page 314, entry [259]Open original source
(٢٣٠ - عبد الرّحيم بن أحمد بن حجّون القنائىّ (¬**)) عبد الرّحيم بن أحمد بن حجّون بن محمد بن حمزة بن جعفر بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن الحسين بن علىّ بن محمد بن جعفر الصّادق، التّرغىّ المولد، السّبتىّ الأصل، و «ترغا (¬١)» من عمل «سبتة (¬٢)»، وقيل إنّه غمارىّ. ذكره الحافظ الرّشيد ابن المنذرىّ، وقال: قال [لى] ابنه الحسن (¬٣): نحن من مسراة (¬٤). وهو شيخ/ مشايخ الإسلام، وإمام العارفين الأعلام، وصل من المغرب وأقام بمكّة سبع سنين، على ما حكاه بعضهم، ثمّ قدم قنا، من عمل قوص، فأقام بها سنين كثيرة إلى حين وفاته، وتزوّج بها وولد له [بها] أولاد. وهو من أصحاب الشّيخ أبى يعزى (¬٥)، وكانت إقامته ﵀ بالصّعيد رحمة لأهله، اغترفوا من بحر علمه وفضله، وانتفعوا ببركاته، وأشرقت أنوار قلوبهم لمّا أدخلوا فى خلواته. اتّفق أهل زمانه على أنّه القطب المشار إليه، والمعوّل فى الطّريق عليه، لم يختلف فيه اثنان، ولا جرى فيه قولان، ولو لم يكن من أصحابه إلّا الشّيخ الإمام أبو الحسن علىّ (¬٦) بن حميد بن الصبّاغ لكفاه من سائر الأمم، ولأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير من حمر النّعم، فإنّ سرّ الشّيخ ﵀ ظهر فيه، حتّى نطق فى المعارف بملء فيه، وأبدى من سرّه ما كان يخفيه. وكرامات سيّدى عبد الرّحيم مستغنية عن التّعريف، تكثر [عن] أن يسعها تأليف، أو يقوم بها تصنيف، وقد ذكر النّاس منها ما يشفى الغليل، ويبرئ العليل، فاكتفيت منها بالقليل. وليس يصحّ فى الأذهان شئ … إذا احتاج النّهار إلى دليل وقد ذكره الإمام الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذرىّ فى «وفياته (¬١)»، معظّما له، معترفا ببركاته فقال: «الشّيخ الزّاهد عبد الرّحيم، كان أحد الزّهاد المذكورين، والعبّاد المشهورين، ظهرت بركاته على جماعة من أصحابه، وتخرّج عليه جماعة من أعيان الصّالحين بصالح أنفاسه» انتهى. وللشّيخ عبد الرّحيم مقالات فى التّوحيد منقولة عنه، ومسائل فى علوم القوم تلقّيت منه، وكلمات لا تستفاد من كلمات الأعراب، وأحوال هى فى نهاية الإغراب، وكان مالكىّ المذهب، كتابه «المعونة (¬٢)». حكى لى الشّيخ الصالح الفاضل الثّقة العدل ضياء الدّين منتصر (¬٣) بن الحسن خطيب أدفو، عن الشّيخ [العالم] العارف كمال الدّين علىّ (¬٤) بن محمد بن عبد الظّاهر نزيل إخميم، وحكى لى أيضا ابنه الشّيخ العارف أبو العبّاس، ابن الشّيخ كمال الدّين المشار إليه، أنّهما (¬١) سمعا الشّيخ كمال الدّين يقول: زرت جبّانة قنا، وجلست عند سيّدى الشّيخ عبد الرّحيم، وإذا يد خرجت [لى] من قبره وصافحتنى! قال: وقال لى: يا بنىّ لا تعص الله طرفة عين؛ فإنّى فى أعلى علّيين، وأنا أقول: يا حسرتا على ما فرّطت فى جنب الله … ! وأهل بلاده متفقون على تجربة الدّعاء عند قبره يوم الأربعاء،/ يمشى الإنسان حافيا مكشوف الرأس وقت الظّهر، ويدعو بالدّعاء الذى سنذكره، ويدّعون أنّه ما حصلت لإنسان ضائقة وفعل ذلك إلّا وفرّج الله عنه، وهم يروونه عن الشّيخ أبى عبد الله القرشىّ (¬٢)، وقالوا: قال القرشىّ: من فعل ذلك ودعا، ولم تقض حاجته فليسبّ القرشىّ. قال: يصلّى ركعتين، ويقرأ شيئا من القرآن ويقول: «اللهمّ إنّى أتوسّل إليك بجاه نبيّك محمد ﷺ، وبأبينا آدم وأمّنا حواء، وما بينهما من الأنبياء والمرسلين، وبعبدك عبد الرّحيم، اقض حاجتى»، ويذكر حاجته. حكى لى الشّيخ محمد بن حسن القزوينىّ المحتد: قال: كان بقوص وال يقال له الزّردكاش، فحمل على ابنى فضربه، فجئت إلى أمّه بنت أخى الشّيخ أبى عبد الله (¬٣) الأسوانىّ، فأخبرتها فتألمت كثيرا، فذكرت لها هذا الدّعاء، فتوجّهت إلى قنا وفعلت ذلك، فلم يقم الوالى إلّا أياما يسيرة وتوفّى … وجماعة كثيرة يذكرون مثل ذلك، حتّى حكى لى بعض الفقهاء الحكّام- وكانت به حمّى الرّبع وقلق منها- أنّه توجّه إلى قنا، وطلع إلى الجبّانة وفعل ما ذكره، وأنّ الحمّى أقلعت عنه … وله ولأمثاله من العارفين أحوال تتلقّى بالقبول والتّسليم، وفوق كلّ ذى علم عليم. وممّا نظمته، وقد جرى بينى وبين شخص محاورة فى ذلك، فقلت: ألا إنّ أرباب المعارف سادة … سرائرهم لله فى طيّها نشر (¬١) هم القوم حازوا ما يعزّ وجوده … وجازوا بحارا دونها وقف الفكر أطاعوا إله العرش سرّا وجهرة … فمكّنهم (¬٢) حتّى غدا لهم الأمر فهم فى الثّرى غيث الورى معدن القرى … وهم فى سماء المجد أنجمها الزّهر فطف بحماهم واسع بين خيامهم … ولا تستمع ما قال زيد ولا عمرو إذا طفت بين الحىّ تحمى وتتّقى … بأسياف عزم دونها البيض والسّمر ومن يعترض يوما عليهم فإنّه … يعود ومن نيل المنى كفّه صفر وإذا وقعت العناية، وثبتت الولاية، وصحّت الرّواية، ونازع منازع بعد ذلك، فى أمر أجازه العقل ولم يمنعه الشّرع، كان النّزاع غواية، فنسأل الله تعالى التّوفيق والهداية. أخبرنا أقضى القضاة (¬٣) شمس الدّين ابن القمّاح قال: قال لى الشّيخ العلّامة ضياء الدّين جعفر (¬٤) [بن محمد] بن سيّدى عبد الرّحيم المذكور: إنّ الشيخ القرشىّ (¬٥) وصل/ إلى قنا لزيارة الشّيخ عبد الرّحيم، فجلس على الباب يوما وثانى يوم، ولم يؤذن له، وغيره يدخل، قال: فذكر أنّه فكّر فى سبب ذلك، فقام فى خاطره أنّه إنّما منع بسبب أنّه جاء على أنّه شيخ يزور شيخا، قال: وقلت: لو جئت على أنّى مريد أزور شيخا لأذن لى، فنويت ذلك، والخادم خرج وقال: باسم الله ادخل … ورأيت هذه الحكاية بخطّ الشّيخ الحسن (¬١) أيضا، وكراماته كثيرة. والمشهور فى وفاة الشّيخ رحمه الله تعالى، ونفعنا ببركاته، أنّه توفّى فى شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، يوم الجمعة بعد صلاة الصّبح التّاسع من شهر صفر المذكور، وذكر ذلك الشّيخ علم الدّين (¬٢) المنفلوطىّ فى رسالته، وهو زوج بنت بنته، ومن جملة أصحابه. وقال الشّيخ عبد العظيم (¬٣): فى أحد الرّبيعين، والأوّل هو الصواب، وقد رأيته مكتوبا على قبره، و [رواية] الشّيخ (¬٤) على ما بلغه. وكانت وفاته بقنا، وقبره بجبّانتها يزار، ولا يكاد يخلو من زائر، قاصد [أ] وعابر، تقصده العبّاد، من أقصى البلاد، وتأتى إليه الخلائق من كلّ فجّ وواد، وتزدحم النّاس فى الدّفن عنده، ليستمنحوا رفده، حتّى إنّ القاضى الرّضى (¬٥) ابن أبى المنا أعطى جملة على ذلك، قيل ألف دينار، ولكلّ امرئ ما نوى. زرته مرّات كثيرة، ولله الحمد والمنّة، وعلى تلك الجبّانة نور وبهجة، يدركان بالبصر (¬١)، وفيها روح يعرف بالفكر والنّظر.