page 505, entry [424]Open original source
(٣٨٩ - محمد بن أحمد بن عبد الرّحمن الكندىّ الدّشناوىّ (¬*)) محمد بن أحمد بن عبد الرّحمن بن محمد الكندىّ، شيخنا تاج الدّين ابن الشّيخ جلال الدّين، الدّشناوىّ محتدا، القوصىّ مولدا ودارا ووفاة، نخبة الدّهر، ونزهة العصر، فقيه عالم فاضل، مقرى محدّث، أديب شاعر، كريم الأخلاق، طيّب الأصول والأعراق، ألطف من النّسيم، وأحسن محاسنا من الوجه الوسيم، ظريف لطيف خفيف، لا تملّ عشرته، ولا تترك صحبته، قوىّ الجنان، فصيح اللسان، حسن الإيراد، يعلق بالفؤاد، له صيت بإقليمه ليس له فيه من يدانى، وصوت يغنى عن المثالث والمثانى، ومقالات جمعت بين فصاحة الألفاظ وبلاغة المعانى، ونظم أحسن من عقد جوهر حليت به النّحور، ونثر أبهج من درّ فصّل بشذور، مع رياسة وجلالة وثقة وعدالة، وسؤدد وأصالة، تتجمّل به المجالس والدّروس، وتحيا به المعالم بعد الدّروس، وتتزيّن بذكره الدّفاتر وتتحلّى به الطّروس، وتنشرح برؤيته الصّدور وتسرّ بمفاكهته النّفوس. قرأ القراءات على الشّيخ نجم الدّين عبد السلام (¬١) بن حفاظ، وسمع الحديث على جماعة من الحفّاظ، منهم العلّامة عبد/ العظيم (¬٢) المنذرىّ، وكنّاه أبا الفتح، وسمع على الحافظ أبى الفتح محمد (¬٣) بن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ، والشّيخ الإمام مجد الدّين علىّ (¬٤) القشيرىّ، الشّهير بابن دقيق العيد، والشّيخ أبى عبد الله ابن النّعمان وجماعة كثيرة. وحدّث بقوص ومصر (¬١) والقاهرة والإسكندرية، وسمع منه جماعة كثيرة، منهم الشّيخ عبد الكريم (¬٢) بن عبد النّور، والشّيخ أبو الفتح محمد بن سيّد النّاس، والشّيخ فخر الدّين عثمان النّويرىّ المالكىّ، وسراج الدّين عبد اللطيف ابن الكويك، والمعين الأسفونىّ (¬٣)، وخلائق. سمعت منه [الحديث] المسلسل بالأوّلية (¬٤)، والجزء الذى فيه موافقة السّنن العوالى، للحافظ عبد العظيم [المنذرىّ] وغير ذلك. وأخذ الفقه عن الشّيخ مجد الدّين القشيرىّ، وعن والده الشّيخ جلال الدّين الدّشناوىّ والشّيخ بهاء (¬٥) الدّين هبة الله القفطىّ ودرّس بالمدرسة الفاضليّة (¬٦) [بالقاهرة] نيابة عن الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، ودرّس بالمدرسة العزّية التى بظاهر مدينة قوص، والمدرسة النّجمية والمدرسة السّراجية، وأفتى وحدّث وأفاد وأجاد، فيما أبدى من المباحث وأعاد. حدّثنا شيخنا تاج الدّين محمد بن أحمد المذكور، حدّثنا الشّيخ الإمام الحافظ ندرة الوقت أبو محمد عبد العظيم المنذرىّ، أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد العراقىّ- بقراءتى عليه بدمشق- وفاطمة بنت أبى الحسن- واللفظ لها- حدّثنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريرىّ (¬١)، قراءة عليه ونحن نسمع قال أبو حفص: فى شعبان سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وقالت فاطمة: غير مرّة أخراهنّ فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الفقيه، حدّثنا أبو عبد الله- يعنى إبراهيم بن جعفر- حدّثنا جعفر- يعنى ابن محمد بن الحسن- حدّثنا محمود ابن غيلان، حدّثنا النّضر بن إسماعيل، حدّثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة عن أبى هريرة [رضى الله عنهما] قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أخرجه التّرمذىّ فى جامعه عن محمود بن غيلان وقال (¬٢): حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة. وأجاز لى ﵀، وسمعت منه كثيرا من شعره، وحضرت درسه، أنشدنى ﵀ [تعالى] قصيدته التى على حروف/ المعجم وأوّلها (¬٣): أبيت سوى مدح خير الورى … فأصبح نظمى وثيق العرا بروحى صفات تحلّى القريض … وتسبكه ذهبا أحمرا تعين القريحة أنّى ونت … وتبرز ألفاظها جوهرا ثراء الفقير امتداح البشير … فمهما اطّرا (¬٤) المدح فيه طرا جمعت السّرور لسرّى به … فأضحى به العيش لى أخضرا حدوت به العيس نحو الحمى … فقصّرت بالمدح طول السّرى خليلى مناى وقوفى به … ترى أبلغ القصد منه ترى دعانى هواه فلبّيته … فها أنا أجذب جذب البرى (¬١) ذعرت بما قد مضى من جوى … وقد رجعت حالتى القهقرى رعى الله من غاب عن ناظرى … وما زال قلبى له مبصرا زهدت سوى فى اشتغالى به … على أنّه باشتغالى درى سل الليل هل غفلت مقلتى … يحدّثك صدقا بما قد جرى شغلت بوجدى عن العالمين … فلست سوى فى الهوى مفكرا صف الحال عنهم نسيم الصّبا … لأهل قبا وانثنى مخبرا ضمنت لك الفوز إن جئتهم … وبلّغت عنى الشّذا الأعطرا (¬٢) طردت همومى بمدح الذى … بدا وجهه بالهدى مسفرا ظفرت بمدحى هذا الرسول … ونلت به حظّى الأوفرا علىّ الجناب فصيح الخطاب … فسيح الرّحاب عظيم القرا غياث الوجود وكهف الوفود … أفاضت لنا كفّه أبحرا فحدّث وأطنب وقل ما تريد … فقد وسع الصّدر جوف الفرا قل الحقّ هل رأت العين فى … جميع الورى مثله أو ترى كتبت بدمعى على وجنتى … من الشّوق للمصطفى أسطرا لئن جمع الله شملى به … سجدت لمن باللّقا قدّرا مرادى زيارته يقظة … فإن لم يكن فبطيف الكرى / نقمت على عزمة عاقها … إلى الهاشمىّ صعاب الذّرا هو المصطفى المجتبى المرتضى … يقينا وحقّا بغير امترا وصلت الثّريا بمدحى له … ومن قبل كنت لقى فى الثّرى لأوصافه أرج طيّب … يفوق النّسيم إذا ما سرى ينال الرّضا من يصلّى عليه … ويشرب إن كثّر الكوثرا عليه صلاة شذا عطرها … إذا ذكرت تفضح العنبرا وأنشدنى ابنه كمال الدّين عبد الرّحمن عنه هذه القصيدة، وأظنّ أنّى سمعتها منه: أبدا (¬١) تحنّ لقربك الأظعان … وتهيم إن ذكر الحمى والبان ويحثّها وجد بها لمنازل … قد حلّ فيها الأمن والإيمان يا سعد عرّج بالمطىّ لروضها … فبعرفه قد أرشد الظّعان وارفق بها فلقد غنيت بشوقها … عن سوقها لمّا بدت نعمان (¬٢) أو ما علمت بأنّ أحمد قصدها … من سيرها لا الروض والغدران يا زائرى قبر النبىّ محمد … بشراكم فقراكم الغفران هنّوا نواظركم بزورة قبره … ها أنتم لمحمد جيران طبتم وحقّ جماله بجواره … عيشا وزالت عنكم الأحزان يا محصرا عن سيره لجنابه … أين النّواح ودمعك الهتّان أمسيت مثلى عاصيا ومخلّطا … لا نستقيل وعاقنا العصيان يا سيّد الأبرار أنت شفيعنا … وإليك يأوى الموجع الحيران دارك ببرّ منك من لا يرتجى … بشرا سواك إذا جفا الخلّان يا خاتم الرّسل الكرام وصاحب ال … آى العظام ومن له البرهان نلنا بمولدك الكريم كرامة … منها غدا الشّيطان وهو مهان وتزلزلت أركان كسرى كلّها … بوجوده وتفطّر الإيوان وأضاء بالشّام القصور وأخمدت … بعد الوقود لفارس النّيران ولطالما التهبت ولم يخمد لها … لهب خبا ومضت لها أزمان وتداعت الأصنام طرّا نكسا … بعد السموّ وخرّت الأوثان / والجنّ قد رجمت بشهب عند ما … استرقت لها نحو السّما آذان وبه البشائر قد توالت جمّة … وافت بها الأحبار والرهبان وبدا الهدى بوجوده لمّا بدا … والرّشد دان والضلال مبان يا خير من وطئ الثّرى وأجلّ من … فاضت له بالمكرمات بنان يا من سما قدرا على ملأ السما … يا من عليه نزّل القرآن أنت الوفىّ أمانة أنت التق … ىّ سلالة ولك العلا والشان ونعم لك الوجه البهىّ وكفّك الرّ … حب النّدىّ وخلقك القرآن حزت الجمال مع الجميل كلاهما … فإليك يعزى الحسن والإحسان فبمن عليك صلاته وسلامه … ولديك منه الرّوح والرّيحان لا تنسنا من فضل جاهك عند ما … تطوى السّماء وينشر الدّيوان صلّى عليك الله ما هطل الحيا (¬١) … وسرى النّسيم ومالت الأغصان وعلى صحابتك الذين أتاهم … من ذى الجلال النّصر والرّضوان وأنشدنى أيضا لنفسه (¬١): قد كان حالى بكم حاليا … لكنّها العين أصابت فحال فلذّة العيش وقد بنتم … عن نظر المشتاق عين المحال والسّقم لا يبرح عن جسمه … كأنّه خصم بدين محال يا سادة ذبت عليهم أسى … لمّا حدا حاديهم بالرّحال وأوجبوا حزنى كما حرّموا … علىّ نومى والتّسلّى محال جودوا على صبّ معنّى بكم … باق على عهدكم ما استحال أضحى قوىّ العزم فى حبكم … لكن على الهجر ضعيف المحال وحاله أضحى يسرّ العدا … فالحمد لله على كلّ حال وأنشدنى (¬٢) أيضا ﵀ [تعالى]، قال: أنشدنى الشّيخ شمس الدّين التّونسىّ [لنفسه]: اصبر على حادثة أقبلت … فهى سواء والتى ولّت وأرهف العزم فليس الظّبا … تبرى وتفرى (¬٣) كالتى كلّت قال: فنظمت هذه الأبيات، وأنشدتها الشّيخ تقىّ الدّين بن دقيق العيد،/ فاستحسنها، وهى (¬٤): ليت يدا صدّت حبيبا أتى … للوصل يشفى غلّتى غلّت قضيت قدما معه عيشة … يا ليت فيها مدّتى مدّت لو لم أرض نفسى بصبر غدا … ساعة صدّ جنّتى جنّت وأنشدنى أيضا لنفسه (¬١): الشّين فى الشّيخ من شرب غدا كدرا … فلم تعفه نفوس الغانيات سدى والياء من يأس أن يصبو (¬٢) إليه وقد … بدت لها لحمة من شيبه وسدى والخاء من خوف أن يقضى (¬٣) له فترى … ما ابيضّ من شعره فى جيدها مسدا وممّا نظمته أنا فى ذلك [أقول (¬٤)]: الشّين فى الشّيخ من شين ألمّ به … والياء يأس من اللذات والهمم والخاء من خامر الجسم الصحيح أذى … يفصى (¬٥) قواه ويدنيه من العدم ورأيت (¬٦) بخطّه لنفسه هذين البيتين: ولولا رجائى (¬٧) أنّ شملى بعد ما … تشتّت بالبين المشتّ سيجمع لما بقيت منى بقايا حشاشة … تحال على طيف الخيال فتقنع ورأيت بخطّه (¬٨) أيضا لنفسه: عجزت عن قصّة الطبيب وعن … قصّة (¬٩) أخذ الشّراب إن وصفه والحال أبدت لمن تميّزها … تعجّبا ساء مصدرا وصفه ولمّا تزوّج زين الدّين محمد بن كمال الدّين محمد (¬١٠) بن الشّيخ تقىّ الدّين محمد (¬١١) القشيرىّ بنت شرف الدّين ابن الأصيل الكارمىّ، كتب شيخنا تاج الدّين الصّداق، وأطنب فى المدح والوصف، ولمّا قرئ قال ابن الأصيل: «هذا فشار»، فبلغ ذلك شيخنا تاج، الدّين فنظم: جلبت أذى بتصنيفى صداقا … إلى نفسى فليس لى اعتذار ونادمت الأسى ندما على ما … نظمت فمغنمى فيه خسار وخلت ابن الأصيل به يكافى … ولكن بالذى منه الحذار وزيّن بنته منه شذور … بأحسن ما يزيّنها السّوار / وطاف عليه من نفسى بخور … فظنّ بأنّه منّى بخار عقدت سكنجبيل علا ومجد … فما استحلى مذاقته الحمار وعطّرت المجالس من ثنائى … فقال بجهله هذا فشار فبلغ ذلك شرف الدّين أبا بكر النّصيبينىّ (¬١) الأديب، فكتب إليه (¬٢): أسأت إلى الحمار بغير ذنب … لعمرى أين حلمك والوقار تشبهه بأغلظ منه طبعا … وعيشك ما بذا يرضى الحمار نسبت إليه معنى ليس فيه … وغاظك قوله هذا فشار وكان لشيخنا تاج الدّين يد جيّدة فى نظم الألغاز والأحاجى وحلّها، وورد إلى قوص شابّ ينعت بعلاء الدّين الدّمشقىّ، وكان فيه فضيلة وله ذهن جيّد، فأنشدنى الفقيه العدل كمال الدّين هذا اللغز، الذى كتبه للدّمشقىّ فى نملة، وهو قوله: يا من إذا قاصد أمّ له … تمّ له منه الذى أمّله ومن حوى الفضلين فضل النّدى … وفضل علم للهدى حصّله ما اسم رشيق القدّ حلو الجنى … ذى فطنة ممزوجة بالبله ألمى دقيق الخصر قد زانه … ردف له يهتزّ ما أثقله إذا انتمى يعزى لواد غدا … وارده مستعذبا منهله حلّ به أسنى ملوك الورى … ومن غدا بالفضل والمعدله إن قلت صف لى حسنه واقتصد … [قلت مجيبا لك ما أجمله] [أو قلت صف لى ملكه واقتصر … قلت أجل جلّ الذى بجّله] أو قلت هل منّ لمسترفد … قلت وللمسكين والأرمله تصحيف ما ألغزته مودع … فى النّظم فافتح بالذّكا مقفله وعكسه أيضا بلغت المنى … مستودع فيه فما المسأله (¬١) وفضائله ﵀ [تعالى] كثيرة، ومآثره شهيرة، وكان ﵀ [تعالى] قد ضعف مدّة، ثمّ استقلّ ومشى بعكّازة يتكئ عليها، فوجدته فى الطريق فقلت له: ما أحسن قول ابن الأثير فى العصا: «وهذه العصا التى هى لمبتدا ضعفى خبر، ولقوس ظهرى وتر، وإذا كان وضعها دليلا على الإقامة كان حملها دليلا على/ السّفر»، فسكت لحظة مفكرا، ففطنت لفكرته وشرعت أغالطه فمشى، ثمّ بعد ذلك بأيّام لطيفة توفى. ولد شيخنا تاج الدّين فى رجب سنة ستّ وأربعين وستّمائة، وتوفّى ليلة الجمعة ثالث شوّال سنة اثنين وعشرين وسبعمائة.