Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

٤٦٣ - محمد بن على بن وهب، تقى الدين ابن دقيق العيد القشيرى

كمال الدين الأدفوي - الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد · page 584, entry [498]

الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد — كمال الدين الأدفوي

page 584, entry [498]Open original source
(٤٦٣ - محمد بن علىّ بن وهب، تقىّ الدّين ابن دقيق العيد القشيرىّ (¬*)) محمد بن علىّ بن وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة القشيرىّ، أبو الفتح تقىّ الدّين، التقىّ ذاتا ونعتا، والسّالك الطريق التى لا عوج فيها ولا أمتا، والمحرز من صفات الفضل فنونا مختلفة وأنواعا شتّى، والمتحلّى بالحالتين الحسنيين صمتا وسمتا، الشّيخ الإمام علّامة العلماء الأعلام، وراوية فنون الجاهليّة وعلوم الإسلام، ذو العلوم الشرعيّة، [والفضائل العقليّة]، والفنون الأدبيّة، والمعارف الصوفيّة، والباع الواسع فى استنباط المسائل، والأجوبة الشافية لكلّ سائل، والاعتراضات الصحيحة التى يجعلها الباحث لتقرير الإشكالات وسائل، والخطب الصّادعة الفصيحة البليغة التى تستفاد منها الرّسائل، إن عرضت الشّبهات أذهب جوهر ذهنه ما عرض، أو اعترضت المشكلات أصاب شاكلتها بسهم فهمه فأصاب الغرض، إن خطب أسهب فى البلاغة، وأطنب فى البراعة، أو كتب فوحى الكلام ينزل على اليراعة، فلّله درّه إذ ارتفع بنفسه وإن كان له من أبويه ما يقتضى الارتفاع، [و] علا على أبناء جنسه فكان من رفعة المنزلة فى المكان اليفاع، إن ذكر التّفسير فمحمد فيه محمود المذهب، أو الحديث فالقشيرىّ فيه صاحب الرقم المعلم والطّراز المذهب، أو الفقه فأبو الفتح العزيز الإمام الذى إليه الاجتهاد ينسب، أو الأصول فأين ابن الخطيب من الخطيب؟، وهل يقرن المخطئ بالمصيب؟، أو الآداب فإن اقتصرت قلت نابغة زمانه وإن اختصرت قلت حبيب، لم يشغله عن النّظر فى العلوم كثرة المناصب، ولا ألهاه علوّ المراتب، ولا صرفه عن التصرّف فيه لذّة المطاعم وعذوبة المشارب، طال ما لازم السّهر حتّى أسفر وجه الإصباح، مشتغلا بالذّكر والفكر لا بذوات الألفاظ الفصاح والوجوه الصّباح: وتبدى له الدّنيا من الحسن جملة … يهيم بها النّسّاك لو شاهدوا البعضا فيعرض عنها لاهيا عن جمالها … ويوسعها بعدا ويرفضها رفضا ويسهر فى ذكر وفكر وفى علا … ومن بات صبّا بالعلا جانب الغمضا تمسّك من التّقوى بالسبب الأقوى، وقام بوظيفة التّحقيق والتّدقيق التى لا يطيقها غيره من أهل زمنه ولا عليها يقوى، مع ترك المباهاة بما عليه من الفضائل والسّلامة من الدّعوى، وجعل وظيفة العلم والعمل له/ ملّه، حتّى قال يعض الفضلاء: من مائة سنة ما رأى النّاس مثله، حاز علما ودينا ونزاهة، فعظم قدرا وجاها ووجاهة، ومن غرس العلم والتّقوى اجتنى النّباهة، ذاك الذى حاز كلّ فضل جزيل، وحوى كلّ فعل جميل، والذى يقال فيه إنّ الزّمان بمثله لبخيل. وبالجملة فالاستغراق فى مناقبه يخرج عن الإمكان، ويحوج إلى توالى الأزمان، وكتب له «بقيّة المجتهدين» وقرئ بين يديه، فأقرّ عليه، ولا شكّ أنّه من أهل الاجتهاد، وما ينازع فى ذلك إلّا من هو من أهل العناد، ومن تأمّل كلامه علم أنّه أكثر تحقيقا وأمتن، وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدّم وأتقن. حكى [لنا] صاحبنا الفقيه الفاضل العدل علم الدّين أحمد الأسفونىّ قال: ذكره شيخنا العلّامة علاء الدّين علىّ بن إسماعيل القونوىّ (¬١)، فقلت له: لكنّه ادّعى الاجتهاد، فسكت ساعة مفكرا وقال: والله ما هو بعيد. وقد ترجمه الشّيخ الإمام العالم الأديب المحدّث الكامل فتح الدّين محمد اليعمرىّ فقال: «لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملت عن أجلّ منه فيما رأيت ورويت، وكان للعلوم جامعا، وفى فنونها بارعا، مقدّما فى معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردا بهذا الفنّ النّفيس فى زمانه، بصيرا بذلك، سديد النظر فى تلك المسالك، بأذكى ألمعيّة، وأزكى لوذعيّة، لا يشقّ له غبار، ولا يجرى معه سواه فى مضمار: إذا قال لم يترك مقالا لقائل … مصيب ولم يثن اللسان على هجر» قال: «وكان حسن الاستنباط للأحكام والمعانى من السّنّة والكتاب، بلبّ يسحر الألباب، وفكر يفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم، مستبينا ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم، مبرّزا فى العلوم النّقليّة والعقليّة، والمسالك الأثريّة، والمدارك النّظريّة: وكان من العلوم بحيث يقضى … له من كلّ علّم بالجميع» قال: «وسمع بمصر والشام والحجاز، على تحرّ فى ذلك واحتراز، ولم يزل حافظا للسانه، مقبلا على شانه، وقف نفسه على العلوم وقصرها، ولو شاء العادّ أن يعدّ كلماته لحصرها، ومع ذلك فله بالتجريد تخلّق، وبكرامات الصالحين تحقّق، وله مع ذلك فى الأدب باع وساع (¬١)، وكرم طباع، لم يخل فى بعضها من/ حسن انطباع، حتّى [لقد] كان محمود (¬٢) الكاتب، المحمود فى تلك المذاهب، المشهود له بالتقدّم فيما يشاء من الإنشاء على أهل المشارق والمغارب، يقول: «لم تر عينى آدب منه». انتهى ما ذكره الشّيخ فتح الدّين، وأنا أشير إلى شئ من حاله: ولد الشّيخ تقىّ الدّين، ووالده متوجّه إلى الحجاز الشريف، فى البحر المالح، فى يوم السبت خامس عشرى شعبان سنة خمس وعشرين وستّمائة، بساحل الينبع، رأيته بخطّه الثّبجىّ (¬٣)، ثمّ إنّ والده ذكر، على ما أخبرنى عنه بعض طلبته بقوص، أنّه أخذه على يده وطاف به، ودعا له أن يجعله الله عالما عاملا، وقال الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ: لمّا سمعنا على الشّيخ مجد الدّين الحديث، سمعته يقوله: وأنا دعوت به فاستجيب لى، فسألنا [هـ] ما الذى دعوت به؟ فقال: دعوت الله [تعالى] أن ينشئ ولدى محمدا عالما [عاملا]، فنشأ الشّيخ بقوص على حالة واحدة من الصّمت والاشتغال بالعلوم، ولزوم الصّيانة والدّيانة، والتحرّز فى أقواله وأفعاله، والبعد عن النّجاسة، متشدّدا فى ذلك حتّى حكت زوجة أبيه، أمّ أخيه الشّيخ تاج الدّين، بنت التّيفاشى (¬١)، قالت: بنى علىّ والده، والشّيخ تقىّ الدّين ابن عشر سنين، فرأيته ومعه هاون وهو يغسله مرّات زمنا طويلا، فقلت لأبيه: ما هذا الصغير يفعل؟ فقال له: يا محمد أىّ شئ تعمل؟ فقال: أريد [أن] أركّب حبرا، وأنا أغسل هذا الهاون. ووالدته بنت الشّيخ المقترح (¬٢)، فأصلاه كريمان، وأبواه عظيمان. وابتدأ بقراءة كتاب الله العظيم، حتّى حصل منه على حظّ جسيم، ثمّ رحل فى طلب الحديث إلى دمشق والإسكندرية وغيرهما، وسمع الحديث من والده، والشّيخ بهاء الدّين أبى الحسن ابن هبة الله بن سلامة الشافعىّ، والحافظ عبد العظيم المنذرىّ، وأبى الحسن محمد ابن الأنجب ابن أبى (¬٣) عبد الله بن عبد الرّحمن الصّوفىّ البغدادىّ النعّال (¬٤)، والحافظ أبى علىّ الحسن بن محمد بن محمد التيمىّ البكرىّ، وأبى العبّاس أحمد بن عبد الدّائم بن نعمة المقدسىّ، وأبى الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد ابن الحسن الدّمشقىّ، وأبى الحسن علىّ بن أحمد بن عبد الواحد المقدسىّ، وقاضى القضاة أبى الفضل يحيى ابن قاضى القضاة أبى المعالى محمد بن علىّ بن محمد القرشىّ، وأبى المعالى أحمد بن عبد السلام بن المطهّر، وأبى الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل، والحافظ أبى الحسين يحيى العطّار، والنّجيب أبى الفرج،/ وأخيه العزّ الحرّانيّين، وخلائق يطول ذكرهم. وحدّث بقوص ومصر [وغيرهما]، سمع منه الخلق الكثير، والجمّ الغفير، مع قلّة تحديثه، فممّن سمع منه قاضى القضاة شمس الدّين محمد ابن أبى القاسم ابن عبد السلام ابن جميل التّونسىّ، وقاضى القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن حيدرة، وقاضى القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن عدلان، وشيخنا قاضى القضاة شيخ الشّيوخ علاء الدّين علىّ بن إسماعيل القونوىّ، وشيخنا أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف الغرناطىّ، والشّيخ فخر الدّين عثمان [المعروف] بابن بنت أبى سعد، وشيخنا تاج الدّين محمد ابن الدّشناوىّ، والشّيخ فتح الدّين محمد بن محمد اليعمرىّ، وشرف الدّين محمد بن القاسم الإخميمىّ، والشّيخ قطب الدّين عبد الكريم (¬١) بن عبد النّور الحلبىّ، وجمع يطول تعدادهم. أخبرنا شيخنا العلّامة أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف الغرناطىّ، حدّثنا الشّيخ الفقيه، الإمام العالم الأوحد المتقن، مفتى الفريقين الحافظ النّاقد تقىّ الدّين أبو الفتح محمد ابن الشّيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزّاهد مجد الدّين أبى الحسن علىّ ابن أبى العطايا وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرىّ رضى الله عنهم، يوم الأحد [المبارك] ثانى شهر رمضان المعظّم، من سنة ستّ وثمانين وستّمائة، بمنزله من دار الحديث الكامليّة (¬٢) بالمعزّيّة، إملاء من لفظه، قال: قرأت على الإمام المفتى أبى الحسن علىّ ابن أبى الفضائل هبة الله بن سلامة الشافعىّ اللّخمىّ بمصر، عن الإمام الحافظ أبى الطّاهر السّلفىّ (¬١)، قراءة عليه بالإسكندرية، أخبرنا الشّيخ الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثّقفىّ بأصبهان، حدّثنا أبو الفتح هلال بن جعفر بن سعدان، قراءة عليه ببغداد، حدّثنا أبو عبد الله الحسين (¬٢) ابن يحيى بن عيّاش القطّان، حدّثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلىّ، حدّثنا حمّاد ابن زيد عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سرجس قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا سافر: «اللهمّ إنّى أعوذ بك من وعثاء السّفر وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر فى الأهل والمال»، قيل لعاصم: ما «الحور بعد الكور»؟ قال: حار بعد ما كار (¬٣). قال شيخنا أثير الدّين: قال لنا الشّيخ تقىّ الدّين: هذا حديث صحيح ثابت من حديث عاصم الأحول، أخرجه مسلم من حديث جماعة عنه،/ وفيه نوعان من أنواع العلوّ، أحدهما العلوّ إلى النبىّ ﷺ، فإنّه أعلى ما يقع لنا بالأسانيد الجيّدة، الثانى العلوّ إلى إمام من أئمة الحديث وهو حمّاد بن زيد. وبهذا الإسناد إلى الثّقفىّ قال: حدّثنا علىّ بن محمد بن عبد الله بن بشران، حدّثنا إسماعيل بن محمد الصفّار، حدّثنا سعدان بن نصر بن منصور، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله يقول: «لمّا نزل على النبىّ ﷺ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: هاتان أهون وأيسر». قال شيخنا أثير الدّين أبو حيّان: قال لنا الشّيخ (¬١): هذا حديث ثابت صحيح من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله يقول: «لمّا نزل على النبىّ ﷺ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: هاتان أهون وأيسر». قال شيخنا أثير الدّين أبو حيّان: قال لنا الشّيخ (¬١): هذا حديث ثابت صحيح من حديث سفيان بن عيينة، وفيه النوعان المتقدّمان من العلوّ، مع كونه بدلا (¬٢) فإنّ البخارىّ أخرجه عن علىّ ابن المدينىّ عن سفيان، وفيه نوع زائد من العلوّ: وهو المسمّى بعلوّ التّنزيل؛ فإنّ الثّقفىّ كان سمعه من صاحب البخارىّ. وبه إلى الثّقفىّ حدّثنا أبو عمرو محمد (¬٣) بن محمد بن بالويه الصّائغ، قراءة عليه بنيسابور، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب بن يوسف الأموىّ، حدّثنا العبّاس ابن محمد الدّورىّ، حدّثنا خالد بن مخلد، حدّثنا سليمان بن بلال، حدّثنا عمارة ابن غزيّة، عن نعيم بن عبد الله، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم الغرّ المحجّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرّته وتحجيله»، صحيح متّفق عليه من حديث نعيم المجمر، وهو من حديث عمارة، انفرد به مسلم. اشتغل الشّيخ تقىّ الدّين بالفقه على مذهب الإمامين مالك والشافعىّ على والده، واشتغل بمذهب الشافعىّ أيضا على تلميذ والده الشّيخ بهاء الدّين هبة الله القفطىّ أوّلا، وكان يقول: البهاء معلّمى، ثمّ رحل إلى القاهرة، فقرأ على شيخ الإسلام أبى محمد ابن عبد السلام، وقرأ الأصول على والده، وحضر عند القاضى شمس الدّين محمد (¬١) ابن محمود الأصفهانىّ، لمّا كان حاكما بقوص، هو وجماعة، وكان بعضهم يقرأ والشّيخ يسمع، وقرأ العربيّة على الشّيخ شرف الدّين محمد ابن أبى الفضل المرسىّ وغيره، وقرأ غير ذلك وصنّف وأملى، ولو لم يكن له إلّا ما أملاه على «العمدة (¬٢)» لكان عمدة فى الشّهادة بفضله، والحكم بعلوّ منزلته فى العلم ونبله، فكيف بشرح «الإلمام (¬٣)» وما تضمّنه/ من الأحكام، وما اشتمل عليه من الفوائد النّقليّة، والقواعد العقليّة، والأنواع الأدبيّة، والنّكت الخلافيّة، والمباحث المنطقيّة، واللطائف البيانيّة، والمواد اللغويّة، والأبحاث النّحويّة [والعلوم الحديثيّة] والملح التاريخيّة، والإشارات الصّوفيّة. وأمّا كتابه المسمّى بالإلمام، الجامع أحاديث الأحكام، فلو كملت نسخته فى الوجود، لأغنت عن كلّ مصنّف فى ذلك موجود، قال لى أقضى القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة الشهير بابن القمّاح، سمعت الشّيخ يقول: أنا جازم أنّه ما وضع فى هذا الفنّ مثله، ووافق على ذلك الشّيخ الإمام الحافظ تقىّ الدّين [أحمد] ابن تيميّة الحنبلىّ، فيما أخبرنى به بعض من سمعه من الثّقات الأثبات، وقال لى قاضى القضاة موفّق الدّين عبد الله الحنبلىّ، سمعت الشّيخ تقىّ الدّين ابن تيميّة يقول: هو كتاب الإسلام، وقال لى [الشّيخ] فخر الدّين النّويرىّ، سمعته يقول: ما عمل أحد مثله ولا الحافظ الضّياء، ولا جدّى أبو البركات، وكذلك قال لى صاحبنا العدل الفاضل جمال الدّين الزّولىّ إنّ ابن تيميّة قال له ذلك، وكان كتابه «الإلمام» حاز على صغر حجمه، من هذا الفن جملة من علمه. وله كتاب «اقتناص السّوانح» أتى فيه بأشياء غريبة، ومباحث عجيبة، وفوائد كثيرة، وموادّ غزيرة، وله إملاء على «مقدّمة» كتاب عبد الحق (¬١)، وشرح «مقدّمة» المطرّزىّ فى أصول الفقه، وله تصنيف فى أصول الدّين، وشرح على التّبريزىّ فى الفقه، وكتابه فى علوم الحديث المسمّى ب «الاقتراح فى معرفة الاصطلاح» (¬٢) مفيد، وله خطب وتعاليق كثيرة. وأخبرنى قاضى القضاة نجم الدّين أحمد (¬٣) القمولىّ أنّه أعطاه دراهم، وأمره أن يشترى بها ورقا ويجلده أبيض، قال: فاشتريت خمسة وعشرين كراسا، وجلّدتها وأحضرتها إليه، وصنّف تصنيفا وقال: إنّه لا يظهر فى حياته. وكان كريما جوادا سخيّا، أخبرنا شيخنا العلّامة علاء الدّين القونوىّ ﵀ [تعالى] أنّه كان يعطيه فى كثير من الأوقات الدّراهم والذّهب، وحكى الشّيخ نجم الدّين محمد بن عقيل البالسىّ أنّه قدم فى الجفل، فحضر عنده وتكلّم، فأرسل إليه مائتى درهم، ثمّ ولّاه النّيابة بمصر. وحكى صاحبنا محمد ابن الحواسينى (¬٤) الفرضىّ القوصىّ، وكان من طلبة الحديث وأقام/ بالقاهرة مدّة فى زمن الشّيخ قال: كان الشّيخ يعطينى فى كلّ وقت شيئا، فأصبحت يوما مفلسا، فكتبت ورقة وأرسلتها إليه، فيها: «المملوك محمد القوصىّ أصبح مضرورا»، فكتب لى بشئ، ثمّ ثانى يوم كتبت: «المملوك ابن الحواسينىّ»، [فكتب لى بشئ، ثمّ ثالث يوم كتبت: «المملوك محمد»، فطلبنى] وقال لى: من [هو] ابن الحواسينىّ؟ فقلت: المملوك، قال: ومن هو القوصىّ؟ قلت: المملوك، قال: تدلّس علىّ تدليس (¬١) المحدّثين؟ قلت: الضّرورة، فتبسّم وكتب لى … وسمعت كلّا من الشّيخين العالمين شمس الدّين محمد بن عدلان، وشمس الدّين محمد ابن القمّاح يقولان: سمعناه يقول: «ضابط ما يطلب منّى أن يجوز شرعا، ثمّ لا أبخل». وكان له نصيب ممّا ينسب إلى الصالحين من الكرامات، وما يعزى إليهم من المكاشفات، حكى لى الشّيخ المحدّث شهاب الدّين أحمد ابن أبى بكر الزّبيرىّ قال: كان فلان- وسمّاه- سمع كتاب «صحيح» مسلم وفاته ميعاد، فقال للتقىّ العمرىّ: أعد لى الميعاد، فقال: ما يعاد إلّا أن تطعمنا كذا، فدعانا وهيّأ لنا ما ذكرنا [هـ] وحضرنا عنده، ثمّ غاب زمانا طويلا، ثمّ حضر فقلنا: أبطأت، قال: كنت عند الصّاحب زين الدّين، ووالى مصر عنده، فحضر بريدىّ وناول الوالى كتابا فقال: اطلبوا المقدّم، فقال له الصّاحب ما بالك؟ فقال: طلب أن يقرأ البخارىّ بسبب التّتار، وذكر أمر الجيش، قال له الصّاحب: وما تريد بالمقدّم؟ فقال: يجمع المحدّثين، فقال الصّاحب: المقدّم ما يقوم بهذا، أنا أتكفّل لك بهذه القضيّة، وأخرج البخارىّ فى اثنى عشر مجلدا، وذكر الجماعة فواعدنا واجتمعنا وقرأنا البخارىّ، وبقى ميعاد أخّرناه حتّى نختمه يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة رأينا الشّيخ تقىّ الدّين بالجامع فسلّمنا عليه فقال: ما فعلتم ببخاريّكم؟ قلنا: بقى ميعاد أخّرناه لنكمّله اليوم فقال: انفصل الحال من أمس العصر وبات المسلمون على كذا .. !، فقلنا نخبر عنك؟ فقال: نعم، فجاء الخبر بعد أيّام بذلك ...... ! قال [فقال] الشّيخ فتح الدّين محمد بن سيّد النّاس، وأخبرنى بذلك صاحبنا الفقيه كمال الدّين محمد بن علىّ بن عبد القادر الهمدانىّ، وذكر أنّ ذلك كان فى سنة ثمانين (¬١) عند ما عاث التّتار فى البلاد، وساق الحكاية وزاد فيها أنّ كمال الدّين قال للشّيخ: هذا بيقين؟ وأنّه قال له: أو يقال هذا عن غير يقين؟ قال: فقلت له: عن معاينة أو بخبر؟ فقال: بل عن خبر، ولقد كنّا بقوص نخبر بأخبارهم فى وقعة «عين جالوت (¬٢)» منزلة منزلة،/ فى قدومهم وذهابهم. وأخبرنى أيضا الزّبيرىّ أنّه لمّا خرج الأمير علم الدّين الدّوادارىّ مسافرا، توجّه إليه الجماعة مودّعين، منهم أبو عمرو ابن سيّد النّاس وأمثاله، ودعوا له وقالوا: نراك فى خير إن شاء الله [تعالى] وعافية، فقال: هذا الشّيخ متاعكم ابن دقيق العيد يقول إنّى ما أرجع، فقالوا يكذبون عليه، فلمّا حضروا إلى الشّيخ أخبروه قال: نعم ما بقى يرجع، فلم يرجع … وكان نور الدّين ابن الصّاحب فخر الدّين عمر بن عبد العزيز بن الخليلىّ، جرى منه شئ، فتألّم الشّيخ منه، فأخبرنى الزّبيرىّ أنّ الشّيخ دعا عليه، فاتفقت وفاته فى تلك المدّة. وحكى شرف الدّين يعقوب الشّيبانىّ (¬١) المالكىّ، وكان من الفقهاء العدول، وقال: [كان] فى نفس الصّاحب تاج الدّين من الشّيخ، وكان [ابن] الأرسوفىّ وصّى بوصيّة ومات، فقال الصّاحب لفقير من المصريين: رح إلى الشّيخ واطلب منه شيئا من الوصيّة، وقل له كذا وكذا، فإذا قال فرغت، قل له: لو كان فلان القوصىّ وفلانة دفعت لهم؟ ورتّبه، فحضر بجامع مصر وذكر ما رتّب فيه، فلمّا [فرغ و] خرج رفسه بغل، فمات من ساعته. وحكاية ابن القصرىّ مشهورة، وأنّ الشّيخ قال له: نعيت لى فى هذا المجلس ثلاث مرّات، فمات بعد ثلاثة أيام. وحكى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان قال: قلت له يوما إنّ محبتى لسيّدى ليست بسبب ولاية، وإنّما لأمر آخر، وأشرت إلى بركته، فقال: اسمع شيئا تنتفع به، كان تقىّ الدّين ابن تاج الدّين- يعنى ابن بنت الأعزّ- منع أخى تاج الدّين (¬٢) وقال: خلّ أخاك يتوجّه فىّ، وأشار إلى أنّه تألّم من ذلك، قال: فحصل له إجحاف، فأشفقت عليه، فتوجّهت فيمن أجحف به، فسمعت الخطاب أنّه يهلك. وكان الشّيخ يسهر الليل؛ حكى لى الشّيخ ضياء الدّين منتصر (¬٣) قال: حكى لى [القاضى] معين الدّين أحمد بن نوح قاضى أسوان وأدفو، وكان ثقة، قال: قرأ الشّيخ ليلة، فاستمعت له، فقرأ إلى قوله: «فإذا نفخ فى الصّور فلا أنساب بينهم [يومئذ ولا يتساءلون]»، فما زال يكرّرها إلى مطلع الفجر. وحكى [لى] الشّيخ زين الدّين عمر الدّمشقىّ المعروف بابن الكتّانىّ، ﵀ [تعالى]، قال: دخلت عليه بكرة يوم، فناولنى مجلدة وقال: هذه طالعتها فى هذه الليلة التى مضت. وكان له قدرة على المطالعة، رأيت خزانة المدرسة النّجيبيّة (¬١) بقوص، فيها جملة كتب، من جملتها: «عيون الأدلّة (¬٢)» لابن القصّار،/ فى نحو من ثلاثين مجلّدة وعليها علامات له، وكذلك رأيت كتب المدرسة السّابقيّة، رأيت على «السّنن (¬٣)» الكبير للبيهقىّ فيها، فى كلّ مجلّدة علامة، وفيها تاريخ (¬٤) الخطيب كذلك، و «معجم (¬٥)» الطّبرانىّ الكبير، و «البسيط (¬٦)» للواحدىّ وغير ذلك. وأخبرنى شيخنا الفقيه سراج الدّين الدّندرىّ (¬٧) أنّه لمّا ظهر «الشرح (¬٨) الكبير» للرّافعىّ، اشتراه بألف درهم، وصار يصلّى الفرائض فقط، واشتغل بالمطالعة، إلى أن أنهاه مطالعة، وذكر عنده هو والغزالىّ فى الفقه، فقال: الرّافعىّ فى السّماء، ويقال إنّه طالع كتب «الفاضليّة (¬٩)» عن آخرها وقال: ما خرجت من باب من أبواب الفقه واحتجت أن أعود إليه. وفى تصانيفه من الفروع الغريبة، والوجوه والأقاويل، ما ليس فى كثير من المبسوطات، ولا يعرفه كثير من النّقلة، ونقلت [مرّة] لقاضى القضاة موفق الدّين الحنبلىّ رواية عن أحمد، فقال: هذه ما تكاد تعرف فى مذهبنا ولا رأيتها إلّا فى كتاب سمّاه، قلت: رأيتها فى كلام الشّيخ. وأمّا نقده وتدقيقه فلا يوازى فيه، جرى ذكر ذلك مرة عند الشّيخ صدر الدّين ابن الوكيل، وكان لا يحبّه، وكان يتكلم فى شئ يتعلّق به، ويذكر أنّه ليس كثير النّقل، فشرعت أذكر له [شيئا] إلى آخر الكلام- ذكرت بحثا له- فقال: لا يا سيّدى أمّا إذا نقد وحرّر فلا يوفّيه أحد. وسألت شيخنا علاء الدّين علىّ بن [محمد بن] خطّاب الباجىّ، ﵀ [تعالى] مرّة عن جمع كثير منهم: الأصبهانىّ، والقرافىّ، وابن رزين، وابن بنت الأعزّ، ووالده تاج الدّين، [فكان] يذكر كلّ شخص، إلى أن ذكرت له الشّيخ تقىّ الدّين فقال: كان عالما- أو قال-[كان] فاضلا صحيح الذّهن. [وقال] حكى [لى] القاضى زين الدّين إسماعيل قاضى قوص قال: جاء مرّة إلى مصر ثمّ قصد القاهرة، فقال: أمع أحد منكم «وسيط» (¬١)؟ فناوله شخص مجلّدة، فنظر صفحة، ثمّ سقنا معه الدّرس فألقى تلك الصفحة بالمعنى. وسمعنا على شيخنا أثير الدّين أبى حيّان، أبقاه الله [تعالى] فى خير، جزءا أملاه عليه من لفظه، فيه عدّة أحاديث، رواها بالإسناد، وفيه أشعار وأشياء وقال: هو أشبه من رأيناه يميل إلى الاجتهاد، ورأيت له بخزانة الجامع بقوص عدّة مجالس أملاها، وقد حلّاها بجواهر الفوائد، وجلاها لملتقطى الفرائد، وقال صاحبنا شمس الدّين علىّ بن محمد الفوّىّ: إنّه كان يملى عليه شرح «الإلمام (¬٢)» من لفظه، وهو الذى كتبه عنه، وكذلك حكى لنا أقضى القضاة شمس الدّين/ محمد ابن القمّاح قال: جلسنا عنده غير مرّة، وهو يملى شرح «الإلمام» من لفظه. وكان عزيز النّفس؛ لمّا وصل الشّيخ شرف الدّين المرسى إلى قوص، قرءوا عليه شيئا من النّحو، فسألهم عن سؤال فسكتوا، فقال: أرانى أتكلّم مع حمير!؟، فلم يعد الشّيخ تقىّ الدّين إليه بعدها. وأخبرونى بقوص أنّه لعب «الشّطرنج» فى صباه، مع زوج أخته الشّيخ تقىّ الدّين ابن الشّيخ ضياء الدّين، فأذّنوا بالعشاء فقاما فصلّيا، ثمّ قال الشّيخ: نعود، فقال صهره: إن عادت العقرب عدنا لها، فلم يعد يلعبها. وأخبرنى الشّيخ عماد الدّين محمد بن حرمى الدّمياطىّ أنّه رأى الأمير «الجوكندار» أتى إليه، فتحرّك له تحريكة لطيفة، وسكت زمانا، ثمّ قام إليه وقال: لعلّ للأمير حاجة؟. وحكى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان أنّه كان عنده، وكان متكئا، فحضر الكمالىّ «أمير حاجب» برسالة، فكشف عن وجهه، فسمعها وقال [له]: هذا ما ينعمل، فوقف الحاجب زمانا ثمّ قال: يا سيّدى ما الجواب؟ فقال: عجب ما سمعت الجواب! وغطّى وجهه. ولمّا عزل نفسه ثمّ طلب ليولّى، قام السّلطان الملك المنصور «لاجين» له واقفا لمّا أقبل، فصار يمشى قليلا قليلا، وهم يقولون [له]: السّلطان واقف! فيقول: أدينى أمشى! وجلس معه على الجوخ حتّى لا يجلس دونه، ثمّ نزل فغسل ما عليه واغتسل، وقبّل السّلطان يده فقال: تنتفع بهذا، حكاه جماعة منهم الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان عمّن حضر المجلس، والقاضى مجد الدّين ابن الخشّاب. ومع ذلك فكان خفيف الرّوح لطيفا، على نسك وورع، ودين متّبع، ينشد الشّعر والموشّح والزّجل والبليق والمواليا، وكان يستحسن ذلك، حكى لى صاحبنا فتح الدّين محمد بن كمال الدّين أحمد بن عيسى القليوبىّ قال: دخلت عليه مرّة وفى يده ورقة ينظر فيها زمانا، ثمّ ناولنى الورقة وقال: اكتب من هذه نسخة، فأخذتها فوجدت فيها «بلّيقة» أوّلها: كيف أقدر أتوب … ورأس أيرى مثقوب وقال لى شيخنا تاج الدّين محمد بن أحمد الدّشناوىّ: سمعته ينشد هذه «البلّيقة» التى أوّلها: جلد العميرة بالزّجاج … ولا الزّواج / ويقول: بالزّجاج يا فقيه … ! وحكى لى صاحبنا الفاضل الأديب الثّقة مجير الدّين عمر (¬١) ابن اللمطىّ فقال: كنت مرّة بمصر (¬٢) فى حاجة [وطلعت إلى القاهرة] فقالوا: الشّيخ طلبك مرّات، فجئت إليه، فقال: أين كنت؟ قلت: بمصر فى حاجة، فقال: طلبتك، سمعت إنسانا ينشد خارج «الكامليّة (¬٣)»: بكيت قالوا عاشق … سكت قالوا قد سلا صلّيت قالوا زوكر (¬٤) … ما أكثر فضول النّاس فأعجبنى. وحكى أيضا قال: كنّا نتحدث عنده باللّيل، وكنّا نسمع بمغنّية يقال لها: جارية النطّاع، وأنّها تغنّى غناء فى غاية الحسن، فكنّا نشتهى أن نسمعها، فجاء [نا] شخص مرّة وقال: هى الليلة تغنّى فى المكان الفلانىّ، احضروا فى أول الليل، فصلّينا مع الشّيخ وقمنا وتوجّهنا إلى المكان، وسمعناها ثمّ جئنا، وصرنا ندخل قليلا قليلا، حتّى لا يشعر بنا فيعرف الخبر وينكر علينا، فعرف بنا، فقال: ما بالكم؟! أخبرونى، فأخبرته أنا الخبر، فقال: يا فقيه، أمرها عندى خفيف … وقال لى الشّيخ فتح الدّين بن سيّد النّاس: قال لى مرّة: ما يعجبك أن تكون عندك عوّادة (¬١)؟ فقلت: ما أكره ذلك، وأنشدته لبعضهم: غنّت فأخفت صوتها فى عودها … فكأنّما الصوتان صوت العود هيفاء تأمر عودها فيطيعها … أبدا ويتبعها اتّباع ودود وكأنّما الصوتان حين تمازجا … بنت (¬٢) الغمامة وابنة العنقود فقال: أعده علىّ، فأعدته حتّى حفظه. وقال لى شيخنا أثير الدّين: رآنى مرّة ومعى شاب أمرد أتحدّث معه، فقال: يا أبا حيّان [أنت] تحبّه؟ فقلت: نعم، فقال: أنتم يا أهل الأندلس فيكم خصلتان، محبّتكم الشباب وشربكم الخمر، فقلت: أمّا الخمر فو الله ما عصيت الله به، وأمّا الشباب فلا أشكّ أنّ أهل مصر أفسق منّا، قال: فتبسّم … [و] قال شيخنا أثير الدّين أنشدته [مرة لنفسى]: على قدر حبّى فيك وافاني الصّبر … فلست أبالى كان وصلك أم هجر وما غرضى إلّا سلام ونظرة … وقد حصلا والذّلّ يأنفه الحرّ سأسلوك حتّى لا أراك بناظرى … وأنساك حتّى لا يمرّ بك الفكر / فقال: أعد [هـ] لى، فأعدت [هـ] عليه حتّى حفظه. وكان عديم البطش، قليل المقابلة على الإساءة، ومن مشهور حكاياته فى ذلك قضية قطب الدّين بن الشاميّة، وأنّه كلّمه بحضرة النّاس كلاما تألّم منه، وقام من المجلس وظنّ النّاس أنّه يقابله، فلم يفعل، وسألوه عن ذلك فقال: خشيت أن يغترّ (¬١) بذلك، ومات الشّيخ وحصل لابن الشاميّة من الأمير ركن الدّين [بيبرس] ما حصل، فكان كثير من النّاس العارفين يجعلونه مقابلة له عن الشّيخ. وحكى لى صاحبنا الفقيه العدل شرف الدّين [محمد] الإخميمىّ المعروف بابن القاسم قال: كنّا بين يديه، والموقّعون وهو بمجلس الحكم بالكامليّة (¬٢)، وإذا بشخص هجم وقصده، ومنعه الرّسل منعا عنيفا، فرماهم بيده وقال [بصوت قوىّ] من هذا حتّى تمنعونى منه؟ أخليفة هذا؟ فنظر الشّيخ إلى ذلك الشخص لحظة وعمل بيده، فأقبل يأتى وفتح أصابعه … وأخبرنى (¬٣) برهان الدّين المصرىّ الحنفىّ الطبيب، وكان قد استوطن قوص سنين، قال: كنت أباشر وقفا، فأخذه منّى شمس الدّين محمد، ابن أخى الشّيخ، وولّاه لآخر، فعزّ علىّ، ونظمت أبياتا فى الشّيخ فبلغته، فأنا أمشى مرّة خلفه، وإذا به قد التفت إلىّ وقال: يا فقيه بلغنى أنّك هجوتنى؟ فسكتّ زمانا، فقال: أنشدنى، وألحّ علىّ، فأنشدته: وليت فولّى الزّهد عنك بأسره … وبان لنا غير الذى كنت تظهر ركنت إلى الدّنيا وعاشرت أهلها … ولو كان عن جبر لقد كنت تعذر فسكت زمانا، وقال: ما حملك على هذا؟ فقلت: أنا رجل فقير، وأنا أباشر وقفا أخذه منّى فلان، فقال: ما علمت بهذا، أنت على حالك، فباشرت الوقف مدّة وخطر لى الحجّ، فجئت إليه أستأذنه، فدخلت خلفه، فالتفت إلىّ وقال: أمعك هجو آخر؟ فقلت: لا ولكنّى أريد الحجّ، وجئت أستأذن سيّدى، فقال: مع السلامة ما نغيّر عليك. وقال لى عبد اللطيف ابن القفصىّ (¬١): هجوته مرّة فبلغه، فلقيته بالكامليّة (¬٢) فقال: بلغنى أنّك هجوتنى، أنشدنى، فأنشدته «بلّيقة» أوّلها: قاضى القضاة عزل (¬٣) نفسه … لمّا ظهر للنّاس نحسه إلى آخرها، فقال: هجوت جيّدا … ! وحكى (¬٤) لى القاضى سراج الدّين يونس (¬٥) الأرمنتىّ، قاضى قوص، قال: جئت إليه مرّة وأردت الدّخول، فمنعنى الحاجب، وجاء الجلال/ العسلوجىّ فأدخله وغيره، فتألّمت وأخذت ورقة وكتبت فيها: قل للتقىّ الذى رعيّته (¬٦) … راضون عن علمه وعن عمله انظر إلى بابك … (¬٧) … ... يلوح من خلله باطنه رحمة وظاهره … يأتى إليك العذاب من قبله ثمّ دخلت وجعلت الورقة فى الدّواة، وظننت أنّه ما رآنى وقمت، فقال: اجلس ما فى هذه الورقة؟ فقلت: يقرؤها سيّدنا، فقال: اقرأها أنت، فكرّرت عليه وهو يردّ علىّ، فقرأتها فقال: ما حملك على هذا؟ فحكيت له فقال: وقف عليها أحد؟ فقلت: لا، فقال: قطّعها. وحكى [لى] أيضا قال: ولّى الشّيخ السّفطىّ (¬١) بلبيس، وولّانى [بعد ذلك] البهنسا، وقال: يا فقيه أنا أولّى الرجل الصغير العمل الكبير، وأولّى الرجل الكبير العمل الصغير، فقلت: إن كان سيّدنا يتصرّف لنفسه فيعمل ما يشاء، وإن كان يتصرّف للمسلمين فما يخفى ما فى هذا. وحكاياته فى ذلك كثيرة. وله نثر أحسن من الدّرر، ونظم أبهج من عقود الجوهر، ولو لم يكن له إلّا ما تضمّنته خطبة شرح «الإلمام» (¬٢) لشهد له من الأدب بأوفر الأقسام، وقوله فيها: «الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسوله ﷺ، وبعد: فإنّ الفقه فى الدّين منزلة لا يخفى شرفها وعلاها، ولا يحتجب عن العقول طوالعها وأضواها، وأرفعها بعد فهم كتاب الله المنزل، البحث عن معانى حديث نبيّه المرسل، إذ بذلك تثبت القواعد ويستقرّ الأساس، وعنه يقوم الإجماع ويصدر القياس، وما تقدّم شرعا تعيّن تقديمه شروعا، وما كان محمولا على الرأس لا يحسن أن يجعل موضوعا، لكن شرط ذلك عندنا أن يحفظ هذا النظام، ويجعل الرأى هو المأموم والنصّ هو الإمام، وتردّ المذاهب إليه، وتضمّ الآراء المنتشرة حتّى تقف بين يديه، وأمّا أن يجعل الفرع أصلا يردّ النصّ إليه بالتكلّف والتحيّل، ويحمل على أبعد المحامل بلطافة الوهم وسعة التخيّل، ويرتكب فى تقرير الآراء الصّعب والذّلول، ويحمل على التأويلات ما تنفر منه النّفوس وتستنكره (¬١) العقول، فذلك عندنا من أردى المذاهب وأسوأ طريقة، ولا يعتقد أنّه تحصل/ معه النّصيحة للدّين على الحقيقة، وكيف يقع أمر مع رجحان منافيه؟ وأنّى يصحّ الوزن بميزان مال أحد الجانبين فيه؟ ومتى ينصف حاكم ملكته عصبيّة العصبيّة؟ وأين يقع الحقّ من خاطر أخذته العزّة بالحميّة؟ وإنّما يحكم بالعدل عند تعادل الطرفين، ويظهر الجور عند تقابل المنحرفين. «هذا ولمّا برز ما أبرزته من كتاب «الإلمام» وكان وضعه مقتضيا للاتساع ومقصوده موجبا لامتداد الباع، عدل قوم عن استحسان إطابته، إلى استخشان إطابته، ونظروا إلى المعنى الحامل عليه فلم يقضوا بمناسبته ولا إخالته، فأخذت فى الإعراض عنهم بالرأى الأحزم، وقلت عند [سماع] قولهم: شنشنة أعرفها من أخزم (¬٢)، ولم يكن ذلك مانعا [لى] من وصل ماضيه بالمستقبل، ولا موجبا لأن أقطع ما أمر الله به أن يوصل: فما الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسم (¬٣)» وله النّظم الفائق، المشتمل على المعنى البديع واللفظ الرّائق السهل الممتنع، والمنهج المستعذب المنبع، والذى يصبو إليه كلّ فاضل، ويستحسنه كلّ أديب كامل، أنشدنا شيخنا أثير الدّين [محمد] أبو حيّان أبقاه الله [تعالى فى عافية] قال: أنشدنى الشّيخ الحافظ تقىّ الدّين أبو الفتح محمد القشيرىّ لنفسه (¬١): قد جرحتنا يد أيامنا … وليس غير الله من آسى فلا ترج الخلق فى حاجة … ليسوا بأهل لسوى الياس ولا تزد شكوى إليهم فلا … معنى لشكواك إلى قاسى فإن تخالط منهم معشرا … [هويت فى الدّين على الرّاس] يأكل بعض لحم بعض ولا … يحسب فى الغيبة من باس لا ورع فى الدّين يحميهم … عنها ولا حشمة جلّاس لا يعدم الآتى إلى بابهم … من ذلّة الكلب سوى الخاسى (¬١) فاهرب من النّاس إلى ربّهم … لا خير فى الخلطة بالنّاس وأنشدنى أيضا، ممّا أنشده له لنفسه، قوله: وقائلة مات الكرام فمن لنا … إذا عضّنا الدّهر الشديد بنابه فقلت لها من كان غاية قصده … سؤالا لمخلوق فليس بنا به / لئن مات من يرجى فمعطيهم الذى … يرجّونه باق فلوذى بنا به (¬٢) قال: وأنشدنا لنفسه قوله: ومستعبد قلب المحبّ وطرفه … بسلطان حسن لا ينازع فى الحكم متين التّقى عفّ الضّمير عن الخنا … رقيق حواشى الطّرف والحسن والفهم يناولنى مسواكه فأظنّه … تحيّل فى رشفى الرّضاب بلا إثم وأنشدنى الشّيخ العلّامة ركن الدّين محمد ابن القوبع (¬٣) [﵀] قال أنشدنى الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه (¬٤): إذا كنت فى نجد وطيب نسيمها … تذكرت أهلى باللّوى (¬٥) فمحجّر (¬٦) وإن كنت فيهم ذبت شوقا ولوعة … إلى ساكنى نجد وعيل تصبّرى وقد طال ما بين الفريقين قصّتى … فمن لى بنجد بين أهلى ومعشرى وأنشدنى له الشّيخ فتح الدّين بن سيّد النّاس، وأنشدنى ذلك [الشّيخ] أثير الدّين أبو حيّان، قالا: أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه قوله (¬١): أحبّة (¬٢) قلبى والذين بذكرهم … وترداده فى كلّ (¬٣) وقت تعلّقى لئن غاب عن عينى بديع جمالكم … وجار على الأبدان حكم التفرّق فما ضرّنا بعد المسافة بيننا … سرائرنا تسرى إليكم فنلتقى ومن مشهور شعره قوله الذى أنشدنيه أقضى القضاة شمس الدّين ابن القمّاح قال: أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه قوله: يهيم قلبى (¬٤) طربا عند ما … أستلمح البرق الحجازيّا ويستخفّ الوجد قلبى وقد … أصبح (¬٥) لى حسن الحجى زيّا يا هل أقضّى حاجتى من منى … وأنحر البزل (¬٦) المهاريّا (¬٧) وأرتوى من زمزم فهو لى … ألذّ من ريق المها (¬٨) ريّا وأنشدنى الشّيخ الفقيه شرف الدّين محمد بن محمد، المعروف بابن القاسم، أنشدنى شيخنا تقىّ الدّين [القشيرىّ] لنفسه قوله: أهل المناصب فى الدّنيا ورفعتها … أهل الفضائل مرذولون بينهم قد أنزلونا لأنّا غير جنسهم … منازل الوحش فى الإهمال عندهم / فما لهم فى توقّى ضرّنا نظر … وما لهم فى ترقّى قدرنا همم فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم … مقدارهم عندنا أو لو دروه هم لهم مريحان من جهل وفرط غنى … وعندنا المتعبان العلم والعدم وأنشدنا أيضا قال: أنشدنا الشّيخ [﵀] لنفسه قوله (¬١): كم ليلة فيك وصلت (¬٢) السّرى … لا نرقد الليل (¬٣) ولا نستريح قد كلّت العيس بجدّ الهوى (¬٤) … واتّسع الكرب وضاق الفسيح وكادت الأنفس ممّا بها … تزهق والأرواح منا تطيح واختلف الأصحاب ماذا الذى … يردّ من (¬٥) أنفسهم أو يريح فقيل تعريسهم ساعة … وقيل (¬٦) بل قربك وهو الصحيح وأنشد عنه القاضى الفقيه المحدّث تاج الدّين عبد الغفّار بن عبد الكافى السعدىّ، ونقلت من خطّه، قال: أنشدنى لنفسه قوله (¬٧): يا معرضا عنّى ولست (¬٨) بمعرض … بل ناقضا عهدى ولست بناقض أتعبتنى بخلائق لك لم تفد (¬١) … فيها- وقد جمحت- رياضة رائض أرضيت أن تختار رفضى مذهبا … فتشنّع (¬٢) الأعداء أنّك رافضى ووجدت بخطّ شيخنا تاج الدّين بن الدّشناوىّ، أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه قوله (¬٣): تمنّيت أنّ الشّيب عاجل لمّتى … وقرّب منى فى صباى مزاره لآخذ (¬٤) من عصر الشباب نشاطه … وآخذ من عصر المشيب وقاره وأنشد له ابن عبد الكافى، ونقلت من خطّه، ووجدته بخطّ شيخنا تاج الدّين، ويقال إنّه نظم ذلك فى ابن الجوزىّ [قوله]: دقّقت فى الفطنة حتّى لقد … أبديت ما يسحر أو يسبى وصرت فى أعلى مقاماتها … حيث يراك النّاس كالشّهب وسار ما صيّرت من جوهر ال … حكمة فى الشّرق وفى الغرب ثمّ تنازلت إلى حيث لا … ينزل ذو فهم وذو لبّ تثبت ما تجحده فطرة ال … عقل ولا تشعر بالخطب / أنت دليل لى على أنّه … يحال بين المرء والقلب وأنشدنى شيخنا أقضى القضاة شمس الدّين محمد بن القمّاح له، وقال إنّه نظمها فى بعض الوزراء [وهما قوله] (¬٥): مقبل مدبر بعيد قريب … محسن مذنب عدوّ حبيب عجب من عجائب البرّ والب … حر ونوع فرد وشكل عجيب (¬١) وأنشدنى الفقيه الفاضل جمال الدّين محمد (¬٢) بن هارون القنائىّ، وشيخنا أثير الدّين قالا: أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين أبو الفتح لنفسه قوله: سرينا ولم يظهر لنا الغيم بارقا … ولا كوكبا نهدى به فنسير فقال صحابى قد هلكنا فقلت لا … هلاك علينا والدّليل بصير وفضائله كثيرة، ومناقبه شهيرة، قد امتلأت منها الآفاق، وسارت بها الرّكبان والرّفاق، وهو ممّن اشتهر ذكره وشاع، وملأ المسامع والبقاع، ومدحه العلماء والأدباء، وأبناء الفضائل النّجباء، ولمّا كان يخطب بقوص سمعه الأديب [أبو الحسين] الجزّار، فأنشده مادحا له: يا سيّد العلماء والشعراء وال … أدباء والخطباء والحفّاظ شنّفت أسماع الأنام بخطبة … كست المعانى رونق الألفاظ أبكت عيون السامعين فصولها … فزكت على الخطباء والوعّاظ وعجبت منها كيف حازت رقّة … مع أنّها فى غاية الإغلاظ ستقول مصر إذ رأتك لغيرها … ما الدّهر إلّا قسمة وأحاظ ويقول قوم إذ رأوك خطيبهم … أنسيتنا قسّا بسوق عكاظ وبلغنى أنّه أعطاه شيئا له صورة. وكان كثير المكارم النفسانيّة، والمحاسن الإنسانيّة، لكنّه كان غالبا فى فاقة، تلزمه الإضاقة، فيحتاج إلى الاستدانة، وقد تفضى به إلى بذل الوجه المعروف بالصّيانة. حكى لى شيخنا قاضى القضاة أبو عبد الله محمد بن جماعة أنّه كان عنده أمين الحكم بالقاهرة، وكان فيه اجتهاد فى تحصيل مال الأيتام، قال شيخنا: فأحضر عندى مرّة الشّيخ تقىّ الدّين، وادّعى بدين عليه للأيتام، فتوسّطت بينهما، وقرّرت معه أن تكون جامكيّة «الكامليّة» (¬١) للدّين و «الفاضليّة» (¬٢) لكلفه،/ ثمّ قلت له: أنا أشحّ عليك بسبب الاستدانة، فقال: ما يوقعنى فى ذلك إلّا محبّة الكتب … ! وحكى لى شيخنا تاج الدّين محمد بن [أحمد] الدّشناوىّ قال: حضرت عنده ليلة، وهو يطلب شمعة فلم يجد معه ثمنها، فقال لأولاده: فيكم من معه درهم؟ فسكتوا، وأردت أن أقول: معى درهم، فخشيت أن ينكر علىّ، فإنّه كان إذ ذاك قاضى القضاة، فكرّر الكلام، فقلت: معى درهم، فقال: ما سكوتك … !؟ وكان الشّيخ تاج الدّين تلميذه وتلميذ أبيه وابن صاحبه، والشّيخ تقىّ الدّين والشّيخ جلال الدّين [والد شيخنا تاج الدّين] تزوّجا بنتى البرهان (¬٣) ابن الفقيه نصر. وحكى القاضى شهاب الدّين ابن الكويك التّاجر الكارمىّ [﵀] قال: اجتمعت به مرّة فرأيته فى ضرورة، فقلت: يا سيّدنا ما تكتب ورقة لصاحب اليمن، اكتبها وأنا أقضى فيها الشغل، فكتب ورقة لطيفة، فيها هذه الأبيات: تجادل أرباب الفضائل إذ رأوا … بضاعتهم موكوسة الحظّ فى الثمن فقالوا عرضناها فلم نلف طالبا … ولا من له فى مثلها نظر حسن ولم يبق إلّا رفضها واطّراحها … فقلت لهم لا تعجلوا السّوق باليمن وأرسلها إليه، فأرسل إليه مائتى دينار، واستمرّ يرسلها كلّ سنة إلى أن مات- يعنى صاحب اليمن-. وحصل له مرّة ضرورة فسافر إلى الصّعيد، وتوجّه إلى أسنا للشّيخ بهاء الدّين (¬١)، فأعطاه دراهم وكتبا، وأعطاه شمس الدّين أحمد بن السّديد (¬٢) شيئا له صورة. وكان فيه إنصاف؛ حكى لى شيخنا تاج الدّين الدّشناوىّ (¬٣) قال: خلوت به مرّة، فقال: يا فقيه فزت برؤية الشّيخ زكىّ الدّين عبد العظيم (¬٤)؟ فقلت: وبرؤيتك، فكرّر الكلام، وكرّرت الجواب، فقال: كان الشّيخ زكىّ الدّين أدين منّى، ثمّ سكت ساعة وقال: غير أنّى أعلم منه. وكان يحاسب نفسه على الكلام، ويأخذ عليها بالملام، لكنّه تولّى القضاء فى آخر عمره، وذاق من حلوه ومرّه، وحطّ ذلك عند أهل المعارف والأقدار من علوّ قدره، وحسّن الظنّ ببعض النّاس، فدخل عليه الباس، وحصل له من الملامة نصيب، والمجتهد يخطئ ويصيب، ولو حيل بينه وبين القضاء، لكان عند النّاس أحمد عصره، ومالك دهره، وثورىّ زمانه، والمتقدّم على كثير ممّن تقدّم فكيف على أقرانه؟!، على أنّه عزل نفسه مرّة بعد مرّة، وتنصّل منه كرّة بعد كرّة،/ والمرء لا ينفعه الحذر، والإنسان تحت القضاء والقدر، وكان يقول: والله ما خار الله لمن بلى بالقضاء، [و] أخبرنى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان أنّه قال له ذلك مرّة، وقال: يا فقيه لو لم يكن إلّا طول الوقوف للسؤال والحساب لكفى. وفى هذا المعنى نظمت أنا شعرا: لا تلينّ الدّهر أمر الورى … واقنع من الرّزق ببعض النّوال لو لم يكن فى الحشر فيه سوى … طول وقوف المرء عند السؤال لكان أمرا مؤلما محزنا … يلهيك عن أهل وجاه ومال ودرّس بالفاضليّة (¬١)، والمدرسة المجاورة للشافعىّ، و «الكامليّة» (¬٢)، و «الصالحيّة» (¬٣) بالقاهرة، ودرّس بقوص بدار الحديث ببيت له، وله فى القضاء آثار حسنة، منها انتزاع أوقاف كانت أخذت واقتطعت لمقطّعين، ومنها أنّ القضاة كان يخلع عليهم الحرير، فخلع على الشّيخ الصّوف فاستمرّ، ورتّب مع الأوصياء «مباشرا» من جهته وغير ذلك، وكان يكتب إلى «النوّاب» (¬٤) يذكّرهم ويحذّرهم. وممّا اشتهر من كتبه [ما كتب به] إلى المخلص البهنسىّ قاضى إخميم، وكان من القضاة فى زمنه، كتابا [أوّله] بعد البسملة: «(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ). «هذه المكاتبة إلى فلان الدّين، وفّقه الله تعالى لقبول النّصيحة، وآتاه لما يقرّبه إليه قصدا صالحا ونيّة صحيحة، أصدرها إليه بعد حمد الله الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور، ويمهل حتّى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكّره بأيّام الله تعالى «وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ»، وتحذّره صفقة من باع الآخرة بالدّنيا فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التّذكار وينفعه، وتأخذ هذه النّصائح بحجزه من النّار، فإنّى أخاف أن يتردّى فيها، فيجرّ من ولّاه- والعياذ بالله- معه، والمقتضى لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستجكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للربّ على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدّرر وهم عنها يزعجون، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كئود وهم منها لا يتخلصون،/ ولا سيّما القضاة الذين تحمّلوا الأمانة على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار وهمم نحيفة، ووالله إنّ الأمر لعظيم، وإنّ الخطب لجسيم، ولا أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا ولا راحة، اللهمّ إلّا رجلا نبذ الآخرة وراه، واتّخذ إلهه هواه، وقصر همّه وهمّته على حظّ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حبّ الجاه، والمنزلة فى قلوب النّاس، وتحسين الزّى والملبس، والركبة والمجلس، غير مستشعر خسّة حاله، ولا ركاكة مقصده، فهذا لا كلام معه، فإنّك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من فى القبور، فاتّق الله الذى يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فإنّ المحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وأنتم أيّها النّفر إلّا كما قال حبيب العجمىّ، وقد قال له قائل: يا ليتنا لم نخلق، قال: قد وقعتم فاحتالوا. «فإن خفى عليك بعد هذا الخطر، وشغلتك الدّنيا أن تقضى من معرفتها الوطر، فتأمّل كلام النبوّة: القضاة ثلاثة، وقول النبىّ ﷺ لبعض أصحابه مشفقا عليه: «لا تأمّرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم»، لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، هيهات جفّ القلم، ونفذ أمر الله فلا رادّ لما حكم، ومن هنالك شمّ النّاس من فم الصدّيق رائحة الكبد المشويّة، وقال الفاروق: ليت أمّ عمر لم تلده، واستسلم عثمان وقال: من أغمد سيفه فهو حرّ، وقال علىّ، والخزائن مملوءة بين يديه: من يشترى منّى سيفى [هذا]؟ ولو وجدت ما أشترى به رداء ما بعته، وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز فمات من خشية العرض، وعلّق بعض السّلف فى بيته سوطا يؤدّب به نفسه إذا فتر. «أفترى ذلك سدى؟، أم وضح أن نحن المقرّبون وهم البعداء؟، وهذه والله أحوال لا تؤخذ من باب السّلم والإجارة والجنايات، نعم كلّها تنال بالخضوع والخشوع، وبأن نظمأ ونجوع، وتحمى عينيك الهجوع، ومما يعينك على هذا الأمر الذى [قد] دعوتك إليه، وتزوّدك فى سفرك للعرض عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالتذكّر والتفكّر، وأياما تجعلها [لك] معدّة لجلاء قلبك، فإنّه متى استحكم صداه صعب تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، فاجعل أكبر همّك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد؛ فإنّه يقول «فو ربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون»، ومهما وجدت من همّتك قصورا، واستشعرت من نفسك عمّا بدا لها نفورا،/ فاجأر إليه وقف ببابه؛ فإنّه لا يعرض عمّن صدق، ولا يعزب عن علمه خفاء الضمائر؛ ألا يعلم من خلق؟ «وهذه نصيحتى إليك، وحجّتى بين يدى الله- إن فرّطت- عليك، أسأل الله لى ولك قلبا واعيا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنّة بمنّه وكرمه». توفّى يوم الجمعة حادى عشر صفر عام اثنين وسبعمائة، ودفن يوم السبت بسفح المقطم، وكان ذلك يوما مشهودا، عزيزا مثله فى الوجود، سارع النّاس إليه، ووقف جيش ينتظر الصلاة عليه، رحمه الله تعالى، وهو ممّن تألّمت على فوات رؤيته، والتملّى بفوائده وبركته، لكنّى انتفعت بالنّظر فى كتبه فى الصّغر، واستفدت منها فى الكبر، وعلّقت من تصانيفه مباحث جليلة، وقيّدت من تآليفه جملا جميلة، جمع الله الشمل بينى وبينه فى دار كرامته، ومتّعنى بمشاهدته ورؤيته فى جنّته. ورثاه جماعة من الفضلاء والأدباء بالقاهرة وقوص، منهم شعيب ابن أبى شعيب، والأمير مجير الدّين بن اللمطىّ (¬١)، وشرف الدّين النّصيبينىّ (¬٢).
Parsing and provenance details
Local passage ID
869558
Book record
shamela-1045
Source record
962539
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain