Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الإهداء

كمال الدين الأدفوي - الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد · page 1, entry [1]

الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد — كمال الدين الأدفوي

page 1, entry [1]Open original source
الإهداء ﷽ الحمد لله محيى الرّمم البالية، وناشر ما انطوى فى الأيّام الخالية، أحمده على نعمه المترادفة المتوالية، وأشكره أن جعلنى من حملة العلم، وحملته هم أهل الرّتب العاليه، وأصلّى على نبيّه المبعوث رحمة للعالمين، وحجّة للعاملين، صلاة [متصلة] دائمة إلى يوم الدّين، وعلى آله وأصحابه الّذين نقلوا طريقته إلينا، وحفظوا شريعته علينا، فهم فى الآخرة من الفائزين. وبعد: فإنّ التاريخ فنّ يحتاج إليه، وتشدّ يد الضّنانة (¬١) عليه؛ إذ [به] يعرف الخلف أحوال السلف، ويتميّز منهم المستحقّ التّنقير (¬٢)، ممّن هو أهون (¬٣) من النّقير وأحقر من الفتيل، ومن وسم منهم بالجرح ومن رسم بالتّعديل، وما سلكوا من الطرائق، واتّصفوا به من الخلائق، وأبرزوا من الحقائق للخلائق، وهو أيضا من أقوى الأسباب، فى حفظ الأنساب أن تنساب، وقد وضع فيه السادة الفضلاء، والأئمة العلماء، كتبا تكاثر نجوم السماء، ثمّ منهم من رتّب على السنين ومنهم من رتّب على الأسماء، ليكون إسناده أسمى، ثمّ منهم من خصّ بعض البلاد، ومنهم من عمّ كلّ قطر وواد. ولمّا كان صعيد «قوص» الموضع الذى منه نشأتى، والمكان الذى إليه نسبتى، والمحلّة التى فيها عشّى الذى منه درجت، وخشّى (¬١) الذى عنه خرجت، وأرضه الأرض التى هى أوّل أرض مسّ جلدى ترابها، ولذّ لطرفى آكامها وظرابها (¬٢)، وحلا لقلبى أرجاؤها ورحابها، والتى أمطر الرزق علىّ سحابها، ووضعت عنّى بها التمائم وأقمت بها إلى أن طار من رأسى غرابها (¬٣)، وهى التى فيها أقول (¬٤) [شوقا إليها هذه الأبيات]: أحنّ إلى أرض الصّعيد وأهلها (¬٥) … ويزداد شوقى (¬٦) حين تبدو قبابها وتذكرها فى ظلمة الليل مهجتى … فتجرى دموعى إذ يزيد التهابها وما صعبت يوما علىّ ملمّة … وشاهدتها إلّا وهانت صعابها بلاد بها كان الشباب مساعدى … على نيل آمال عزيز طلابها وقضّيت صفو العيش فى عرصاتها … لذلك يحلو للفؤاد رحابها مواطن أهلى ثمّ صحبى وجيرتى … وأوّل أرض مسّ جلدى ترابها فأحببت أن أحيا ما مات من علم علمائها، وأنشر ما انطوى من فضل فضلائها، وأظهر ما خفى من نثر بلغائها، ودرس من نظم شعرائها، وأذكر ما نسى من مكارم كرمائها،/ وكرامة صلحائها؛ فالإنسان يكرم بكرامة أهله، كما يعظم بنبله وفضله. وكان شيخى الأستاذ الحجّة البارع جامع المناقب والمآثر، والمحامد والمفاخر، ذخر الأوائل وشرف الأواخر، ذو العلوم الجمّة الفائقة، والآداب المنقّحة المحقّقة الرّائقه، والفضائل التى النفوس إليها شائقة وبها واثقه، أثير الدّين أبو حيّان (¬١) محمد بن يوسف الأندلسىّ الغرناطىّ، أبقاه الله تعالى للعلوم الشرعية يبرزها ويظهرها، وللفنون الأدبيّة يناضل عنها (¬٢) بالأدلّة وينصرها، أشار علىّ أن أعمل تاريخا للصّعيد مرّة ومرّه، وراجعنى فى ذلك كرّة بعد كرّه، فرأيت امتثال إشارته علىّ متعيّنا حتما، والإعراض عن إجابته غرما لا غنما، فشرعت فى هذا التأليف مرتّبا له على الأسماء، ولم أجد من تقدّمنى فيه فأكون له تابعا، ولا من أسأله فأكون لما يورده جامعا، فأنا مبتكر (¬٣) لهذا العمل، ملجأ (¬٤) إلى الفتور والكسل، متحرّ إلى حصول الخلل، متصدّ لما أنا منه على وجل، لكنّى أبذل فيه جهدى، وأورد منه ما عندى، وأخصّ به «قوص» وما يضاف إليها من القرى والبلاد، وأقصره على أهلها ومن ولد بها، ومن أقام بها سنين حتى دفن بها ونسب (¬٥) إليها من العباد (¬٦)، أو تأهّل بها وله بها نسل، أو من له منها (¬١) أصل، ولا أذكر إلّا من له علم أو أدب (¬٢)، أو صلاح بلغت رتبته فيه غاية الرّتب، أو من سمع حديثا، فأصيّر ما قدم من ذكره حديثا، ولا أذكر الأحياء إلّا فى النّادر لغرض، أو لأمر عرض، إمّا لقلّة الأسماء فى الحرف، أو من احتوى على مكارم أو حوى كمال الظّرف، أو من له إحسان علىّ، وبرّ ساقه إلىّ؛ فشكر المحسن متعيّن، والاعتراف به من الحق البيّن، ولم أشحنه بالأسانيد فقد أنسب إلى غرص مذموم، ولا أخليه منها فأوصف بأنّى منها محروم، بل (¬٣) أكسو بعض التراجم منها ذلك الوشى المرقوم، وسمّيته (¬٤): الطّالع السّعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد وعلى الله [الاتكال و] الاعتماد، وإليه التفويض والاستناد، وبه أستعين، وأسأله (¬٥) أن يعين، وأن يمنّ بإحسانه وإفضاله، بإتمامه (¬٦) وإكماله، وابتدأت فيه باسم «إبراهيم»، فإنّه الأب الرحيم، واسم النبىّ الخليل، والرسول الجليل، وأيضا فالابتداء به جار على الترتيب الوضعىّ، والقانون المعروف المرعىّ، وأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم. ولنبتدئ (¬١) قبل الشروع فى التراجم بمقدّمة تلوح منها المعالم، تشتمل على مسافة هذا الإقليم المترجم/ أهله وذكر محاسنه، ويندرج فيها ما وجد به مما يعاب به ومضى، واضمحلّ وانقضى؛ فإنّ ذهابه أو قلّته تندرج فى المحاسن (¬٢) المعدوده، والأمور المقصودة. وأمّا مسافته فى الطّول: فمسيرة اثنى عشر يوما بسير الجمال السير المعتاد، وأمّا عرضه (¬٣): فثلاث ساعات وأكثر وأقلّ بحسب الأماكن، أعنى العامر منها، ويتصل عرضه فى الكورة (¬٤) الشرقية بالبحر الملح (¬٥) وبأراضى البجاة (¬٦) وفى الغربيّة بالواح (¬٧). وهو (¬٨) كورتان: شرقيّة وغربيّة، والنّيل فاصل بينهما. فأوّل الشرقيّة من بحرى أرض «أفيو» (¬١) وهى مرج بنى هميم (¬٢) المتّصلة أرضها بأراضى جرجا من عمل إخميم، وآخرها من قبلى «أبهر» - بضمّ الهمزة وسكون الباء الموحّدة وضمّ الهاء وبراء- وتشترك فى النسبة مع «أبهر» (¬٣)، بفتح الهمزة والهاء، وتلى هذه القرية قرية تسمّى «جنوبة» أوّل أراضى النّوبة (¬١)، ولسلطان مصر على هذه القرية مقرر (¬٢) يؤخذ منها. وتفصيل مدن هذه الكورة وقراها المعتبرة، وأوّلها «المرج»، وتليها «الخيام»، ويليها «البمبمير (¬٣)»، ويليها «القوسة» (¬٤)، ويليها «قصر بنى شادى» (¬٥)، ويليها «فاوبعس» (¬٦) - بالفاء- تشترك مع «قاو» بالقاف من بلاد إخميم، وببلاد إخميم أيضا «فاو» (¬١) بالفاء؛ ويلى «فاو»: «دشنا» (¬٢) ويليها «بيج» (¬٣) - بالموحّدة والياء آخر الحروف والجيم- وهى من أوسع الإقليم أرضا؛ يقال: إن مساحة أرضها ثمانون ألف فدان، ويليها «قنا» (¬١) - وهى بقاف مكسورة ونون مخفّفة يليها ألف- وتشترك فى النسبة مع «قنّا» (¬١) بضمّ القاف وتشديد النون- من نواحى النّهروان، وذكر بعضهم فى «قنا» من الصعيد «اقنى» (¬٢). ويلى «قنا» «أبنود» (¬٣)، ويليها «قفط» (¬٤)، وقيل: إنّها كانت مدينة الإقليم أوّلا؛ حكى بعض المؤرخين أنّ بجانب «قفط» قرية يقال لها «قوص»، وأنّها شرعت فى العمارة وشرعت «قفط» فى الخراب، تاريخه (¬١) سنة أربعمائة أو ما يقاربها (¬٢). وأخبرنى خطيبها وغيره أنه كان بها أربعون مسبكا (¬٣) للسكّر، وستّ معاصر للقصب، وبها قباب بأعالى دورها؛ قالوا: إنّ من ملك عشرة آلاف دينار يجعل له قبّة فى داره (¬٤). ولما ذكر ابن لهيعة كورة إخميم وغيرها قال: وكورة قفط ويليها قوص (¬٥)، وهى مدينة العمل الآن، قيل سمّيت باسم رجل يقال له: قوص ابن قفط (¬١) بن إخميم بن سفاف بن أشمن بن منف، وقال ابن لهيعة: أشمن بن مصر. وهى باب مكّة واليمن والنّوبة وسواكن والبالة (¬٢)، وفيها يقول الشيخ العالم نجم الدّين أحمد (¬٣) بن ناشى القوصىّ القاضى: قوص دهليز يثرب فإلى كم … وسط دهليز يثرب أتبختر (¬٤) / وفيها أيضا يقول شيخنا تاج الدّين بن الدّشناوىّ (¬٥) من قصيدة (¬٦): لهفى على قوص ولو أنّنى … أكون من حرّاس أبوابها وفيها أقول [أنا] (¬١): انزل بقوص فإنّما … هى منزل الفطن الحكيم واشرب مياها قد أتت … من طيب جنّات النّعيم رقّت وراقت فاحسها … يا صاح فى الليل البهيم وانشق شذا عرف الرّيا … ض يفوح (¬٢) مع لطف النّسيم وانظر إلى جرى الجدا … ول فى المفارط والكروم حكت الجنان بما حوت … حسنا وبالوجه الوسيم ما العيش إلّا ما مضى … لى فى رباها من قديم وواليها تكاتبه (¬٣) ستّة ملوك. وشرقىّ «قوص» العبّاسة، وشرقىّ «العبّاسة» قرية يقال لها: «مسجد النبىّ»، وتسمّى «أطسا (¬٤)». وقبلى «قوص» قرى لطيفة مضافة إليها ك «دمرش (¬٥)» و «الناعمة» و «بوقلتة (¬١)». ويليها «شنهور» (¬٢) - بالشين المعجمة المفتوحة- وتشترك مع «سنهور (¬٣)» بالسين المهملة، ويلى «شنهور» «دمامين (¬٤)»، ويليها «الأقصر (¬٥)»، ويليها «طود (¬١)»، وكانت بلدا كبيرا، وكان بها بنو شيبان ممدّحين، وممّن مدحهم الفاضل المهذّب ابن الزّبير (¬٢)، والعالم أبو الحسن علىّ بن محمد بن محمد بن النّضر (¬٣). وبعدها «منايل (¬٤)» من أراضى «أسنا» وغيرها، ولأدفو «منايل» مضافة لأسوان، ثمّ «أسوان (¬٥)» - بضمّ الهمزة- وهى ثغر من الثّغور المعروفة، وقبليّها «منايل» كثيرة، وآخرها «أبهر» الشرقية. وأوّل الكورة الغربية «برديس (¬١)» - بالباء الموحّدة [المفتوحة]- تتصل أرضها بأراضى جرجا من عمل إخميم، ويليها «البلينا (¬٢)» بضم الباء الموحّدة وسكون اللام، ثمّ ياء آخر الحروف، ثمّ نون ثمّ ألف- ويليها قرية «ابن غازى»، [وهى] من قرى «سمهود». ثمّ «سمهود (¬٣)»، وهى بسين مهملة مضمومة وميم ساكنة وهاء مضمومة ودال مهملة، ثمّ قرية «ابن يغمور»، وهى أيضا من قراها، و «سمهود» كثيرة المعاصر لقصب السكر، كان بها سبعة عشر حجرا، ويقال إنّ الفأر [لا] يأكل قصبها، وذلك مشهور بين أهلها (¬٤). ثمّ «مخانس (¬١)» وهى بميم ثمّ خاء معجمة ثمّ ألف ثمّ نون مكسورة ثمّ سين مهملة، ثمّ «فرجوط (¬٢)» - بفاء وراء وجيم مضمومة وواو وطاء مهملة- ثمّ «بهجورة (¬٣)» وهى بباء موحّدة مفتوحة وهاء وجيم مفتوحة،/ وبعضهم يضمّها، ثمّ واو ثمّ راء ثمّ هاء، وتليها «هو (¬٤)» ثمّ «القرية (¬٥)»، ثمّ «دندرا (¬٦)»، ثمّ «دير البلّاص (¬١)» ثمّ «طوخ دمنو (¬٢)»، ثمّ «نقّادة (¬٣)»، ثمّ «دنفيق» (¬٤)، ثمّ «دير قطان (¬٥)»، ثمّ «شوص الكبرى (¬٦)» ثمّ «شوص الصغرى»، ثمّ «سمنت (¬١)»، ثمّ «بشلاو (¬٢)»، ثمّ «دراو (¬٣)»، ثمّ «قمولا (¬٤)»، ثمّ «شطفنبة (¬١)» - بالشين المعجمة والطاء المهملة والساكنة والفاء والنون والباء الموحّدة- وبعضهم يقول: «شدونبة»، ثمّ «أرمنت (¬٢)»، ثمّ «الدّمقراط (¬٣)»، ثمّ «ببوية (¬١)» وهى بباءين موحدتين وواو وياء آخر الحروف، ثمّ «طفيس (¬٢)»، ثمّ «أسفون (¬٣)» - بسين مهملة بعد همزة مضمومة- ثمّ «أسنا (¬٤)»، ولها «منايل» كثيرة من البرّ الغربىّ والبرّ الشرقىّ، وهى بهمزة مفتوحة وبسين مهملة، وتستفاد (¬٥) مع «إستا (¬٦)» - بالتاء المنقوطة بنقطتين من فوق- من قرى سمرقند. ثمّ «أدفو (¬١)» بدال مهملة، وبعض المتكلمين على البلاد يجعلها بالتاء المنقوطة بنقطتين من فوق (¬٢)، وبعضهم يجعلها بالذّال المعجمة، وسنبيّن فساده فى ترجمة أبى بكر محمد الأدفوىّ- ولها قرى كثيرة من البرّ الغربىّ والبرّ الشرقىّ، وأرض متسعة وجزائر، ومسافتها [فى الطّول] يوم وربع يوم، ثمّ يليها «بمبان (¬٣)» بباء موحدة وميم وباء موحّدة وألف ونون- ثمّ أراضى أسوان المتصلة بالنّوبة، وآخرها من قبلىّ «أبهر» الغربية. وأمّا محاسن هذا الإقليم فإنّ ماءه أحسن المياه وأحلاها وأشدّها بياضا؛ قال ابن حوقل فى كتابه المسمّى ب «الممالك والمسالك (¬٤)»: «إنّ ماء مصر أشدّ عذوبة وحلاوة وبياضا من سائر أنهار الإسلام (¬١)»، فإذا كان كما قال فماء إقليم قوص أجمع لهذه الصفات؛ سألت الحكيم الفاضل السّديد الدّمياطىّ عن ماء قوص كم بينه وبين ماء مصر فى التفاوت؟ فقال: «انتهيت فى السفر فى الوجه القبلىّ إلى «هو»، وبين مائها وماء مصر كماء بسكّر وماء صرف»، فإذا تأملت ماء أسوان كان بينه وبين ماء «هو» فرق ظاهر، وفيه من الحسن شدة برده فى الصيف بحيث يصير كأنّه ماء فيه ثلج، وفيه يوجد «السقنقور (¬٢)» الحيوانىّ. ولا يوجد بغير النيل، ويختصّ بالصعيد، كذا ذكره ابن حوقل (¬٣). ومن محاسنه كثرة نخيله وأشجاره على شاطئ النيل من الجانبين الشرقىّ والغربىّ، يشقّ بينهما مسافة سبعة أيام، لا يخلو منها إلّا القليل، والذى أظنّه أنّ مساحة الأراضى التى فيها النخيل والبساتين تقارب عشرين ألف فدان، وقد ذكروا أنّ «أسنا» فى سنة حصل منها أربعون ألف أردب تمر، واثنا عشر ألف أردب زبيب (¬١)،/ وأسوان أكثر نخيلا من جميع الإقليم، وأدركناها وقد تحصّل منها فى سنة ثلاثون (¬٢) ألف أردب من التمر فيما بلغنا، وأخبرت أنّ نخلة بالقوسة من عمل المرج وأخرى بقمولا، حصل من كلّ منهما اثنا عشر أردبا من التمر. وفاكهة هذا الإقليم شديدة الحلاوة حسنة المنظر؛ رأيت قطف عنب جاءت زنته ثمانية أرطال باللّيثى، ووزنت حبّة عنب جاءت زنتها عشرة دراهم، وذلك بأدفو (¬٣) بلدنا. وأخبرنى [الإمام] العدل كمال الدّين، ابن شيخنا تاج الدّين الدّشناوىّ (¬٤)، أنّ أمين الدّين عبد العزيز بن عمر بن أحمد بن ناشى أخبره أنّ حبّة عنب وزنت فجاءت زنتها أحد عشر درهما. وأخبرنى الخطيب العدل محيى الدّين (¬٥) أبو بكر خطيب أدفو أنّ جمّارة (¬٦) طرحت ثلاثة شماريخ، فى كلّ شمروخ ثمرة واحدة، وأنّه قلع الجمّارة بأصلها، ووزنها فجاءت خمسة وعشرين درهما، كلّها بجريدها وخشبها وذلك بأدفو. ورياحينه عطرة الرائحة؛ حكى لى الشيخ العالم فتح الدّين [محمد] بن سيّد الناس قال: قال لى الشيخ تقىّ الدّين (¬١) القشيرىّ: تروح إلى قوص تدرس بدار الحديث بها؟ فذكرت له بعدها وحرارتها، فقال: أين أنت من طيب فاكهتها، وعطريّة رياحينها؟ ورطبها من أحسن الرّطب، صادق الحلاوة، كثير السّقر (¬٢)، وفيه شئ تسلّ النواة منه وهو على عرجونه قبل أن يقطف، وفيه رطب لا يمكن تأخيره بعد أن يجنى غير لحظة، لنعومته وكثرة سقره، وقد قال ﷺ: «رطب طيّب وماء بارد، إنّ هذا من النعيم (¬٣)». وذكر ابن زولاق أنّه ليس نوع من أنواع التّمر بالعراق إلّا وفى صعيد قوص مثله، وفيه ما ليس فى العراق. وأنه لا يوجد تمر يصير تمرا قبل أن يكون رطبا إلّا بالصعيد (¬٤). وفيه رطب أخضر (¬١) عجيب المنظر، حسن المخبر، [وكذلك البطيخ كثير الحلاوة]، والبطيخ الأخضر منه كبير الحبّة؛ بحيث ما يكاد يستقلّ بحمل الحبّة الواحدة إلّا الرجل الشديد القوّة. ومن محاسنه طيب (¬٢) لحم الحيوان به ولذّته، فإنّ الغالب على غنمه السواد، وهى عند الأطباء أشدّ حرارة وأحلى طعما، مضاف إلى ذلك طيب المرعى، وحسن غلاله أيضا (¬٣) وكثرتها، نقل لى أنّه تحصّل من بلاد المرج ما يزيد على مائة ألف أردب، ومن «هو» ما يقارب ذلك … ! ومن محاسنه أيضا طيب أرضه، حتى إنّ الفدان يحصل منه ثلاثون أردبا من البرّ، ومن الشعير أربعون، ومن الذّرة أربعة وعشرون وما يقارب ذلك. ومن محاسنه أيضا الجليلة كثرة الأمن، لا سيّما فى الوجه القبلىّ منه، يسير/ الإنسان فيه ليلا ومعه ما شاء فلا يجد من يعترضه، ولقد ركبت مرّة وأمسى اللّيل علىّ وأنا وحدى، فربطت (¬٤) الدّابّة فى حجر ونمت. والشتاء به طيّب مخصب، كثير الألبان والبقولات، كثير الدّفأ (¬٥)، طيّب الإقامة جدّا، يطلع بأراضية نبت يسمّى «البقوق (¬١)» حسن المنظر، و «الكبيكج» (¬٢)، أيضا نبت، ونبت يسمّى الشلطام (¬٣). وذكر أبو إسحاق البيهقىّ أنّ المستولى على إقليمه المشترى، قال: والغالب على إقليمه العلم والفهم والدّين والرّئاسة، وحبّ العمارة، وجمع المال، والسماح والبهاء والزّينة. انتهى. وقد خرج من أسوان خلائق كثيرة لا يحصون من أهل العلم والرّواية والأدب، وسنورد منهم جمعا كثيرا (¬٤)، قيل لى إنّه حضر مرّة قاضى قوص فخرج من أسوان أربعمائة راكب بغلة للقائه (¬٥)، وكان بها (¬٦) ثمانون رسولا من رسل الشرع، وأخبرنى (¬٧) من وقف على مكتوب فيه أربعون شريفا خاصّة، وأنّ مكتوبا آخر فيه سبعون شريفا دون غيرهم، ووقفت أنا على مكتوب فيه قريب من أربعين، وفيه جمع كبير من بيت واحد، مؤرخ بما بعد العشرين وستمائة (¬١). وكان بها بنو الكنز (¬٢)، أمراء أصائل من ربيعة، أهل فتوّة ومكارم، ممدوحون مقصودون من البلاد الشاسعة والأماكن المتباعدة، صنع لهم الفاضل السّديد أبو الحسن علىّ (¬٣) بن عرّام سيرة، وذكر مناقبهم وحالهم، وجمع أسماء من مدحهم [من أهل الثّغر] ومن ورد (¬٤) عليهم، وأدركنا منهم فخر الدّين مالكا، وابن أخيه نجم الدّين عمر، كانا مشهورين بالمكارم والإحسان. واتفق أنّ الأمير [حسام الدّين] طرنطاى (¬٥)، نائب السلطنة [المعظّمة] إذ ذاك، طلب نجم الدّين ليصادره (¬٦)، فقال له: والله ما أعطيك حبّة، وحبسه بالقلعة مدّة، فرتّب لكلّ محبوس رغيفين وزبديّة فى كلّ يوم، ولم يجد بالمكان سقاية، فجعل به سقاية نقرا فى الحجر، ولمّا كان زمن الغلاء فى سنة أربع وتسعين وستمائة (¬١)، قام بفقراء أسوان وأعطى الغلال حتّى نفدت، ثمّ الثّمار حتى فرغت، ثمّ ذبح النّعم حتّى خرج الغلاء، وله ولأولاده بأسوان آثار جميله، وأوقاف على وجوه البرّ [جزيله]. أخبرنى الشيخ الخطيب ضياء الدّين منتصر (¬٢) بن الحسن الأدفوىّ- ممّا يرويه- أنّه لمّا أرسل السلطان جيشا إلى كنز (¬٣) الدّولة وأصحابه ونزحوا عن البلاد، دخلوا بيوتهم فوجدوا بها قصائد فى مدحهم، منها قصيدة أبى محمد الحسن (¬٤) بن الزّبير، التى منها فى المدح قوله: وينجده إن خانه الدّهر أو سطا … أناس إذا ما أنجد الذلّ أتهموا / أجاروا فما تحت الكواكب خائف … وجادوا (¬٥) فما فوق البسيطة معدم فقال: وما عند هذا البدوىّ يجازى به على هذه القصيدة؟ فوجد فيها أنّه أجازه [عليها] بألف دينار، وأخبرت بأسوان أنّه أوقف عليه ساقية تساوى ألف دينار، وأنّها وقف عليهم إلى الآن. ولما قيل لداود ملك النّوبة إنّه يحضر إلى أسوان يتملّكها فما قدّامه من يردّه، حضر وحاصرها، فخرج له نجم الدّين عمر المذكور وحده بغير سلاح، سوى دبّوس فى يده، وما زال يضرب به حتى قارب الملك [وكثروا عليه]، فردّ ودخل البلد، فغلب داود ورجع خائبا. وكان بها القضاة: المفضّل وبنوه، أهل علم وكرم، ورياسة وحشم، ولهم فى المناصب الدّينية رسوخ قدم؛ حكى لى الخطيب منتصر المذكور أنّه وصل فى وقت «مباشر» إلى أسوان، وأنّه لما كان فى زمن الرّطب (¬١)، بلغ القاضى المفضّل (¬٢) أنّ غلام «المباشر» طلب من السوق رطبا يشتريه، فأرسل إليه وقال: من حين وصل مولانا، قلت للوكيل بالبقعة الفلانية أن يحمل بسرها وتمرها وعجوتها إلى سيّدنا، فسيّدنا يرسل يأخذ ذلك. وأخبرنى أيضا أنّه لمّا كتب تقليده بالحكم وأرسل صحبة (¬٣) شخص، أعطى ذلك الشخص (¬٤) جملة، وأوسق له «قيّاسة» هديّة، وكان ابنه شمس الدّين (¬٥) عمر مشهورا بالفضائل، معروفا بالمعروف والمكارم. ونخيلها تشقّ المركب فيها (¬٦) مسيرة يومين، وبأسوان حجارة صوّان، ذكر ابن سعيد أنّ عمود السّوارى الذى بالإسكندرية منها، وبها حجارة سود تشبه القار، يحسبها الإنسان جبال قار، وبها جبل يسمّى جبل القند، يحسبه الرائى قندا (¬٧)، وهى كثيرة السمك، والجنادل التى بها نزهة من نزه الدّنيا، بهجة المناظر، كأنّها مقطّعات نيل (¬١). وهى معتدلة الهواء، قليلة الوباء، وبها جبل الطّفل، يعمل منه الفخّار، وكيزان الفقّاع (¬٢)، لا يوازيه شئ من نوعه. ومقابل البلد جزيرة، وبها نخيل ورياحين تهبّ رائحتها على البلد، وبها حجر يسمّى البهلول، إذا عمّه الماء انحدر المفرد، الذى هو علامة على وفاء النيل. وهى كثيرة المزارات والنّزه، دائرة على البحر، وفيها أقول: أسوان فى الأرض نصف دائرة … الخير (¬٣) فيها والشرّ قد جمعا تصلح للنّاسك التقىّ إذا … أقام والفاتك الخليع معا (¬٤) هذا بباناتها ينال هوى … وذا ثوابا إذا سعى ودعا / فى جبل الفتح منعة (¬٥) وعلا … لمن بأعلاه فى الدّجى خضعا ونزّه (¬٦) الطّرف فى جنادلها … ففيه سرّ لمن رأى ووعى هديرها يذهب السّقام وما … بها من الماء يرفع الوجعا وحسنها لا أراك مبدعه … يروّق الأبدان حيث ما لمعا (¬٧) والغالب على أهلها سمرة الألوان، وذكر ابن سعيد الأديب المؤرخ فى كتاب «الأقحوان» أنّ أهلها يوصفون بالمحكّ فى المعاملة، وشدّة المخاصمة؛ فإنّ كثيرا ما يدخل الدخيل على ملوك مصر منها، وذكر ذلك ابن حوقل. وفيها يقول دعبل [بن علىّ] الخزاعىّ، وكان أقام بها واليا كما نقل أهل التاريخ (¬١): وإنّ امرءا أمست مساقط رأسه (¬٢) … بأسوان لم يترك له الحزم معلما حللت محلا يقصر الطرف دونه … ويعجز عنه الطّيف أن يتجسما (¬٣) ذكرهما أبو هلال العسكرىّ فى «كتاب الصناعتين (¬٤)». ولهم لغة يجعلون الطاء تاء؛ فيقولون: التّريق والتّاق والتّبق، ويبدلون الفاء بالباء والباء بالفاء (¬٥)، فيقولون: خذ لي فى هذا، يعنون: بهذا [وضربته فى هذا، أى بهذا]. ولمّا كانت البلاد للعبيديين (¬٦) غلب على أهلها التشيّع، وكان بها قديما أيضا، وقد قلّ ذلك واضمحلّ، ولله الحمد والمنّة. وكان بأدفو جمع كبير من أهل المكارم والرّئاسة؛ حتّى أخبرنى الخطيب منتصر (¬١) أنّه لمّا طلع ابن بشكور إلى البلاد، خرج [لمقابلته] منها خلائق ممّن له عدالة ورياسة، فتعجب من ذلك وقال: ما ظننت أن يكون فى هذه البلدة مثل هؤلاء. وأهلها معروفون بالعفّة (¬٢)، موصوفون بالصدق والتحرّز فى الأقوال، مشهورون بإكرام الوارد، وإغاثة الملهوف، وإسداء المعروف، ولمّا كان بها «مباشر» يقال له الصّفىّ، أجحف بأهلها مدّة، فطلع له شقفة فى ظهره، فكانت سبب وفاته، فأنشدنى الأديب الفاضل علاء الدّين علىّ بن أحمد بن الحسين الأسفونىّ (¬٣) لنفسه هذين البيتين وهما: أهل أدفو عن يقين … أهل معروف وعفه الصّفىّ جار عليهم … راح مرجوما بشقفه وفيها أقول أنا (¬١): لله أيام بأدفو قد مضت … بين الرّياض أجيل فيها النّاظرا أنّى اتّجهت رأيت ماء جاريا … أجلو الهموم به وزهرا ناضرا/ وأشمّ من ريحانها وزهورها (¬٢) … مسكا يفوح لنا ونشرا عاطرا (¬٣) وبمائها وثمارها ولحومها … مثل غدا بين البريّة سائرا لا أقفرت تلك الربوع ولا عفا … مغنى بها بالجود أصبح عامرا وكان بها بنو نوفل: أهل مكارم ورياسه، وجلالة ونفاسه، ومناصب حكميّه، وصفات مرضيّه، ولولا أنّهم أهلى لشرحت فضلهم، وذكرت نبلهم. وبها نخيل كثيرة، وأشجار غزيرة، ولحم غنمها أطيب لحوم الإقليم، وبها براب (¬٤) فى غاية [العجب و] الارتفاع، بها صور مختلفة، وأشكال متنوّعة، وكتابة بالقلم البربائيّ، ولمّا كان بعد سنة سبعمائة، حفر صنّاع الطّوب آبارا لأجل ذلك، فظهرت صورة شخص من حجر، شكل امرأة متربّعة على كرسىّ، وعليها مثال شبكة، وفى ظهرها لوح مكتوب بالقلم البربائيّ (¬١)، رأيتها على هذه الحالة. وكان التشيّع بها فاشيا، وأهلها طائفتان: الإسماعيلية (¬٢) والإماميّة، ثمّ ضعف حتى لا يكاد ينبز به (¬٣) إلّا أشخاص قليلة جدا، وأرضها واسعة الطّول، مسيرتها بسير الجمال يوم كامل وبعض آخر، من كلّ جانب، وبها جزائر كثيرة، بها نخيل وأشجار وغير ذلك. وأسنا بلدة كبيرة [حسنة العمارة، مرتفعة الأبنية] مشتملة على ما يقارب ثلاثة عشر ألف منزل، ومدرستين وحمّامين وأسواق، وكان بها بيوت معروفة بالأصالة والرّئاسة والفضائل؛ حتى قيل إنّه كان بها فى وقت واحد سبعون شاعرا، وخرج منها جمع كبير من أهل العلم والأدب، وكان بها سراج الدّين جعفر بن حسّان الأسنائىّ رئيس الذات، حسن الصفات، كريم الأخلاق، طيّب الأعراق، ممدّحا (¬٤) مقصودا من الآفاق، صنع له مجد الملك [جعفر] بن شمس الخلافة سيرة، وجمع فيها أسماء من مدحه من أهل بلده ومن ورد عليها، وفيها وفيه يقول بعضهم (¬٥) من قصيدة منها: فأسنا غدت تحكى العراق وقد غدا … أبو الفضل ذو الرأى الرّشيد رشيدا (¬٦) وكان بها بنو السّديد: بيت رياسة ووجاهة، واشتغال بالعلم، وتولّى المناصب الدّينية، وبنو الخطيب: بيت رياسة ووجاهة واشتغال بالعلم، وشهرة بالدّيانة، وبنو أشواق: بيت فضيلة وأدب، ومكارم ورتب، وبنو النّضر: رؤساء أعيان، وهم الذين بنوا جامع الخطبة بها بعد العشرين وأربعمائة، وبنى الزيادة التى فيه علىّ ابن محمد/- منهم- فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وكان إذ ذاك ناظر الأحباس بقوص (¬١)، والأنجب أبو الفرج منهم، كان مضاهى (¬٢) ابن حسّان فى الرّئاسة والوجاهة. غير أنّ الشرّ يغلب [الخير] فيها، والتسامح فى الشهادة ينسب إليها، وهى ضدّ المدينة [المنوّرة] النبويّة؛ فإنّ تلك تنفى خبثها، وهذه يخرج عنها خيارها، قلّ ما يظهر بها عالم أو صالح إلّا انتقل عنها وسكن غيرها (¬٣)، وفيها يقول الشمس الرّومىّ: ستخرب أرض أسنا عن قريب … وتزعق فى أزقّتها الذئاب ففى شرقيّها بوم كبير … وفى غربيّها سكن (¬٤) الغراب يشير إلى رئيسين بهما (¬٥) سمر الألوان. وكان التشيّع بها فاشيا، والرّفض (¬٦) [بها] ماشيا، فجفّ (¬٧) حتى خفّ، ونزل بها الشيخ بهاء الدّين (¬١) هبة الله القفطىّ، فزال بسببه كثير من ذلك، وهدى الله على يديه خلقا كثيرا، وظهر منها سادات (¬٢) وأنجاب، أولو علوم وديانة وآداب. وأسفون أيضا بلدة معروفة بالتشيّع الشّنع، (¬٣) لكنّه جفّ (¬٤) بها وقلّ، وخرج منها أهل علم وعمل وأدب كشيخنا الشيخ نجم الدّين عبد الرحمن بن يوسف، فإنّه قليل النظير، عديم المكافئ فى هذا الزمان الأخير، وخرج منها وزراء (¬٥). وكان بقمولا الحسام (¬٦) بن الجلال، مرصدا للضيافات؛ حتّى إنّ الإنسان متى حضر ليلا أو نهارا، وجد الطعام مهيّئا، أخبرنى بذلك غير واحد. وبالأقصر الفخّار الأقصرىّ، ليس فى ديار مصر مثله، وعنبها فى غاية الحسن والكبر. وفى أوّل الإقليم البلينا، كان بها عدّة مساكب (¬٧) للسكّر، [وأهلها] أهل مكارم، حكى لى الشيخ نجم (¬٨) الدّين القمولىّ أنّه وقع بين أهل البلاد وبين والى قوص [خلاف]، فتوجّهوا إلى القاهرة وصرفوه، وولّوا (¬٩) غيره، وطلع الخطيب بالبلينا صحبته، وكان إقطاعه «تزمنت (¬١)» من عمل البهنسا (¬٢)، فلما وصل إليها أضافه أهلها بستين منسفا من طعام اللّبن، فقال للخطيب: فى بلادكم مثل هذا؟ فقال الخطيب: [و] (¬٣) حلوى، ثمّ لمّا وصل إخميم (¬٤) استأذنه الخطيب أن يتقدّم إلى بلده، فتقدّم وحكى لأخيه ما اتّفق، فلمّا وصل الوالى أخرجوا له ستين منسفا حلوى ومثلها شواء … ! وابن ابن هذا الخطيب بها الآن، ينعت بالعماد، مركز لبذل الجدا، معروف بالمعروف وبذل النّدى. وأرمنت بلد كبير، خرج منها أفاضل وعلماء، وأكابر ورؤساء، وأدباء وشعراء، وقد نقل عن بعض (¬١) المفسّرين أنّه لمّا أرسل فرعون يطلب السّحرة، خرج منها ثمانون ساحرا (¬٢)، وكانت علومهم فى ذلك/ الزّمن السحر والحكمة المسمّاة بالفلسفة، وأشباه ذلك. وحكى القاضى سراج الدّين يونس (¬٣) بن عبد المجيد قاضى قوص، أنّ بعض الحكام بها فى عيد من الأعياد، امتدحه منها خمسة وعشرون شاعرا، وفيها من لا يرضى بمدح القاضى، وفيها من تقصر رتبته عن ذلك، وكان- أيضا- التشيّع بها كثيرا، فقلّ أو فقد، وكان بها بنو (¬٤) يحيى: أصحاب جاه ووجاهة، ورياسة ومكارم ومناصب. وقفط كانت مدينة الإقليم، وخرج منها علماء (¬٥) [ورؤساء]، ووزراء وأدباء وتجّار. وقنا بلدة كبيرة، وخرج منها علماء ورؤساء، وأهل مكارم وأرباب مقامات، وأحوال ومكاشفات، وجبّانتها عليها [بهجة و] وضاءة، تقصدها الزوّار من كلّ الأقطار، استفاض أنّه رؤى النبىّ ﷺ [بها] وقال: إنّها تقدّست بابنى عبد الرّحيم (¬١). وبها مدرستان وحمّامان، وأبنية مرتفعة البناء، واسعة الفناء، وبها ربط (¬٢)، منها رباط الشيخ أبى الحسن (¬٣) [بن الصبّاغ ورباط الشيخ الحسن]، ورباط الشيخ أبى يحيى بن شافع (¬٤)، ورباط الشيخ إبراهيم (¬٥) بن أبى الدّنيا وغير ذلك، وكان بها أولاد ابن أبى المنا: أهل صدقات وعطايا، وفيهم أهل علم وأدب. وهى عشّ الصالحين، ومأوى العارفين، وكان بها الشيخ ضياء الدّين أبو العباس أحمد (¬١) بن محمد القرطبىّ، عالما كريما، جوادا أديبا، كاملا رئيسا، يكاتب الأمراء والوزراء والقضاة، معظّما مكرّما، ولكلّ بلد محاسن وخصوصية. وبهذا الإقليم معدن البرام (¬٢)، بالقرب من قنا، وبالقرب من قوص- فى البرّية قريب من معدن الزّمرّد- حجر «البادزهر (¬٣)»، ومعدن النّفط بأرض الحصن من أرض أدفو، وموضع النّطرون، ومعدن الزّمرّد (¬١)؛ قال ابن حوقل: «إنّه لا يوجد بغيرها (¬٢)»، وفيها أيضا معدن الرّخام. ومن محاسنها قلّة البرغوث فى شتائها، وقلة الهوام المؤذية فى الصّيف (¬٣)، ولا يكاد يوجد بها أجذم ولا أبرص إلّا نادرا فى حكم العدم، ولا من به شئ من الأمراض التى تعاف، ولا مجسّما ولا معتزليا، ولا فيلسوفا (¬٤) الآن، ولا مجوسيا ولا وثنيا، وليس بالإقليم كلّه من اليهود إلّا نحو العشرة أنفس أو أقلّ. وبقوص ستة عشر مكانا للتّدريس، وبأسوان ثلاثة مواضع، وبأسنا مدرستان، وبالأقصر مدرسة، [وبأرمنت مدرسة]، وبقنا مدرستان، وبهوّ مدرسة، وبقمولا مدرسة، الجملة ثمانية (¬١) وعشرون موضعا، ولا يوجد ذلك بالوجه القبلىّ ولا البحريّ من ديار مصر فى غير هذا الإقليم. وفيه من المحاسن ما [لا] ينطق اللسان بشكره، والبنان بذكره، عرف معروفه أعبق من عرف الرّياض، ووصف/ محاسنه أعلق بالقلوب من الحدق النّجل والجفون المراض، وفيها أقول: بلاد بها أهل المكارم والنّهى … وللعلم فيها طارف وتليد صعيد علا فوق الأقاليم قدره … به العيش حلو والمقام حميد به (¬٢) من لآداب وعلم وسؤدد … معيد ومن للمكرمات مفيد يضوع به المعروف حيث يضيعه … زمان فيلقى الجود وهو جديد والمسئول من الله تعالى أن يبقيه عامرا على طول المدى، وأن يحميه من الضّرر ويقيه الرّدى. وهذا حين ابتدائى (¬٣) فى الكلام، وعلى الله التّمام.
Parsing and provenance details
Local passage ID
869074
Book record
shamela-1045
Source record
962289
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain