كم أبليت ثوب شبيبة … فأنت الذى تبلى ونحن الذى نكسا أيا من بكاه حسرة وتفجّعا … لأن حلّ قبرا موحشا ضمّه رمسا على غيره خف وحشة القبر إنّنى … رأيتهم فى قبره دفنوا الإنسا ويا من تواسى عنه ما لك والأسى … أأبصرت محزونا لدى حزن آسا ويا من يعزّى فيه هل أنت بالغ … عزاء الورى لو كنت سحبان أو قسّا فإن كنت عنه مسلّيا ومعزّيا … فعزّ أخاه البدر أو أخته الشّمسا وأعجب منها اليوم أضحت منيرة … ورونق ذاك الوجه كالأمس قد أمسى [منها]: عروس البلى طلّقت عرسك بتّة … كأنّك ما استرضيت غير الثّرى عرسا وقبّلك الدّيدان ميتا وكنت لا … تقبّل من غيد مراشفها اللعسا أتغدو خليط الأرض مع ما حويت من … فصاحة نطق وهى تعرف بالخرسا وتسلب أثواب الشباب جديدة … وغيرك يتلفها ويخلقها لبسا ليهنك لقيا الله فى شهر رحمة … تقدّست الدّنيا به وغدت قدسا ومتّ بذات الجنب وهى شهادة … فبعدك فيه قارن السّعد لا النّحسا / لئن كنت غصنا طاب أصلا ومغرسا … فكم جعلوا فى التّرب غصنا وكم غرسا ولكن عهدنا الغصن ينقل للثّرى … فيزداد ترطيبا فزدت به يبسا سقاك الحيا ما طاف سعيا بمكة ال … حجيج وما صلّى المصلّى له الخمسا وساق إليك الله سحب (¬١) مراحم … تروّيك ما ساقت حداة حدت عيسا وأمطرت هتّانا من الأمن والرّضى … ليذهب عنك الخوف والسّخط والرّجسا (¬٢) وأنشدنى (¬١) لنفسه هذا الموشّح [الذى أوّله]: افتك بنا فى السّقم … والهمّ كلّ فتك بخمرة كالعندم … أو مرشف ابن تركى فلونها لون الدّم … والريح ريح المسك كم صبّرت (¬٢) ذا ألم … من كدر وضنك والعيش منه يصفو … والطّيش يستخفّ وللسّرور زحف … منه الهموم تهرب ولو أتت فى ألف … يا مرحبا بالغائب إذ جاء فى العذار … يزرى بكلّ كاعب تزور فى الإزار … فلم أكن بخائب عليه فى انتظار … ولم أقل كالعاتب أبطأت فى مزارى … إلا التفت لخلفو وقال يشير بكفّو … وحاجبو لردفو هذا الثقيل أعتب (¬٣) … على انقطاعو خلفى ومدحنى (¬٤) بموشّح كتبته استحسانا، وأنشده لى، وكتبه لى بخطّه، وأوّله: لى (¬٥) مربع قد خلا … من أهله [فى] السّبسب: عمران فإن يكن أمحلا … فمدمعى كالسّحب: هتّان سروا فطاب الشّميم … وكلّ واد عاطر ولى فؤاد يهيم … بالعشق وهو شاعر يحكى ظباء الصّريم … لو صيد منهم نافر حذرت ألّا يريم … فرام ما أحاذر فإن سرى فى بهيم … ليل فبدر سافر / وإن يسر عجلا … فالظّبى عند الهرب: عجلان أو حلّ وسط الفلا … فقومه من عرب: غزلان يقول خلّ انطلاق … الدّمع قصد السّمعة فما لأهل النّفاق … ووجنة كالجنّة فقلت دمع يراق … هل ردّه فى الحيلة كلّفت ما لا يطاق … فى شرعة المحبة ولا وعدت العناق … وقهوة الرّيق الّتى من حاسديها الطّلا (¬١) … وحسن نظم الحبب (¬٢): خجلان لا لغو فيها ولا … يحرسها من شنب: رضوان ليست كراح يطاف … بها حراما لا حلال [تدقّ عند اختطاف … عقول قوم كالجبال (¬٣)] كم أمنت من يخاف … إما بحقّ أو محال وهوّنت من تلاف … عرض ودين بعد مال فدع كئوس السّلاف … واستجل أوصاف الكمال فإنّما يجتلى … على الكرام النّجب: إحسان من عنده بالعلا … يستعبد الحرّ الأبى: إيمان أثنت عليه العدا … وعدّدت مآثره مركز بذل الجدا … ومن سواه الدّائره بلا حروف النّدا … لبّت لهاه (¬١) الغامره أسلف كلّا يدا … حتّى السّحاب الهامره وقد ملا بالنّدى … كلّ بقاع القاهره حتّى رأينا الملا … لفضله والأدب: قد دان (¬٢) إذ هم رعايا العلا … وجعفر بن ثعلب (¬٣) سلطان منه يعاد الكلام … فما يقول النّاظم؟ فى العلم حبر إمام … [و] فى السّخاء حاتم فيا أبا الفضل دام … لى ببقاك العالم فأنت عين الأنام … / يقظى وكلّ نائم بك الجدود الكرام … تسرّ حتّى آدم أنت لمن قد تلا … على صميم النّسب: عنوان يا آخرا وأوّلا … كأنّه فى الكتب: قرآن وغادة تنجلى … فينجلى القلب الحزين [بها يحلّى الحلى … ويسحر السحر المبين] قلت لها والخلى … لم يدر ما الدّاء الدّفين بالله من ينطلى … عليك أو تألفين ابن علىّ بعلى … قالت نعم يا مسلمين لولا علىّ انطلى … تركت أمّى وأبى: من شانو كفاه الله البلا … يبيت سواى ذا الصبى: فى أحضانو وأشعاره كثيرة، وموارده فى الأدب غزيرة، وقد ثبتت عدالته، وكملت رياسته، وتمت [بالفضائل] سيادته، جلس بالورّاقين بقوص، وولى وكالة بيت المال بالأعمال القوصية، وتقلّب فى المباشرات السّلطانية، وهو فى كلّها محمود الطريقة، مشكور عند الخليقة، وهو الآن مستوطن مدينة «هو» (¬١) للضّرورة، المحوجة إلى قيام الصّورة، مركز أهل الفضائل، جار فى المكارم على ما نقل من أخبار الأوائل، ساحب ذيل البلاغة على سحبان وائل، ولد بقوص [سنة … ] (¬٢).