page 575, entry [495]Open original source
(٤٦٠ - محمد بن علىّ بن عبد الوهاب الأدفوىّ (¬*)) محمد بن علىّ بن عبد الوهاب بن يوسف بن منجّا الأدفوىّ، ينعت بدر الدّين، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعىّ، وقرأ أرجوزة فى الفرائض، ومقدّمة فى النّحو، وسمع الحديث بالقاهرة من جماعة، من جملتهم/ ابن قريش. وهو من جملة الأذكياء، جمع بين كثرة الحفظ وقوّة الفهم، يحفظ الأبيات الكثيرة من سماع، ويفهم الصعب الذي لا تكاد تستقلّ به الطّباع، مع كثرة اتّضاع، ولطف وانطباع، وإغاثة الملهوف، وإسداء جميل واصطناع معروف، وبذل الجهد فى منافع أحبابه وأقاربه، وإفراغ الجهد فى حوائج أصحابه، والقيام بمصالح من يرد عليه، وإيصال ما تصل قدرته إليه، واشتغل بالتصوّف ولبس من أهل الطّريق، وسلك فيه السّلوك الذى به يليق، وما خرج عن الطّريق الشّرعىّ، والأمر بالمعروف المرعىّ، وبنى بأدفو رباطا حسنا، ووقف عليه وقفا مستحسنا، وهو رئيس ذلك البلد، والذى عليه فيه المعتمد، وهو مع ذلك ناظم ناثر، وله من الأدب الحظّ الوافر، وبينى وبينه قرابة، وصداقة وصحابة، وهو يكتب خطّا جيّدا، وله يد فى الحساب والوراقة. أنشدنى لنفسه: صبّ أضرّ به طويل جفاك … لا يشتفى إلّا بطيب لقاك يا شمس حسن فى الورى وضّاحة … مهلا فقلب المستهام سماك وترفّقى يا ظبية الوادى به … ودعى النّفار ففى الحشى مرعاك فلقد حللت من الفؤاد بمنزل … ما حلّ فيه من الأنام سواك فردى المتيّم ماء وصلك إنّه … أضحى على ظمأ لرشف لماك واقضى بما شئتيه فى شرع الهوى … غير القلا فالحسن قد ولّاك وعدى الكئيب ولو بطيف فى الكرى … فلعلّه عند الهجوع يراك فهو الذى يرضى لعزّك ذلّه … ويودّ أنّ جفونه ممشاك وكفاه فخرا فى البرّية أنّه … من شيعة عرفوا بصدق ولاك وأنشدنى أيضا لنفسه: لئن حكموا فى مذهب الحبّ بالقتل … فإنّهم من قتلة الصبّ فى حلّ وإن رحموا مضناهم وتعطّفوا … عليه فهم أهل لعارفة الوصل عريب أقاموا بين أحناء أضلعى … بنيت لهم صفو الوداد على أصل أبى ناظرى يرنو لغير جمالهم … وقد صمّ سمعى فى هواهم عن العذل / فإن أنكر العذّال حالى فإنّ لى … شهودا (¬١) على دعوى هواى ذوى عدل دموع وتسهيد ومبيضّ ناظرى … وحزن به قام الدّليل على ذلّى وعندى كتاب بالغرام معنون … وسقمى مشروح لدى الجار والأهل صحيفته خدّى وطرفى كاتب … ودمعى مداد والفؤاد الذى يملى فمن رام يهوى يهجر الأهل والكرى … ويسعى مجدّا فالهوى ليس بالسّهل وأنشدنى [أيضا] لنفسه: متى غنّت على دوح بلابل … تبلبلنى بأشواقى بلابل ويسلبنى الكرى والصبر عطف … وألحاظ لها فتكات بابل وأهيف كالقضيب له اعتدال … ولكن عن وصال الصبّ مائل عجبت لنرجس الألحاظ غضّا … ويشرب ماء قلبى وهو ذابل شقيت من الصّبابة فى سعيد … وذقت المرّ من حلو الشّمائل فيا مثرى الجمال إليك فقرى … تصدّق باللقا فالدّمع سائل نصبت جفاك بالإغراء جزما … بأفعال بنت رفع التّواصل بديوان الغرام هواك وال … وخدّك مشرف والقدّ عامل وقلبى دفتر والدّمع يجرى … على مصروفه والوجد حاصل وأنشدنى لنفسه أيضا: يشكو لهيبا قد أضرّ بذاته … صبّ وفاء العهد من عاداته كتم الهوى فوشت عليه مدامع … تبدى خفاء غرامه لعداته يهوى رشا حارت عقول أولى النّهى … لمّا تبدّى فى بديع صفاته قامت نبوّة حسنه بدلائل … دلّت على مكنون سرّ سماته بعث النّواظر خفية توحى الهوى … لمّا أقام اللحظ فى فتراته فلذا أجاب إلى دواعى حبّه … قلبى ولبّى من جميع جهاته وأطاع فيه العاذلين كما عصى ال … عذّال من لوّامه ووشاته وأقام عذرا فى الهوى بعذار من … يبدو جنىّ الورد من وجناته وتغار أغصان النّقا من قدّه … ويفوق بدر التّمّ فى هالاته / يهواه لا يهوى سواه وحقّه … ويودّ منه نظرة بحياته وأنشدنى أيضا لنفسه: حادييها (¬١) خلّياها وسراها … للحمى إن شئتما أن تسعداها مهجة قد شفّها الوجد وما … داؤها فى حبّها إلّا دواها ما سلت عن حبّ جيران الغضا … فسلاها عن كلاها ما سلاها صوت قمريها وعرف الشّيح قد … بلغا من جهدها أقصى مداها غادراها وهى كالشّنّ (¬٢) هوى … أترى من شدوها أو من شذاها كلّما غنّت حمام بلبلت … من بلاها ما غدا منه بلاها وإذا ما نسمة نجديّة … هبّ منها نشرها طاب سراها تتمنّى لو سرت فى طيّها … نحوهم لو أنّها تعطى مناها يا أهيل المنحنى (¬٣) لى مهجة … عزّها الوجد وقد عزّ عزاها شاقها ذكر المصلّى (¬٤) والنّقا (¬٥) … فصبت وجدا لنجد ورباها تشتهى نجدا وتهوى تربها … فهى لا تصبو إلى مغنى سواها لا ترم مصرا ولا روضتها … لا ولا من مشتهاها مشتهاها لا ولا جلّق (¬٦) فى أنهارها … وجنى جنّاتها ليس مناها إنّما تصبو لنجد المنحنى … ولها شوق إلى وادى قباها حرّم النوم على مقلتها … فرط وجد فهو يسهو لسهاها فارحموا صبّا بكم ما فنيت … نفسه عن حبّكم إلّا قلاها وعدوه بوصال علّه … أن يمنّى النّفس يوما برجاها فلقد أوداه عنكم بعده … ونفى عن عينه طيب كراها [ومنها]: ولئن جرتم عليه فى الهوى … وعدلتم نحو عذّال عداها فهو يرجو العفو يوم العرض عم … م ما جناه بولاء آل طه وهى طويلة. وكتب لى من قصيدة، مدح بها قاضى القضاة جلال الدّين محمد بن عبد الرّحمن القزوينىّ، أوّلها: كم تشتكى المهجات ضيق مجالها … وترقّ بالشّكوى لرقّة حالها / وتبوح بالألم الذى أودت به ال … أيّام إذ أبكت برشق نبالها ضاقت من الأرض الفضاء عن امرئ … يحتاج فى الدّنيا لردّ سؤالها يا نفس صبرا للمكاره إنّها … لا بدّ أن يقضى لها بزوالها لا تجزعى لملمّة فلعلّها … فيها أمان النّفس من أوجالها إن نابنى خطب فنفسى حرّة … سأعزّها وأبلّها ببلالها إن لم أنصّ (¬١) ركائبى وأحثّها … سعيا إلى قاضى القضاة جلالها وهى طويلة. وأنشدنى أيضا لنفسه قصيدة، أوّلها: فؤاد لبعد الظّاعنين تمزّقا … وجفن جفاه نومه فتأرّقا وإنّى على بعد الدّيار وقربها … لأحفظ للأحباب عهدا وموثقا ألا ليت شعرى هل إلى الوصل عودة … وهل بعد هذا البعد يوما ملتقى أأحبابنا عهد الوداد مجدّد … وأمّا سلوى يوم بنتم فأخلقا سلوى محال عنكم وتصبّرى … وحبّى لكم ما زال أمرا محقّقا يمثّلكم بالفكر سرّى لناظرى … فأذهل حتّى أحسب البين ملتقى وكم بتّ والعين القريحة فيكم … أبى الدّمع منها أن يكون له رقا وها مهجتى ذابت وقلبى تقطّعت … نياط قواه حسرة وتشوّقا أيا سائق الأظعان إن جزت بالحمى … فعرّج على جيراننا بربى النّقا وإن سألوا عنّى فقف متفضّلا … وقل قد قضى وجدا بكم لكم البقا وأنشد [نى] لنفسه، وقد أهدى له شخص بطيخة، فنظم هذين البيتين: أهدى لنا من نحبّه كرما … بطيخة جلّ قدر باريها كأنّ من سكّر حلاوتها … أو عسل أو رضاب مهديها وله فى شخص يسمّى «ابن نهار»، وأنشدنى ذلك: بدر تمّ تخال فى وجنتيه … من حياء ماء محيطا بنار بعذار كالآس حول رياض … نمقّت بالشّقيق والجلّنار مذ رآه الأنام ظنّوه شمسا … حين وافى ضحى بغير استتار فتأمّلته وقلت لصحبى … هو بدر لكنّه ابن نهار / وله قدرة على الارتجال، ورد عليه شخص مغربىّ، كنيته أبو العبّاس، وكان لطيفا ظريفا، حسن الأخلاق وفيه فضيلة، فحصل له يوما حال، فقال: قد هبّ من ذاك الحمى نسيمه. فقال بدر الدّين: رنّحها بوجدها قدومه. فقال أبو العبّاس: فخلّها ترفل فى أذيالها. فقال بدر الدّين: لعلّها تحظى بما ترومه. فقال أبو العبّاس: ما قصدها شعب النّقا والمنحنى. فقال بدر الدّين: ولا صبا نجد ولا شميمه. فقال أبو العبّاس: إلّا الذى لاح لها وجوده. فقال بدر الدّين: فأصبحت وقلبها كليمه. لبس بدر الدّين صاحبنا خرقة التصوّف من الشّيخ جلال الدّين ابن الشّيخ علم الدّين أبى الطّاهر إسماعيل (¬١) المنفلوطىّ. وهو الآن بأدفو معتمد أهلها، وإليه منتهى عقدها وحلّها، ومولده فى سنة ثلاث وسبعين وستّمائة، فى شهر المحرّم.